بعد طول مكابرة... صناع الموضة يُراهنون على منطقة الشرق الأوسط بكثافة

سوق السعودية والإمارات تغلي بالآمال... محلياً وعالمياً

من عرض «فيلفيتي كوتور» (مجلس الأزياء العربي)
من عرض «فيلفيتي كوتور» (مجلس الأزياء العربي)
TT

بعد طول مكابرة... صناع الموضة يُراهنون على منطقة الشرق الأوسط بكثافة

من عرض «فيلفيتي كوتور» (مجلس الأزياء العربي)
من عرض «فيلفيتي كوتور» (مجلس الأزياء العربي)

استيقظ العالم يوم الأربعاء على خبر استغناء دار «غوتشي» عن مصممها ساباتو دي سارنو بعد عامين فقط. بهذا ينضم إلى لائحة طويلة من المصممين الذين تم الاستغناء عنهم بسبب تراجع المبيعات ورغبة المجموعات المالكة استرجاع بريق سرقته منها الأزمة الاقتصادية العالمية وتغير سلوكيات المستهلك. في خضم هذه الأزمة التي عصفت بصناعة الموضة في أوروبا وأميركا، ظلت منطقة الشرق الأوسط في منأى عنها. بالعكس هي تغلي منذ سنوات بأحداث ونشاطات تؤكد أن مستقبلها وردي بكل المقاييس.

صورة أرشيفية لأنا وينتور التي افتتحت مكاتب مجموعة «كوندي ناست» حديثاً في دبي

أكبر دليل أن عرابة الموضة العالمية، والمسؤولة عن مجلات «فوغ» بكل نسخها، أنَّا وينتور، حطّت في دبي منذ أسابيع قليلة بعد الكثير من المكابرة والرفض. السبب أن مجموعة «كوندي ناست» المالكة لـ«فوغ» و«ترافلر» و«جي كيو» وغيرها من المجلات البراقة، اكتشفت أن المنطقة منجم ذهب. سَلمت الأمر لشركة «نيرفورا» بداية لجس نبض السوق... وانتظرت. بعد خمس سنوات تقريباً تأكدت أن موسم القطاف قد حان، وأنه لا بد من الوجود في منطقة تؤكد كل المؤشرات أنها أمل صناع الموضة حالياً. أدركت المرأة الجليدية، كما يحلو للبعض تسميتها أن المكابرة في هذه الحالة خسارة. حضرت شخصياً في الشهر الماضي لتفتتح مكاتبها بدبي. ليس هذا فحسب. تغزلت بالمنطقة كما لم يتغزل قيس بليلى، هي التي كانت تستبعد فكرة أن يكون لهذه المنطقة مجلتها الخاصة.

علامة «ليم» السعودية افتتحت عدة فروع عالمية لتنافس «زارا» وغيرها من المحلات المهمة (ليم)

لكن أنا وينتور ومعها مجموعة «كوندي ناست» ليست وحدها من انتبه إلى أهمية الشرق الأوسط كمنطقة واعدة، بعد أن أثبتت قدرتها على الصمود في وجه الأزمة العالمية. فالموضة فيها منتعشة وتنمو بمعدل سريع. قد لا تكون بديلاً للسوق الصينية، بالنظر إلى الحجم والكثافة السكانية، لكنها تبقى الخيار الأفضل. فالسوق الصينية تشهد تراجعاً كبيراً منذ جائحة «كورونا»، وزاد الوضع سوءاً بعد انهيار سوق العقارات فيها وما سببه من خسارات فادحة لشريحة كبيرة كان صناع الموضة في أوروبا وأميركا يُعوِلون عليها. ومع ذلك ظل أمل التعافي يراودهم. بيد أن استمرار التذبذبات الاقتصادية والاضطرابات السياسية في الولايات المتحدة، وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا لا تُبشِر بالخير. عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، واقتراحاته برفع تعريفات جمركية على السلع المستوردة، تزيد من حالة التوجس والقلق.

المنطقة العربية

الموضة السعودية تنمو بشكل سريع يشجع الكثير من أبناء البلد على المزيد من الإبداع (خاص)

دبي والرياض في المقابل، تعيشان عصراً ذهبياً. هناك انتعاش تشمه في الأجواء تتخلله رائحة منافسة بين العاصمتين لتعزيز صناعات الموضة والتجزئة، وبناء البنية الأساسية اللازمة لتعزيز مكانتهما عالمياً بشكل جدي وبدعم حكومي.

البيانات الصادرة حديثاً عن يورومونيتور إنترناشيونال تشير إلى أن دولة الإمارات تحتل حالياً المرتبة الثانية من حيث حجم سوق الملابس في دول مجلس التعاون الخليجي، بنسبة 36.8 في المائة من إجمالي مبيعات الملابس في المنطقة. المرتبة الأولى للمملكة السعودية.

من اقتراحات المصممة السعودية وعد العقيلي في أسبوع الرياض لخريف وشتاء 2024 (هيئة الأزياء)

المنافسة للاستحواذ على مرتبة الصدارة والحفاظ عليها تأخذ أشكالاً كثيرة، منها تنظيم أسابيع موضة بمستوى عال لإبراز مهارات وإمكانات مبدعيهما. إلى جانب الرغبة في احتضانهم وتوفير منصة مناسبة لهم يستعرضون فيها قدراتهم، هناك رسالة موجهة لصناع الموضة العالميين بأن المنطقة لم تعد مجرد مستهلكة. هي الآن منتجة وتمتلك صوتاً مسموعاً وذوقاً رفيعاً، سواء كان هذا الذوق على مزاجهم أم لا.

السعودية تحديداً سوق واعدة باستراتيجياتها الجريئة وأيضاً بشبابها، إذ إن متوسط ​​أعمار نحو 44 في المائة منهم دون سن الثلاثين. هؤلاء يُحركون قطاع الموضة وينعشونه كما أنهم متعطشون لاستكشاف المزيد والتفاعل مع الغير.

فعاليات ثقافية وإبداعية

لقطة من قمة التجزئة التي احتضنتها العاصمة الرياض (خاص)

لتغذية فضولهم وتعطشهم للمعرفة، احتضنت الرياض في بداية العام الحالي عدة فعاليات تسلط الضوء على مكانة السعودية كمركز رائد في عالم الموضة من خلال حوارات توضح كيف يمكنهم الاستفادة من الانتعاش الحاصل حالياً في المملكة بطرق عقلانية ومدروسة. قمة التجزئة مثلاً استقطبت أكثر من 400 مشارك انضموا إلى حوارات حول مشهد التجزئة المتنامي في ضوء رؤية السعودية 2030 ما استخلص من هذه القمة أن نمو الطلب على منتجات الأزياء في مجال البيع بالتجزئة أصبحت تقدر هذا العام بـ48 في المائة أي نحو 32 مليار دولار أميركي. مبيعات السلع الفاخرة أيضاً سجلت نمواً بنسبة 19في المائة، وفق تقرير صدر عن هيئة الأزياء السعودية بعنوان «حالة الأزياء في المملكة العربية السعودية 2023».

في الشهر ذاته، نظمت هيئة الأزياء قمة WWD احتفاءً بالمواهب المبدعة، والعلامات التجارية المحلية بهدف بناء حضور أوسع وتحقيق تطلعات واعدة، باعتبارها من الأسواق العالمية. كان فاوستو بوغليسي، المدير الإبداعي العالمي لعلامة روبرتو كافالي من بين الحضور. وقد بهره ما رأى.

من تشكيلة تيما عابد في أسبوع الرياض لخريف وشتاء 2024 (هيئة الأزياء)

في حديث مع «الشرق الأوسط» قال إنه لم يكن يتوقع ما عاينه في الشوارع من تطور مدهش في مجال الموضة، سواء تعلق الأمر بـ«أزياء الشارع» أو الأزياء المحتشمة التي تُعبِر عن الهوية والثقافة العربية بأناقة معاصرة.

دبي والرغبة في المرتبة الخامسة:

من عرض «فيلفيتي كوتور» (مجلس الأزياء العربي)

دبي لم تقف مكتوفة الأيادي أمام المد السعودي. فهي ترى أنها أحق بمرتبة الصدارة في منطقة الشرق الأوسط نظراً للاستثمارات التي تقوم بها منذ زمن أبعد في مجالات إبداعية متنوعة، على رأسها الموضة. ثم أنها منذ أكثر من عشر سنوات تعمل كل ما في وسعها لتكون في المرتبة الخامسة ضمن أسابيع الموضة العالمية بعد نيويورك وميلانو ولندن وباريس. بات الأمر بالنسبة لها قاب قوسين حسب المواسم الأخيرة لأسبوع دبي.

أسبوع دبي

بنسخته الأخيرة لخريف وشتاء 2025 – 2026 أكد أنه الآن أشد ورؤيته أوضح بعد أن حصل على دعم من حي دبي للتصميم ومجلس الأزياء العربي. قوته تكمن في أنه يُوفِر منصة لمصممين من كل الوطن العربي إلى جانب مشاركين من آسيا وأوروبا وأميركا واستراليا. هؤلاء يأتون من كل صوب على أمل استقطاب ود زبون مقتدر ويُقدر الموضة.

استلهمت علامة «Velvety Couture» من زها حديد تصاميم هندسية (مجلس الأزياء العربي)

من جهتها قدّمت علامة «Velvety Couture» مجموعة احتفت فيها بالمهندسة المعمارية الراحلة زها حديد ورؤيتها المستقبلية. من مركز حيدر علييف الثقافي في مدينة باكو الأذربيجانية تحديداً، والذي صممته زها أخذت الكثير من التفاصيل طرزتها على فساتين فخمة من الشيفون والتافتا والمخمل، بألوان الأبيض والأسود والرمادي والفضي.

من عرض تارا بابيلون (مجلس الأزياء العربي)

العراقية تارا بابيلون، صاحبة علامة «Tara Babylon» والمقيمة في نيويورك، قدمت مجموعة بعنوان «أميرة اللصوص Princess of Thieves»، لم تشرح سبب اختيارها للعنوان، لكن المتابع للعرض يلاحظ أن الطابع الشرقي غلب عليها. ظهر أكثر في نقشات أشجار النخيل ودرجات اللون الأخضر. كما استعملت تارا أقمشة قطنية مُعاد تدويرها، مستخدمة تقنيات النسج والطباعة والمعدات وأدوات الكروشيه. فهي ترفع راية الاستدامة في كل عرض. النتيجة هذه المرة كانت مفعمة بالديناميكية والعصرية.

من اقتراحات ديما عياد (مجلس الأزياء العربي)

ديما عياد مؤسسة علامة «Dima Ayad»، التي تحتفل بالمرأة أياً كانت مقاييسها أو مقاساتها مجموعة ظلت وفية لقناعاتها. فهي لكل مكان وزمان ولكل الأعمار والأجسام.

أما المصمم فيكتور وينسانتو مؤسس علامة «Weinsanto»، مثلاً قدَّم خلال الأسبوع مجموعة بعنوان «كابوس في المطبخ Cauchemar in the Kitchen»، قال إنه استوحاها من الطابع العام لمطعم «Georges» الباريسي، وهو ما جسَّده في النقشات الزاهية والتطريزات المستوحاة من الفنِّ الحديث.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.