«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

السيسي يوجّه ببدء تنفيذ المدينة

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».


مقالات ذات صلة

«فيفا» يواجه رفضاً من مصر وإيران بسبب السماح بأعلام المثليين في ملعب «لومن فيلد»

رياضة عالمية ملعب «سياتل» الذي سيستضيف مباراة مصر وإيران (أ.ف.ب)

«فيفا» يواجه رفضاً من مصر وإيران بسبب السماح بأعلام المثليين في ملعب «لومن فيلد»

يريد الاتحادان الإيراني والمصري لكرة القدم من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع أي «مراسم أو أنشطة ترويجية» داعمة للمثليين خلال المباراة المثيرة بينهما.

The Athletic (سياتل (الولايات المتحدة))
المشرق العربي فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ملادينوف يبحث في القاهرة دفع «اتفاق غزة»

محادثات جديدة في القاهرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بحضور ممثل مجلس السلام في قطاع غزة نيكولاي ملادينوف، وسط غموض بشأن إمكانية التوصل لتفاهمات.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يشترون فاكهة في إحدى الأسواق الشعبية وسط العاصمة القاهرة (أرشيفية - رويترز)

مصر ترفع المعاشات لـ«تخفيف الأعباء»

قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، زيادة المعاشات بدءاً من مطلع يوليو المقبل، وذلك «بما يكفل تحسين أوضاع أصحاب المعاشات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

أزمة البحارة المصريين المحتجزين تدخل «مرحلة حساسة»

دخلت أزمة البحارة المصريين المحتجزين على متن ناقلة نفط قرب السواحل الصومالية مرحلة أكثر حساسية، الأربعاء، بعدما تلقت أسرهم تهديدات جديدة من القراصنة الصوماليين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مَطالب في مصر بخفض الأسعار عقب تراجع الدولار أمام الجنيه (الشرق الأوسط)

مكاسب الجنيه المصري أمام الدولار تنتظر استجابة الأسواق

مكاسب «لافتة» في سعر الجنيه المصري أمام الدولار تنتظر استجابة الأسواق، وسط مطالب متصاعدة بضرورة «خفض أسعار السلع

وليد عبد الرحمن (القاهرة)

المسيّرات تواصل حصد أرواح المدنيين في السودان

دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
TT

المسيّرات تواصل حصد أرواح المدنيين في السودان

دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

قضى مدنيان وأصيب عدد آخر بهجوم شنته طائرة مسيّرة استهدف محطة وقود في مدينة رَبَك عاصمة ولاية النيل الأبيض جنوب البلاد، وفي الوقت نفسه واصلت الطائرات المسيّرة هجماتها على مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان صباح اليوم، وذلك استمراراً لتصاعد هجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف مناطق متفرقة من السودان.

وأفادت مصادر محلية بأن المسيّرات استهدفت «محطة وقود داخل مدينة ربك صباح الخميس، وأدى القصف إلى مقتل مواطنين وإصابة آخرين، جرى نقلهم إلى المرافق الصحية لتلقي العلاج، في حين فرضت السلطات طوقاً أمنياً حول الموقع، وشرعت في حصر الخسائر والتحقيق في ملابسات الحادث».

وقال شهود عيان إن القصف أحدث حالة من الذعر وسط السكان، في حين هرعت فرق الإسعاف والجهات المختصة إلى الموقع للتعامل مع آثار الهجوم وتأمين المنطقة.

وفي تطور متزامن، ما زالت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تتعرض لهجمات متتالية من المسيّرات المرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع». وقال شهود عيان إن المسيّرات شنت غارة جديدة على المدينة صباح الخميس، دون إعلان من السلطات حتى الآن حصيلة رسمية للخسائر الناجمة عن الهجوم.

وتشهد مدن عدة في وسط وغرب السودان تصاعداً في وتيرة الهجمات بالطائرات المسيرة منذ بدء الحرب، لكنها تطورت وتزايدت في الأشهر والأسابيع الأخيرة من السنة الرابعة للحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وفي الأسابيع الأخيرة، ظلّت مدينة الأبيض هدفاً متكرراً لهجمات تنسب إلى «قوات الدعم السريع»، كما تتعرض مدن ربك وكوستي بولاية النيل الأبيض، ومدن كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، بين فينة وأخرى، لهجمات مماثلة. وفي المقابل، يواصل الجيش السوداني تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع تقع ضمن مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، وعادة لا يُعلن الطرفان بشكل رسمي نتائج وأهداف الغارات التي يشنها الطيران المسير.

سيارات تضررت خلال المواجهات العسكرية موضوعة في ساحة بالخرطوم (أرشيفية - رويترز)

وتأتي هذه الغارات بعد يومين من هجوم طائرة مسيرة الثلاثاء، استهدف سوق بلدة «الصياح» بولاية شمال دارفور، أسفر أيضاً، حسب تقارير محلية، عن مقتل شخص وإصابة عدد من المدنيين، وأدى لاندلاع حرائق دمرت جزءاً من السوق، وأتلفت محاصيل ومواد غذائية تقدر بملايين الجنيهات.

وتخدم سوق الصياح أكثر من 70 قرية في المنطقة، وتبعد نحو 60 كيلومتراً شمال مدينة مليط الحدودية مع ليبيا، ونحو 100 كيلومتر شمال شرقي الفاشر. وقال شهود إن الهجوم تزامن مع وجود آليات قتالية لـ«قوات الدعم السريع» في محيط السوق، مرجحين أن تكون المسيّرة التي نفذته تابعة للجيش السوداني، الذي لم يصدر أي تعليق على الواقعة.

وأصبحت الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الماضية من أبرز أدوات القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، مع توسع استخدامها في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت حيوية ضد مناطق سيطرة الطرفين، بعد أن كانت المعارك تتركز في خطوط المواجهة المباشرة.

وعادة ما تستهدف هذه الهجمات قواعد ومقار عسكرية، ومستودعات للأسلحة والذخائر وآليات قتالية، إضافة إلى منشآت للبنية التحتية ومحطات الوقود وقوات الطرفين.

ويجعل وجود الكثير من المواقع العسكرية داخل المدن وتمركز قوات الطرفين في مناطق مأهولة بالسكان المدنيين هم الأكثر تضرراً من هذه الضربات، التي كثيراً ما تسفر عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالمنازل والمنشآت المدنية والخدمات الأساسية.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.

ونسبت «أسوشييتد برس» في 15 يونيو (حزيران) الحالي إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن أكثر من 1000 مدني قتلوا بهجمات الطائرات المسيّرة في السودان خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.

وحسب التقرير، قال تورك إن مكتبه سجل مقتل أكثر من 1000 مدني، جراء ضربات الطائرات المسيّرة خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) من العام الحالي.

ولا توجد إحصائيات رسمية بأعداد القتلى المدنيين بسبب الحرب، لكن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، ذكر في آخر تقاريره، إن ما لا يقل عن 59 ألف شخص قتلوا خلال الحرب، بيد أنه رجح أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير بسبب صعوبة توثيق الضحايا في عدد من مناطق القتال.


السودان: اتساع إضراب المعلمين احتجاجاً على ضعف الرواتب وتأخرها

تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودان: اتساع إضراب المعلمين احتجاجاً على ضعف الرواتب وتأخرها

تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

في حين يسعى السودان إلى استعادة عافيته وإعادة بناء مؤسساته بعد سنوات من الحرب، فإن قطاع التعليم بدأ يواجه أزمة متفاقمة مع استمرار إضراب المعلمين؛ للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف مستحقاتهم المالية.

وتتسع الفجوة بين مطالب المعلمين المشروعة وحق الطلاب في التعليم... فالمعلمون يواجهون تدني الأجور وتآكل قيمتها الشرائية، فيما يدفع الطلاب ثمن توقف الدراسة وتعطل التحصيل الأكاديمي، في انعكاس واضح لتداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية على أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد.

ومع دخول إضراب المعلمين أسبوعه الثاني في ولايات الخرطوم والجزيرة وكسلا، تتواصل معدلات الاستجابة المرتفعة وسط المعلمين والمعلمات، في مؤشر على اتساع حالة السخط تجاه الأوضاع المعيشية المتردية.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ويؤكد المحتجون تمسكهم بمطالبهم، عادّين الإضراب وسيلتهم الأخيرة للمطالبة بحقوق ظلت مؤجلة سنوات في ظل تراجع الأجور وتراكم المستحقات.

أوضاع قاسية

يقول عمر يوسف، مدير إحدى مدارس المرحلة الابتدائية، إن الإضراب جاء نتيجة «تراكم مستحقات مالية للمعلمين، إلى جانب تأخر صرف منح الأعياد وبدلات الوجبة والسكن وعدم تنفيذها بصورة كاملة».

وأوضح أن التفاوت الكبير في الأجور بين الولايات يعدّ «من أبرز أسباب الاحتقان وسط المعلمين، رغم المناشدات المتكررة لوزارة المالية لمعالجة هذه القضايا».

ويقول المعلم محمد عباس: «أصبحت أواجه صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالي، فتأخر الرواتب جعل حياتنا اليومية مليئة بالقلق وعدم الاستقرار».

بدوره، يقول المعلم أيوب مصطفى: «أقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، لكن تكلفة المواصلات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من دخلي. في بعض الأيام أضطر إلى الاقتراض حتى أتمكن من الذهاب إلى عملي، وهذا وضع لا يمكن أن يستمر».

كما قالت المعلمة أم سلمة عبد الرحمن: «بعد أن فقدتُ منزلي واضطررت إلى النزوح، أصبحت أعتمد بشكل كامل على راتبي، لكن تأخر المرتبات جعلني عاجزة عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرتي الأساسية، بينما ما زلت أحاول الاستمرار في أداء رسالتي التعليمية».

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

يضيف المعلم محمد عباس: «لديّ أبناء في مراحل دراسية مختلفة، وأصبحت غير قادر على توفير الرسوم الدراسية أو المستلزمات التعليمية لهم. أشعر بالألم حين أعجز عن تلبية احتياجات أسرتي رغم أنني أقضي حياتي في تعليم أبناء الآخرين».

ويقول المعلم معاوية فضل المولى: «الراتب لم يعد يكفي أياماً معدودة، ومع ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب التوفيق بين متطلبات الأسرة ومستلزمات العمل. نحن لا نطالب بأكثر من حياة كريمة تحفظ لنا ولأسرنا الحد الأدنى من الاستقرار».

ضعف التمويل

وأكد المتحدث الرسمي باسم «لجنة المعلمين السودانيين (النقابية المستقلة)»، سامي الباقر، أن الإضراب الحالي جاء نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات التي ضربت قطاع التعليم؛ «على رأسها ضعف التمويل الحكومي وتداعيات الحرب؛ مما أدى إلى تدهور البيئة التعليمية وتفاقم أوضاع المعلمين المعيشية».

وأوضح الباقر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تدني الأجور وتآكل القيمة الشرائية للجنيه السوداني جعلا رواتب المعلمين غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، مشيراً إلى أن «راتب المعلم في الدرجة الأولى لا يتجاوز 40 دولاراً شهرياً، بينما لا تزيد رواتب بعض الدرجات الدنيا على 13 دولاراً».

وأضاف أن «المعلمين ما زالوا يواجهون تبعات متأخرات مالية تشمل الرواتب والبدلات والعلاوات منذ اندلاع الحرب، التي تصل في بعض الولايات إلى 14 شهراً، فضلاً عن التفاوت الكبير في الأجور بين الولايات بعد نقل مسؤولية المرتبات إلى الحكومات الولائية».

وانتقد الباقر ما وصفها بـ«الإجراءات العقابية ضد المضربين، بما في ذلك فرض الإجازات القسرية»، مؤكداً أن هذه الممارسات زادت من حالة الاحتقان وسط المعلمين.

وحذر بأن استمرار الأزمة قد يدفع أعداداً متنامية من المعلمين إلى هجر المهنة؛ «مما يهدد مستقبل العملية التعليمية»، واصفاً واقع التعليم في السودان بأنه «انهيار شامل» يتطلب معالجات عاجلة وزيادة الإنفاق على القطاع.

وأكد أن معالجة أزمة التعليم ترتبط بصورة وثيقة بإنهاء الحرب، عادّاً أن «وقف النزاع يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والخدمية التي يعاني منها قطاع التعليم والمعلمون في مختلف أنحاء البلاد».

تكلفة المواصلات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من دخل المعلمين (أرشيفية - أ.ف.ب)

آثار سلبية

قال الخبير التربوي، الهادي السيد، إن حرمان الطلاب من التعليم «خسارة كبيرة، خصوصاً في ظل عصر أصبحت فيه المعرفة ضرورة أساسية لبناء المستقبل»، مشيراً إلى أن «كل يوم يمر بعيداً عن الدراسة يترك أثراً سلبياً على مسيرتهم التعليمية».

وأوضح السيد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب ألقت بظلالها على قطاع التعليم في السودان، وأنها تسببت في تسرب أعداد كبيرة من الطلاب وانقطاعهم عن الدراسة، «قبل أن تبدأ الأوضاع في التحسن تدريجياً وعودة المؤسسات التعليمية إلى أداء دورها في عدد من المناطق».

وأضاف أن المعلمين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة بسبب تدني الرواتب وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية؛ مما دفع بهم إلى الإضراب للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

وأكد أن مطالب المعلمين مشروعة، «إلا إن استمرار الإضراب انعكس سلباً على الطلاب، وأدى إلى تأخير العملية التعليمية وتراجع التحصيل الدراسي». وقال إن المعلم والطالب كليهما «ضحية الظروف الراهنة، بينما تواجه الدولة تحديات اقتصادية كبيرة في مرحلة إعادة الإعمار».

ودعا إلى إيجاد حلول توافقية تضمن حقوق المعلمين وتحافظ على استقرار العملية التعليمية، مؤكداً أن «الإضراب، رغم مشروعيته، ألحق أضراراً بالطلاب، والمصلحة العامة تقتضي التوصل إلى تسوية عادلة تعيد المعلمين إلى الفصول الدراسية وتحفظ حق الطلاب في التعليم».

تبدو الأزمة أكبر من مجرد خلاف بشأن الرواتب والمستحقات، فهي معركة من أجل إنقاذ التعليم نفسه. فالمعلم الذي يطالب بحياة كريمة، والطالب الذي ينتظر حقه في التعلم، يقفان معاً في مواجهة واقع فرضته الحرب والأزمات الاقتصادية. وبينما تتواصل المطالب والوعود، يبقى الأمل معقوداً على التوصل إلى تسوية تنصف المعلمين وتحمي الطلاب، حتى لا يتحول مستقبل جيل كامل إلى ضحية جديدة من ضحايا الحرب.


بعد انقطاع الكهرباء... العطش يحاصر سكان «الأُبَيِّض» بكردفان

سودانيون يملأون أوعية بالماء في مركز توديع مجاني بالعاصمة الخرطوم (أرشيفية-أ.ب)
سودانيون يملأون أوعية بالماء في مركز توديع مجاني بالعاصمة الخرطوم (أرشيفية-أ.ب)
TT

بعد انقطاع الكهرباء... العطش يحاصر سكان «الأُبَيِّض» بكردفان

سودانيون يملأون أوعية بالماء في مركز توديع مجاني بالعاصمة الخرطوم (أرشيفية-أ.ب)
سودانيون يملأون أوعية بالماء في مركز توديع مجاني بالعاصمة الخرطوم (أرشيفية-أ.ب)

تشهد الأوضاع الإنسانية في مدينة الأُبَيِّض، كبرى مدن شمال كردفان، وسط السودان، تدهوراً مستمراً، بعدما دمّر قصف جوي محطة الكهرباء الرئيسية، تسبَّب في أزمة مياه خانقة وارتفاع جنوني بأسعار الوقود والسلع الغذائية، بينما تُواصل «قوات الدعم السريع» تشديد الخناق على سكان المدينة.

وقالت مصادر محلية، لــ«الشرق الأوسط»، إن الوضع يزداد سوءاً، إذ يعاني الآلاف من المواطنين ندرة شديدة في مياه الشرب وتقييد حركة التنقل داخل المدينة، نتيجة قطع الكهرباء واستهداف محطات الوقود، ومنع وصول الإمدادات من مناطق أخرى إلى المدينة، مضيفة أن المواطنين أصبحوا يعتمدون، بشكل كامل، على شراء مياه الآبار الجوفية من شاحنات «التناكر» التي تجوب الأحياء السكنية، بعد انقطاع الإمداد المائي من الشبكة الرئيسية لأكثر من أسبوع.

وأظهرت مقاطع فيديو، تداولها نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، تدافع المواطنين للحصول على قليل من المياه الصالحة للشرب.

دورية لمقاتلين من قوات «الدعم السريع» (أرشيفية-أ.ب)

وتعهدت مفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان، بتوفير 150 «تانكر» مياه بصورة عاجلة، وتُقدَّر سعة التناكر الواحد بنحو 15 ألف برميل، وتستهدف المرحلة الأولى الأحياء الأكثر تضرراً واحتياجاً، وتراعي الكثافة السكانية.

وتخطط «المفوضية» لتأهيل مصادر المياه الجوفية الحالية وحفر آبار جديدة، إضافة إلى إنشاء محطات للتحلية، لتوفير المياه مجاناً لكل السكان في الأُبَيِّض.

وفقاً للمصادر نفسها، فإن الأمور تُنذر بالخطر، جراء بوادر أزمة تلوح في الأفق من نقص حاد في الغذاء والرعاية الطبية، إذ لم يسمح بإيصال مواد غذائية ومياه وأدوية إلى المدينة.

وإزاء هذا الخطر، تصاعدت المطالب الدولية من «قوات الدعم السريع» بوقف أي هجوم بري على المدينة. وناشد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في اتصال هاتفي مع قيادة «الدعم السريع»، وقف أي إجراءات قد تُعرِّض المدنيين في مدينة الأُبيِّض ومحيطها للخطر.

وقال بولس، في تدوينة على منصة «إكس»: «تُعرب الولايات المتحدة عن قلقها إزاء التقارير التي تتحدث عن تعزيزات عسكرية لــ(الدعم السريع) والقوات المتحالفة معها، لشنّ هجمات قد تزيد المخاطر على المدنيين، وتؤدي إلى ارتكاب فظائع جماعية محتملة في مدينة الأُبَيِّض».

مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية-أ.ف.ب)

في السياق نفسه، أدان وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، بأشدّ العبارات الاعتداءات السافرة التي تشنُّها «قوات الدعم السريع» على المدنيين والبنية التحتية في الأُبَيِّض.

وقال الإعيسر، في بيان نُشر على موقع «فيسبوك»، إن هذه الممارسات تُمثل انتهاكاً خطيراً لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية التي تدعو لحماية المدنيين.

وأكد جاهزية الجيش السوداني والقوات المساندة له لوقف أي عدوان على مدينة الأُبَيِّض وبسط الأمن في كل أنحاء البلاد.

ووفق المصادر، يعاني آلاف المدنيين في قرى وبلدات إقليم كردفان نقصاً شديداً في الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، نتيجة القيود المفروضة على حركة السلع والمواد الغذائية والدوائية بين مناطق النزاع، مع تصاعد الهجمات المتبادلة بالمُسيّرات والتهديدات التي تستهدف الطرق والمركبات.

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية-رويترز)

كانت مجموعة «محامو الطوارئ» هيئة حقوقية اتهمت «قوات الدعم السريع» بعرقلة مرور السلع من المناطق التي تُسيطر عليها إلى مناطق الجيش، ما أدى إلى اضطراب حادّ في الإمدادات وارتفاع كبير بأسعار السلع.

وتتجه أنظار المجتمع الدولي، هذه الأيام، نحو الأُبَيِّض، التي يُقدَّر عدد سكانها بنحو مليون شخص، وسط تقارير تفيد بأن قوات «الدعم السريع» تحشد الآلاف من قواتها لاقتحامها، ما يُنذر بكارثة إنسانية وحدوث انتهاكات جسيمة للمدنيين، على غرار ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.