جون غاليانو يعود من الانكسار ليُحقق الانتصار

غلَب في تشكيلته الأخيرة الفكر الفني والفلسفي على الفكر التجاري

 كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)
كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)
TT

جون غاليانو يعود من الانكسار ليُحقق الانتصار

 كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)
كان عرضاً جريئاً بإثارته الأنثوية وتقنياته الفلسفية (ميزون مارجيلا)

في الـ8 من شهر مارس (آذار) المقبل، سيصدر وثائقي عن المصمم جون غاليانو بعنوان High & Low—John Galliano، (جون غاليانو... الانتصار والانكسار) للمخرج كيفن ماكدونالد. الفيلم يتطرق لحياته ومسيرته الفنية بكل حلوها ومرها. كيف كانت البدايات، وكيف تحول بين ليلة وضحاها من مُدلل عالم الموضة إلى منبوذ يبحث عن بيت يحتضنه ليمارس فيه شغف الإبداع.

وبينما يشير الفيلم إلى عبقرية فرضت نفسها على ساحة الموضة وتجاوزت ثقافة الإلغاء بعد عملية إنقاذ تكاثفت فيها عدة جهات مؤمنة به، فإن أسبوع الأزياء الراقية «الهوت كوتور» الأخير شهد أخيراً تسلطنه على الساحة مرة أخرى منذ خروجه «مطروداً» من دار «ديور» في الواحد من شهر مارس 2011.

كان إلى عام 2011 مدلل الموضة. عرضه لـ«ديور» الأكثر إثارة وتشويقاً (صورة أرشيفية)

كان حديث أوساط الموضة وعشاقها ليس لغرابة العرض وفانتازيته فحسب، بل لأنه ذكَر الجميع بالأساسيات التي بُني عليها هذا الموسم. بالنسبة لزبوناته فهو موسم الأحلام، وتصاميمه الفريدة هي التي تُضفي على الأفراح والليالي الملاح جمالاً وتميزاً. أما بالنسبة للمصممين فهو مختبر الأفكار، الذي يمنحهم مساحة يشطحون فيها بخيالهم وأفكارهم من دون رقيب أو قيود. حتى من الناحية التسويقية، كان إلى نهاية القرن الماضي «بريستيجا» ما دام خط الأزياء الجاهزة يُترجم فنيته بأسلوب واقعي يحقق الربح إلى جانب الإكسسوارات والعطور ومستحضرات التجميل.

في العقدين الأخيرين، تغير هذا المفهوم. أصبحت المجموعات المالكة لبيوت الأزياء الكبيرة تتوقع أن يحقق لها الربح، وتتعامل معه بوصفه استثماراً يجب أن تحصد ثماره في آخر السنة. لم يكن أمام المصممين سوى الإذعان. متنفسهم الوحيد كان أن يُحققوا المعادلة الصعبة بين رؤيتهم الفنية وإرضاء متطلبات السوق. معادلة أكدت صعوبتها، وربما هذا ما جعل عرض جون غاليانو بمثابة «فلتة» أيقظت الحلم والأمل من جديد.

وراء الدراما المسرحية كانت هناك حرفية لن تلمسها سوى زبونة من زبونات الـ«هوت كوتور» (ميزون مارجيلا)

لا يختلف اثنان على أنه من الصعب أن يرى الإنسان العادي نفسه في أغلب الإطلالات التي اقترحها لربيع وصيف 2024. فهي تحتاج إلى الكثير من الترويض للتخفيف من جموحها الفانتازي وجُرأتها، حيث ظهرت العارضات وكأنهن دمى متحركة بأشكال تلعب على تضاريسهن الأنثوية بالكثير من المبالغة. يشرح المصمم أن المصور الفوتوغرافي براساي كان مُلهمه. تجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير مصور هنغاري تخصَص في التقاط صور لرواد المقاهي الفرنسية نهاراً وبائعات الهوى ليلاً، وهي صور تم تجميعها في كتاب بعنوان «الحياة الخفية في باريس الثلاثينات».

طبعاً لم يُكذِب غاليانو خبراً. فالحياة الخفية والتابوهات المسكوت عنها ملعبه، وهو ما جسَده بسريالية ورومانسية مثيرة. لكن من أهم شروط اللعبة، هو تجاوز أحجامها الكاريكاتورية، واستقبال كم المشاعر والعواطف التي تضمَنتها، لأنها ببساطة كانت بمثابة مسرحية تغوص في السيكولوجية الإنسانية وما يعتمل بداخلها ويُحركها من أفكار وغرائز. أقمشة أعاد تدويرها باحترافية وأشكال مبتكرة كانت لُغتها. مثلاً ظهر فستان من الموسلين تم تطريز حواشيه بالأحجار. عوض أن تتلألأ هذه الأحجار وتبرق إلى الخارج، دمجها مع خيوط لتخفي أي أثر للحياكة فيه، وكأن لسان حاله يقول إن ما خفي أعظم. هناك أيضاً معطف يبدو مصنوعاً من الصوف، يتبين أنه نتيجة طبقات متعددة من التول والأورغنزا تم مزجهما بطريقة أضفت عليه خشونة قبل أن يغلفه بالموسلين. فليس كل ما يُرى يُصدَق حتى نتأكد.

ميل المصمم إلى التاريخ كان واضحاً في الكثير من الإطلالات... أحياناً من خلال الماكياج وتسريحات الشعر (ميزون مارجيلا)

هذه التقنيات والتفاصيل التي لا تراها العين للوهلة الأولى تؤكد ما وراء الدراما المسرحية من حرفية لن تحظى بها أو تلمسها سوى قلة من النساء هن زبونات الـ«هوت كوتور».

أما بالنسبة للمتابع العادي، فقد عاد به غاليانو إلى التاريخ. إلى التسعينات وبداية الألفية، عندما كانت عروض «ديور» الأكثر إبهاراً في هذا الموسم. يخرج المرء منها وشريط من الصور والأفكار يمر ويتضارب بدرجة يحتاج فيها إلى أيام، إن لم نقل شهوراً، لكي يفك طلاسمها، ويتخفف من قوتها الآسرة.

كان واضحاً هنا أن غاليانو حصل على بطاقة بيضاء من «أونلي دي برايف» Only The Brave، المجموعة المالكة لـ«ميزون مارجيلا». ربما لأنها تريد أن تحتفل معه بمرور 10 سنوات على توليه قيادتها، أو ربما لأنها شجاعة كما يوحي اسمها.

ردود الفعل التي استقبلت بها التشكيلة حققت للمجموعة ما لم تكن تتوقعه. قد لن تُترجمها أرقام المبيعات وهي على شكلها الحالي، لكنها حتماً سلّطت الأضواء مرة أخرى على الدار التي أسسها مصمم رفض تماماً أن يكشف عن نفسه ووجهه طوال فترته فيها، ويتولاها الآن مصمم يحترم المؤسس، ولا يظهر حتى لتحية الضيوف في آخر العرض، وهو الذي كان يعشق الاستعراض وحب الظهور.

كان ينهي عرضه بتقمصه شخصيات متنوعة، فهو نابليون تارة أو قرصان أو رائد فضاء مرة أخرى (من الأرشيف)

كان يُتحفنا بتقمصه شخصيات غريبة أو بطولية خلال عهده في «ديور». لم يكن أي من الحضور يُفكر ولو لثانية في مغادرة القاعة بعد انتهاء العرض بسرعة لتجنب الازدحام. كانوا ينتظرون بصبر وترقب الجُزء الثاني من العرض، وهو خروجه لتحية ضيوفه. لم يخذلهم أبداً. كان يطل عليهم تارة في صورة نابليون، وتارة في صورة رائد فضاء أو مصارع ثيران أو قرصان. يختال على المسرح لدقائق مثل الطاووس، مقارنة بغيره من المصممين الذين يظهرون لثوانٍ ويختفون.

مصور هنغاري تخصَص في التقاط صور لرواد المقاهي الفرنسية نهاراً وبائعات الهوى ليلاً حيث كان ملهم هذه التشكيلة الجريئة (ميزون مارجيلا)

لكن يبدو جون غاليانو «ديور» وجون غاليانو «ميزون مارجيلا»، وكأنهما من عالمين متوازيين. على الأقل لحد شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. صحيح أنه لم ولن يظهر بحكم الثقافة التي أرساها المؤسس مارجيلا بأن الأزياء واختبار الأفكار هما النجم الأول والأخير، إلا أننا رأينا بوادر عودة روحه الجانحة لاستعراض أفكاره بأي ثمن. لعشاقه على الأقل، كان الفارس الذي سيعيد لخط الـ«هوت كوتور» عُنصر الحلم، الذي قام عليه هذا الخط وذوَبته ثقافة العصر والعولمة بالتدريج.

في أحد لقاءاته الصحافية، صرح المصمم بيير باولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو»، بحسرة، بأن «المال فاز وفرض نفسه»، مضيفاً أنه «بغض النظر عن شكل التعبير الفني، أصبح المنتجون أقوى من الموسيقيين، والمعارض أقوى من الرسامين، والمجموعات الكبيرة أقوى من المصممين».

بيير باولو بكيولي وقبله المصمم راف سيمونز والراحل ألبير إلبيز كلهم صرحوا بقلقهم من ترجيح كفة الجانب التجاري، وكيف سيُفقد الموضة شيئاً أساسياً يصعب استعادته. قبلهم عبَر الراحل إيف سان لوران عن غضبه من سطوة المجموعات الكبيرة، عندما أعلن تقاعده، قائلاً إن الزمن تغير، وبأنه مُحبط لأن الـ«هوت كوتور» باتت تعتمد على العطور للبقاء.

في خضم كل هذا التضارب، كان جون غاليانو أكثر شجاعة ورغبة في إيقاظ الأحلام وفتح جدالات فكرية فلسفية وفنية، وهو ما تابعناه من خلال تشكيلة تغلَب فيها الفكر الفني على الفكر التجاري.

ترجم غاليانو الرومانسية ومفهوم الأنوثة بأسلوبه الخاص وبجمالية علينا تجاوز أحجامها الكاريكاتورية (ميزون مارجيلا)

ثم لا ننسى عامل التوقيت. صحيح أن احتفالية الدار بـ10 سنوات على توليه منصب مديرها الإبداعي هي السبب الظاهر، لكن هناك سبباً آخر وقوياً يُمثله وهو الزمن. كان كفيلاً بأن يُضمد جراح الماضي ويُنسيه آلام الإلغاء التي تعرَض لها لسنوات بسبب تفوهه بعبارات مضادة للسامية في فبراير (شباط) من عام 2011. كانت لحظة «شيطان» أدت إلى سقوطه وطرده من دار «ديور» في شهر مارس، تلاها إغلاق الدار التي كانت تحمل اسمه. فقد كانت هي الأخرى تابعة للمجموعة نفسها «إل في إم إش» التي تنضوي تحتها «ديور». تمت محاكمته ومعاقبته وإلغاؤه، واضطر للاعتذار والخضوع لدروس تأهيلية مع حاخام وغاب عن الساحة لسنوات. كان يمكن ألا يعود. لكنه عاد بفضل حب وسائل الإعلام والعاملين في مجال الموضة وإيمانهم بعبقريته، كان لها الدور الأكبر في عدم إلغائه تماماً.

كان أوسكار دي لارونتا أول من منحه طوق النجاة، ورانزو روسو من سلمه مقاليد «ميزون مارجيلا» في عام 2014. وهكذا تغلبت عبقريته على ثقافة الإلغاء. حتى سيدني توليدانو، الرئيس التنفيذي لـ«ديور» آنذاك، الذي كان واحداً من بين الأشخاص الذين اضطروا لاتخاذ قرار الطرد في حقه، اعترف بأنه عندما خرج غاليانو منها في شهر مارس من 2011، انطفأ شيء ما.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.