متحف «ترينت بارك»... داخل منزل يعج بالجواسيس

منزل ثري عراقي تحوّل لمقر للاستخبارات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية

«ترينت بارك» كان جزءاً من استراتيجية للحصول على المعلومات من الضباط الألمان خلال الحرب العالمية الثانية (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)
«ترينت بارك» كان جزءاً من استراتيجية للحصول على المعلومات من الضباط الألمان خلال الحرب العالمية الثانية (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)
TT

متحف «ترينت بارك»... داخل منزل يعج بالجواسيس

«ترينت بارك» كان جزءاً من استراتيجية للحصول على المعلومات من الضباط الألمان خلال الحرب العالمية الثانية (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)
«ترينت بارك» كان جزءاً من استراتيجية للحصول على المعلومات من الضباط الألمان خلال الحرب العالمية الثانية (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)

كان الجنرالات الألمان يتبادلون أطراف الحديث بحرية، ويتحدثون عن صاروخ «V-2»، أول صاروخ باليستي بعيد المدى في العالم، والذي كان النازيون يطورونه. كان ذلك في مايو (أيار) 1943، وكان الجنود، أسرى الحرب الذين وقعوا في شمال أفريقيا، يقيمون في «ترينت بارك»، وهو منزل ريفي فخم في ضاحية شمال لندن.

صورة لفيليب ساسون سليل عائلة تجارية يهودية عراقية ثرية، والذي حوَّل «ترينت بارك» في شمال لندن إلى ملاذٍ فاخر في عشرينات القرن الماضي (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)

كان «ترينت بارك» منزل فيليب ساسون، السياسي الثري والمضيف الشهير، وكان الأسرى يعيشون حياة رغيدة في القصر الفسيح المُحاط بـ400 فدان من الحدائق. كانوا يرتدون بزاتهم العسكرية، ويحتفظون بالخدم الذين أُسروا معهم، ويتنزهون في الغابات، ويقرأون في المكتبة، ويلعبون البلياردو وألعاب الورق، ويجمعون الفطر. ما لم يكونوا يعلمونه هو أنهم كانوا جزءاً من استراتيجية جريئة، وغير متوقعة، وناجحة ببراعة، لاستخلاص معلومات ستلعب دوراً محورياً في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. انخدع هؤلاء القادة العسكريون الكبار بالاحترام الظاهر لمكانتهم، ولم يدركوا أنهم كانوا في الواقع على مسرح مُعدُّ مسبقاً، حيث كانت لقاءاتهم مُدبَّرة، ومحادثاتهم مُراقَبة عبر شبكة معقدة من الميكروفونات المخفية في تجهيزات الإضاءة والمداخن وأحواض النباتات والأشجار والتماثيل. كانت الميكروفونات موصولة بمخبأ سري تحت الأرض أسفل قاعات الاستقبال الفخمة في القصر، حيث كان «المستمعون» - ومعظمهم من اللاجئين اليهود الألمان - يسجِّلون المحادثات ويفرغونها لصالح المخابرات العسكرية البريطانية.

لافتة في قبو «المستمعين السريِّين» داخل «منزل الجواسيس» في «ترينت بارك» شمال لندن (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)

ظلت عملية «ترينت بارك» سريةً حتى عام 1996، ولا يزال هذا الجزء من تاريخ الحرب العالمية الثانية غير معروف للكثيرين من عامة الناس. ولكن في هذا الأسبوع، فُتحت أبواب «ترينت بارك: بيت الأسرار» بوصفه متحفاً يعرض عالمَين متناقضَين: الطابق العلوي الذي يعكس حياة الرفاهية والأناقة، والطابق السفلي الذي شهد أعمالاً سرية وهادئة.

يقول جوزيبي ألبانو، مدير المتحف، في إشارة إلى مقر فكِّ الشيفرات البريطاني الشهير إبان الحرب العالمية الثانية: «يعرف الجميع (بلتشلي بارك)، لكن (ترينت هاوس) كان جزءاً من الشبكة ذاتها لمقرات الاستخبارات، وكان لا يقل عنها أهمية».

لقد كان هناك منزل قائم في «ترينت بارك» - الذي كان يوماً جزءاً من ممتلكات الملك جورج الثالث - منذ أواخر القرن الـ18، إلا أن ساسون، وهو سليل عائلة تجارية يهودية عراقية ثرية، هو مَن حوّله إلى ملاذ فاخر في عشرينات القرن الماضي؛ إذ قام بتغيير الواجهة، وتوسيع المنزل وفتح مساحاته، كما أضاف مسبحاً وملاعب للتنس وملعباً للبولو وآخر للغولف ومهبطاً للطائرات. وفي ذلك المكان، كان يستضيف السياسيين والممثلين والكتاب وأفراد العائلات المالكة - بمَن فيهم ونستون تشرشل، وتشارلي شابلن، ونويل كوارد، وجورج برنارد شو، وتي إي لورانس - مقدماً لهم ما وصفه أحد الضيوف بأنها ضيافة «على الطراز الشرقي».

ويقول داميان كولينز، مؤلف السيرة الذاتية لساسون: «المنزل برمته عبارة عن خدعة بصرية؛ فهو منزل فيكتوري أُعيد بناؤه ليبدو قصراً ريفياً لأحد النبلاء في العصر الجورجي. لقد كان المنزل دائماً بمثابة عرض مسرحي وخيال، وكان ساسون أشبه بمخرج مسرحي يحرّك الشخصيات كيفما يشاء».

بعد وفاة ساسون في يونيو (حزيران) 1939 عن عمر ناهز الخمسين عاماً، تحول المنزل إلى ما يشبه مسرحاً لأحداث جديدة بطاقم مختلف من الشخصيات. فقد استولت عليه وزارة الحرب البريطانية ووضعته تحت إشراف المقدم توماس كيندريك، وجُهِّز المنزل بألواح وأسقف وهمية، وميكروفونات سرية ومعدات تسجيل، وُصلت جميعها بغرف تحت الأرض حيث كان «المستمعون» يعملون في أزواج ضمن مناوبات تستمر 10 أو 12 ساعة ليلاً ونهاراً.

باب مخفي داخل خزانة كتب في غرف الاستقبال بقصر «ترينت بارك» الريفي شمال لندن (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)

تمكَّن نحو 40 مستمعاً من جمع معلومات استخباراتية من 84 جنرالاً و22 عقيداً، كان معظمهم قد أُسروا في شمال أفريقيا، وبعضهم لاحقاً في فرنسا. وقد أثبتت هذه العملية أهميةً بالغةً، إذ زودت الحلفاء بمعلومات حول آلة الحرب النازية، وأساليب القتال الجديدة، وبرامج الأسلحة السرية، وخطط المعارك؛ وهي معلومات ما كان يمكن الحصول عليها أبداً من خلال أساليب الاستجواب التقليدية.

لم يحظَ الدور المحوري الذي لعبه «ترينت بارك» في الحرب بالاعتراف إلا في وقت متأخر. ففي خمسينات القرن الـ20، تحوَّل المنزل إلى كلية لتدريب المعلمين، وأصبح لاحقاً جزءاً من جامعة ميدلسكس. وفي عام 2013، بيع العقار، الذي كان يعاني من الإهمال، إلى مؤسسة ماليزية للتعليم العالي، لكنها أعلنت إفلاسها بعد فترة وجيزة.

وفي عام 2014، قام جيسون شارالامبوس - وهو محامٍ كان قد انتُخب حديثاً عضواً في المجلس المحلي للمنطقة - بجولة في أرجاء العقار المُهمَل ورأى المنزل المسيّج.

معدات في قبو «المستمعين السريين» داخل «منزل الجواسيس» في ترينت بارك (صوفي ستافورد - نيويورك تايمز)

أطلق شارالامبوس حملةً بعنوان «أنقذوا ترينت بارك (Save Trent Park)»، وشكّل فريقاً ضمّ هيلين فراي - مؤلفة كتاب «للجدران آذان (The Walls Have Ears)» - وفريتز لوستيغ، أحد آخر «المستمعين» (أفراد الاستخبارات المكلفين بالتنصت) الذين بقوا على قيد الحياة. كما تواصل مع ديفيد تشولموندلي، وماركيز تشولموندلي وقريب فيليب ساسون (من جهة الأخ)، الذي حضر أول اجتماع عام، حاملاً معه ألبوماً يضم صوراً وقصاصات صحافية.

في عام 2015، بيع العقار لمطور عقاري، ولكن بعد جهود مكثفة ومطالبات مستمرة، وافقت المجموعة على تخصيص الطابق السفلي والطابق الأرضي من المنزل ليكونا متحفاً. وبعد مرور 10 سنوات على بدء التخطيط رسمياً، يقدم المتحف الجديد إعادة بناء دقيقة لغرف الاستقبال الفاخرة التي تعود لحقبة ساسون، وللواقع القاسي الذي عاشه «المستمعون» في الأقبية تحت الأرض.

وفي الطابق العلوي، تتزين الصالونات الكبرى - التي كان يستخدمها الجنرالات - بأحرف اسم ساسون المزخرفة، والأرائك الوثيرة، ورفوف الكتب المجلدة بالجلد.

وتقول توري ريف، مصممة المعرض والقيّمة عليه: «لقد ساعدتنا صور رائعة من مقال نُشر عام 1931 في مجلة (كانتري لايف)، وكذلك اللورد تشولموندلي الذي عثر على بعض قطع الأثاث الأصلية».

أما في الطابق السفلي، وداخل مساحات ضيقة، فيجلس تمثال عرض (مانيكان) مرتدياً سماعات الرأس أمام معدات التنصت وأجهزة التسجيل، بينما تصطف علب المواد الغذائية الأساسية التي تعود لتلك الحقبة (مثل القهوة والشاي والملح) على رفوف المخزن. كما أُعيد تصميم «غرفة المسودات» - حيث كانت تتم طباعة المخطوطات وترجمتها ونسخها - وغرفة الطعام (الميس) بدقة متناهية تحاكي الواقع الأصلي.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

يوميات الشرق المتاحف المصرية في «متاحف»

حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

لم تصدر من مجلة «متاحف» سوى أربعة أعداد حتى الآن، لكنها نجحت في فتح نافذة واسعة على عالم المتاحف العربية، مقدمةً للقارئ خريطة ثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية…

عبير مشخص (لندن)
عالم الاعمال معرض «التاريخ الطبيعي أبوظبي» يستعرض 13.8 مليار عام عبر مكعبات «ليغو»

معرض «التاريخ الطبيعي أبوظبي» يستعرض 13.8 مليار عام عبر مكعبات «ليغو»

يفتتح متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، في 21 أغسطس، معرض «ناتشورال بريك ستوري – ليغو شوز»، في تجربة عالمية تُقام للمرة الأولى ولفترة محدودة.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
أوروبا صورة الواجهة الخارجية لمتحف «ترينت بارك» الجديد بعد افتتاحه مؤخراً في أنفيلد شمال لندن 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

منزل بريطاني للتنصت على جنرالات نازيين يتحوّل إلى متحف يروي أسراراً من الحرب

افتُتح متحف في منزل بريطاني استُخدم خلال الحرب العالمية الثانية للتنصت سراً على جنرالات نازيين، وكشف معلومات عسكرية ساعدت بريطانيا وأخّرت تطوير صواريخ «في-2».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جانب من عرض «خيوط ذهبية» (الشرق الأوسط)

«خيوط من ذهب»... ثياب من نجد تتألق في متحف فيكتوريا آند ألبرت

ثياب نسائية من نجد ترافقها رسومات للفنانة السعودية صفية بن زقر وصورة تاريخية لفتاة أوروبية في مدينة جدة تأخذ زائر «جميل غاليري للفن الإسلامي» من لندن للسعودية.

عبير مشخص (لندن)
الولايات المتحدة​ حارس يرحب بزوار المتحف الوطني للتاريخ الأميركي عقب إعادة فتحه بعد إغلاق حكومي طويل في نوفمبر الماضي (رويترز)

ترمب يأمر بتحذير زوّار متحف التاريخ الأميركي من معلومات «غير صحيحة»

أصدر دونالد ترمب مرسوماً يقضي بنشر لافتات تحذّر زوار المتحف الوطني للتاريخ الأميركي في واشنطن، من أنه يقدّم لهم معلومات «غير صحيحة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended