البدلة... تاريخ من الأناقة

يمر الزمن وتبقى هي صامدة في وجه التغيرات الاجتماعية والسياسية

من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من  مجموعة «كورنيلياني» لربيع  وصيف  2018
من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من مجموعة «كورنيلياني» لربيع وصيف 2018
TT

البدلة... تاريخ من الأناقة

من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من  مجموعة «كورنيلياني» لربيع  وصيف  2018
من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من مجموعة «كورنيلياني» لربيع وصيف 2018

ظهرت البدلة للمرة الأولى في بلاط الملك تشارلز الثاني. كان ذلك في القرن السابع عشر. ومنذ ذلك الحين، وهي عنصر ثابت من عناصر الموضة، لم تتزحزح عن مكانتها رغم تغير الأحوال والأذواق والتوجهات. فمكانتها الرفيعة في خزانة الرجل لا تُضاهى أياً كان عمره وأسلوبه. فيما يتعلق بالخلفية التاريخية، فإن ظهور النموذج الأولي للبدلة تزامن مع ما عرف بـ«حقبة الاسترداد»، حيث أصدر الملك تشارلز الثاني مرسوماً ملكياً في أعقاب تفشي الوباء في لندن، يقضي بأن يتخلى من يحضرون إلى بلاطه عن الملابس التي تتميز بزينة مفرطة وفخامة مبالغ فيها مقابل ارتداء ملابس أكثر بساطة تتألف من معطف طويل وصدرية وربطة عنق.
وبذلك نجد أن السترة بدأت كرمز للتواضع والبساطة في وقت كانت الأغلبية تعاني من ظروف قاسية. وجاء هذا التحول ليكتب نهاية حقبة طويلة كان يجري تقييم مكانة ونفوذ الشخص خلالها بمدى فخامة وغلاء ملابسه.
في القرن التاسع عشر خرجت من القصور والبلاطات لتدخل الحياة العامة بالتدريج، وفي القرن العشرين انتشرت أكثر لتصبح بمثابة الزي الرسمي للرجل.
فقد حققت الرسمية المطلوبة منها، وما تعنيه من مساواة اجتماعية إلى حد ما، من ناحية أن كلَّ من يعمل في الشركات التي تلزم موظفيها بارتدائها، يبدو الجميع بدءاً من المتدربين حتى الرؤساء التنفيذيين، بالصورة ذاتها، باستثناء نوعية القماش والتفاصيل مثل الأزرار وغيرها. فيما عدا ذلك كان تصميمها واحداً، كذلك تأثيرها.
وكان من الطبيعي أن تنتقل إيحاءاتها هاته إلى الصعيد السياسي، إذ أصبح يجري النظر إلى البدلة باعتبارها الزي الرسمي لرجل الدولة الموقر المعاصر. ومع هذا، هناك من يرى أنها تمثل استمرار الإرث الثقافي للحقب الاستعمارية، ما يدفع أعضاء هذا المعسكر، إما لارتداء تصميمات معدلة منها، أو رفضها تماماً وتفضيل الملابس التقليدية عليها.
ورغم الجدل حولها، أثبتت عبر العقود أنها من أكثر قطع الملابس ديناميكية على مستوى العالم لما تحمله بين طياتها من معاني الجدية والثقة، وما تعكسه من قوة ونفوذ ونجاح، وهو ما تؤكده د. كاثرين ليزلي، من مدرسة الموضة في جامعة ولاية كنت، بقولها إن: «البدلة عندما تكون رسمية تحديداً تنقل إلى الآخرين رسالة مفادها الجدية والانتماء إلى نادي الناجحين وأصحاب السلطة، تبعاً للثقافة الغربية».
لكنها تعرضت لبعض التذبذبات في فترة من الفترات، بسبب عزوف بعض الشباب عنها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لما توحيه من صرامة ورسمية، بينما كان التوجه السائد ينادي بالبوهيمية والتمرد على التقاليد وأي قيود تفرضها.
فمجرد لفظ «بدلة» كان يوحي بالرأسمالية. لكنها لحسن الحظ خضعت لعملية تجميل مسحت كل هذه الإيحاءات السلبية لتعود إلى الواجهة مرة أخرى على يد مصممين شباب ضخوها بديناميكية جديدة، ورسموها بخطوط رشيقة. من هؤلاء نذكر، المصمم هادي سليمان، خلال عهده في دار «ديور» الفرنسية. فعندما تولى تصميم الجانب الرجالي حقق ثورة فيها. فككها من تفاصيلها وخفف من كمية قماشها لتأتي محددة على الجسم. كانت الصورة أنيقة تستحضر صور مغنيِّ «الروك آند رول»، وفتحت شهية الشباب عليها. وحتى بعد أن غادر الدار، ظل صداها إيجابياً في صفوف الشباب، لا سيما أن مصممين آخرين التقطوا خيوطها ونسجوها بتصاميم عصرية، ليست بالضرورة بالصورة نفسها، لكن لا تقل عنها شبابية وحيوية.
الطريف أن هذه القطعة أثارت جدالات فلسفية ولا تزال. الفيلسوف والمؤرخ ميشال فوكو أشار إلى كيف أن السلطة نزعت عنها الطابع الشخصي مع بزوغ فجر الحداثة. ففي عهد الملك البريطاني، تقلد رجال البلاط من حوله مناصب متنوعة، وامتلكوا مستويات متباينة من النفوذ، لكنهم لم يعبروا عن ذلك من خلال فخامة ملابسهم. بدلاً عن ذلك، أصبحوا جميعاً يرتدون ملابس متشابهة، لم تنتقص من مكانتهم وقوتهم، لكن محت الجانب الشخصي منا. بوجه عام، كانت البدلة آنذاك مجرد قطعة بسيطة وعملية تناسب التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهو ما حاول البعض تطبيقه في القرن العشرين في أماكن العمل. صحيح أن الجودة تختلف، من ناحية التصميم والقماش المستعمل، وطريقة الخياطة، وما شابه من تفاصيل دقيقة، إلا أنها ظلت بمثابة الزي الرسمي. ومع الوقت ارتقت إلى مصاف الكلاسيكية، بمعنى أنها قطعة أيقونية لا يستغنى عنها الرجل أياً كانت ثقافته وأسلوبه، وذلك أنها تحولت إلى رمز للحداثة، حسبما تنص عليه الثقافة الغربية. ونتيجة لذلك، نجد أن قيادات سياسية من مختلف أرجاء العالم أقروا البدلة الرسمية في صورتها الحديثة كتعبير عن دخول بلادهم عصر الحداثة.
أيضاً، يأتي تبني هذه الشريحة لها كتعبير عن اندماجهم داخل المجتمع العالمي.
الآن ورغم أن شعبيتها في صفوف الشباب بدأت تتراجع لصالح أسلوب «ستريت ستايل» الذي تروج له بيوت أزياء عالمية، من «بالنسياجا» إلى «لويس فويتون» وغيرها، فإن البدلة بشكلها العصري والرشيق لم تختفِ تماماً. يمكن تأكيد هذه الحقيقة حتى بعد أن عزف عنها الساسة والشخصيات النافذة لصالح أسلوب منطلق يتودد لجيل الشباب. ما أكدوه أنهم قد لا يميلون إلى تصاميمها الرسمية باستغنائهم عن ربطة العنق ومنديل الجيب وما شابه من تفاصيل، لكنهم لم يخاصموها تماماً. فهي لا تزال تظهر من خلال سترة مع بنطلون من قماش مختلف أو مع «تي شيرت» أو بتصميم يُبرز رشاقتهم إن لم نقل نحافتهم. من هذا المنظور لم تعد تنتمي إلى جيل الآباء والأجداد، كما لم تعد زياً رسمياً. فكثرة الخيارات وانفتاح الموضة وتشجعيها على تبني أسلوب خاص، فتح أبواب الابتكار فيها، لتصبح وسيلتهم للتميز في زمن أصبح فيه «الكاجوال» هو السيد والمتشابه.
فالبدلة عندما تكون شبابية ومنطلقة لا تتعارض مع الأسلوب «السبور» المستوحى من ثقافة الشارع، وربما قد أصاب البعض بالتخمة. كما أنه بالنسبة للبعض طال أكثر من اللازم، وأصبحوا يحتاجون إلى مضاد قوي له. وإذا كان هادي سليمان سوَّق لهم التصاميم الضيقة على الجسم، فإن راف سيمونز سوَّق لهم تصاميم رشيقة، لكن أكثر عملية، فيما يقترح المخضرم الإيطالي جيورجيو أرماني بدلات واسعة تساعد الطيات على تحديدها. هدفه أن يستقطب جيل الشباب من دون أن يخسر جيل الآباء. بدوره أتقن المصمم بول سميث اللعب، ولا يتوقف عن طرحها بتفاصيل مبتكرة تتمثل في تبطين بلون متوهج أو بتلات ورود وراء الياقة أو على حواشي الأكمام وما شابه.
دار «ألكسندر ماكوين» أيضاً أرادت مخاطبة الشباب. لم تكتفِ بتفصيل لا يُعلى عليه لما يتضمنه من دقة لا يتقنها سوى خياطي «سافيل رو» الشهير، بل أضافت أقمشة غريبة مثل «البروكار»، فضلاً عن رسمات جريئة. فالفكرة هنا ليست قطعة رسمية تجعل صاحبها يذوب مع محيطه وينسجم معه، بل قطعة تميزه وتثير الأنظار إليه.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.