دخلت الحرب الروسية - الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد، الأحد، مع تنفيذ أوكرانيا واحدة من أوسع موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة على العمق الروسي، فيما أعلنت موسكو إسقاط 635 طائرة مسيّرة خلال ليلة واحدة. وأسفرت الضربات الأوكرانية عن مقتل ما لا يقل عن 8 أشخاص في مناطق روسية متفرقة، كما استهدفت منشآت نفطية وعسكرية ولوجستية تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط المواجهة.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت ودمرت 635 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال الليل، في أكبر حصيلة تعلنها موسكو منذ بدء الحرب.
وقالت الوزارة، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، إن المسيّرات استهدفت أكثر من 10 مناطق روسية، بينها بيلغورود وبريانسك وكورسك وفورونيج وكالوجا وأوريول وروستوف وريازان وساراتوف وتولا، إضافة إلى منطقة موسكو وشبه جزيرة القرم وإقليم كراسنودار، فضلاً عن مياه بحر آزوف والبحر الأسود.
وفي منطقة روستوف وحدها، قال الحاكم يوري سليوسار إن الدفاعات الجوية أسقطت نحو 150 طائرة مسيّرة خلال الهجوم الليلي، في مؤشر إلى اتساع نطاق الهجمات الأوكرانية وتعدد محاورها.
ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار تعثر الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة لإحياء مفاوضات إنهاء الحرب، مع تمسك كل من موسكو وكييف بخيارات التصعيد العسكري، وتوسيع نطاق الضربات بعيدة المدى.
8 قتلى في 3 مناطق
ورغم الإعلان عن إسقاط مئات المسيّرات، أكدت السلطات الروسية سقوط 8 قتلى على الأقل نتيجة الهجمات. ففي منطقة بيلغورود الحدودية، أسفر قصف أوكراني عن مقتل 3 أشخاص، حسب السلطات المحلية، التي أشارت إلى وقوع أضرار في مناطق سكنية.
وفي منطقة ساراتوف الواقعة على نهر الفولغا، قُتل شخصان إثر هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مبنى سكنياً في مدينة إنجلز، وفق ما أعلنه حاكم المنطقة رومان بوسارجين، الذي أكد أيضاً تعرض منشآت مدنية لأضرار في مدينتي إنجلز وساراتوف.
وتضم ساراتوف واحدة من كبرى مصافي النفط الروسية، في حين تحتضن مدينة إنجلز قاعدة جوية استراتيجية تعرضت مراراً لهجمات أوكرانية منذ اندلاع الحرب.
أما في جمهورية أودمورتيا، الواقعة على بُعد أكثر من ألف كيلومتر من أقرب خطوط القتال، فقد قُتل 3 أشخاص بعدما استهدفت طائرة مسيّرة سيارة مدنية، وفق القائمة بأعمال حاكم المنطقة أولغا أبراموفا، التي وصفت الهجوم بأنه «عمل وحشي»، مؤكدة أن الضحايا «لم يكونوا هدفاً عسكرياً».
استهداف منشآت اقتصادية
وبالتوازي مع الضربات التي طالت المناطق السكنية، أعلنت السلطات الروسية تعرض عدد من المنشآت الاقتصادية والصناعية لهجمات بطائرات مسيّرة.
وقال حاكم منطقة سامارا، فياتشيسلاف فيدوريشيف، إن طائرات أوكرانية هاجمت مستودعاً تابعاً لشركة «وايلد بيريز»، كبرى شركات التجارة الإلكترونية في روسيا، ما أدّى إلى اندلاع حريق تمت السيطرة عليه لاحقاً، من دون تسجيل إصابات.
وتبعد سامارا نحو 800 كيلومتر عن أقرب المواقع العسكرية الأوكرانية، ما يعكس تنامي قدرة كييف على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل العمق الروسي.
كما أعلنت السلطات في جمهورية باشكورتوستان أن الدفاعات الجوية تصدت لهجوم واسع استهدف منشآت صناعية في العاصمة أوفا، وأسقطت إحدى المسيّرات فوق المنطقة الصناعية، في حين تواصلت عمليات إخماد حريق اندلع في الموقع.
وتُشير بيانات روسية إلى أن القوات الأوكرانية كثّفت خلال الأسابيع الأخيرة استهداف البنية التحتية الاقتصادية، بما في ذلك مصافي النفط ومستودعات الوقود ومراكز التخزين التابعة لشركة «وايلد بيريز»، التي تعرضت، حسب مسؤولين روس، لنحو 12 هجوماً منذ منتصف يوليو (تموز)، في محاولة لتعطيل سلاسل الإمداد والأنشطة الاقتصادية.

استهداف مصفاة وقاعدة جوية
في المقابل، أعلن الجيش الأوكراني مسؤوليته عن استهداف منشآت استراتيجية داخل روسيا، مؤكداً تنفيذ ضربات على مصفاة النفط في منطقة ساراتوف، إضافة إلى قاعدة «إنجلز» الجوية العسكرية، التي تعد من أبرز القواعد المستخدمة في تشغيل القاذفات الاستراتيجية الروسية.
وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الضربات أدت إلى اندلاع حرائق في المنشأتين، كما استهدفت مستودعاً للنفط في منطقة كالوجا غرب روسيا.
وتؤكد كييف أن هجماتها تستهدف منشآت عسكرية ولوجستية واقتصادية مرتبطة بالمجهود الحربي الروسي، وتنفي استهداف المدنيين، عادةً أن عملياتها تُمثل رداً مشروعاً على الضربات الروسية المتواصلة ضد المدن الأوكرانية، ووسيلة للضغط على موسكو للعودة إلى طاولة المفاوضات.
هجمات روسية على أوكرانيا
وفي الوقت نفسه، أعلنت أوكرانيا تعرضها لهجوم روسي واسع خلال الليل، استخدمت فيه موسكو 133 طائرة مسيّرة من طرازات مختلفة، بينها «شاهد»، أُطلقت من مناطق أوريل وكورسك ودونيتسك وشبه جزيرة القرم.
وقال سلاح الجو الأوكراني إن الدفاعات الجوية أسقطت أو عطلت 109 طائرات مسيّرة، بمشاركة وحدات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وفرق النيران المتنقلة.
وجاءت هذه الهجمات بعد يوم واحد من مقتل 10 أشخاص في ضربات روسية استهدفت كييف ومحيطها، في استمرار للحملة الجوية الروسية المكثفة ضد المدن الأوكرانية.
وتعكس التطورات الأخيرة انتقال الحرب إلى مرحلة تتسم بتوسيع نطاق الضربات بعيدة المدى، مع اعتماد الطرفين بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة لاستهداف البنية التحتية العسكرية والاقتصادية، بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

حرب الاستنزاف تتوسع
وفي حين تسعى أوكرانيا إلى إضعاف القدرات اللوجستية والاقتصادية الروسية عبر استهداف مصافي النفط ومستودعات الوقود والقواعد الجوية، تواصل موسكو تكثيف هجماتها الصاروخية والجوية على المدن الأوكرانية، مستفيدة من الضغوط التي تواجهها كييف في مجال الدفاع الجوي.
يأتي ذلك في وقت تعاني فيه أوكرانيا نقصاً في منظومات الدفاع الجوي والذخائر الاعتراضية، وهي أزمة ازدادت حدة مع تنامي الطلب العالمي على هذه الأنظمة، ما يُفاقم صعوبة التصدي للهجمات الروسية المتواصلة، ويُعزز المخاوف من دخول الحرب مرحلة أكثر استنزافاً واتساعاً، في ظل غياب أي مؤشرات على استئناف المفاوضات السياسية أو التوصل إلى هدنة قريبة.
