قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً، واستلهمها الشعراء في قصائدهم. من هذه الإحالة السماوية تنطلق دار «عزة فهمي» في مجموعتها الجديدة لتبني حواراً بصرياً حول الهلال والنجوم، بوصفهما من أكثر الرموز حضوراً في الفنون والزخارف الإسلامية والعثمانية.

منذ تأسيس الدار، انشغلت عزة فهمي بالبحث في التراث المصري والإسلامي والشرق أوسطي، واستخراج تفاصيله لتقديمها في تصاميم معاصرة، من دون أن تتحول إلى استنساخ للماضي. وتواصل هذا النهج ابنتها أمينة غالي، فهي تشارك والدتها الشغف بالبحث في المراجع التاريخية، وتحويلها إلى مصدر إلهام للتصميم.
ويأتي «ثريا» امتداداً لهذا النهج، مع تركيز واضح على فكرة الترابط؛ وهي الفكرة التي استُلهمت من تكوين الكوكبة نفسها؛ حيث لا تكمن جمالية النجوم في كل نجم على حدة، بل في العلاقة التي تجمع بينها.

هذا المفهوم ينعكس مباشرة على لغة التصميم في المجموعة، إذ تحتل السلسلة مكانة محورية في معظم القطع، بوصفها وسيلة لربط أجزاء الحلي، وعنصراً بصرياً قائماً بذاته. فهذا العنصر يمنح القطعة انسيابية وحركة، ويخلق صلة بين الهلال والنجوم والأحجار والزخارف المختلفة. ولعل هذه المعالجة تُمثل امتداداً لإحدى السمات التي ارتبطت باسم عزة فهمي خلال العقود الماضية، واكتسبت فيها السلسلة حضوراً يكاد يوازي حضور الذهب والأحجار الكريمة في تشكيل هوية الدار.
ولأن الهلال والنجوم رمزان من رموز الفنون العثمانية ظهرا في العمارة والمشغولات المعدنية والمنسوجات والمجوهرات، واستعملتهما «عزة فهمي» نقطة انطلاق لتصاميم تُرجم فيها التاريخ بلغة معاصرة.

ومن أبرز قطع المجموعة عقد «Celestial Scarf Necklace» الذي يُعيد تقديم السلسلة في تصميم مرن يمكن ارتداؤه بأكثر من أسلوب. وتتدلى من العقد سلاسل متفاوتة الطول تتزين برموز الهلال والنجوم، ويحمل نقشاً لعبارة «أوقاتي بتحلو، بتحلو معاك» من أغنية للفنانة وردة في امتداد لأسلوب عزة فهمي في توظيف الشعر والأمثال الشعبية في تصاميمها. وتُشير الدار إلى أن تنفيذ هذا العقد استغرق نحو 82 ساعة من العمل اليدوي، نظراً لما تطلَّبه من تفاصيل دقيقة وروابط متحركة.
التأثير الفيكتوري

ولم تقتصر مراجع المجموعة على الإرث العثماني، بل شملت أيضاً المجوهرات الأوروبية أيضاً. ففي «Beaded Celestial Choker» تستلهم الدار عقد الطوق الفيكتوري، وتعيد تفسيره من خلال 3 صفوف من اللؤلؤ أو الأحجار الملونة، تتوسطها زخرفة الهلال والنجمة المرصعة بالألماس العسلي.

وفي اتجاه آخر، تستعيد المجموعة واحدة من أشهر قطع الحلي المصرية التقليدية من خلال «Kirdan Celestial Necklace»، المستوحى من الكردان الذي ترتديه نساء الريف المصري منذ عقود طويلة. ويأتي هنا بصياغة أكثر مرونة وانسيابية، تتدلى منها نجوم وأحجار كريمة، فيما يحتل الهلال والنجمة مركز التكوين. والنتيجة قطعة تستدعي الذاكرة الشعبية، لكنها تنتمي في خطوطها إلى الحاضر.

ويظهر الاهتمام بالبناء الهندسي أيضاً في «Bracelet Chain Constellation»، الذي يوظف 3 أشكال.
الإسكندرية جزء من القصة
واللافت في هذه المجموعة أيضاً أن الحوار الذي تقترحه «ثريا» لا يقتصر على استحضار الرموز التاريخية بل يمتد إلى الأماكن أيضاً. فقد اختارت الدار مدينة الإسكندرية لتصوير حملتها الخاصة بالمجموعة، وهو اختيار ليس اعتباطياً، فالإسكندرية مدينة تشكلت هويتها من التبادل الثقافي، وتعاقبت عليها حضارات تركت آثارها في عمارتها وشوارعها وميناءها.

ولعل هذا التعدد يجد صداه في المجموعة نفسها، إذ تنتقل بين مرجعيات عثمانية ومصرية وأوروبية من دون أن تبدو مفككة. فكما تحتضن الإسكندرية طبقات تاريخية متجاورة، تجمع «ثريا» بين الكردان المصري، والطوق الفيكتوري، والزخارف العثمانية. ويعود الفضل في الحفاظ على توازن هذه العناصر إلى السلسلة التي تصل بينها، كما تصل الكوكبة بين نجومها.
وهناك بُعد آخر لاختيار الإسكندرية، يتمثل في تاريخها البحري. فقبل ظهور وسائل الملاحة الحديثة، كانت النجوم، ومنها كوكبة الثريا، بمثابة بوصلة يهتدي بها البحارة في رحلاتهم عبر البحر المتوسط. وبالنسبة إلى مدينة ارتبط تاريخها بالميناء والتجارة والسفر، يصبح حضور السماء في هذه المجموعة أكثر من مجرد استعارة جمالية؛ إنه استحضار لعلاقة قديمة بين الإنسان والنجوم، وللدور الذي أدّته السماء يوماً في هداية المسافرين عبر البحر.





















