تنحي سيلفيا فندي عن منصبها يُطلق مرحلة انتقالية جديدة في صناعة الموضة الإيطالية

ماريا غراتزيا كيوري تتسلم المشعل منها

سيلفيا فندي مع العارضة ليندا إيفانجيليستا والمصمم مارك جاكوبس بعد عرضها لربيع وصيف 2023 (أ.ف.ب)
سيلفيا فندي مع العارضة ليندا إيفانجيليستا والمصمم مارك جاكوبس بعد عرضها لربيع وصيف 2023 (أ.ف.ب)
TT

تنحي سيلفيا فندي عن منصبها يُطلق مرحلة انتقالية جديدة في صناعة الموضة الإيطالية

سيلفيا فندي مع العارضة ليندا إيفانجيليستا والمصمم مارك جاكوبس بعد عرضها لربيع وصيف 2023 (أ.ف.ب)
سيلفيا فندي مع العارضة ليندا إيفانجيليستا والمصمم مارك جاكوبس بعد عرضها لربيع وصيف 2023 (أ.ف.ب)

تشهد صناعة الموضة الإيطالية الفاخرة بداية تغيير شامل. في أسبوع ميلانو الأخير، والذي اختُتم بعرض جورجيو أرماني، قالت سيلفانا ابنة شقيقه في كلمة مؤثرة كما لو أنها ترثيه، إن رحيله هو نهاية مرحلة وبداية أخرى.

هذا التصريح لا ينطبق على دار «جورجيو أرماني» فحسب، بل على مجال المنتجات الفاخرة الإيطالية عموماً، والتي يبدو أنها تطوي صفحة كان فيها المؤسسون هم أصحاب القرارات الإبداعية والتنفيذية. لم تكن وفاة «ملك الموضة» كما كان يُطلق على أرماني، هي السبب الوحيد الذي هز أركان الموضة الإيطالية، فقد سلطت الضوء عليه لأن التحركات باتجاه التغيير بدأت منذ فترة. حسب تعليق مدير إحدى دور الأزياء الكبرى في ميلانو، على هامش أحد عروض أسبوع الموضة: «هذه آخر سنوات الجيل الأول من المصممين الإيطاليين، نحن في خضم إعادة تنظيم كبيرة».

كان عرض جورجيو أرماني الأخير نهاية مرحلة بدأها المصممون وبداية مرحلة جديدة (رويترز)

مثلاً سلَّمت دوناتيلا فيرساتشي إدارة العلامة التجارية التي ورثتها عن أخيها، جياني فرساتشي، لمجموعة برادا، لتكتفي بمنصب شرفي. قبل ذلك باع روبرتو كافالي الذي توفي في عام 2024، علامته التجارية سنة 2019 إلى مجموعة «داماك» الإماراتية، فيما استحوذت مجموعة «لانفان» الصينية على علامة «سيرجيو روسي» للأحذية. هذا عدا عن العديد من بيوت الأزياء التي تنضوي تحت أجنحة مجموعتي «إل في إم إتش» و«كيرينغ». ثم جاء خبر تنحي سيلفيا فينتوريني فندي عن منصب المديرة الإبداعية في الدار التي أسستها جدتها لتتولى منصبها ماريا غراتزيا كيوري.

لم يكد أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2026 يُختتم، حتى أعلنت مجموعة «إل في إم إتش» المالكة للدار، الخبر، أو بالأحرى القرار، مضيفة أنها ستتولى في المقابل، منصب «رئيسة شرفية».

مصمما دار «دولتشي أند غابانا» ستيفانو غابانا ودومينكيو دولتشي في نهاية عرضهما بميلانو (رويترز)

المصممة ميوتشا برادا وشريكها الإبداعي المصمم راف سيمونز بعد عرضهما الأخير في ميلانو (أ.ب)

إلى الأمس القريب، كانت إيطاليا تُفضِل الشركات الصغيرة أو المملوكة لعائلات تعتز بمفهوم «صُنع في إيطاليا». كانت تنظر بعين الشك والريبة إلى المجموعات الكبيرة على أساس أن همها الأول ينصب على تحقيق الربح على حساب الحرفية والجودة. بيد أن تحولاً كبيراً حصل بسبب تحركات الأسواق العالمية. ففي عام 2012، كانت 76.8 في المائة من شركات الأزياء الإيطالية التي تتجاوز إيراداتها السنوية 50 مليون يورو لا تزال تُدار من جانب العائلة المؤسسة. ثم انخفض هذا الرقم إلى 57 في المائة فقط في عام 2022، وفق مسح أجراه مرصد «أوب» ونُشر عام 2024. إلى ذلك، ازدادت عمليات استحواذ المجموعات الأجنبية على الشركات الإيطالية بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الماضية. دور أزياء قليلة لا تزال متمسكة باستقلاليتها، أو قادرة على ذلك، مثل «زينيا» و«دولتشي إي غابانا» و«برونيلو كوتشينيللي» و«ميسوني».

من مجموعة دار «برادا» لربيع وصيف 2026 (إ.ب.أ)

يقول لوكا سولكا، من شركة «بيرنشتاين»: «لم تعرف إيطاليا رجل أعمال تمكن من تأسيس تكتل ناجح. كانت هناك بعض المحاولات، لكنها لم تُكلّل بالنجاح». ويضيف: «أرماني دليل واضح على أن أمل ظهور تكتل إيطالي مجرد وهم حتى الآن».

حتى المجموعات الإيطالية الكبيرة مثل «برادا»، التي استحوذت على دار «فرساتشي»، لا تُحقق ما تحققه «إل في إم إتش» العملاقة في مجال المنتجات الفاخرة بإيرادات قُدرت بـ84.7 مليار يورو في عام 2024 (مع العلامات التجارية الإيطالية فندي وبولغاري ولورو بيانا وإميليو بوتشي، وحصص في تودز)، أو 17.2 مليار يورو لمنافستها «كيرينغ»، الشركة الأم لعلامات «غوتشي» و«بوتيغا فينيتا» و«بريوني»، وداري المجوهرات «بوميلاتو» و«دودو».

من عرض «دولتشي أند غابانا» الأخير واحد من البيوت التي لا تزال مستقلة (رويترز)

من عرض «دولتشي أند غابانا» واحد من البيوت التي لا تزال مستقلة (إ.ب.أ)

في الجانب الآخر، هناك أمل بأن تعود الأمور إلى نصابها بعد أن يمل المستهلك، الذي تعوّل عليه المجموعات الضخمة في آسيا، ويبدأ في البحث عن الجودة والحرفية بمعناهما الإيطالي عوض الإثارة. هذا على الأقل ما يؤمن به برناردو بيرتولدي، أستاذ الاقتصاد في جامعة تورينو في شمال إيطاليا، الذي يقول إن قطاع المنتجات الفاخرة يدخل حقبة جديدة، قد تُفيد الإيطاليين، مستشهداً بالتراجع الذي شهدته عائدات «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في الآونة الأخيرة. ويوضح برناردو بيرتولدي: «سيتوقف المستهلكون عن التسوق في متاجر السلع الفاخرة، وسيبحثون عن أفضل حرفي لأحذية الكعب العالي».

يبدو أن دار «تودز» توافقه الرأي، فنظمت على هامش عرضها الخاص بالأزياء معرضاً مصغراً في جناح الفن المعاصر بميلانو، استعرض فيه اثنا عشر حرفياً مهاراتهم في صنع الحقائب والأحذية.

عمليات إنقاذ

لكن، هل ستقف المجموعات العملاقة مكتوفة الأيادي» أبداً. فقد تعاملت مع تراجع مبيعاتها باتخاذ إجراءات شملت تغيير مصممين ورؤساء تنفيذيين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

من إبداعات البريطانية لويز تروتر مصممة دار «بوتيغا فينيتا» الجديدة (أ.ف.ب)

أسلوب البريطانية لويز تروتر مصممة دار «بوتيغا فينيتا» الجديدة واضح في ميل للابتكار والتفصيل (أ.ف.ب)

مثلاً تولى ديمنا، المتمرد على التقاليد والقادم من «بالنسياغا»، زمام المسؤولية في دار «غوتشي»، وكشفت البريطانية الشابة لويز تروتر عن مجموعتها الأولى لدار «بوتيغا فينيتا»، وحل داريو فيتالي محل دوناتيلا في «فرساتشي»، وتولى أليساندرو ميكيلي الإدارة الإبداعية في دار «فالنتينو» خليفة لبييرباولو بيكيولي، الذي توجه إلى دار «بالنسياغا». تغييرات تستهدف تحقيق الأرباح، الأمر الذي يضع هؤلاء المصممين تحت ضغوطات كبيرة، نظراً لحجم التوقعات من قبل المستهلك والآمال من قبل المسؤولين والمساهمين. وهو ما عبَّر عنه إيان غريفيث، مصمم دار «ماكسمارا» منذ عام 1987 في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» قائلاً: «ماذا سيحدث لإرث» هذه الدُّور؟ وماذا عن هؤلاء المصممين الذين يضطرون لإثبات أنفسهم خلال موسم أو موسمين فقط؟ لقد عملت على مدى 20 عاماً لكي أتعلم قواعد (ماكسمارا)، وأتعرف على شخصيتها قبل أن يسمحوا لي باتخاذ أي قرار».

سيلفيا.. الوريثة

التنحي بالنسبة لسيلفيا فندي ليس سهلاً على المستويين الإبداعي والعاطفي كونها حفيدة مؤسسة دار «فندي» (أ.ب)

الأمر يختلف بالنسبة لسيلفيا فينتوريني فندي؛ فهي هنا تعيش انتقالية مصيرية على المستويين الوظيفي الإبداعي والعاطفي، كونها سليلة عائلة فندي. تولت الإشراف على خطوط الإكسسوارات والأزياء الرجالية منذ عام 1994، وقضت ما يقارب ثلاثة عقود من العمل جنباً إلى جنب مع المصمم الراحل كارل لاغرفيلد، الذي شغل منصب المدير الإبداعي للأزياء النسائية في الدار لمدة 54 عاماً.

من عرض دار «فندي» الأخير (أ.ف.ب)

تقول بعد إعلان خبر تنحيها: «لقد كانت هذه السنوات مثيرة بحق، ومسيرة سرتُ فيها باسم جدتي أديل، ووالدتي آنا، وخالاتي. وقلبي يتوجه إلى كارل، ذلك المعلم الاستثنائي الذي منحني شرف العمل إلى جانبه، وعلمني فن المشاركة، وهي سمة أساسية في تاريخ النساء في عائلتي، بينما كان يرشدني في الوقت نفسه إلى رعاية وحماية رؤيتي الإبداعية الخاصة حتى أتمكن من التحليق بها بمفردي».

من عرض دار «فندي» الأخير قبل أن تسلم سيلفيا المشعل للقادم (أ.ف.ب)

مسؤوليات وإنجازات

بعد وفاة لاغرفيلد، وسّعت فينتوريني فندي نطاق إشرافها لتشمل الأزياء النسائية أيضاً لموسمين متتاليين، ثم عادت لتتولى هذا الدور مجدداً في عام 2025 - عام الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس الدار - وذلك بعد مغادرة المصمم البريطاني كيم جونز المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) من العام السابق.

حقيبة «باغيت» تعود دائماً بألوان وخامات جديدة (أ.ف.ب)

لكن أهم إنجازاتها تصُبُّ في جانب الإكسسوارات؛ فهي التي أبدعت لنا في عام 1997 حقيبة «باغيت» الشهيرة، التي حققت للدار إيرادات خيالية ودشَّنت عصر «حقيبة الموضة». وفي عام 2009، قدمت حقيبة «بيكابو» التي أصبحت واحدة من الركائز الأساسية في أعمال الدار.

أهم ما ميز أسلوبها ميلها للفن واعتزازها بهويتها كابنة روما، حيث جمعت في تصاميمها بين الخطوط المعمارية لهذه المدينة والتي تظهر في مزيج من الطراز الباروكي والكلاسيكي الحديث والحداثي، ولمسات ناعمة وأحياناً متحررة من القوالب التقليدية، تتجلى عموماً في الزخرفات والتطريزات.

من أجمل إبداعاتها أيضاً حقيبة «بيكابو» التي عشقتها المرأة بغض النظر عن عمرها ومكانتها (رويترز)

لم تكن تتعامل مع المواد الفاخرة مثل الفرو والجلد والحرير على أنها مجرد رموز للترف، بل تتجرأ على تقطيعها لإعادة تشكيلها في قطع معاصرة. كل هذا وهي حريصة على الحفاظ على الإرث الإبداعي لعائلتها، تحت الإدارة الجديدة لمجموعة «إل في إم إتش» واستراتيجياتها التوسعية.

لكن في النهاية، ستبقى الكلمة الأخيرة للأرقام، على الأقل حتى تتحقق قراءة أستاذ الاقتصاد، برناردو بيرتولدي، بأن يمل المستهلك ويعود للبحث عن التقاليد الإيطالية.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.