2025... صعود جيل جديد من المصممين يعيد صياغة مفهوم الموضة

عام اهتزت فيه المنظومة التقليدية وبزغ نجم الشرق الأوسط عالمياً

من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)
من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)
TT

2025... صعود جيل جديد من المصممين يعيد صياغة مفهوم الموضة

من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)
من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)

لم يشهد عالم الموضة منذ تسعينات القرن الماضي عاصفة تغيير تشبه تلك التي يعيشها في عام 2025، إلى حد يُخلف الانطباع بأن هذه الصناعة تخلع جلدها تحسُباً للمستقبل الذي بات يقتضي تعاملاً ربما يكون صادماً لمواجهة تقلبات الأسواق، وما نتج عنها من تباطؤ وتغيّر في سلوكيات المستهلك الشرائية.

هذه العاصفة من التقلبات والتغيرات هذا العام تُذكرنا إلى حدّ بعيد بعام 1997، الذي شهد ما وصفه البعض بـ«الانفجار الكبير للموضة». كانت المجموعات العملاقة حينها بدأت تفرض سطوتها على الساحة. مجموعة «إل في إم أتش» مثلاً احتفلت آنذاك بعامها العاشر، بإطلاق سلسلة من التعيينات غيّرت وجه الموضة. كان هدفها ضخّ الدور الكبرى التي تملكها بدماء جديدة. عيّنت مارك جاكوبس في دار «لويس فويتون»، وجون غاليانو في «ديور»، والراحل ألكسندر ماكوين في «جيفنشي»، ومايكل كورس في دار «سيلين»، ونارسيسو رودريغيز في دار «لويفي». كانت مغامرة محسوبة من كل الجوانب، الأمر الذي يؤكده نجاحها وبزوغ كل هؤلاء المصممين كنجوم.

جون غاليانو عام 1997 بعد عرضه لموسم الربيع والصيف لـ«ديور» (غيتي)

التعيينات والتنقلات الحالية لا تختلف كثيراً عن تلك الحقبة، وإن كانت باستراتيجيات وأهداف، ربما مختلفة، بسبب تغير الزمن نفسه. فقد التحق ماثيو بلايزي بـ«شانيل»، وتولى جوناثان أندرسون إدارة «ديور»، خلفاً لماريا غراتزيا تشيوري التي انتقلت إلى «فندي»، كما عُيّنت لويز تروتر في دار «كارفن»، وغرايس وايلز بونر في دار «هيرميس» خلفاً لفيرونيك نيشانيان بعد 37 عاماً تقريباً لها في هذا المنصب. وبينما انتقل ديمنا لـ«غوتشي» المملوكة لمجموعة «كرينغ»، أخذ مكانه لبييرباولو بيكيولي في دار «بالنسياغا»، والبقية تأتي.

بين الرحيل والتغيير

وهكذا، بين رحيل أسماء ملامح الموضة لأكثر من نصف قرن، وتنقل مصممين بين الدور الكبيرة، يبدو المشهد وكأنه إعادة للماضي لكن بلغة يفرضها العصر والخريطة الشرائية التي انتقلت من الغرب إلى الشرق. فقد صعدت المنطقة العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، بشكل واضح كقوة إبداعية وشرائية في آن واحد، وهو ما تؤكده الفعاليات الضخمة التي تقام في كل من الرياض ودبي وقطر والكويت، وتحضرها الآن شخصيات عالمية مهمة، لم تكن تتخيل أنها ستحضر يوماً هذه الفعاليات. لكنها الآن، وبعد أن قرأت أحوال السوق جيداً، لم يعد أمامها سوى الانصياع، على أمل اقتناص فرص جديدة.

أنا وينتور والعارضة ناتاليا فوديانوفا ومالك مجموعة كيرينغ فرانسوا بينو في قطر (فاشن تراست أرابيا)

توجه بوصلة الضوء نحو الشرق الأوسط يشير إلى أن مستقبل الموضة لم يعد محصوراً في باريس وميلانو ونيويورك. فالرياض أصبح لها صوت عالٍ بفضل فعاليات كبيرة، تحتضن مبدعين من أبناء البلد، وتدعمهم للانطلاق للعالمية. دبي أيضاً باتت ترى نفسها عاصمة موضة وتطمح للمرتبة الخامسة بعد باريس وميلانو ونيويورك ولندن، بعد أن رسّخت مكانتها كمركز رئيسي لإطلاق ماركات عالمية ومحلية.

المصمم زياد أبو العينين مع لجنة التحكيم خلال عملية الفرز وقبل الإعلان عن أسماء الفائزين (فاشن ترست أرابيا)

أما الدوحة التي تطمح لتوسيع اهتمامها بافتتاح متاحف ومعارض ضخمة على مستوى عالٍ جداً، فلم يفُتها هي الأخرى قوة الموضة وتأثيرها المغناطيسي. أسّست «فاشن ترست أرابيا»، وهي مبادرة عالمية، عمرها 7 سنوات فقط، ومع ذلك يتسابق النجوم والشخصيات المهمة لحضورها. بريق هؤلاء النجوم لا يغطي على أهدافها في دعم المصممين الناشئين العرب بتقديم كل الإمكانات اللوجيستية والمالية لهم لكي ينطلقوا، وهو ما أتاح لمجموعة مهمة منهم إطلاق بيوتهم الخاصة، أو على الأقل ضخّها بالتمويل لمزيد من التوسع والانتشار.

رحيل عمالقة

تبقى أيضاً من أهم الأحداث رحيل جيورجيو أرماني، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. فهو واحد من أهم المصممين وآخر الكبار ممن صنعوا هوية الأناقة الإيطالية بلغتها الراقية. رحل أرماني واقفاً رغم تعديه الـ90 من العمر، حيث أشرف على كل تفاصيل عرضه الأخير من فراش المرض. برحيله فقدت هذه الصناعة مدرسة إبداعية قائمة بذاتها، أبدعها في السبعينات، وألهم بها المرأة والرجل على حد سواء.

من المعرض الخاص بالراحل جيورجيو أرماني الذي تزامن افتتاحه مع رحيله (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني)، رحل المصمم الآيرلندي بول كوستيلو عن عمر ناهز الـ80 عاماً، الذي ارتبط اسمه بأناقة الأميرة ديانا، منذ عام 1983 حين عُين مصمماً شخصياً لها. كان ذلك بعد فترة وجيزة من تأسيس علامته الخاصة، واستمر تعاونهما حتى وفاتها عام 1997. المؤكد أن غيابه سيُخلّف فجوة كبيرة في أسبوع الموضة بلندن، الذي كان وجهاً مألوفاً فيه على مدى 4 عقود، وغذّاه بأسلوب خاص، جمع فيه الكلاسيكية البريطانية بروحه الآيرلندية الدافئة.

المصمم بول كوستيلو في عرضه الأخير لربيع وصيف 2026 (رويترز)

بعد بأسابيع، أعلن خبر وفاة المصممة الاسكوتلندية الأصل، بام هوغ، عن عمر 66 عاماً. وكانت المصممة قد ظهرت في الثمانينات، واشتهرت بأسلوبها المتمرد الذي لامست به جيلاً كاملاً كان تواقاً للتغيير.

لعبة الكراسي الموسيقية

بالنسبة لانتقالات هذا العام، فهي غير مسبوقة. وبعض الاختيارات التي أخذتها بيوت أزياء، على الأمل ترتيب أوراقها وتلميع نفسها، كانت غريبة ومفاجئة.

أكبر مثال على هذا، تعيين ديمنا مديراً إبداعياً لدار «غوتشي» خلفاً للمصمم ساباتو دي سارنو، الذي لم ينجح بعد عامين في الدار من تحقيق النتائج المرجوة. المفاجئ في تعيين ديمنا أنه المصمم الأكثر إثارة للجدل في العقد الأخير، وهو ما يشهد عليه عهده في دار «بالنسياغا»، والتصاميم التي كان يقترحها، ويبدو فيها كما لو أنه يسخر من الثقافة الاستهلاكية من خلال بنطلونات ممزقة وحقائب مستوحاة من أكياس السوبر ماركت وغيرها. غني عن القول إن انتقاله إلى «غوتشي» أثار انقساماً حاداً بين النقاد والمتابعين.

المصمم بييرباولو بيكيولي مع الممثلة تيسا تومبسون في أحد تصاميمه لدار «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

خليفته في «بالنسياغا» بييرباولو بيكيولي. هذا التعيين في المقابل أشعل الحماس والآمال بعودة الاتصال بروح الدار القديمة، كما أرساها مؤسسها الإسباني كريستوبال بالنسياغا، الذي قال كريستيان ديور في حقّه مقولة شهيرة: «إنه أستاذنا جميعاً». بييرباولو بيتشولي، رسّخ مكانته في الوجدان بأنه شاعر الألوان والقصات الفخمة. انتقاله من دار «فالنتينو» إلى بيته الجديد يُبشِر بأسلوب راقٍ بعد نحو عقد من الضجيج البصري والجدل بالنسبة لعشاقه. من خلفه في دار «فالنتينو» مفاجأة أخرى. إنه أليساندرو ميكيلي الذي كان قد تولى إدارة «غوتشي» الفنية قبل ساباتو، وحقّق لها نجاحات كبيرة، قبل أن يصيب تمسكه بأسلوبه الخاص المُستهلِك بالملل. الأمر الذي اضطر مجموعة «كيرينغ» لفسخ عقدها معه. لكن يبدو أنها تراجعت عن قرارها بتعيينه في «فالنتينو» التي تملك 30 في المائة من أسهمها حالياً.

التغيير وصل أيضاً إلى دار «هيرميس» رغم ما تحققه من أرباح في عزّ الأزمة الاقتصادية. فلأول مرة منذ 37 عاماً، يتم استبدال المديرة الإبداعية لقسم الأزياء الرجالية فيرونيك نيشانيان بوجه بريطاني شابّ، هي غرايس وايلز بونر. رغم المفاجأة، فإن اسمها كان كفيلاً بطمأنة خبراء الموضة والمتابعين. فهي خريجة معهد «سنترال سانت مارتنز» الشهير، ونالت عدداً من الجوائز المهمة بفضل رؤيتها المعاصرة للأزياء الرجالية.

أوليفييه روستنيغ استخدم وسائل التواصل الاجتماعي واستقطب النجوم والمؤثرين ما جعل دار «بالمان» تتصدر الواجهة (أ.ف.ب)

أوليفييه روستينغ، أيضاً غادر «بالمان» بعد 14 عاماً أعاد فيها للدار بريقها القديم، ووسّع قاعدتها الجماهيرية باستقطابه النجوم واحتضانه الشباب، الذي تحدث لغتهم بسلاسة عبر تطويره وسائل التواصل الاجتماعي. ما إن تم إعلان المغادرة حتى تم الإعلان عن اسم خليفته، أنطونين ترون، على أن يقدم أول مجموعة له في شهر مارس (آذار) المقبل.

نهاية عهد دوناتيلا فيرساتشي

بعد عقود تتنحى دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمصممة إبداعية (أ.ب)

أقل ما يمكن قوله عن تنحيها عن منصبها الإبداعي لصالح داريو فيتالي إنه نهاية فصل عائلي مثير يصعب تكراره، خصوصاً بعد استحواذ مجموعة «برادا» على العلامة. فدوناتيلا التي قادت الدار منذ مقتل أخيها جياني في عام 1997، واجهت مطبات كثيرة على المستويين المهني والشخصي، لكن صمدت في وجه عدة عواصف، كان بإمكانها أن تهزّ أساسات الدار. هذه المرة استسلمت لتنتهي بذلك سيطرة العائلة على الإدارة الإبداعية لفيرساتشي، التي انتقلت إلى داريو فيتالي والملكية لمجموعة «برادا».

فندي... انتقال تاريخي

لم يكن قرار تنحي سيلفيا فينتوريني فندي عن دورها كمصممة قسم الإكسسوارات والأزياء في الدار، التي تحمل اسم عائلتها، سهلاً؛ فهي هنا تعيش انتقالة مصيرية على المستويين الوظيفي والعاطفي. سيتذكرها عالم الموضة كمبدعة لحقائب أيقونية، مثل حقيبة «باغيت» الشهيرة التي صمّمتها في عام 1997، وحقيبة «بيكابو» في عام 2009، إضافة إلى تصاميم أخرى جمعت فيها الخطوط المعمارية لمدينة روما مع لمسات ناعمة، وأحياناً متحررة من القوالب التقليدية.

سيلفيا سليلة عائلة فندي تتخلى عن منصبها كمصممة قسم الإكسسوارات والأزياء (فندي)

قبل مغادرتها سلّمت المشعل لابنة بلدها، ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «ديور» السابقة. اللافت أن اضطرار كل من دوناتيلا فيرساتشي وسيلفيا فندي للتخلي عن إرثهما، يشير إلى أن زمن العائلات في عالم الموضة بدأ ينتهي تدريجياً، وأن سطوة المجموعات العملاقة مثل «إل في إم أتش» و«كيرينغ» وغيرهما تزيد عاماً بعد عام.

أما «ديور» فرسى اختيارها على جوناثان أندرسون، خليفة لماريا غراتزيا. مصمم يعتبره كثيرون الفتى الذهبي بعد إنجازاته في دار «لويفي» الإسبانية التي قادها لسنوات طويلة، وحلّق بها عالياً. عيّنته «ديور» في يونيو (حزيران) 2025، وقدّم مجموعته الرجالية بعد وقت قصير من هذا التعيين، وكان عرضاً ناجحاً. في أكتوبر (تشرين الأول) قدّم أول عرض للأزياء النسائية، لكنه أثار جدلاً وانقساماً.

المصمم ماثيو بلايزي وعارضة في إطلالة لافتة في أول عرض قدّمه لدار «شانيل» مؤخراً (رويترز - إ.ب.أ)

ماثيو بلايزي، الذي التحق بدار «شانيل» في نفس التوقيت تقريباً، قدّم أول عرض له فيها خلال موسم باريس لربيع وصيف 2026. هو أيضاً يتمتع بلمسة «ميداسية» تحوّل الفني إلى قطع تؤجج الرغبة فيها وترفع المبيعات. وصْفته تعتمد دائماً على العناصر نفسها؛ اقتراحات مبتكرة وألوان مثيرة لا تعتمد على الاستسهال. يمكن القول إنه مَن منح دار «بوتيغا فينيتا» سمعتها الحالية، وجعلها تلعب مع الكبار. خليفته البريطانية الشابة لويز تروتر أكّدت أنها ليست أقل منه، بعد أن قدّمت مجموعتها الأولى لدار «بوتيغا فينيتا».

من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)

لكن يبقى السؤال الذي يُطرح؛ ما إذا كان الصناعة التي أطلقت جيل سان لوران، وكريستيان ديور، وكارل لاغرفيلد، في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وفي السبعينات جيورجيو أرماني، وجياني فيرساتشي، وفي التسعينات جون غاليانو، والراحل ألكسندر ماكوين، قادرة على إطلاق جيل جديد من المبدعين؟

سؤال تصعب الإجابة عنه حالياً. والسبب هشاشة المنظومة التقليدية، بحيث لم يعد من السهل أمام المصممين الشباب تأسيس علامات قوية، ومستقلة في الوقت ذاته، من دون تمويل خارجي. والدليل أنه حتى العلامات العريقة التي بقيت تحت سيطرة أفراد من العائلات المؤسسة، أصابها الضعف، وبدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى. كل هذا سيجعل عام 2025 شاهداً تاريخياً على تغيّر ثقافة الموضة كلها، وإن لم تتوضح معالمها بعد، بحكم أن التغييرات لا تزال جارية.


مقالات ذات صلة

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.


خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
TT

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

يبدو أن صناع الموضة في مأزق صعب، الأمر الذي يُفسِّر حجم التغييرات التي تقوم بها كل من مجموعة «إل في آم آش» ومجموعة «كيرينغ» مؤخراً. فأرقام المبيعات في تراجع، وعدد زبائن المنتجات الفخمة أيضاً في تراجع، والعالم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تتجلى فقط في الإضرابات التي تشهدها العديد من العواصم الأوروبية، بل أيضاً فيما يجري داخل بيوت الأزياء من انقلابات، وإقالات.

وبين ضغوط المبيعات، وتقلّبات سوق الرفاهية، وتوقعات العلامات التجارية تحقيق نتائج سريعة، باتت المساحة المتاحة أمام المديرين الإبداعيين لاختبار أفكارهم وبناء هوياتهم داخل الدور تضيق أكثر فأكثر. لم تعد فترة عام أو عامين متاحة أمامهم لتأسيس لغة إبداعية متماسكة. وهكذا بين الفترة والأخرى تنتشر إشاعات حول رحيل مصمم، أو إقالته سرعان ما تتأكد صحتها، في مشهد يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت الذي يحتاج إليه، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

فمنذ أيام أعلنت دار «كالفين كلاين» خروج مديرتها الفنية فيرونيكا ليوني، وبعدها مباشرة أعلنت شركة «كيرينغ»، المالكة لعلامة ألكسندر ماكوين، أن مديرها الإبداعي شون ماكغير غادر منصبه.

قبل ذلك، أعلنت المجموعة رحيل أنتوني فاكاريلو، المدير الإبداعي لـ«سان لوران»، فيما تقول مصادر في القطاع إن فترة تولي بييرباولو بيتشولي منصبه في «بالنسياغا» تقترب أيضاً من نهايتها، فيما لا تزال دار «بروني» من دون مصمم حتى الآن.

سبب خروج ماكغير أنه واجه صعوبة في إثبات حضوره، بعد أن قوبلت تصاميمه الأولى بفتور. كان ماكغير قد انضم إلى ماكوين في وقت كانت فيه العلامة التجارية تواجه تراجعاً حاداً في المبيعات، نتيجة تباطؤ سوق السلع الفاخرة، وتراجع الطلب على خطها الناجح من الأحذية الرياضية تحديداً.

في عرضه الأول في مارس (آذار) 2024، قدّم أسلوباً أكثر تحرراً وخشونة. بدا متجدداً، ما أعطى الأمل بأنه تغيير إيجابي. لكن بعض تجار التجزئة والنقاد رأوا أن العرض كان غير متماسك، وأنه ابتعد بدرجة كبيرة عن السمعة التي تتمتع بها ماكوين بوصفها علامة متخصصة في التفصيل الدقيق، والمتقن.

حاول المصمم تجديدها في مجموعته لربيع وصيف 2027 بالألوان والعودة إلى إرثها (ماكوين)

ورغم أن المجموعات اللاحقة جاءت أكثر إحكاماً في تنفيذها، فإنها لم تنجح في تجديد اهتمام السوق بالعلامة التجارية. وبحلول عام 2025، انخفضت الإيرادات المقدّرة إلى أقل من 200 مليون يورو، بعدما بلغت 800 مليون يورو في ذروتها. هذا التراجع جعل الشركة المالكة، «كيرينغ»، تدرس إمكانية بيع العلامة التجارية، قبل أن تبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة لها.

وتعتبر ماكوين واحدة من أصغر العلامات التجارية التابعة لـ«كيرينغ»، ومن أكثرها تعقيداً أيضاً، لأنها لم تخرج من عباءة مؤسسها ألكسندر ماكوين حتى الآن. فهو لا يزال حاضراً في الذاكرة بعروضه المسرحية، وبراعة تفصيله، وروحه المتمردة بفنية لا يستطع أياً كان أن يُعوِّضها بسهولة. وربما هذا ما تبحث عنه الدار لحد الآن، وهو أيضاً ما صرَّح به لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرينغ» بقوله إنه يقدر مساهمة شون ماكغير، وتفانيه في خدمة «ألكسندر ماكوين»، لكن «المجموعة تطمح إلى رسم مسار جديد وجريء للدار، يستند إلى إرثها الفريد في التفصيل الاستثنائي، والإبداع الذي لا يقبل المساومة، والتمرد، من أجل تأكيد مكانتها بوصفها أحد أكثر الأصوات ابتكاراً، وتأثيراً ثقافياً في قطاع السلع الفاخرة».

تشتهر الدار ببراعتها في التفصيل الرجالي (ماكوين)

وتقود «كيرينغ» حالياً تغييرات كبيرة في القيادة الإبداعية عبر مجموعة علاماتها التجارية، في وقت لا تزال فيه سوق السلع الفاخرة تمر بظروف صعبة.

ربما تبدو «غوتشي»، العلامة الرئيسة للمجموعة، وكأنها تتجه تدريجياً نحو التعافي تحت قيادة مديرها الإبداعي الجديد ديمنا، إلا أن هذا التعافي لا يزال بطيئاً، ويحتاج إلى تسريع قوي.