قال المدير الفني لمهرجان «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»، نيكلاس إنغستروم، إن اختيار الأفلام في المهرجان لا يعتمد على الجودة الفنية فقط، بل على مجموعة من المعايير المتوازنة التي تشمل الجرأة الفنية والأهمية الاجتماعية وجودة الإنتاج والتنوع الثقافي والجغرافي، موضحاً أن مفهوم «الفيلم الجيد» مسألة نسبية، تختلف من شخص لآخر، ولذلك يعتمد المهرجان على معايير واضحة حتى تكون عملية التقييم عادلة قدر الإمكان.
وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن التنوع بالنسبة لهم لا يعني فقط تمثيل مناطق متعددة، بل أيضاً تقديم وجهات نظر مختلفة حول العالم، لا سيما أن المهرجان يسعى دائماً لتجنُّب أن يقتصر برنامجه على أفلام من أوروبا أو أميركا، بل يحرص على تمثيل مناطق، مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا، مشيراً إلى أن هذا التنوع يمنح المهرجان حيوية خاصة ويعبّر عن رؤيته العالمية.
وأضاف أنه في الوقت نفسه، وبحكم أن المهرجان يُقام في الدنمارك، فإن هناك مسؤولية تجاه دعم السينما الدنماركية ومساعدتها في الوصول إلى الجمهور الدولي، كما هو الحال بالنسبة لمهرجانات عربية، مثل «الجونة»، التي تساعد السينما المصرية في الوصول إلى العالم، موضحاً أن الفريق لا يقارن بالأفلام المقبلة من مناطق مختلفة بشكل مباشر، بل يقيّم كل فيلم على حدة، وفق ظروفه وسياقه الخاص، وبما يخدم فرصته الحقيقية في النجاح.

وأشار إلى أن هناك حالات يضطر فيها المهرجان إلى اختيار فيلم واحد فقط من بين عدة أفلام ممتازة تتناول الموضوع نفسه، حتى لا تتنافس في الدورة ذاتها على نفس الجمهور والاهتمام الإعلامي، موضحاً أن هذا القرار يُتخذ بدافع الحفاظ على فرص كل فيلم في أن يلقى الاهتمام الذي يستحقه في مهرجانات أخرى لاحقة.
وتحدث إنغستروم عن مسألة اختيار الأفلام ذات الطابع السياسي، قائلاً: «هذه القضايا تثير دائماً نقاشات واسعة في عالم المهرجانات، لا سيما في ظل الصراعات الجارية، مثل الحرب في غزة أو الحرب الروسية على أوكرانيا، موضحاً أن المهرجان يتعامل مع هذه القضايا بحساسية ومسؤولية، ويسعى لأن يكون مساحة تلتقي فيها كل الأصوات من مختلف أنحاء العالم، حتى وإن كانت متعارضة سياسياً.
وأكد أن المهرجان لا يتبع سياسة المقاطعة، حتى فيما يخص الأفلام الروسية، على الرغم من موقف كثير من المهرجانات الأوروبية التي قررت رفض مشاركة السينمائيين الروس بسبب الحرب في أوكرانيا، مؤكداً أن فريقه يرفض معاقبة المخرجين الروس لأن كثيراً منهم يعارضون الحرب علناً ويواجهون ضغوطاً كبيرة داخل بلادهم، وبالتالي يحتاجون لدعم المهرجانات الدولية كي يواصلوا عملهم بحرية، لأنهم في النهاية يمثلون صوتاً مقاوماً في مجتمعاتهم.

وأشار إلى أن بعض المهرجانات خضعت لضغوط سياسية من حكوماتها وقررت إقصاء المخرجين الروس، لكن الوضع في الدنمارك مختلف؛ حيث توجد تقاليد ثقافية عريقة في احترام استقلال المؤسسات الفنية عن السلطة السياسية، وهو ما يجعل المهرجان يتمتع بحرية تامة في اختياراته، ولا يقبلون أن يُملى عليهم ما يجب عرضه أو منعه.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية، قال إنغستروم إن ما يجري في غزة من هجمات إسرائيلية وانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان لا يمكن تجاهله، وإنه لا يمكن اعتبار الأفلام الإسرائيلية بعيدة عن الواقع السياسي، مؤكداً أن المهرجان لا يفرض حظراً على أي فيلم لمجرد جنسية صانعه، لكنه في المقابل يحرص على أن يكون كل فيلم يعرضه مرتبطاً بالواقع الإنساني والحقائق المؤلمة التي يعيشها الناس في العالم.
وأوضح أن «المهرجان يسعى في المقابل لتسليط الضوء على القصص الفلسطينية وعلى الحياة اليومية للفلسطينيين، سواء في غزة أو في الشتات، مشيراً إلى أن هذا الاهتمام لا يعني إهمال بقية القصص العربية في ظل رغبتهم بألا يتحول تركيز المهرجان على فلسطين دافعاً إلى تهميش قضايا أخرى في المنطقة مثل ما يحدث في لبنان أو السودان أو سوريا، في ظل بحثهم عن التنوع في عرض القصص العربية هو ما يمنح المهرجان صدقه الإنساني واتساع رؤيته»، وفق تعبيره
وفي حديثه عن السينما العربية، قال المدير الفني لمهرجان «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» إن المشهد العربي بشكل عام يشهد تطوراً لافتاً، في ظل وجود تجارب متنوعة ومثيرة في المنطقة؛ خصوصاً من لبنان الذي يقدّم منذ فترة طويلة أعمالاً وثائقية مميزة، مشيراً إلى أن ما يلاحظه هو وجود رغبة متزايدة لدى المخرجين العرب في التجريب واستخدام أساليب جديدة في السرد البصري، إلى جانب تعاون متنامٍ بين صنّاع الأفلام العرب ومنتجين أوروبيين، وهو ما يفتح فرصاً جديدة أمام السينما العربية للانتشار. وعبّر عن تفاؤله بهذا التطور، رغم إدراكه أن التمويل والإنتاج في المنطقة ما زالا تحدياً كبيراً أمام صانعي الأفلام.
وأشار إلى أن زيادة عدد الأفلام العربية المقدّمة للمهرجان خلال السنوات الأخيرة تعكس هذا النشاط، موضحاً أن عدد الأفلام المقدّمة ارتفع من نحو 2000 إلى أكثر من 3000 خلال العامين الماضيين، وهي زيادة كبيرة وسريعة تدل أيضاً على اتساع شهرة المهرجان عالمياً.

وحول توقيت إقامة المهرجان بين مهرجاني «برلين» و«كان» بعد تعديل موعده قبل عدة سنوات، أكد إنغستروم أن هدف المهرجان ليس منافسة هذه الأسماء العريقة بقدر ما هو ترسيخ هويته الخاصة كمنصة رائدة للأفلام الوثائقية، موضحاً أن مهرجان «كوبنهاغن» يختلف عن مهرجانات السينما الروائية، لأنه يحتفي بالواقع ويحوّله إلى فن، بالإضافة إلى أن مهرجان «كان» نادراً ما يعرض أفلاماً وثائقية، بينما يتيح «برلين السينمائي» مساحة أوسع لها، ومع ذلك فإن مهرجان «كوبنهاغن» اليوم أصبح منصة مركزية للسينما الوثائقية المعاصرة، تجمع بين الجمال الفني والاهتمام العميق بالواقع الإنساني.
وقال إن «قيمة المهرجان الحقيقية تكمن في كونه جسراً بين السينما والناس، فهو لا يخاطب فقط عشّاق السينما، بل أيضاً الجمهور العادي المهتم بفهم العالم من حوله»، مشيراً إلى أنه «يسعى لجعل المهرجان تجربة وطنية في الدنمارك، بحيث يعرفه الجميع ويشاركون فيه، خصوصاً أن المهرجان الذي تقام دورته الـ23 في مارس المقبل ما زال في مرحلة النمو مقارنة بالمهرجانات الضخمة، لكنه بات يحتل موقعاً متميزاً على خريطة المهرجانات الوثائقية العالمية».














