أوروبا و«الستار الحديدي» الجديد... انقسام بلا جدار

سقوط جدار برلين... محطة تاريخية ووعد لم يتحقق (أرشيفية - رويترز)
سقوط جدار برلين... محطة تاريخية ووعد لم يتحقق (أرشيفية - رويترز)
TT

أوروبا و«الستار الحديدي» الجديد... انقسام بلا جدار

سقوط جدار برلين... محطة تاريخية ووعد لم يتحقق (أرشيفية - رويترز)
سقوط جدار برلين... محطة تاريخية ووعد لم يتحقق (أرشيفية - رويترز)

عندما سقط جدار برلين عام 1989، اعتقد كثيرون أنها «نهاية التاريخ»، كما زعم فرانسيس فوكوياما، وأن «الستار الحديدي» صار من الماضي، مع دخول أوروبا مرحلة من التكامل السياسي والاقتصادي والأمني. لكن بعد أكثر من 3 عقود، تبدو القارة كأنها تشهد ولادة ستار حديدي جديد، لا يتكوّن من جدران وأسلاك شائكة يحرسها جنود، بل من العقوبات الاقتصادية، والحدود العسكرية، والحروب السيبرانية، والانقسام التكنولوجي، وانعدام الثقة الاستراتيجية.

فهل تعود أوروبا إلى الانقسام؟ وهل بتنا أمام نموذج جديد من المواجهة يختلف جذرياً عن الحرب الباردة؟

عرض عسكري روسي في موسكو عام 2025 (أرشيفية - رويترز)

* «الستار الحديدي»

كان «الستار الحديدي» حاجزاً رمزياً وسياسياً في المقام الأول، ومادياً أيضاً، قسّم أوروبا إلى منطقتين منفصلتين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وحتى نهاية الحرب الباردة عام 1991.

وضم الجانب الشرقي الدول الشيوعية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي (أرمينيا، وأوكرانيا، وجورجيا، وجمهوريات البلطيق الثلاث، إلخ...) أو الواقعة تحت نفوذه؛ مثل بولندا، وألمانيا الشرقية، وبلغاريا.

وفي المقابل، ضم الجانب الغربي الدول الديمقراطية ذات الأنظمة الرأسمالية، المتحالفة مع الولايات المتحدة؛ تحديداً دول أوروبا الغربية، مثل بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا الغربية.

وفي ظل هذا التباعد، وُلد حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949، ثم قابله حلف وارسو عام 1955.

تجدر الإشارة إلى أن عبارة «الستار الحديدي» اشتهرت وراجت بعدما استخدمها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في خطاب ألقاه في 5 مارس (آذار) 1946، قال فيه بصوته الأجشّ والمهيب، إن «ستاراً حديدياً» قد أُسدل على القارة الأوروبية (an iron curtain has descended across the Continent).

والواقع أن «الستار الحديدي» لم يكن مجرد تعبير مجازي، بل تجسد في حدود حصينة شملت الأسوار والجدران؛ أشهرها جدار برلين، والأسلاك الشائكة، ونقاط المراقبة، والحراس المسلحون، بهدف منع انتقال الأشخاص وتبادل المعلومات بحرّية بين شرق أوروبا وغربها.

مقاتلتان من طراز «إف - 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

واتّسمت العلاقات بين شطرَي أوروبا خلال فترة «الستار الحديدي» بعداء عميق، وفصل شبه كامل بين الدول المعنية، وتوتر مستمر طبع سنوات الحرب الباردة. ورغم أن المعسكرين لم يخوضا حرباً مباشرة وشاملة، فإنهما انخرطا في صراع محتدم على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، تجسد في سباق التسلح، وعمليات التجسس، والتنافس الآيديولوجي، والصراعات بالوكالة، والانقسام الحاد بين الكتلتين الشرقية والغربية.

* شكل جديد للانقسام

لم تتحقق أحلام الانسجام والوئام بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين وأيضاً حلف وارسو، بل سرعان ما انتظمت الاصطفافات ودخل العالم، لا سيما أوروبا، شكلاً جديداً من الاستقطاب.

عملية إنقاذ تجري بعد ضربة صاروخية روسية على مدينة لفيف في غرب أوكرانيا (أ.ف.ب)

هكذا، شهدنا توسّع «الناتو» الذي كان يضم 12 دولة عند التأسيس، و16 عند انهيار المعسكر الشرقي، و32 حالياً. وهذا يجري في موازاة زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي على نحو غير مسبوق منذ عام 1945، وتعزيز القوات على الحدود الشرقية كأن طلائع القوات الروسية «المهاجِمة» تستعد للغزو بعد عقود من السلام النسبي!

ليس الاستعداد العسكري وحده مؤشراً للتباعد، فهناك الانقسام الاقتصادي المتجسد في العقوبات المفروضة على روسيا منذ غزوها أوكرانيا الذي أدى إلى الاستغناء عن الغاز الروسي، وعملياً إلى تعطيل خط أنابيب «نورد ستريم 2» للغاز الذي كان من شأنه أن يريح أوروبا المتعطشة للطاقة، ويملأ الخزائن الروسية بالمال. وعموماً، لم يعد الاقتصادان الأوروبي والروسي مترابطين كما كانا قبل الحرب في أوكرانيا؛ بل يسيران في اتجاهين مختلفين.

* «الجبهة» التكنولوجية

يجب ألا نُغفل أن المجال التكنولوجي يشهد انقساماً عميقاً بين أوروبا وروسيا، فرضته القيود الواسعة على تصدير التقنيات المتقدمة، وتصاعد الهجمات والحروب السيبرانية، واتساع الفجوة في مجالات الابتكار والملكية الفكرية. ويعود هذا الواقع إلى القيود الأوروبية المشددة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى روسيا، في مقابل سعي موسكو إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وتطوير بدائل محلية تقلل اعتمادها على التقنيات الغربية الضرورية لتطوير القدرات العسكرية؛ وفي طليعتها الذكاء الاصطناعي.

والواقع أن التكنولوجيا أصبحت سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الدبابات والطائرات؛ فالذكاء الاصطناعي يضطلع، على سبيل المثال، بدور حاسم في تحليل بيانات المعركة واتخاذ قرارات قتالية سريعة. فيما تهدف الحرب السيبرانية إلى تعطيل البنى التحتية وشل شبكات الاتصالات للخصم.

ونرى، كذلك، كيف تنجح الطائرات المسيّرة في جمع المعلومات، وتنفيذ الضربات الدقيقة الموجعة دون تعريض حياة الجنود للخطر.

* تحوّلات جيوسياسية

مع توسع «الناتو» توسعت حدوده الشرقية لتمتدّ من المحيط المتجمّد الشمالي إلى البحر الأسود، وأعقب انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف إطلاق مشاريع تحصين ضخمة تُقدَّر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات. ويجري تعزيز هذه الجبهة الواسعة باستمرار لمواجهة التوترات المتواصلة في المنطقة.

الحرب السيبرانية تكتسب أهمية متزايدة (رويترز)

ويبرز في هذا السياق خط الردع على الجناح الشرقي؛ وهو عبارة عن مجموعة مشاريع دفاعية واسعة تمتد من فنلندا إلى رومانيا، وتجمع بين مناطق استشعار آلية متقدمة وأنظمة أسلحة روبوتية.

كذلك، تعمل لاتفيا وليتوانيا وإستونيا على إنشاء شبكة دفاعية بطول 950 كيلومتراً على حدودها مع روسيا، تضم خنادق مضادة للدبابات وحواجز إسمنتية تُعرف باسم «أسنان التنين». وتنشغل الدول الصغيرة الثلاث أيضاً بالمراقبة المستمرة لمياه بحر البلطيق وأجوائه.

أما بولندا فتعمل على مشروع للتحصين والأمن المسيّر بقيمة 11 مليار دولار، يهدف إلى تعزيز الحدود الشمالية والشرقية للبلاد بحلول عام 2028.

وينفذ «الناتو» عملية مستمرة لتأمين المجال الجوي والتصدي للتوغلات المتكررة للطائرات المسيّرة على طول الحدود الشرقية للدول الأعضاء. كما تنفّذ القوات المنتشرة على خطوط المواجهة، بما في ذلك مقاتلات «إف-16» الرومانية العاملة تحت قيادة «الناتو»، عمليات اعتراض متكررة للطائرات المسيّرة الروسية التي تنحرف إلى المجال الجوي للدول الأعضاء أو فوق البحر الأسود، ويتم إسقاطها عند الضرورة.

وبرّاً، تنتشر 9 مجموعات قتالية متعددة الجنسيات ضمن نظام تناوب للقوات الحليفة، تشمل وحدات ألمانية متخصصة وتعزيزات من دول المنطقة، بهدف رفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة.

زورق دورية يعود إلى الفرقاطة النرويجية «فر يدتيوف نانسن» خلال تدريبات بحرية (رويترز)

* القطب الشمالي والبحر الأسود

تجدر الإشارة إلى الأهمية العسكرية المتعاظمة لمنطقة القطب الشمالي بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي؛ إذ تمثل أقصر مسار جوي بين أميركا الشمالية وأوراسيا، كما تؤدي دوراً محورياً في الردع النووي مع تزايد الأهمية العسكرية والتجارية للممرات البحرية الجديدة التي يفتحها انحسار الجليد بفعل الاحترار المناخي. وتشكل المنطقة ركناً أساسياً في منظومات الإنذار المبكر، والتنافس على الموارد الطبيعية.

ويُعدّ البحر الأسود، بدوره، محوراً عسكرياً واستراتيجياً بالغ الأهمية؛ إذ يشكل بوابة للوصول إلى المياه الدافئة، وجسراً بين أوروبا والشرق الأوسط، كما يمثل ممراً رئيسياً لإمدادات الحبوب والطاقة إلى الأسواق العالمية. ولذلك، يحتل موقعاً محورياً في الحسابات الجيوسياسية والتنافس على النفوذ في المنطقة.

في إطار هذا المشهد، تنفق الدول الأوروبية المنضوية في حلف «الناتو» والاتحاد الأوروبي نحو 634 مليار دولار على الدفاع خلال عام 2026، بما يشمل شراء المنظومات والأسلحة والمعدات العسكرية، إضافة إلى البحث والتطوير. ويأتي هذا التسارع في إعادة التسلح عقب «التزام لاهاي» لعام 2025، الذي اتفق بموجبه أعضاء «الناتو» على رفع سقف الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

* الستار الجديد والستار القديم

لم يعد الانقسام في «القارة العجوز» احتمالاً بل بات واقعاً. لكنه يختلف عما كان عليه خلال الحرب الباردة، فهو راهناً استراتيجي وليس آيديولوجياً. ولا حدود مغلقة كما في الماضي، خصوصاً أن الفضاء الرقمي المفتوح للجميع يضعف الرقابة على الإعلام ودفق المعلومات إلى حد كبير.

في ظل هذه المعطيات، ومع إضافة التنافس التكنولوجي والاقتصادي والحروب السيبرانية إلى الردع النووي التقليدي المتبادل، يمكن الجزم بأن الانقسام الحالي أكثر تعقيداً، لأنه يجمع بين التنافس العسكري والتكنولوجي والاقتصادي في آن واحد.

ويرى محللون كثر أن الحرب في أوكرانيا، وإن انتهت، فقد كرّست انقساماً هيكلياً طويل الأمد، سيفضي حتماً إلى نشوء بنية أمنية أوروبية جديدة تقوم على الردع الدائم. وبالتالي، لا يبدو أن أوروبا تعود إلى «الستار الحديدي» الذي عرفه القرن العشرون، لكنها تشهد ولادة حدود جديدة أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً؛ فالجدران لم تعد تُبنى من الإسمنت، بل من العقوبات، وشبكات التكنولوجيا، والتحالفات العسكرية، والتنافس الاقتصادي. والستار الجديد ليس حديدياً قائماً من جهة واحدة منغلقة في مواجهة أخرى منفتحة، بل نراه يرتفع باطّراد بديناميكيات متشابكة يعتمدها الجانبان، ولا شك في أنه سيكون أكثر تأثيراً واستمراراً من سابقه في تشكيل مستقبل القارة.


مقالات ذات صلة

فرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

أوروبا حملات الاعتقال والتهجير الجماعي التي شهدها الميناء القديم بمدينة مرسيليا  والمعروفة تاريخياً بـ«رافل Vieux-Port» (ويكيبيديا)

فرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

القضاء الفرنسي يصنف مداهمات «رافل» بمرسيليا عام 1943 جريمة ضد الإنسانية، منهياً عقوداً من الصمت، لينتصر للضحايا ويعيد كتابة الذاكرة التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ صاروخ «باك - 3» الذي يعمل على منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» (شركة لوكهيد مارتن)

«جنرال موتورز» تسلّم دفعة أولى من مكوّنات صواريخ اعتراضية تلبية لحاجات واشنطن

أعلنت شركة «لوكهيد مارتن» أنها تسلّمت من «جنرال موتورز» الدفعة الأولى من مكوّنات صواريخ اعتراضية أُنتجت على نحو معجّل لتلبية الحاجات المتزايدة للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا أولريش زيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ساكسونيا-أنهالت يتلقى التهاني من قيادات الحزب بعد فوزه في ماغديبورغ شرق ألمانيا يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«البديل لألمانيا»... وليد إنكار النخب الغربية وعجزها

ترى مراسلة صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، لور ماندفيل، أن الصعود الكبير لحزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يمكن فصله عن موجة شعبوية أوسع تضرب الغرب منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة «آندروز» المشتركة بالولايات المتحدة 14 أغسطس (أ.ف.ب)

تحليل إخباري استراتيجية ترمب للأمن القومي... نحو نظام عالمي جديد؟

يمكن اختصار «استراتيجية الأمن القومي» التي أطلقها الرئيس ترمب في 5 نقاط: أميركا أولاً، والسلام عبر القوة، والردع، وتقاسم الأعباء، والمنافسة بين القوى الكبرى.

المحلل العسكري
يوميات الشرق كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

يفند تحقيق تاريخي بالحمض النووي ادعاءات «ابن هتلر السرّي»، كاشفاً مأساة عائلة فرنسية عاشت وهم النسب للديكتاتور النازي.

كوثر وكيل (لندن)

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».