البدلة... تاريخ من الأناقة

يمر الزمن وتبقى هي صامدة في وجه التغيرات الاجتماعية والسياسية

من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من  مجموعة «كورنيلياني» لربيع  وصيف  2018
من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من مجموعة «كورنيلياني» لربيع وصيف 2018
TT

البدلة... تاريخ من الأناقة

من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من  مجموعة «كورنيلياني» لربيع  وصيف  2018
من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من مجموعة «كورنيلياني» لربيع وصيف 2018

ظهرت البدلة للمرة الأولى في بلاط الملك تشارلز الثاني. كان ذلك في القرن السابع عشر. ومنذ ذلك الحين، وهي عنصر ثابت من عناصر الموضة، لم تتزحزح عن مكانتها رغم تغير الأحوال والأذواق والتوجهات. فمكانتها الرفيعة في خزانة الرجل لا تُضاهى أياً كان عمره وأسلوبه. فيما يتعلق بالخلفية التاريخية، فإن ظهور النموذج الأولي للبدلة تزامن مع ما عرف بـ«حقبة الاسترداد»، حيث أصدر الملك تشارلز الثاني مرسوماً ملكياً في أعقاب تفشي الوباء في لندن، يقضي بأن يتخلى من يحضرون إلى بلاطه عن الملابس التي تتميز بزينة مفرطة وفخامة مبالغ فيها مقابل ارتداء ملابس أكثر بساطة تتألف من معطف طويل وصدرية وربطة عنق.
وبذلك نجد أن السترة بدأت كرمز للتواضع والبساطة في وقت كانت الأغلبية تعاني من ظروف قاسية. وجاء هذا التحول ليكتب نهاية حقبة طويلة كان يجري تقييم مكانة ونفوذ الشخص خلالها بمدى فخامة وغلاء ملابسه.
في القرن التاسع عشر خرجت من القصور والبلاطات لتدخل الحياة العامة بالتدريج، وفي القرن العشرين انتشرت أكثر لتصبح بمثابة الزي الرسمي للرجل.
فقد حققت الرسمية المطلوبة منها، وما تعنيه من مساواة اجتماعية إلى حد ما، من ناحية أن كلَّ من يعمل في الشركات التي تلزم موظفيها بارتدائها، يبدو الجميع بدءاً من المتدربين حتى الرؤساء التنفيذيين، بالصورة ذاتها، باستثناء نوعية القماش والتفاصيل مثل الأزرار وغيرها. فيما عدا ذلك كان تصميمها واحداً، كذلك تأثيرها.
وكان من الطبيعي أن تنتقل إيحاءاتها هاته إلى الصعيد السياسي، إذ أصبح يجري النظر إلى البدلة باعتبارها الزي الرسمي لرجل الدولة الموقر المعاصر. ومع هذا، هناك من يرى أنها تمثل استمرار الإرث الثقافي للحقب الاستعمارية، ما يدفع أعضاء هذا المعسكر، إما لارتداء تصميمات معدلة منها، أو رفضها تماماً وتفضيل الملابس التقليدية عليها.
ورغم الجدل حولها، أثبتت عبر العقود أنها من أكثر قطع الملابس ديناميكية على مستوى العالم لما تحمله بين طياتها من معاني الجدية والثقة، وما تعكسه من قوة ونفوذ ونجاح، وهو ما تؤكده د. كاثرين ليزلي، من مدرسة الموضة في جامعة ولاية كنت، بقولها إن: «البدلة عندما تكون رسمية تحديداً تنقل إلى الآخرين رسالة مفادها الجدية والانتماء إلى نادي الناجحين وأصحاب السلطة، تبعاً للثقافة الغربية».
لكنها تعرضت لبعض التذبذبات في فترة من الفترات، بسبب عزوف بعض الشباب عنها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لما توحيه من صرامة ورسمية، بينما كان التوجه السائد ينادي بالبوهيمية والتمرد على التقاليد وأي قيود تفرضها.
فمجرد لفظ «بدلة» كان يوحي بالرأسمالية. لكنها لحسن الحظ خضعت لعملية تجميل مسحت كل هذه الإيحاءات السلبية لتعود إلى الواجهة مرة أخرى على يد مصممين شباب ضخوها بديناميكية جديدة، ورسموها بخطوط رشيقة. من هؤلاء نذكر، المصمم هادي سليمان، خلال عهده في دار «ديور» الفرنسية. فعندما تولى تصميم الجانب الرجالي حقق ثورة فيها. فككها من تفاصيلها وخفف من كمية قماشها لتأتي محددة على الجسم. كانت الصورة أنيقة تستحضر صور مغنيِّ «الروك آند رول»، وفتحت شهية الشباب عليها. وحتى بعد أن غادر الدار، ظل صداها إيجابياً في صفوف الشباب، لا سيما أن مصممين آخرين التقطوا خيوطها ونسجوها بتصاميم عصرية، ليست بالضرورة بالصورة نفسها، لكن لا تقل عنها شبابية وحيوية.
الطريف أن هذه القطعة أثارت جدالات فلسفية ولا تزال. الفيلسوف والمؤرخ ميشال فوكو أشار إلى كيف أن السلطة نزعت عنها الطابع الشخصي مع بزوغ فجر الحداثة. ففي عهد الملك البريطاني، تقلد رجال البلاط من حوله مناصب متنوعة، وامتلكوا مستويات متباينة من النفوذ، لكنهم لم يعبروا عن ذلك من خلال فخامة ملابسهم. بدلاً عن ذلك، أصبحوا جميعاً يرتدون ملابس متشابهة، لم تنتقص من مكانتهم وقوتهم، لكن محت الجانب الشخصي منا. بوجه عام، كانت البدلة آنذاك مجرد قطعة بسيطة وعملية تناسب التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهو ما حاول البعض تطبيقه في القرن العشرين في أماكن العمل. صحيح أن الجودة تختلف، من ناحية التصميم والقماش المستعمل، وطريقة الخياطة، وما شابه من تفاصيل دقيقة، إلا أنها ظلت بمثابة الزي الرسمي. ومع الوقت ارتقت إلى مصاف الكلاسيكية، بمعنى أنها قطعة أيقونية لا يستغنى عنها الرجل أياً كانت ثقافته وأسلوبه، وذلك أنها تحولت إلى رمز للحداثة، حسبما تنص عليه الثقافة الغربية. ونتيجة لذلك، نجد أن قيادات سياسية من مختلف أرجاء العالم أقروا البدلة الرسمية في صورتها الحديثة كتعبير عن دخول بلادهم عصر الحداثة.
أيضاً، يأتي تبني هذه الشريحة لها كتعبير عن اندماجهم داخل المجتمع العالمي.
الآن ورغم أن شعبيتها في صفوف الشباب بدأت تتراجع لصالح أسلوب «ستريت ستايل» الذي تروج له بيوت أزياء عالمية، من «بالنسياجا» إلى «لويس فويتون» وغيرها، فإن البدلة بشكلها العصري والرشيق لم تختفِ تماماً. يمكن تأكيد هذه الحقيقة حتى بعد أن عزف عنها الساسة والشخصيات النافذة لصالح أسلوب منطلق يتودد لجيل الشباب. ما أكدوه أنهم قد لا يميلون إلى تصاميمها الرسمية باستغنائهم عن ربطة العنق ومنديل الجيب وما شابه من تفاصيل، لكنهم لم يخاصموها تماماً. فهي لا تزال تظهر من خلال سترة مع بنطلون من قماش مختلف أو مع «تي شيرت» أو بتصميم يُبرز رشاقتهم إن لم نقل نحافتهم. من هذا المنظور لم تعد تنتمي إلى جيل الآباء والأجداد، كما لم تعد زياً رسمياً. فكثرة الخيارات وانفتاح الموضة وتشجعيها على تبني أسلوب خاص، فتح أبواب الابتكار فيها، لتصبح وسيلتهم للتميز في زمن أصبح فيه «الكاجوال» هو السيد والمتشابه.
فالبدلة عندما تكون شبابية ومنطلقة لا تتعارض مع الأسلوب «السبور» المستوحى من ثقافة الشارع، وربما قد أصاب البعض بالتخمة. كما أنه بالنسبة للبعض طال أكثر من اللازم، وأصبحوا يحتاجون إلى مضاد قوي له. وإذا كان هادي سليمان سوَّق لهم التصاميم الضيقة على الجسم، فإن راف سيمونز سوَّق لهم تصاميم رشيقة، لكن أكثر عملية، فيما يقترح المخضرم الإيطالي جيورجيو أرماني بدلات واسعة تساعد الطيات على تحديدها. هدفه أن يستقطب جيل الشباب من دون أن يخسر جيل الآباء. بدوره أتقن المصمم بول سميث اللعب، ولا يتوقف عن طرحها بتفاصيل مبتكرة تتمثل في تبطين بلون متوهج أو بتلات ورود وراء الياقة أو على حواشي الأكمام وما شابه.
دار «ألكسندر ماكوين» أيضاً أرادت مخاطبة الشباب. لم تكتفِ بتفصيل لا يُعلى عليه لما يتضمنه من دقة لا يتقنها سوى خياطي «سافيل رو» الشهير، بل أضافت أقمشة غريبة مثل «البروكار»، فضلاً عن رسمات جريئة. فالفكرة هنا ليست قطعة رسمية تجعل صاحبها يذوب مع محيطه وينسجم معه، بل قطعة تميزه وتثير الأنظار إليه.



«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.