2025... صعود جيل جديد من المصممين يعيد صياغة مفهوم الموضة

عام اهتزت فيه المنظومة التقليدية وبزغ نجم الشرق الأوسط عالمياً

من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)
من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)
TT

2025... صعود جيل جديد من المصممين يعيد صياغة مفهوم الموضة

من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)
من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)

لم يشهد عالم الموضة منذ تسعينات القرن الماضي عاصفة تغيير تشبه تلك التي يعيشها في عام 2025، إلى حد يُخلف الانطباع بأن هذه الصناعة تخلع جلدها تحسُباً للمستقبل الذي بات يقتضي تعاملاً ربما يكون صادماً لمواجهة تقلبات الأسواق، وما نتج عنها من تباطؤ وتغيّر في سلوكيات المستهلك الشرائية.

هذه العاصفة من التقلبات والتغيرات هذا العام تُذكرنا إلى حدّ بعيد بعام 1997، الذي شهد ما وصفه البعض بـ«الانفجار الكبير للموضة». كانت المجموعات العملاقة حينها بدأت تفرض سطوتها على الساحة. مجموعة «إل في إم أتش» مثلاً احتفلت آنذاك بعامها العاشر، بإطلاق سلسلة من التعيينات غيّرت وجه الموضة. كان هدفها ضخّ الدور الكبرى التي تملكها بدماء جديدة. عيّنت مارك جاكوبس في دار «لويس فويتون»، وجون غاليانو في «ديور»، والراحل ألكسندر ماكوين في «جيفنشي»، ومايكل كورس في دار «سيلين»، ونارسيسو رودريغيز في دار «لويفي». كانت مغامرة محسوبة من كل الجوانب، الأمر الذي يؤكده نجاحها وبزوغ كل هؤلاء المصممين كنجوم.

جون غاليانو عام 1997 بعد عرضه لموسم الربيع والصيف لـ«ديور» (غيتي)

التعيينات والتنقلات الحالية لا تختلف كثيراً عن تلك الحقبة، وإن كانت باستراتيجيات وأهداف، ربما مختلفة، بسبب تغير الزمن نفسه. فقد التحق ماثيو بلايزي بـ«شانيل»، وتولى جوناثان أندرسون إدارة «ديور»، خلفاً لماريا غراتزيا تشيوري التي انتقلت إلى «فندي»، كما عُيّنت لويز تروتر في دار «كارفن»، وغرايس وايلز بونر في دار «هيرميس» خلفاً لفيرونيك نيشانيان بعد 37 عاماً تقريباً لها في هذا المنصب. وبينما انتقل ديمنا لـ«غوتشي» المملوكة لمجموعة «كرينغ»، أخذ مكانه لبييرباولو بيكيولي في دار «بالنسياغا»، والبقية تأتي.

بين الرحيل والتغيير

وهكذا، بين رحيل أسماء ملامح الموضة لأكثر من نصف قرن، وتنقل مصممين بين الدور الكبيرة، يبدو المشهد وكأنه إعادة للماضي لكن بلغة يفرضها العصر والخريطة الشرائية التي انتقلت من الغرب إلى الشرق. فقد صعدت المنطقة العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، بشكل واضح كقوة إبداعية وشرائية في آن واحد، وهو ما تؤكده الفعاليات الضخمة التي تقام في كل من الرياض ودبي وقطر والكويت، وتحضرها الآن شخصيات عالمية مهمة، لم تكن تتخيل أنها ستحضر يوماً هذه الفعاليات. لكنها الآن، وبعد أن قرأت أحوال السوق جيداً، لم يعد أمامها سوى الانصياع، على أمل اقتناص فرص جديدة.

أنا وينتور والعارضة ناتاليا فوديانوفا ومالك مجموعة كيرينغ فرانسوا بينو في قطر (فاشن تراست أرابيا)

توجه بوصلة الضوء نحو الشرق الأوسط يشير إلى أن مستقبل الموضة لم يعد محصوراً في باريس وميلانو ونيويورك. فالرياض أصبح لها صوت عالٍ بفضل فعاليات كبيرة، تحتضن مبدعين من أبناء البلد، وتدعمهم للانطلاق للعالمية. دبي أيضاً باتت ترى نفسها عاصمة موضة وتطمح للمرتبة الخامسة بعد باريس وميلانو ونيويورك ولندن، بعد أن رسّخت مكانتها كمركز رئيسي لإطلاق ماركات عالمية ومحلية.

المصمم زياد أبو العينين مع لجنة التحكيم خلال عملية الفرز وقبل الإعلان عن أسماء الفائزين (فاشن ترست أرابيا)

أما الدوحة التي تطمح لتوسيع اهتمامها بافتتاح متاحف ومعارض ضخمة على مستوى عالٍ جداً، فلم يفُتها هي الأخرى قوة الموضة وتأثيرها المغناطيسي. أسّست «فاشن ترست أرابيا»، وهي مبادرة عالمية، عمرها 7 سنوات فقط، ومع ذلك يتسابق النجوم والشخصيات المهمة لحضورها. بريق هؤلاء النجوم لا يغطي على أهدافها في دعم المصممين الناشئين العرب بتقديم كل الإمكانات اللوجيستية والمالية لهم لكي ينطلقوا، وهو ما أتاح لمجموعة مهمة منهم إطلاق بيوتهم الخاصة، أو على الأقل ضخّها بالتمويل لمزيد من التوسع والانتشار.

رحيل عمالقة

تبقى أيضاً من أهم الأحداث رحيل جيورجيو أرماني، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. فهو واحد من أهم المصممين وآخر الكبار ممن صنعوا هوية الأناقة الإيطالية بلغتها الراقية. رحل أرماني واقفاً رغم تعديه الـ90 من العمر، حيث أشرف على كل تفاصيل عرضه الأخير من فراش المرض. برحيله فقدت هذه الصناعة مدرسة إبداعية قائمة بذاتها، أبدعها في السبعينات، وألهم بها المرأة والرجل على حد سواء.

من المعرض الخاص بالراحل جيورجيو أرماني الذي تزامن افتتاحه مع رحيله (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني)، رحل المصمم الآيرلندي بول كوستيلو عن عمر ناهز الـ80 عاماً، الذي ارتبط اسمه بأناقة الأميرة ديانا، منذ عام 1983 حين عُين مصمماً شخصياً لها. كان ذلك بعد فترة وجيزة من تأسيس علامته الخاصة، واستمر تعاونهما حتى وفاتها عام 1997. المؤكد أن غيابه سيُخلّف فجوة كبيرة في أسبوع الموضة بلندن، الذي كان وجهاً مألوفاً فيه على مدى 4 عقود، وغذّاه بأسلوب خاص، جمع فيه الكلاسيكية البريطانية بروحه الآيرلندية الدافئة.

المصمم بول كوستيلو في عرضه الأخير لربيع وصيف 2026 (رويترز)

بعد بأسابيع، أعلن خبر وفاة المصممة الاسكوتلندية الأصل، بام هوغ، عن عمر 66 عاماً. وكانت المصممة قد ظهرت في الثمانينات، واشتهرت بأسلوبها المتمرد الذي لامست به جيلاً كاملاً كان تواقاً للتغيير.

لعبة الكراسي الموسيقية

بالنسبة لانتقالات هذا العام، فهي غير مسبوقة. وبعض الاختيارات التي أخذتها بيوت أزياء، على الأمل ترتيب أوراقها وتلميع نفسها، كانت غريبة ومفاجئة.

أكبر مثال على هذا، تعيين ديمنا مديراً إبداعياً لدار «غوتشي» خلفاً للمصمم ساباتو دي سارنو، الذي لم ينجح بعد عامين في الدار من تحقيق النتائج المرجوة. المفاجئ في تعيين ديمنا أنه المصمم الأكثر إثارة للجدل في العقد الأخير، وهو ما يشهد عليه عهده في دار «بالنسياغا»، والتصاميم التي كان يقترحها، ويبدو فيها كما لو أنه يسخر من الثقافة الاستهلاكية من خلال بنطلونات ممزقة وحقائب مستوحاة من أكياس السوبر ماركت وغيرها. غني عن القول إن انتقاله إلى «غوتشي» أثار انقساماً حاداً بين النقاد والمتابعين.

المصمم بييرباولو بيكيولي مع الممثلة تيسا تومبسون في أحد تصاميمه لدار «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

خليفته في «بالنسياغا» بييرباولو بيكيولي. هذا التعيين في المقابل أشعل الحماس والآمال بعودة الاتصال بروح الدار القديمة، كما أرساها مؤسسها الإسباني كريستوبال بالنسياغا، الذي قال كريستيان ديور في حقّه مقولة شهيرة: «إنه أستاذنا جميعاً». بييرباولو بيتشولي، رسّخ مكانته في الوجدان بأنه شاعر الألوان والقصات الفخمة. انتقاله من دار «فالنتينو» إلى بيته الجديد يُبشِر بأسلوب راقٍ بعد نحو عقد من الضجيج البصري والجدل بالنسبة لعشاقه. من خلفه في دار «فالنتينو» مفاجأة أخرى. إنه أليساندرو ميكيلي الذي كان قد تولى إدارة «غوتشي» الفنية قبل ساباتو، وحقّق لها نجاحات كبيرة، قبل أن يصيب تمسكه بأسلوبه الخاص المُستهلِك بالملل. الأمر الذي اضطر مجموعة «كيرينغ» لفسخ عقدها معه. لكن يبدو أنها تراجعت عن قرارها بتعيينه في «فالنتينو» التي تملك 30 في المائة من أسهمها حالياً.

التغيير وصل أيضاً إلى دار «هيرميس» رغم ما تحققه من أرباح في عزّ الأزمة الاقتصادية. فلأول مرة منذ 37 عاماً، يتم استبدال المديرة الإبداعية لقسم الأزياء الرجالية فيرونيك نيشانيان بوجه بريطاني شابّ، هي غرايس وايلز بونر. رغم المفاجأة، فإن اسمها كان كفيلاً بطمأنة خبراء الموضة والمتابعين. فهي خريجة معهد «سنترال سانت مارتنز» الشهير، ونالت عدداً من الجوائز المهمة بفضل رؤيتها المعاصرة للأزياء الرجالية.

أوليفييه روستنيغ استخدم وسائل التواصل الاجتماعي واستقطب النجوم والمؤثرين ما جعل دار «بالمان» تتصدر الواجهة (أ.ف.ب)

أوليفييه روستينغ، أيضاً غادر «بالمان» بعد 14 عاماً أعاد فيها للدار بريقها القديم، ووسّع قاعدتها الجماهيرية باستقطابه النجوم واحتضانه الشباب، الذي تحدث لغتهم بسلاسة عبر تطويره وسائل التواصل الاجتماعي. ما إن تم إعلان المغادرة حتى تم الإعلان عن اسم خليفته، أنطونين ترون، على أن يقدم أول مجموعة له في شهر مارس (آذار) المقبل.

نهاية عهد دوناتيلا فيرساتشي

بعد عقود تتنحى دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمصممة إبداعية (أ.ب)

أقل ما يمكن قوله عن تنحيها عن منصبها الإبداعي لصالح داريو فيتالي إنه نهاية فصل عائلي مثير يصعب تكراره، خصوصاً بعد استحواذ مجموعة «برادا» على العلامة. فدوناتيلا التي قادت الدار منذ مقتل أخيها جياني في عام 1997، واجهت مطبات كثيرة على المستويين المهني والشخصي، لكن صمدت في وجه عدة عواصف، كان بإمكانها أن تهزّ أساسات الدار. هذه المرة استسلمت لتنتهي بذلك سيطرة العائلة على الإدارة الإبداعية لفيرساتشي، التي انتقلت إلى داريو فيتالي والملكية لمجموعة «برادا».

فندي... انتقال تاريخي

لم يكن قرار تنحي سيلفيا فينتوريني فندي عن دورها كمصممة قسم الإكسسوارات والأزياء في الدار، التي تحمل اسم عائلتها، سهلاً؛ فهي هنا تعيش انتقالة مصيرية على المستويين الوظيفي والعاطفي. سيتذكرها عالم الموضة كمبدعة لحقائب أيقونية، مثل حقيبة «باغيت» الشهيرة التي صمّمتها في عام 1997، وحقيبة «بيكابو» في عام 2009، إضافة إلى تصاميم أخرى جمعت فيها الخطوط المعمارية لمدينة روما مع لمسات ناعمة، وأحياناً متحررة من القوالب التقليدية.

سيلفيا سليلة عائلة فندي تتخلى عن منصبها كمصممة قسم الإكسسوارات والأزياء (فندي)

قبل مغادرتها سلّمت المشعل لابنة بلدها، ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «ديور» السابقة. اللافت أن اضطرار كل من دوناتيلا فيرساتشي وسيلفيا فندي للتخلي عن إرثهما، يشير إلى أن زمن العائلات في عالم الموضة بدأ ينتهي تدريجياً، وأن سطوة المجموعات العملاقة مثل «إل في إم أتش» و«كيرينغ» وغيرهما تزيد عاماً بعد عام.

أما «ديور» فرسى اختيارها على جوناثان أندرسون، خليفة لماريا غراتزيا. مصمم يعتبره كثيرون الفتى الذهبي بعد إنجازاته في دار «لويفي» الإسبانية التي قادها لسنوات طويلة، وحلّق بها عالياً. عيّنته «ديور» في يونيو (حزيران) 2025، وقدّم مجموعته الرجالية بعد وقت قصير من هذا التعيين، وكان عرضاً ناجحاً. في أكتوبر (تشرين الأول) قدّم أول عرض للأزياء النسائية، لكنه أثار جدلاً وانقساماً.

المصمم ماثيو بلايزي وعارضة في إطلالة لافتة في أول عرض قدّمه لدار «شانيل» مؤخراً (رويترز - إ.ب.أ)

ماثيو بلايزي، الذي التحق بدار «شانيل» في نفس التوقيت تقريباً، قدّم أول عرض له فيها خلال موسم باريس لربيع وصيف 2026. هو أيضاً يتمتع بلمسة «ميداسية» تحوّل الفني إلى قطع تؤجج الرغبة فيها وترفع المبيعات. وصْفته تعتمد دائماً على العناصر نفسها؛ اقتراحات مبتكرة وألوان مثيرة لا تعتمد على الاستسهال. يمكن القول إنه مَن منح دار «بوتيغا فينيتا» سمعتها الحالية، وجعلها تلعب مع الكبار. خليفته البريطانية الشابة لويز تروتر أكّدت أنها ليست أقل منه، بعد أن قدّمت مجموعتها الأولى لدار «بوتيغا فينيتا».

من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)

لكن يبقى السؤال الذي يُطرح؛ ما إذا كان الصناعة التي أطلقت جيل سان لوران، وكريستيان ديور، وكارل لاغرفيلد، في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وفي السبعينات جيورجيو أرماني، وجياني فيرساتشي، وفي التسعينات جون غاليانو، والراحل ألكسندر ماكوين، قادرة على إطلاق جيل جديد من المبدعين؟

سؤال تصعب الإجابة عنه حالياً. والسبب هشاشة المنظومة التقليدية، بحيث لم يعد من السهل أمام المصممين الشباب تأسيس علامات قوية، ومستقلة في الوقت ذاته، من دون تمويل خارجي. والدليل أنه حتى العلامات العريقة التي بقيت تحت سيطرة أفراد من العائلات المؤسسة، أصابها الضعف، وبدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى. كل هذا سيجعل عام 2025 شاهداً تاريخياً على تغيّر ثقافة الموضة كلها، وإن لم تتوضح معالمها بعد، بحكم أن التغييرات لا تزال جارية.


مقالات ذات صلة

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة 6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، تظهر فيها المرأة عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

في ليلة الأوسكار منحت المجوهرات جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.