نيكلاس إنغستروم: نحافظ على استقلال «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»

المدير الفني للمهرجان تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن معايير اختيار الأعمال

المدير الفني للمهرجان نيكلاس إنغستروم (الشرق الأوسط)
المدير الفني للمهرجان نيكلاس إنغستروم (الشرق الأوسط)
TT

نيكلاس إنغستروم: نحافظ على استقلال «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»

المدير الفني للمهرجان نيكلاس إنغستروم (الشرق الأوسط)
المدير الفني للمهرجان نيكلاس إنغستروم (الشرق الأوسط)

قال المدير الفني لمهرجان «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية»، نيكلاس إنغستروم، إن اختيار الأفلام في المهرجان لا يعتمد على الجودة الفنية فقط، بل على مجموعة من المعايير المتوازنة التي تشمل الجرأة الفنية والأهمية الاجتماعية وجودة الإنتاج والتنوع الثقافي والجغرافي، موضحاً أن مفهوم «الفيلم الجيد» مسألة نسبية، تختلف من شخص لآخر، ولذلك يعتمد المهرجان على معايير واضحة حتى تكون عملية التقييم عادلة قدر الإمكان.

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن التنوع بالنسبة لهم لا يعني فقط تمثيل مناطق متعددة، بل أيضاً تقديم وجهات نظر مختلفة حول العالم، لا سيما أن المهرجان يسعى دائماً لتجنُّب أن يقتصر برنامجه على أفلام من أوروبا أو أميركا، بل يحرص على تمثيل مناطق، مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا، مشيراً إلى أن هذا التنوع يمنح المهرجان حيوية خاصة ويعبّر عن رؤيته العالمية.

وأضاف أنه في الوقت نفسه، وبحكم أن المهرجان يُقام في الدنمارك، فإن هناك مسؤولية تجاه دعم السينما الدنماركية ومساعدتها في الوصول إلى الجمهور الدولي، كما هو الحال بالنسبة لمهرجانات عربية، مثل «الجونة»، التي تساعد السينما المصرية في الوصول إلى العالم، موضحاً أن الفريق لا يقارن بالأفلام المقبلة من مناطق مختلفة بشكل مباشر، بل يقيّم كل فيلم على حدة، وفق ظروفه وسياقه الخاص، وبما يخدم فرصته الحقيقية في النجاح.

تنطلق النسخة الجديدة من المهرجان في مارس المقبل (إدارة المهرجان)

وأشار إلى أن هناك حالات يضطر فيها المهرجان إلى اختيار فيلم واحد فقط من بين عدة أفلام ممتازة تتناول الموضوع نفسه، حتى لا تتنافس في الدورة ذاتها على نفس الجمهور والاهتمام الإعلامي، موضحاً أن هذا القرار يُتخذ بدافع الحفاظ على فرص كل فيلم في أن يلقى الاهتمام الذي يستحقه في مهرجانات أخرى لاحقة.

وتحدث إنغستروم عن مسألة اختيار الأفلام ذات الطابع السياسي، قائلاً: «هذه القضايا تثير دائماً نقاشات واسعة في عالم المهرجانات، لا سيما في ظل الصراعات الجارية، مثل الحرب في غزة أو الحرب الروسية على أوكرانيا، موضحاً أن المهرجان يتعامل مع هذه القضايا بحساسية ومسؤولية، ويسعى لأن يكون مساحة تلتقي فيها كل الأصوات من مختلف أنحاء العالم، حتى وإن كانت متعارضة سياسياً.

وأكد أن المهرجان لا يتبع سياسة المقاطعة، حتى فيما يخص الأفلام الروسية، على الرغم من موقف كثير من المهرجانات الأوروبية التي قررت رفض مشاركة السينمائيين الروس بسبب الحرب في أوكرانيا، مؤكداً أن فريقه يرفض معاقبة المخرجين الروس لأن كثيراً منهم يعارضون الحرب علناً ويواجهون ضغوطاً كبيرة داخل بلادهم، وبالتالي يحتاجون لدعم المهرجانات الدولية كي يواصلوا عملهم بحرية، لأنهم في النهاية يمثلون صوتاً مقاوماً في مجتمعاتهم.

زاد عدد الأفلام التي تتقدم للمشاركة في عروض المهرجان (إدارة المهرجان)

وأشار إلى أن بعض المهرجانات خضعت لضغوط سياسية من حكوماتها وقررت إقصاء المخرجين الروس، لكن الوضع في الدنمارك مختلف؛ حيث توجد تقاليد ثقافية عريقة في احترام استقلال المؤسسات الفنية عن السلطة السياسية، وهو ما يجعل المهرجان يتمتع بحرية تامة في اختياراته، ولا يقبلون أن يُملى عليهم ما يجب عرضه أو منعه.

وبالنسبة للقضية الفلسطينية، قال إنغستروم إن ما يجري في غزة من هجمات إسرائيلية وانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان لا يمكن تجاهله، وإنه لا يمكن اعتبار الأفلام الإسرائيلية بعيدة عن الواقع السياسي، مؤكداً أن المهرجان لا يفرض حظراً على أي فيلم لمجرد جنسية صانعه، لكنه في المقابل يحرص على أن يكون كل فيلم يعرضه مرتبطاً بالواقع الإنساني والحقائق المؤلمة التي يعيشها الناس في العالم.

وأوضح أن «المهرجان يسعى في المقابل لتسليط الضوء على القصص الفلسطينية وعلى الحياة اليومية للفلسطينيين، سواء في غزة أو في الشتات، مشيراً إلى أن هذا الاهتمام لا يعني إهمال بقية القصص العربية في ظل رغبتهم بألا يتحول تركيز المهرجان على فلسطين دافعاً إلى تهميش قضايا أخرى في المنطقة مثل ما يحدث في لبنان أو السودان أو سوريا، في ظل بحثهم عن التنوع في عرض القصص العربية هو ما يمنح المهرجان صدقه الإنساني واتساع رؤيته»، وفق تعبيره

وفي حديثه عن السينما العربية، قال المدير الفني لمهرجان «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» إن المشهد العربي بشكل عام يشهد تطوراً لافتاً، في ظل وجود تجارب متنوعة ومثيرة في المنطقة؛ خصوصاً من لبنان الذي يقدّم منذ فترة طويلة أعمالاً وثائقية مميزة، مشيراً إلى أن ما يلاحظه هو وجود رغبة متزايدة لدى المخرجين العرب في التجريب واستخدام أساليب جديدة في السرد البصري، إلى جانب تعاون متنامٍ بين صنّاع الأفلام العرب ومنتجين أوروبيين، وهو ما يفتح فرصاً جديدة أمام السينما العربية للانتشار. وعبّر عن تفاؤله بهذا التطور، رغم إدراكه أن التمويل والإنتاج في المنطقة ما زالا تحدياً كبيراً أمام صانعي الأفلام.

وأشار إلى أن زيادة عدد الأفلام العربية المقدّمة للمهرجان خلال السنوات الأخيرة تعكس هذا النشاط، موضحاً أن عدد الأفلام المقدّمة ارتفع من نحو 2000 إلى أكثر من 3000 خلال العامين الماضيين، وهي زيادة كبيرة وسريعة تدل أيضاً على اتساع شهرة المهرجان عالمياً.

يسعى القائمون على المهرجان لبناء هويته الخاصة (إدارة المهرجان)

وحول توقيت إقامة المهرجان بين مهرجاني «برلين» و«كان» بعد تعديل موعده قبل عدة سنوات، أكد إنغستروم أن هدف المهرجان ليس منافسة هذه الأسماء العريقة بقدر ما هو ترسيخ هويته الخاصة كمنصة رائدة للأفلام الوثائقية، موضحاً أن مهرجان «كوبنهاغن» يختلف عن مهرجانات السينما الروائية، لأنه يحتفي بالواقع ويحوّله إلى فن، بالإضافة إلى أن مهرجان «كان» نادراً ما يعرض أفلاماً وثائقية، بينما يتيح «برلين السينمائي» مساحة أوسع لها، ومع ذلك فإن مهرجان «كوبنهاغن» اليوم أصبح منصة مركزية للسينما الوثائقية المعاصرة، تجمع بين الجمال الفني والاهتمام العميق بالواقع الإنساني.

وقال إن «قيمة المهرجان الحقيقية تكمن في كونه جسراً بين السينما والناس، فهو لا يخاطب فقط عشّاق السينما، بل أيضاً الجمهور العادي المهتم بفهم العالم من حوله»، مشيراً إلى أنه «يسعى لجعل المهرجان تجربة وطنية في الدنمارك، بحيث يعرفه الجميع ويشاركون فيه، خصوصاً أن المهرجان الذي تقام دورته الـ23 في مارس المقبل ما زال في مرحلة النمو مقارنة بالمهرجانات الضخمة، لكنه بات يحتل موقعاً متميزاً على خريطة المهرجانات الوثائقية العالمية».


مقالات ذات صلة

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

سينما لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

بعد 44 سنة من إقامته في مدينة بارك سيتي بولاية يوتاه، ينتقل مهرجان صندانس، بدءاً من العام المقبل، إلى بلدة صغيرة روعي فيها أن تشكّل مجتمعاً مشابهاً لذلك...

محمد رُضا (بارك سيتي - يوتاه)
المشرق العربي طاقم عمل فيلم «أميركان دكتور» خلال مهرجان «ساندانس» السينمائي لعام 2026 بمسرح راي في يوتاه بالولايات المتحدة 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

فيلم «أميركان دكتور» يروي مأساة الحرب في غزة بعيون أطباء أميركيين

يقدّم فيلم وثائقي عُرض في مهرجان «ساندانس» شهادات أطباء أميركيين عملوا في مستشفيات غزة خلال الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية ترفع جائزة الأسد الفضي من مهرجان البندقية (إ.ب.أ)

«صوت هند رجب» يصل إلى القائمة النهائية لـ«الأوسكار»

نجاح جديد أحرزه الفيلم التونسي «صوت هند رجب» بصعوده للقائمة النهائية لترشيحات الأوسكار الـ98 وهو الترشيح الثالث الذي تحققه المخرجة كوثر بن هنية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

استعاد الملتقى العربي «للعرائس والدمى والفنون المجاورة»، نشاطه مجدداً بعد توقف دام 8 سنوات، منذ دورته الرابعة التي أقيمت عام 2018.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)

«العائلة والأصدقاء»... عنوان النسخة 32 من «البستان الدولي»

مؤتمر صحافي عُقد في «فندق البستان» في بلدة بيت مري الجبلية، أُعلن فيه عن النسخة الـ32 من «مهرجان البستان الدولي»، التي تتضمن 16 حفلاً فنياً.

فيفيان حداد (بيروت)

الكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس المصري

دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)
دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)
TT

الكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس المصري

دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)
دار الكتب المصرية تكشف عن أسطوانات نادرة (دار الكتب المصرية)

كشفت دار الكتب والوثائق المصرية عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس المصري في عقود قديمة منذ إنشاء البوليس في العهد الملكي. وجاء هذا الكشف بالتزامن مع احتفالات مصر بعيد الشرطة المقرر في 25 يناير (كانون الثاني)، تخليداً لبطولات رجال الشرطة في مواقع مختلفة وخلال أحداث عدة.

وأعلنت دار الكتب المصرية عن استعراض مجموعة فريدة ومتميزة من المقتنيات الصوتية التاريخية بقاعة الموسيقى، التي قامت بجمعها وتوثيقها الباحثة رشا أحمد، مديرة قاعة الموسيقى.

«وبينما تحتفي مصر بذكرى البطولات الخالدة لرجال الشرطة، تفتح دار الكتب والوثائق القومية خزائن كنوزها لتكشف عن مقتنياتٍ فريدة لم يمحُ الزمان بريقها»، وفق تصريحات صحافية للدكتور أسامة طلعت، رئيس دار الكتب والوثائق المصرية.

مضيفاً في بيان: «إننا لا نعرض مجرد أسطوانات موسيقية، بل نكشف عن (أصوات التاريخ) التي وثقت هيبة الدولة المصرية وعظمة مؤسساتها، فهذه المقتنيات دليل حي على أن الشرطة المصرية كانت، ولا تزال، رمزاً للتمدن والرقي الفني بقدر ما هي رمزٌ للانضباط والفداء»، ولفت إلى أن هذه الأسطوانات النادرة التي تعود لـ«مدرسة البوليس»، و«هي كنز وطني نضعه اليوم أمام الأجيال؛ ليعرفوا أن ذاكرة الوطن في دارنا هي حصنٌ منيع يحفظ تراثنا العسكري والمدني بكل فخر وإجلال»، على حد تعبيره في البيان.

وتأسست أول مدرسة للبوليس المصري عام 1896، وقبل ذلك في عهد أسرة محمد علي كان العرف السائد أن يقوم رجال الجيش بمهام نظارة الداخلية، ومع استقلال مدرسة البوليس تفرعت مهامها وأقسامها التي تستهدف ضبط الأمن وإرساء الأمان في الشارع، وفق ما ورد في كتاب «البوليس المصري» للمؤرخ عبد الوهاب بكر.

أسطوانات نادرة لموسيقى البوليس (دار الكتب المصرية)

وتحت عنوان أرشيف النغم والواجب تأتي الأسطوانات السبع النادرة وهي «نشيد كلية البوليس الملكية - السلام الملكي» من ألحان أحمد خيرت، وأداء موسيقى البوليس الملكية وإصدار شركة «His Master's Voice».

وتحتوي الأسطوانة الثانية على «موسيقى مدرسة البوليس: نشيد صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول»، وهي من إصدار أسطوانات أوديون، و«موسيقى مدرسة البوليس والإدارة: مارش سعد باشا زغلول - مارش العزيزي»، من إصدار أسطوانات بوليفون، و«موسيقى مدرسة البوليس: إسكوداره» من إصدار بيضافون كومباني، بالإضافة إلى «مارش فتوح مكة - مارش عباس» من إصدار محمد الصبان ومحمد بدوي ضمن إصدارات أسطوانات أوديون، و«موسيقى مدرسة البوليس: دنس العربي» من أداء La Bande Musicale de Police. بينما تتضمن الأسطوانة السابعة من موسيقى مدرسة البوليس «يا طالع السعد».

من جانبه، يوضح المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «فكرة الموسيقى الخاصة بالبوليس المصري ترجع إلى زمن الاحتلال البريطاني مطلع القرن العشرين»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا النوع من الموسيقى معروفاً في الأوساط الأوروبية وأصبح تقليداً اتبعته الإدارة المصرية في ظل الاحتلال».

ولفت غزيل إلى أنه «بمرور الوقت أدخلت على المقطوعات الموسيقية الخاصة بالبوليس المصري مقطوعات تعكس الحس الوطني والانضباط والالتزام والهيبة، وأصبحت المناسبات الرسمية الكبرى تفتتح بهذا النوع من الموسيقى، وبالتالي يتعدى دورها كونها نوعاً من الفن إلى اعتبارها رمزاً معبراً عن الهيبة والالتزام»، على حد تعبيره.

ويذكر أنه تولى مسؤولية وزارة الداخلية في بدايات القرن العشرين أسماء بارزة في عالم السياسة والفكر من بينهم سعد باشا زغلول، الذي تولى رئاسة الوزراء في عهد الملك فؤاد الأول، وأحمد لطفي السيد، مؤسس جامعة القاهرة، وبعد ثورة يوليو (تموز) 1952 تولّى جمال عبد الناصر مسؤولية وزارة الداخلية؛ نظراً لأهميتها الشديدة.


رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)
فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)
TT

رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)
فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)

رحلت الشاعرة والروائية اللبنانية الفرنكوفونية فينوس خوري غاتا، عن عمر ناهز 88 عاماً، قضتها منشغلةً بكتابة نصوص توازي يومياتها أو تعوِّض ما فاتها، وغالباً ما جاءت مؤلفاتها ذاتيةً، طالعة من معاناتها الخاصة. عاشت كما كتبت، حياةً صاخبةً، مليئةً بالمتناقضات، اختلط فيها الفرح بالألم، والسِّلم بالحرب، والأمومة بالحسِّ الأنثوي الطاغي، وحب باريس بعشق لبنان، والنفور من الغربة بالتعلق بها.

هي ابنة بشري (شمال لبنان)، بلدة جبران خليل جبران الذي ذكرته تكراراً في كتاباتها. من عائلة متواضعة، أم فلاحة وأب قاسٍ، وسم حياتها بالأرق، وتركت شخصيته ندوباً مزمنة على حياتها. بقيت حتى أيامها الأخيرة تكرِّر قصة شقيقها فيكتور الذي كتب الشعر صغيراً وذهب إلى فرنسا لينشر كتاباته مملوءاً بالأمل، وعاد مدمناً مُحطَّماً، فما كان من والده إلا أن أودعه «مستشفى المجانين»، حيث بقي 18 عاماً، ولم يخرج إلا بسبب اندلاع الحرب الأهلية. تقول الشاعرة إن ألمها على شقيقها، وخيبته المأساوية، هو ما دفعها إلى كتابة الشعر بدلاً عنه. كأنما هي بذلك تثأر له، تكتب بقلمه وعلى دفتره وباللغة التي أحبها، وتنتصر حيث أُريد له أن يُهزَم.

تزوَّجت 3 مرات، وأنجبت 4 أبناء. 3 منهم من زوجها الأول اللبناني الذي حملت اسم عائلته خوري. وقبيل الحرب الأهلية عام 1972 انتقلت إلى فرنسا وتزوَّجت من حبِّ حياتها جان غاتا الذي شاركته شغفه بالموسيقى والفن التشكيلي. أنجبت منه ياسمين، وقضى في بداية خمسيناته، لترى بذلك نكبةً لم تكن تنتظرها، لكنها احتفظت باسمه إلى جانب اسم زوجها الأول، ولم تُعرَف باسم عائلتها الأصلية: عبد الساتر. وبعد وفاته تزوَّجت من الثالث. عن الحبيب جان وعن فقده أصدرت كتاب «التوسلات»، كما خصَّت شقيقها فيكتور بكتابها «بيت على حافة الدموع»، وفي روايتها «المرأة التي لم تكن تعرف كيف تحافظ على الرجال» سجَّلت ما يشبه سيرةً ذاتيةً تتحرى من خلالها جواباً عن سؤال ألحَّ عليها: «أريد أن أعرف لماذا يموت رجالي؟ فقد عانيت من ذلك بشدة».

منحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسام الاستحقاق الوطني برتبة الضابط الكبير (وسائل التواصل)

أكثر من 35 كتاباً بين دواوين شعرية ونصوص نثرية، كتبتها فينوس. كان لها في كل سنة كتاب. دارت نصوصها حول ما يدور في وطنها البعيد من عذابات. كتبت عن الحرب الأهلية، وعن ألم الأطفال، وعن فجيعة النساء، وعن البحر الذي يبتلع الجثث ويعيدها منتفخة، وعن النساء اللواتي يجاهدن ليكنّ أنفسهن، وعن الأنوثة الباحثة عن اكتمالها، والرجال الذين يغادرون بالموت أو الفراق. لم تكن موضوعات فينوس خارقة، لكنها دائماً ذات نكهة مختلفة، بفضل خيالها المجنّح، وروحها الشعرية الدائمة التحليق. كانت تفوز باستمرار بنقل نصها الذي يتحدَّث عن موضوع عادي إلى إبداع أدبي بلغة هفهافة، وميل طاغٍ للمصارحة والمكاشفة والمفاجأة.

عملت في المجال الصحافي، في النقد والمتابعة والترجمة، وهو ما فتح أمامها أبواب ترجمة عدد من الشعراء الكبار إلى الفرنسية، خصوصاً في «ملحق النهار» يوم كان يصدر في باريس. ترجمت لأنسي الحاج، وأدونيس، والسياب وغيرهم. ثم عملت ناقدة في صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية. وبعد وصولها إلى فرنسا مباشرة أسهمت في مجلة «أوروبا» التي يخرجها لويس أراغون، حيث كانت تترجمها إلى اللغة العربية.

افتخرت دائماً بأنها التقت سعيد عقل في مطلع حياتها، وهو الذي ساعدها على نشر أشعارها الأولى، وبمساعدته وبفضله انطلقت في عالم الأدب.

من دواوينها «الوجوه غير المكتملة»، و«الأراضي الراكدة»، و«في جنوب الصمت»، و«الظلال وصراخها»، و«من يتكلم باسم الياسمين». ولها من الروايات «اللامتآلفون»، و«حوار حول المسيح أو حول البهلوان»، «ألما خياطة يد».

لمع نجم فينوس خوري غاتا في فرنسا، وفي سماء الفرنكوفونية، وتحوَّلت إلى سفيرة تطير من بلد فرنكفوني إلى آخر، تلتقي الطلاب، وتلقي المحاضرات، وتعقد الحلقات حول فنها الكتابي ومؤلفاتها. تُرجمت كتبها في غالبيتها إلى لغات كثيرة، وهو ما كان يشعرها بالحبور، وبأنها نالت ما أرادت، وبأن ابنة بشري الآتية من قرية الشلالات والقديسين البعيدة النائية وصلت بكتبها إلى كبريات عواصم العالم ولغاتها، وعدَّت ذلك فوزاً كبيراً، منحها بعض الرضا رغم إحساسها العميق بالوحدة؛ بسبب وجود 3 من أبنائها في لبنان.

قيل عنها إنها «صيادة جوائز»؛ لكثرة ما نالت، فقد حصلت على «الجائزة الكبرى للشعر» من الأكاديمية الفرنسية عام 2009، وجائزة «غونكور» عام 2011، وجائزة «بيير الأول لموناكو» عن مجمل أعمالها. وعام 2024 منحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسام الاستحقاق الوطني برتبة الضابط الكبير.

أما أرشيفها فقد أودعته قبيل وفاتها في «معهد مذكرات النشر المعاصر».


ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)
البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)
TT

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)
البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بجائزة «نوبل» في الكيمياء لعام 2025، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها العلماء واهتمامها بهم وفّرت بيئة محفزة مكَّنتهم من تحقيق إنجازات نوعية على المستوى العالمي.

جاء ذلك في كلمته، الخميس، خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست» به بوصفه أول عالم سعودي يحصل على هذه الجائزة؛ تقديراً لإسهاماته الرائدة في تأسيس علم الكيمياء الشبكية، ودوره في دعم وتطوير مجالات الطاقة والبيئة والمواد المتقدمة.

وأتى الاحتفاء بالبروفسور ياغي غداة استقبال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، له، تأكيداً لحرص السعودية على تقدير كفاءاتها العلمية، وإبراز إنجازاتهم في المحافل الدولية، بما يحقق مستهدفات «رؤية 2030» في تعزيز البحث العلمي كركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار.

البروفسور عمر ياغي يتوسط منسوبي مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية خلال احتفائهم به (واس)

وقدَّم الأمير محمد بن سلمان التهنئة للبروفسور ياغي على نيله الجائزة التي تعكس تقديراً وتكريماً لجهوده وما يقدمه في مجال الكيمياء، متمنياً له دوام التوفيق.

وأوضح الفائز بـ«نوبل» أن دعم القيادة السعودية كان له بالغ الأثر في تعزيز منظومة البحث والتطوير والابتكار، مشيراً إلى أن رؤيتها الحكيمة بالاستثمار في الكفاءات الوطنية أسهمت في بناء منظومة بحثية متكاملة تضع المملكة في مصافّ الدول الرائدة علمياً.

وأكد ياغي، وهو المشرف على مركز التميز المشترك في المواد النانوية لتطبيقات الطاقة النظيفة بين «كاكست» وجامعة كاليفورنيا بيركلي، أن هذا التعاون العلمي يُشكّل نموذجاً ملهماً للشراكات طويلة الأمد والاستثمار في العقول، منوهاً بأن ما تحقق في مجال المواد المتقدمة يعكس انتقال العلم من مرحلة الاكتشاف إلى تطبيقات ذات أثر واقعي، ويمثل هذا التوجه أحد أهم التحولات بمسار البحث العلمي العالمي.

جانب من احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالبروفسور عمر ياغي (واس)

وتضمّن برنامج الاحتفاء تكريم الدكتور منير الدسوقي رئيس «كاكست»، والبروفسور ياغي، للفِرق البحثية الفائزة في هاكاثون الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المواد، الذي نظّمته المدينة بالشراكة مع الجامعة و«أكاديمية 32»، حيث فاز بالمركز الأول فريق (NajdGenesis-Al) عن مشروعهم «منصة نجد جينيسيس السعودية للذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء مواد حيوية هجينة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون مُحسّنة للظروف الصناعية الحقيقية».

وحصل على المركز الثاني (Fabricator.ai) عن مشروعهم «نظرة عامة على نظام ذكاء اصطناعي قادر على تصميم وإعادة هندسة وتصنيع مواد قائمة على هياكل معدنية عضوية وتساهمية»، والثالث (Prime-MOF)، عن مشروعهم «التنبؤ باستقرار الأُطر المعدنية العضوية باستخدام نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) لدعم اكتشاف مواد مستدامة».

الدكتور منير الدسوقي والبروفسور عمر ياغي لدى تكريمهما الفِرق الفائزة في هاكاثون الذكاء الاصطناعي (واس)

وفي ختام الاحتفاء، عقد البروفسور ياغي جلسة حوارية مع الطلبة الموهوبين والباحثين، استعرض خلالها محطات من مسيرته العلمية وتجربته البحثية، وشاركهم دروساً وتجارب أسهمت في تشكيل مسيرته الأكاديمية والمهنية. كما قدَّم مجموعة إرشادات علمية ومهنية للباحثين الشباب، مؤكداً أهمية بناء الأساس العلمي المتين في المراحل المبكرة، والاستثمار في تطوير المهارات البحثية، بما يعزز جاهزيتهم للإسهام في مسيرة البحث والابتكار مستقبلاً.

إلى ذلك، قال البروفسور ياغي، في تصريح لقناة «الإخبارية»، عقب الاحتفاء، إن «الأمير محمد بن سلمان حريص على تطوير قاعدة قوية للعلم في المملكة؛ لأن العلم هو بالفعل المصدر الحقيقي للابتكار، ومع الابتكار يمكننا تنمية اقتصادات جديدة، وبناء اقتصادات أكبر»، مُعرباً عن سعادته بوجوده في السعودية، وبلقاء الطلاب السعوديين، ومناقشة المستقبل الذي يحمل أحلامهم، وكيف يمكنهم تحقيقها.

منسوبو مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية يستقبلون البروفسور عمر ياغي احتفاءً به (واس)

وأضاف الفائز بـ«نوبل»: «هناك إمكانات هائلة لدى المملكة، ونحن محظوظون جداً بوجود قيادة مستنيرة تدرك وتُقدِّر العلم وقوته في إحداث التحول في المجتمع»، مشيراً إلى أن السعودية ستواصل صعودها كقوة دولية مؤثرة في العالم.

بدوره، أوضح الدكتور الدسوقي، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن استقبال ولي العهد للبروفيسور ياغي «يُجسِّد رهان المملكة على البحث العلمي والابتكار، واستثمارها في العقول الوطنية بوصفها ثروة استراتيجية لصناعة المستقبل، وترسيخاً لدور السعودية كمنتج للمعرفة ومنصة للريادة العالمية»، مؤكداً أن هذا الإنجاز العالمي يعكس الدعم الكبير الذي يُوليه الأمير محمد بن سلمان للعلم والعلماء.