علماء يستخدمون «تشات جي بي تي» لتطوير علاجات الحمض النووي الريبي

الطب يدخل عصر التنبؤ الجزيئي

مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)
مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)
TT

علماء يستخدمون «تشات جي بي تي» لتطوير علاجات الحمض النووي الريبي

مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)
مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)

يبرز تقاطع العلاجات القائمة على الحمض النووي الريبي (mRNA) مع الذكاء الاصطناعي كإحدى أكثر الجبهات الواعدة في الطب الحديث. فقد تمكن باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) من ابتكار نموذج يعتمد على التعلم الآلي لتسريع تصميم الجسيمات النانوية الدهنية (LNPs) التي تُستخدم لنقل العلاجات القائمة على الـ«RNA» داخل الجسم. قد يُحدث ذلك تحولاً جذرياً في سرعة وصول العلاجات إلى المرضى.

أسلوب جديد لهندسة النقل الحيوي

جوهر التحدي في هذا المجال يتمثل في إيجاد وسيلة نقل آمنة وفعالة لجزيئات الـ«RNA» الحساسة، إذ تتطلب تغليفاً ذكياً يحميها من التحلل ويساعدها على الوصول إلى الخلايا المستهدفة. تعتمد معظم اللقاحات الحديثة على جسيمات نانوية دهنية تعمل كدرع واقٍ للـ«RNA» وتنقله إلى داخل الخلية. لكنّ تصميم هذا النوع من الجسيمات عملية معقدة، إذ يتكون كل منها من خليط دقيق من المكونات الكيميائية التي تؤثر في كفاءتها.

وللتغلب على هذه الصعوبة، أنشأ فريق «MIT» مكتبة ضخمة تضم آلاف التركيبات المحتملة للجسيمات، ثم درّب شبكة عصبية تعتمد على نموذج المحولات (Transformer).

وهو النموذج ذاته الذي يُستخدم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي للغات للتنبؤ بأفضل التركيبات وأكثرها فاعلية في توصيل الـ«RNA». ويقول أحد الباحثين إنه تم استخدام أدوات التعلم الآلي لتسريع عملية تحديد مكونات الجسيمات النانوية المثالية بمعدل أسرع بكثير مما كان ممكناً في السابق.

وقد كانت النتيجة مبهرة، إذ تنبأ النموذج بتركيبات جديدة تفوقت على النماذج التقليدية، بل وتمكن من تحديد صيغ مناسبة لأنواع مختلفة من الخلايا، وقدرة على تصميم جسيمات قادرة على مقاومة ظروف قاسية مثل التجميد والتجفيف.

يسهم هذا التقدّم في تقليص المدة بين التجارب المخبرية والتطبيق السريري من سنوات إلى أشهر ما يسرّع تطوير لقاحات وعلاجات جديدة.

أهمية الاكتشاف

يمكن لتسريع عملية تصميم أنظمة النقل الحيوي أن يقلّص الوقت بين التجارب المخبرية والتطبيق السريري من سنوات إلى أشهر. فبدلاً من اختبار كل تركيبة على حدة، يمكن للنماذج الحسابية أن تتنبأ بالأنسب وتُوجّه الباحثين مباشرةً إلى الحلول الواعدة. ويشير الفريق إلى أن هذا التقدم يمهد الطريق لعلاجات RNA لأمراض مزمنة مثل السكري والسمنة وبعض أنواع السرطان.

لكن الفائدة لا تكمن في السرعة فقط، بل في الدقة والكفاءة. إذ إن تحسين إيصال الجزيئات إلى المكان الصحيح في الجسم قد يُقلّل الجرعات المطلوبة ويخفض التكلفة، مما يجعل هذه العلاجات أكثر إتاحة في البيئات محدودة الموارد.

أدوات جديدة لأسئلة جديدة

لم يكتفِ فريق MIT بالمحاكاة التقليدية، بل استخدم النموذج لتصميم جسيمات تحتوي على مواد مضافة بوليمرية (مثل PBAEs المتفرعة)، وصيغ تعمل مع أنواع مختلفة من الخلايا، وحتى جسيمات تتحمل التجفيف بالتجميد. يعد أحد الباحثين أن معظم نماذج الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية تركز على تحسين مركب واحد فقط، لكن هذا لا يناسب الجسيمات النانوية. لذلك طورنا نموذجاً جديداً أسميناه «كوميت» (COMET)، مستوحى من نفس بنية المحولات التي تعتمد عليها النماذج اللغوية الكبرى مثل ChatGPT.

ميزة «COMET» أنه تعامل مع مشكلة التركيب الكيميائي كما يتعامل نموذج لغوي مع الجمل إذ تُشبه الجزيئات الكلمات، بينما تمثل التركيبات الجُمل. هذه المقاربة أحدثت نقلة نوعية في طريقة التفكير العلمي.

يعتمد النموذج الجديد على بنية «المحوّل» المستخدمة في النماذج اللغوية مثل «ChatGPT» لتوقّع أفضل التركيبات الكيميائية للجسيمات (شانرستوك)

من المختبر إلى التطبيق

لا يتوقف المشروع عند حدود البحث الأكاديمي، بل يتجه نحو التطبيق العملي. فقد أطلق الفريق برنامجاً يمتد لعدة سنوات بتمويل من وكالة المشروعات المتقدمة للصحة (ARPA-H) لتطوير أنظمة توصيل «RNA» قابلة للابتلاع بدلاً من الحقن. كما يعمل الباحثون على توسيع استخدام الجسيمات المصممة بالذكاء الاصطناعي لتشمل أمراضاً جديدة. الرؤية المستقبلية واضحة، وهي أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي، والتقنيات النانوية، وعلم الأحياء الجزيئي لبناء منصة علاجية مرنة وسريعة الاستجابة لمختلف الحالات المرضية.

انعكاسات أوسع

يقف هذا البحث عند تقاطع ثلاث ثورات علمية كبرى، العلاجات القائمة على «RNA» التي تحولت من فكرة تجريبية إلى واقع بعد نجاح لقاحات «كوفيد-19». أيضاً الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوية، حيث أصبحت البيانات والتنبؤات تسرّع الاكتشاف بشكل غير مسبوق وتصميم الجسيمات النانوية، الذي يتيح تحكماً أدق في توصيل الدواء إلى الخلايا.

بدمج هذه الاتجاهات، يُظهر عمل «MIT» أن ما كان يستغرق سنوات يمكن إنجازه خلال أشهر، وبكلفة أقل وقدرة أكبر على التوسع الصناعي.

نحو طب أدق وأسرع

رغم هذا التقدم، تبقى تحديات عديدة، من الإنتاج الواسع إلى موافقات الجهات التنظيمية وضمان عدالة الوصول إلى العلاج عالمياً. لكن الاتجاه واضح، وهو أن تصميم العلاجات أصبح أكثر مرونة، وأكثر سرعة، وأكثر دقة. يلخّص قائد البحث قائلاً: «لقد أصبح لدينا أداة تُمكّننا من طرح أسئلة جديدة كلياً... وتسريع التطوير بشكل غير مسبوق».

ومع انتقال الجسيمات النانوية المصممة بالذكاء الاصطناعي من المختبر إلى الواقع، يخطو الطب الدقيق خطوة إضافية نحو المستقبل ليس فقط فيما نعالجه، بل في مدى سرعة ودقة استجابتنا.


مقالات ذات صلة

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

علوم القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

الذكاء الاصطناعي أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
صحتك عادة ما يستغرق تشخيص التوحد مدداً زمنية طويلة (معهد كيندي كريجر)

دراسة: التوحد ربما يكون شائعا بنفس القدر بين الذكور والإناث

أظهرت دراسة نشرت أمس الأربعاء أن التوحد ربما يكون شائعا بالقدر نفسه بين الإناث والذكور، وهو ما يعارض تقديرات سائدة بشأن مدى انتشار هذا الاضطراب.

علوم حين تختار الخوارزمية الصمت

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

ليس كل تنبؤ… يستحق أن يتحول إنذاراً

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

أدوات تفهم الملايين… وتتعثّر أمام شخص واحد

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
TT

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

مع كل تحديث جديد لنظام «iOS»، تتجه الأنظار عادةً إلى الميزة الأبرز التي قد تعيد تعريف تجربة الاستخدام. لكن التحديث جاء برسالة مختلفة عبارة عن تحسينات واسعة في النظام، مقابل غياب الميزة الأكثر ترقباً... «سيري».

أطلقت «أبل» تحديث «iOS 26.4» مع مجموعة من التعديلات التي تركز على تحسين التجربة اليومية، دون تغييرات جذرية في الواجهة أو إطلاق تقنيات جديدة بالكامل. وبينما أضاف التحديث وظائف متعددة عبر التطبيقات، بقيت «سيري» دون التحديث المنتظر، في إشارة إلى أن التحول الأكبر لا يزال قيد التطوير.

تحسينات عملية

يركز التحديث الجديد على جعل استخدام الهاتف أكثر سلاسة، بدلاً من تقديم قفزات تقنية كبيرة. ويظهر ذلك بوضوح في التعديلات التي طالت تطبيقات أساسية مثل «أبل ميوزيك» (Apple Music) و«بودكاستس» (Podcasts).

ومن أبرز الإضافات ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء قوائم تشغيل موسيقية بناءً على وصف المستخدم. فبدلاً من اختيار الأغاني يدوياً، يمكن للمستخدم كتابة وصف بسيط مثل مزاج أو نشاط ليقوم النظام ببناء قائمة تشغيل تلقائياً.

كما أضافت الشركة ميزة تساعد على اكتشاف الحفلات الموسيقية القريبة، اعتماداً على تفضيلات الاستماع، إلى جانب تحسينات بصرية مثل عرض الأغلفة الموسيقية بشكل كامل داخل التطبيق. وفي جانب آخر، أصبح بالإمكان التعرف على الموسيقى حتى دون اتصال بالإنترنت، مع عرض النتائج لاحقاً عند عودة الاتصال، وهو ما يعكس توجهاً نحو جعل الوظائف الأساسية أكثر استقلالية.

أضافت «أبل» ميزات تعتمد على الذكاء الاصطناعي مثل إنشاء قوائم تشغيل موسيقية تلقائياً (شاترستوك)

تجربة محتوى أكثر تكاملاً

التحديث لم يقتصر على الموسيقى. فقد حصل تطبيق «Podcasts» على دعم أفضل للفيديو، مع إمكانية التبديل السلس بين المشاهدة والاستماع، وفقاً لجودة الاتصال بالإنترنت. كما شملت التغييرات أدوات إنشاء المحتوى، حيث حصل تطبيق «فري فورم» (Freeform) على ميزات إضافية، مثل مكتبة عناصر بصرية جاهزة يمكن استخدامها داخل المشاريع، ما يعزز من دوره كأداة إنتاج وليس مجرد مساحة ملاحظات.

في الوقت نفسه، ركزت «أبل» على تحسينات صغيرة لكنها مؤثرة، مثل دقة لوحة المفاتيح عند الكتابة السريعة وإدارة التذكيرات بشكل أكثر وضوحاً وتحسينات في إعدادات إمكانية الوصول. هذه التعديلات قد تبدو بسيطة، لكنها تستهدف نقاط احتكاك يومية يعاني منها المستخدمون.

ميزات جديدة... ولكن تدريجية

إلى جانب ذلك، أضاف التحديث مجموعة من الميزات العامة، مثل رموز تعبيرية جديدة، وتحسينات في مشاركة المشتريات داخل العائلة، حيث أصبح بإمكان كل فرد استخدام وسيلة دفع خاصة به. كما تم إدخال تحديثات مرتبطة بالخصوصية، مثل آليات التحقق من العمر في بعض المناطق، في إطار التكيف مع المتطلبات التنظيمية. تعكس هذه الإضافات أن التحديث لا يهدف إلى إعادة تعريف النظام، بل إلى تحسينه تدريجياً من الداخل.

لم يتضمن التحديث النسخة المطوّرة من «سيري» رغم التوقعات المرتفعة حولها (شاترستوك)

أين «سيري»؟

رغم كل هذه التحديثات، يبقى العنصر الأهم هو ما لم يتم إطلاقه. فالتحديث لم يتضمن النسخة الجديدة من «سيري» التي يُفترض أن تكون أكثر ذكاءً وتفاعلاً، مع قدرة أكبر على فهم السياق والتعامل مع البيانات الشخصية للمستخدم. وكانت التوقعات تشير إلى أن هذا التحديث سيشكل خطوة كبيرة في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة مع المنافسة المتزايدة من شركات أخرى تقدم مساعدين أكثر تطوراً. لكن غياب هذه الميزة لا يعني التخلي عنها، بل يبدو أنه يعكس نهجاً أكثر حذراً في تطويرها، مع احتمال إطلاقها في تحديثات لاحقة أو خلال فعاليات قادمة.

تحول تدريجي في فلسفة التحديثات

ما يكشفه «iOS 26.4» هو تحول في طريقة تعامل «أبل» مع التحديثات. فبدلاً من الاعتماد على ميزة واحدة كبيرة، تتجه الشركة نحو تحسينات متراكمة، تجعل النظام أكثر استقراراً وكفاءة بمرور الوقت. هذا النهج قد لا يكون لافتاً على المدى القصير، لكنه يراهن على تحسين التجربة بشكل مستمر. وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تفاصيل الاستخدام اليومية، وليس مجرد إضافة منفصلة.

يعكس التحديث الحالي مرحلة انتقالية. فبينما يتم إدخال بعض عناصر الذكاء الاصطناعي تدريجياً مثل إنشاء قوائم التشغيل، يبقى التحول الأكبر مؤجلاً.

المعادلة هنا واضحة وهي أن «أبل» تعمل على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى النظام، لكن دون التسرع في إطلاق ميزات قد تؤثر على تجربة المستخدم أو الخصوصية. وفي انتظار «سيري» الجديدة، يقدّم «iOS 26.4» تجربة أكثر نضجاً واستقراراً، حتى وإن كانت أقل إثارة من التوقعات.


طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
TT

طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)

ظل التصميم التقليدي في عالم الطائرات دون طيار يعتمد على المراوح والمحركات، وهي مقاربة أثبتت فاعليتها لكنها تفرض حدوداً واضحة على الحركة والمرونة. اليوم، يحاول باحثون إعادة التفكير في هذا النموذج من خلال العودة إلى الطيور كمصدر إلهام قديم.

تسلط دراسة حديثة الضوء على جيل جديد من الروبوتات الطائرة، تُعرف باسم «الأورنيثوبتر» (Ornithopters)، وهي طائرات تحاكي طريقة الطيران الطبيعية للطيور عبر أجنحة مرنة تتحرك وتتكيف مع الهواء، بدلاً من الاعتماد على مراوح ثابتة.

تعتمد الطائرات دون طيار التقليدية على أنظمة ميكانيكية معقدة تشمل محركات وتروس وأجزاء متحركة. لكن هذا النموذج الجديد يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ«التصميم الصلب» أو (solid-state) حيث يتم الاستغناء عن هذه المكونات بالكامل. بدلاً من ذلك، يستخدم الباحثون مواد ذكية تعتمد على ما يُعرف بالتأثير الكهروضغطي، وهي مواد تتغير أشكالها عند تطبيق جهد كهربائي عليها. وبهذه الطريقة، يمكن تحريك الأجنحة مباشرة من خلال الكهرباء، من دون الحاجة إلى وصلات ميكانيكية. هذا التحول لا يقلل فقط من تعقيد التصميم، بل يفتح الباب أمام حركة أكثر سلاسة وتكيفاً مع البيئة، حيث يمكن للأجنحة أن تنثني وتلتف بشكل مستمر، تماماً كما تفعل الطيور أثناء الطيران.

أدوات محاكاة متقدمة طوّرها باحثون تساعد على تصميم طائرات تحاكي الطيور رقمياً ما يسرّع التطوير ويقلل النماذج التجريبية (مختبر بيلغن)

مرونة أكبر في بيئات معقدة

تكمن أهمية هذا النهج في قدرته على التعامل مع البيئات المعقدة. فالطائرات التقليدية غالباً ما تواجه صعوبة في الأماكن الضيقة أو غير المتوقعة، مثل المناطق الحضرية المزدحمة أو البيئات الطبيعية المليئة بالعوائق. في المقابل، توفر الأجنحة المرنة قدرة أعلى على المناورة والاستجابة السريعة لتغيرات الهواء. وهذا يجعل هذه الروبوتات مناسبة لمجموعة واسعة من التطبيقات مثل عمليات البحث والإنقاذ ومراقبة البيئة وفحص البنية التحتية والتوصيل في المدن. في مثل هذه السيناريوهات، لا يكون التحدي في الطيران فقط، بل في القدرة على التكيف مع بيئة متغيرة بشكل مستمر.

محاكاة الطبيعة... دون نسخها

رغم أن الفكرة مستوحاة من الطيور، فإن الهدف لا يقتصر على تقليد الطبيعة. يشير الباحثون إلى أنهم لا يسعون إلى بناء نسخة ميكانيكية من جناح الطائر، بل إلى فهم المبادئ الأساسية التي تجعل الطيران الطبيعي فعالاً، ثم إعادة تصميمها بطرق أبسط وأكثر كفاءة. في هذا النموذج، تلعب المواد دوراً محورياً ومنها الألياف الكربونية التي تعمل كهيكل يشبه العظام والريش، والمواد الكهروضغطية تقوم بدور العضلات.

وبذلك، يصبح الجناح نفسه نظاماً متكاملاً للحركة، بدلاً من كونه مجرد سطح يتحرك بواسطة أجزاء خارجية.

نموذج رقمي لفهم الطيران

إلى جانب التطوير المادي، ركزت الدراسة على بناء نموذج حاسوبي متكامل يحاكي عملية الطيران. هذا النموذج يدمج عدة عناصر في وقت واحد كحركة الأجنحة والجسم والديناميكيات الهوائية والأنظمة الكهربائية وآليات التحكم. يسمح ذلك للباحثين باختبار التصاميم افتراضياً قبل تصنيعها، ما يسرّع عملية التطوير ويقلل الحاجة إلى تجارب مكلفة ومتكررة.

ورغم التقدم الذي تحققه هذه النماذج، لا تزال هناك تحديات رئيسية، أبرزها أداء المواد المستخدمة. فالمواد الكهروضغطية الحالية لا توفر بعد القوة أو الكفاءة الكافية للوصول إلى الأداء المطلوب في التطبيقات العملية واسعة النطاق. لكن الباحثين يرون أن هذه المشكلة قد تكون مؤقتة؛ إذ يسمح النموذج الحاسوبي بتوقع كيف يمكن أن تتحسن هذه الأنظمة مع تطور المواد في المستقبل.

في هذا التسلسل الحاسوبي تتحرك أجنحة الطائرة دون محركات باستخدام مشغلات كهروضغطية مرنة (مختبر بيلغن)

أكثر من مجرد طائرات

لا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على الطائرات دون طيار فقط. فالمبادئ نفسها يمكن تطبيقها في مجالات أخرى، مثل الطاقة المتجددة. على سبيل المثال، يمكن استخدام مواد مرنة لتعديل شكل شفرات توربينات الرياح بشكل مستمر، ما قد يحسن كفاءتها في التقاط الطاقة. وهذا يعكس اتجاهاً أوسع في الهندسة، حيث لم يعد الهدف فقط بناء أنظمة أقوى، بل أنظمة أكثر ذكاءً وتكيفاً.

تشير هذه الدراسة إلى أن مستقبل الطائرات دون طيار قد لا يكون مجرد تحسين للأنظمة الحالية، بل إعادة تعريف كاملة لطريقة الطيران. فبدلاً من الاعتماد على أنظمة ميكانيكية معقدة، قد تتجه الصناعة نحو تصاميم أبسط من حيث المكونات، لكنها أكثر تعقيداً من حيث السلوك والتفاعل مع البيئة. في هذا السياق، تصبح الطائرة أقل شبهاً بآلة صلبة، وأكثر قرباً من كائن حي قادر على التكيف.

ما الذي يتغير فعلاً؟

لا يكمن التغيير في شكل الطائرة فقط، بل في فلسفة التصميم نفسها. الانتقال من المراوح إلى الأجنحة المرنة يعكس تحولاً أعمق من أنظمة تعتمد على القوة والثبات، إلى أنظمة تعتمد على المرونة والاستجابة. وبينما لا تزال هذه التقنيات في مراحل البحث، فإن اتجاه مستقبل الطيران قد يكون أقرب إلى الطبيعة مما كان يُعتقد.


النمسا تعتزم حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

النمسا تعتزم حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

أعلن الائتلاف الحاكم في النمسا، اليوم الجمعة، عن خطط لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً، لتنضم إلى سلسلة من الدول الأخرى في فرض مثل هذه القيود على الصغار.

وقال ألكسندر برول، مسؤول شؤون الرقمنة في مكتب المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، إنه سوف يتم طرح مشروع قانون بهذا الشأن بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

وأضاف أن «الأساليب الحديثة تقنياً للتحقق من العمر سوف تطبق للسماح بالتحقق من أعمار المستخدمين مع احترام خصوصيتهم».

ولم يتضح على الفور الموعد الذي ربما تدخل فيه الخطة لتحديد الحد الأدنى للعمر حيز التنفيذ والتي ستحتاج إلى موافقة برلمانية.

العديد من الدول تعتزم حظر وصول الأطفال دون سن الـ16 لوسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

يشار إلى أن أستراليا أخذت بزمام المبادرة في هذا الصدد عام 2024، لتصبح أول دولة تحظر استخدام الأطفال تحت سن 16 عاماً وسائل التواصل الاجتماعي بغرض حمايتهم من المحتوى الضار والإفراط في استخدام الشاشات، ومن المقرر سريان حظر مماثل في إندونيسيا غداً السبت.