«نوبل» ياغي تكرس السعودية مركزاً عالمياً للعلم والمعرفة والابتكار

إنجاز تاريخي يُجسِّد أهمية الاستثمار في العقول المبدعة

TT

«نوبل» ياغي تكرس السعودية مركزاً عالمياً للعلم والمعرفة والابتكار

يعد البروفسور عمر ياغي من ألمع العلماء في مجال الكيمياء الشبكية (واس)
يعد البروفسور عمر ياغي من ألمع العلماء في مجال الكيمياء الشبكية (واس)

تُوِّج البروفسور عمر ياغي، بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 المقدمة من الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، بصفته أول عالم سعودي يفوز بها، تقديراً لإسهاماته الريادية في تأسيس علم الكيمياء الشبكية، وتطوير الأطر المعدنية العضوية، والعضوية التساهمية، التي أحدثت ثورة في علوم المواد، وفتحت آفاقاً جديدة لتطبيقات الطاقة النظيفة والمياه والبيئة.

ويعد البروفسور ياغي من ألمع العلماء بمجال الكيمياء الشبكية، حيث ساهم خلال مسيرته العلمية في نشر أكثر من 300 بحث علمي، وحظيت أعماله بأكثر من 250 ألف استشهاد علمي، كما أسَّس عدة شركات عالمية، وأطلق مجموعة مبادرات علمية بمجال الطاقة النظيفة وعلوم المواد.

وأدّت إنجازاته المتميزة إلى حصوله على جوائز عالمية، منها: «الملك فيصل» و«ألبرت آينشتاين» للعلوم، و«وولف» في الكيمياء، و«إيني» للتميز في الطاقة، و«غريغوري أمينوف» من الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، و«فين فيوتشر» للعلوم والتقنيات الناشئة، و«إرنست سولفاي»، و«نوابغ العرب»، إلى جانب أوسمة مرموقة وتصنيفات دولية.

الملك سلمان يُكرّم عمر ياغي بجائزة الملك فيصل في العلوم لعام 2015 (موقع الجائزة)

من جانبه، رفع المهندس عبد الله السواحة وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، التهنئة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بهذا الإنجاز التاريخي الذي يُجسّد ثمرة «رؤية 2030» في تمكين العقول السعودية، واستقطاب الكفاءات العالمية، وتسخير العلم والابتكار لخدمة الإنسان والتنمية المستدامة، مشيداً بما قدمه البروفسور ياغي من إسهامات نوعية عزَّزت مكانة البلاد في ريادة العلوم والبحث والابتكار عالمياً.

بدوره، رفع الدكتور منير الدسوقي، رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست»، الشكر والعرفان لخادم الحرمين الشريفين وولي العهد، على دعمهما المتواصل لمنظومة البحث والتطوير والابتكار، وتمكين الكفاءات الوطنية، واستقطاب العقول المبدعة من أنحاء العالم، بما يعود بالنفع على البلاد في المجالات كافة، تماشياً مع «رؤية 2030».

شاشة تعرض أسماء الثلاثة الحائزين الجائزة بينها اسم عمر ياغي خلال مؤتمر صحافي للأكاديمية في استوكهولم الأربعاء (رويترز)

وقال الدسوقي، إن هذا الفوز «يُجسد رؤية القيادة الرشيدة في أن تكون المملكة مركزاً عالمياً للعلم والمعرفة والابتكار، ويؤكد أن الاستثمار في العقول المبدعة هو طريقنا لبناء مستقبلٍ مستدامٍ للإنسانية»، عادّاً ابتكارات البروفسور ياغي في تصميم وإنتاج مواد نانونية واستخدامها لاستخلاص المياه من الهواء «نموذجاً مُلهماً لما يمكن أن يصنعه العلم حين يجتمع الشغف بالإصرار».

وتحدَّث العالِم السعودي عن لحظة تلقيه خبر الفوز، قائلاً: «لست معتاداً على رنين الهاتف لذلك نظرت إليه ووجدت الاتصال من السويد فأجبت، وكان سكرتير لجنة نوبل والأكاديمية السويدية للعلوم على الهاتف يُبلغني بقرارهم منح الجائزة»، مضيفاً عبر مقطع فيديو مصوَّر: «تحدثت أيضاً مع بعض أعضاء اللجنة، وجميعهم تمنوا لي التوفيق، لكن الأمر كان مثيراً للغاية. لا يُمكنك الاستعداد للحظة مثل هذه، لذا كنت متفاجئاً ومسروراً بالخبر».

يشار إلى أن العالِم ياغي قد حصل على الجنسية السعودية؛ تقديراً لجهوده وإسهاماته العلمية البارزة، ومساهماته في مجال الكيمياء الشبكية والمواد النانوية، وانطلاقاً من مستهدفات «رؤية 2030»؛ نحو تعزيز البيئة الجاذبة لاستقطاب الكفاءات البشرية المتميزة ذات الخبرات والتخصصات التي تُسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والتقنية والعلمية؛ وتعزز الابتكار في البلاد.

كان ياغي متفوقاً في دراسته منذ صغره، وانتقل في الخامسة عشرة من عمره إلى الولايات المتحدة، حيث التحق بكلية المجتمع في وادي هدسون، ثم نال درجة البكالوريوس من جامعة ولاية نيويورك بمدينة ألباني، قبل أن يتلقى دراساته العليا بجامعة إلينوي في أوربانا - شامبين، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء، أعقبها بزمالة ما بعد الدكتوراه من المؤسسة الوطنية للعلوم بجامعة هارفارد عام 1990.

انضم البروفسور ياغي إلى هيئة التدريس بجامعة ولاية أريزونا بين عامي 1992 - 1998، ثم جامعة ميشيغان من 1999 إلى 2006، فجامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس بين 2007 وعام 2012، وأصبح أول من يتبوَّأ كرسي جيمس ونلتجي تريتر للكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا - بيركلي، ومديراً مشاركاً لمعهد كالفي لعلوم النانو، ومختبر لورانس بيركلي القومي.

وحقَّق إنجازات باهرة في تشييد أطر الفلزات العضوية، وطوَّر طرقاً مبتكرة لتصنيع مواد جديدة واستخدام تطبيقاتها بمختلف المجالات؛ بما فيها إدخال الجزيئيات الحيوية والتقاط الغازات مثل ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين. وارتقى بهذا الحقل البحثي الرائد إلى آفاق جديدة ومثيرة، حيث قام بتطوير استراتيجيات اصطناعية وتصاميم ذكية أثارت اهتمام العالم بأسره.

أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا بيركلي عمر ياغي يعمل في مختبره بجامعة كاليفورنيا بيركلي (رويترز)

ونال البروفسور ياغي إثر جهوده وإسهاماته جوائز وشهادات تقدير علمي، منها جائزة إكسون من الجمعية الأميركية للكيمياء عام 1998، وميدالية ساكوني من الجمعية الإيطالية للكيمياء عام 2004. واحتفت الأوساط العلمية بإنجازاته في تخزين الهيدروجين، وتم تصنيفه عام 2006 ضمن أذكى عشرة علماء ومهندسين بالولايات المتحدة. كما نال عام 2007 جائزة وزارة الطاقة الأميركية (برنامج الهيدروجين).

وحاز جازة «نيوكومب كليفلاند» من الجمعية الأميركية للتقدُّم العلمي لأفضل بحث منشور في مجلة «العلوم» الشهيرة عام 2007، وجائزة الجمعية الأميركية للكيمياء في 2009، وهو الوحيد الحاصل على ميدالية جمعية بحوث المواد تقديراً لأعماله الرائدة في تنظير وتصميم وتشييد وتطبيق الأُطر الفلزية – العضوية ذات الثقوب النانوية، كما اختير بوصفه ثاني أشهر علماء الكيمياء استشهاداً بأعمالهم خلال الأعوام 1998 - 2008 من بين 6 آلاف عالم، حيث نُشر له نحو مائتي بحث علمي استُشهِد بها من قبل العلماء الآخرين أكثر من 60 ألف مرة.

أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا بيركلي عمر ياغي يقف بمختبره في الجامعة (رويترز)

وعُيِّن البروفسور ياغي مدير مركز تميز المواد النانونية لتطبيقات الطاقة النظيفة المشترك الذي أسَّسته مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية مع جامعة كاليفورنيا – بيركلي، ومستشار رئيس «كاكست»، وعضو مجلس إدارة هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار في السعودية.


مقالات ذات صلة

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد رسم تخيلي للمتحف السعودي للفن المعاصر في الدرعية (الشرق الأوسط)

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

أُعلن عن ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر في منطقة الدرعية بقيمة 490 مليون دولار (1.84 مليار ريال).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر «بنك البلاد» في العاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني للبنك)

«بنك البلاد» السعودي يقر تغييرات في مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية

استقال ناصر السبيعي من رئاسة مجلس إدارة «بنك البلاد» على أن تسري الاستقالة من 1 يونيو (حزيران) المقبل، وعُين بشار القنيبط رئيساً تنفيذياً للبنك من التاريخ ذاته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

خاص البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

حقَّق القطاع المصرفي السعودي أرباحاً قياسية بلغت 6.4 مليار دولار بالرُّبع الأول من 2026 بنمو 7.6%، مدعوماً بزخم «رؤية 2030» جديدة تماماً.

محمد المطيري (الرياض )
خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

مساعد الزياني (الرياض)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.