أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
TT

أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي

يخبرنا التاريخ الموثّق بأن أوروبا شهدت أكثر من ألفي حرب؛ بدءاً من صراعات المدن الإغريقية ووصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية. وكان هذا نتاجاً لجغرافيتها القائمة على تشرذم الدول التي يتمسك كل منها بحدوده وسيادته، بالإضافة إلى تباين الانتماءات الإثنية والدينية، والطموحات التوسعية، والصراعات على الموارد وتبدّل التحالفات بصورة متكررة. غير أن هذه الحلقة كُسرت بعد الحرب العالمية الثانية مع قيام التحالفات الحديثة وتعميق التكامل الاقتصادي بين الدول الأوروبية، خصوصاً بعد إنشاء الاتحاد الأوروبي.

وعاش الأوروبيون حالة من التراخي والاطمئنان لعدة عقود؛ معتقدين أن الحروب الكبرى ولّت إلى غير رجعة في قارتهم. وقد بدأت هذه الفترة التي عُرفت باسم «السلام الطويل» بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وترسخت بشكل أكبر بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وانعكس هذا التراخي مباشرة على العقيدة العسكرية الأوروبية، فقُلّصت الموازنات الدفاعية إلى مستويات قياسية (أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وأُلغي التجنيد الإلزامي، وتحولت الجيوش إلى قوات احترافية صغيرة مخصصة لمهمات حفظ السلام الخارجية.

«شارل ديغول» حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها فرنسا (أ.ف.ب)

وكانت «الصفعة الأولى» على وجه السلام حرب البوسنة (1992 - 1995) التي اندلعت بعد تفكك يوغوسلافيا. غير أن الأوروبيين الذين عجزوا عن وقفها (تولت الولايات المتحدة مهمة فرض السلام) رأوا فيها حدثاً إقليمياً طُويت صفحته.

وجاءت الصفعة الثانية بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، لتعقبه الحرب الانفصالية في شرق أوكرانيا بين الناطقين بالروسية والجيش الأوكراني. وتطور هذا الصراع إلى حرب شاملة عندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، فسقط «وهم السلام».

* مؤشرات التراجع

تمر أوروبا بمرحلة تراجع ملحوظ، خصوصاً في النمو الاقتصادي والاستقرار الديمقراطي والأمن. ورغم أن مستويات المعيشة لا تزال مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم، فإن تراكم الأزمات المتزامنة بدأ يقوض تدريجياً مكاسب تحققت على مدى عقود.

وتبرز في هذا السياق صدمات الطاقة والتضخم التي ولّدتها الأزمات الجيوسياسية، لا سيما الصراع في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت طرق الشحن العالمية الحيوية. ونتيجة لذلك، خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 إلى نحو 1.1 في المائة فقط، في حين عاود معدل التضخم الارتفاع ليبلغ نحو 3.1 في المائة على مستوى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأجبر التضخم المرتفع واستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة ما يقارب ثلثي الأسر على السعي المستمر إلى تقليص الإنفاق حتى على الاحتياجات الأساسية، وفق عدد من التقارير المتخصصة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته... وبدا في الخلف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال قمة الحلف بأنقرة (رويترز)

يضاف إلى ذلك أن الفارق بين الاقتصاد الأوروبي ومنافسيه يتّسع؛ فضعف نمو الإنتاجية، وشيخوخة القوى العاملة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاستقلالية الاستراتيجية، كلها عوامل تدفع أوروبا نحو مرحلة طويلة من النمو البطيء، بمعدلات أدنى بكثير من متوسطاتها التاريخية.

وعلى المستوى السياسي، أورد تقرير الديمقراطية الصادر عن معهد «V-Dem (Varieties of Democracy» السويدي المرموق، أن «الموجة الثالثة من الاستبداد» (تآكل المؤسسات، وتردّي القوانين الانتخابية، والتضييق على حرية التعبير...) التي يقول علماء السياسة إنها بدأت في عام 2010، باتت تؤثر بعمق في أوروبا. وقد صُنّفت 5 دول أوروبية؛ هي إيطاليا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، والمملكة المتحدة، ضمن الدول التي تشهد تراجعاً ديمقراطياً ملحوظاً.

في موازاة ذلك، يواجه نموذج أوروبا القائم على الانفتاح والتكامل، ضغوطاً متزايدة؛ فقد دفعت موجات الهجرة غير النظامية، وتصاعد التوترات الثقافية الداخلية، والانقسامات السياسية، عدداً من الحكومات الأوروبية إلى تشديد إجراءاتها الحدودية وإعادة فرض قيود كانت قد خُففت سابقاً، ولك في ظل صعود كبير لليمين المتطرف ونسبيّ لليسار المتطرف.

* تصاعد أعباء الدفاع

مع تنامي الأخطار الأمنية الناجمة عن النزاعات الإقليمية، خصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية، راحت الحكومات الأوروبية تضخ مليارات اليوروهات لتعزيز موازنات الدفاع وتطوير القدرات العسكرية المشتركة. ورغم أهمية هذه النفقات لتعزيز الأمن، فإنها تستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية المدنية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج الرعاية.

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

تفصيلاً، سجل الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعاً ضخماً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ رفعت دول الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إنفاقها العسكري بأكثر من 98 في المائة منذ عام 2020. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي في أوروبا نحو 20 في المائة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 418 مليار يورو.

وأعادت موجة إعادة التسلح التاريخية هذه رسم المشهد المالي العسكري في القارة على النحو الآتي:

- الإنفاق الإجمالي: من المتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الأساسي لدول الاتحاد الأوروبي في عام 2026، نحو 454 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.

- الاستثمارات: تشهد الاستثمارات في المعدات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية ارتفاعاً غير مسبوق؛ إذ قفز الإنفاق الدفاعي لدول «الناتو» الأوروبية وكندا بأكثر من 90 مليار دولار (نحو 20 في المائة) خلال عام 2025 وحده.

- الزيادات الوطنية: تتصدر القوى الأوروبية الكبرى هذه الموجة؛ إذ تعتزم ألمانيا رفع إنفاقها الدفاعي السنوي إلى 118 مليار يورو، في حين سجلت دول مثل إسبانيا وإيطاليا زيادات سنوية تاريخية في موازناتها الدفاعية، سعياً إلى تحقيق أهدافها الأمنية الجديدة.

* موقف ترمب من الحلفاء

كانت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الشركاء الأوروبيين التجاريين والحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، العتبة التي جعلت القادة الأوروبيين يتجاوزون سياساتهم المتحفظة نحو اعتماد مقاربة مختلفة لمسألة الأمن الاستراتيجي؛ فالمظلة الأميركية التي حمت أوروبا الغربية طوال عقود رُفعت عملياً، وأمضى ترمب جانباً كبيراً من قمة «الناتو» بأنقرة في توجيه انتقادات علنية إلى حلفائه، معدداً سلسلة من الشكاوى، تراوحت بين بطء التقدم في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي، وضعف انخراطهم في الحرب مع إيران.

نموذج أول لدبابة «Capint» التي ستخرج من مصانع «KNDS» الألمانية - الفرنسية خلال معرض دفاعي في فيلبانت قرب باريس - 15 يونيو 2026 (رويترز)

كذلك، أمر بـ«وقف جميع المبادلات التجارية» مع إسبانيا، فيما بدا أنه رد على رفض مدريد الالتزام بهدف الحلف الخاص بالإنفاق الدفاعي. ووصف إسبانيا بأنها «قضية خاسرة» و«شريك سيئ للغاية في (الناتو)».

كما استغل ترمب القمة ليكرر رغبته في أن تستحوذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وقال: «غرينلاند مهمة جداً للولايات المتحدة، لكنها ليست مهمة بالنسبة إلى الدنمارك. نحن بحاجة إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط».

* هل يكفي السلاح لضمان الأمان؟

الواقع أنه قبل انعقاد قمة «الناتو» في أنقرة، تصدر مطلب زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي جدول الأعمال في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. ورغم أن تعزيز القدرات العسكرية ضرورة لا يختلف الأوروبيون بشأنه، فإن اختزال أمن قارتهم في زيادة مشتريات الأسلحة يعكس فهماً قاصراً لطبيعة التحديات التي تواجهها.

صحيح أن القوة العسكرية تظل ركيزة أساسية للردع، لا سيما بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا ضعف الجاهزية الدفاعية الأوروبية، فإن الأمن لا يقوم على السلاح وحده؛ بل يعتمد أيضاً على التماسك السياسي، وشرعية المؤسسات الديمقراطية، والقيم المشتركة التي يُفترض أن تجمع دولاً متحالفة.

لذا، يحذر مراقبون من تحول «الناتو» إلى تحالف يقوم على منطق المقايضة، بحيث تصبح الحماية الأميركية مرتبطة فقط بحجم الإنفاق الدفاعي الأوروبي الذي سيغذي حكماً الاقتصاد الأميركي عبر شركات الصناعات العسكرية. فهذا المنطق يتجاهل أن الحلف، منذ تأسيسه عام 1949، لم يكن مجرد تحالف عسكري؛ بل نشأ بوصفه كياناً سياسياً يفاخر بأنه يستند إلى الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الفردية، وهي عوامل تعزز الثقة بين الحلفاء وتسهل التعاون العسكري والاستخباراتي.

دمار في أحد أحياء كييف السكنية سبّبه قصف روسي (أ.ف.ب)

ويرى محللون أوروبيون أن الولايات المتحدة نفسها تحتاج إلى حلفاء أقوياء وموثوقين في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة والمستقبلية، وأن مساهمة أوروبا لا تقتصر على الجوانب العسكرية؛ بل تشمل قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة «الناتو» وقدرته على المواجهة.

في المحصلة، يشكل رفع الإنفاق الدفاعي شرطاً ضرورياً لتعزيز الردع، لكنه لا يكفي وحده لبناء أمن أوروبي مستدام؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع تعويض هشاشة الديمقراطية أو ضعف المؤسسات أو تآكل التماسك السياسي. لذلك، فإن أمن أوروبا في العقود المقبلة سيقاس ليس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل أيضاً بقدرتها على صون نموذجها الديمقراطي وتعزيز وحدتها الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.


مقالات ذات صلة

مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

أوروبا عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)

مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

أعلنت مقدونيا الشمالية تفكيك شبكة مواقع وحسابات موالية لروسيا متهمة بنشر معلومات مضللة وإثارة الكراهية وتقويض الثقة بالمؤسسات ومساعي الانضمام للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (سكوبيي (جمهورية مقدونيا الشمالية))
أوروبا  وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

يتوجه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول اليوم إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع على مستوى وزراء الخارجية حول التوسع المزمع للاتحاد الأوروبي في البلقان.

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص التحولات الجيوسياسية تفرض تعاوناً أقوى بين أوروبا ودول الخليج حسب دي مايو (مركز الخليج) p-circle

خاص دي مايو لـ«الشرق الأوسط»: قمة السعودية تدفع لشراكة خليجية - أوروبية أكثر طموحاً

 يتطلع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج إلى بناء شراكة أكثر قوة وطموحاً تشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتقنيات الجديدة خلال القمة المرتقبة في السعودية

عبد الهادي حبتور (الرياض)
أوروبا رئيس الوزراء البلغاري رومن راديف (أ.ب)

بلغاريا تدعو إلى حوار أوروبي مع روسيا يأخذ في الحسبان «الخطر» النووي

رأى رئيس الوزراء البلغاري رومن راديف، في بروكسل، أن أوروبا يجب أن تتحاور مع روسيا لوضع حدّ للحرب في أوكرانيا، مع الأخذ في الحسبان «الخطر» المرتبط بالنووي.

«الشرق الأوسط» (صوفيا - بروكسل)
الاقتصاد امرأة تشتري أكواباً من متجر للهدايا التذكارية في روما (رويترز)

التضخم الإيطالي يقفز إلى 4.1 % في سبتمبر متجاوزاً التوقعات

ارتفعت أسعار المستهلكين في إيطاليا، وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك المنسق، بنسبة 2.0 في المائة خلال سبتمبر، مقارنة بالشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (روما)

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».