الموضة والرياضة... تداخل المصلحة والحب

علاقة تُحدد تاريخها في العصر الحالي بما قبل ديفيد بيكهام وما بعده

صمّم «كيم جونز» مجموعة  حصرية لفريق باريس سان جيرمان لموسم 2023 - 2024 تغلب عليها التدرّجات اللونية السوداء والزرقاء والرمادية (ديور بريس)
صمّم «كيم جونز» مجموعة حصرية لفريق باريس سان جيرمان لموسم 2023 - 2024 تغلب عليها التدرّجات اللونية السوداء والزرقاء والرمادية (ديور بريس)
TT

الموضة والرياضة... تداخل المصلحة والحب

صمّم «كيم جونز» مجموعة  حصرية لفريق باريس سان جيرمان لموسم 2023 - 2024 تغلب عليها التدرّجات اللونية السوداء والزرقاء والرمادية (ديور بريس)
صمّم «كيم جونز» مجموعة حصرية لفريق باريس سان جيرمان لموسم 2023 - 2024 تغلب عليها التدرّجات اللونية السوداء والزرقاء والرمادية (ديور بريس)

الحديث عن العلاقة التي تربط الرياضة بالموضة لم يعد جديداً. فقد تطبّعت هذه العلاقة منذ عقود، وأصبحت زواجاً ناجحاً رغم أنه بُني على المصلحة. بيد أن نجاح الوثائقي «بيكهام»، الذي يُعرض على منصة «نتفليكس» واقتراب موعد أولمبياد 2024 في باريس، إلى جانب معرض في متحف الفنون الزخرفية بباريس، بعنوان «الموضة والرياضة: من منصة إلى أخرى» يتناول هذه العلاقة وتطورها، أعادوا هذه العلاقة إلى دائرة الضوء وفتحوا الشهية لتناولها من جديد.

برهَن ديفيد بيكهام أنه لاعب ماهر بحس تجاري فذّ ما جعله قدوة للرياضيين (أ.ب)

من بين الكثير من الأمور التي تشد الانتباه في وثائقي «ديفيد بيكهام»، أن هذه العلاقة يمكن تقسيمها إلى مرحلتين: قبل ديفيد بيكهام وبعده. فقبله كان الكثير من الأوساط الرياضية، لا سيما كرة القدم، تستهجن الاهتمام بالموضة وتراها تتعارض مع صورتها. في البداية تلقى بيكهام الكثير من الانتقادات من مشجعيه، وحتى من مدربه. كان إقباله على الموضة، بتبنيه قصات شعر جريئة وأزياء ناعمة، نذكر منها ارتداءه تنورة، شيئاً غريباً على لاعبي كرة القدم آنذاك. ومع ذلك لا يُنكر أحد أن فضلاً كبيراً في إنعاش موجة الرجل «الميتروسيكشوال»، الذي لا يرى في الاهتمام بمظهره تعارضاً مع رجولته، يعود إليه في بداية الألفية وكذلك تغير النظرة إلى الموضة، بعد أن أكدت ثروته أنها قد تكون نشاطاً جانبياً يكسبهم الملايين.

حتى النوادي الكبيرة دخلت هذا المجال، مثل باريس سان جيرمان بشراكته مع دار «ديور»، ونادي نابولي مع جيورجيو أرماني. ديفيد بيكهام نجح أيضاً في تغيير نظرة بيوت الأزياء إلى لعبة كرة القدم. فحتى التسعينات من القرن الماضي، كانوا يتخوّفون من جماهير هذه الرياضة. كانت سُمعتهم المرتبطة بالشغب في الملاعب تسبقهم وأثّرت سلباً على بعضهم. «بيربري» من البيوت التي تضررت من إقبالهم على نقشاتها المربعة وظهورهم بها في الملاعب؛ الأمر الذي جعل الطبقات الراقية تُجافيها وتعزف عنها. أحذية «دكتور مارتن» أيضاً كانت مفضلة لهم في بريطانيا وارتبطت هي الأخرى بالعنف والشغب.

ريكاردو غوادالوبي الرئيس التنفيذي لشركة «هيبلو« مع ويل براس من «بروميير ليغ» (هيبلو)

لكن كل هذا تغيّر. أمر تؤكده صوفي لوماهيو، رئيسة قسم الموضة والأنسجة في متحف الفنون الزخرفية في باريس، الذي يحتضن حالياً معرضاً يسلط الضوء على هذه العلاقة، بعنوان «الموضة والرياضة: من منصة إلى أخرى». تقول: إنه إلى جانب المصالح المشتركة بينهما، هناك قواسم أخرى تجمعهما، منها أنهما قوة ناعمة، ويقومان معاً على جمال الأجسام ورشاقة القوام. من هذا المنظور، يتتبع المعرض بداية هذه العلاقة منذ أول أولمبياد نُظّم في العصر اليوناني القديم مروراً بالقرن الـ19، الذي شهد بداية الاهتمام بتصميم ملابس الرياضيين ومحاولات تمييزها من بعضها، حسب كل رياضة وفريق.

أما التركيز الأساسي في المعرض، فينصب على بداية القرن العشرين وظهور مصممين من أمثال جون باتو، وجين لانفان، وغابرييل شانيل استعملوا تصاميم مريحة وأقمشة منعشة في تصاميمهم. ولا ننسى أيضاً تأثير انتقال رياضيين من الملاعب إلى عالم الأناقة. بعضهم بصفتهم مصممين، وبعضهم الآخر اكتفوا بتأسيس علامات تحمل أسماءهم، مثل لاعب التنس السابق رينيه لاكوست، مؤسس دار «لاكوست»، وبطل التزلج، إميليو بوتشي، وأوتافيو ميسوني مؤسس «ميسوني»، الذي كان بطل رمي الرمح في أولمبياد 1948. في الثمانينات أخذت التصاميم الرياضية منحى مختلفاً تجسد في بنطلونات «الليكرا»، ثم في الأحذية الرياضية والتصاميم الواسعة خلال جائحة «كورونا»، وهي الفترة التي اكتسب فيها الأسلوب الرياضي قوة أكبر؛ لأنها تغلغلت في عمق الثقافة الاستهلاكية من باب الفخامة والترف بأسعارها النارية.

ديفيد بيكهام وزوجته المصممة فكتوريا لدى حضورهما افتتاح فيلم «بيكهام» في لندن (رويترز)

طبعاً، لا يمكن تجاهل أن مرحلة ما بعد ديفيد بيكهام، أنتجت جيلاً من الرياضيين يقتدون به ويطمحون لعقود مجزية مع علامات عالمية. الشباب منهم تحديداً يتوقون للانعتاق من قيود الملابس الرياضية الرسمية ويريدون أن يعيشوا حياتهم مثل غيرهم خارج الملاعب أو مضامير السباقات وغيرها من الرياضات التي تتطلب زياً رسمياً محدداً. في لقاء سابق أجرته «الشرق الأوسط» مع لويس هاميلتون، بطل «فورمولا 1»، اعترف بأهمية الموضة في حياته على المستويين الشخصي والمهني، قائلاً: «بالنسبة لي، أرى الأمر من زاوية بسيطة، وهي أننا نحتاج إلى الموضة مهما كانت طبيعة عملنا للتعبير عن شخصياتنا. خذي مثلاً بدلتي الرياضية في سباقات (فورمولا 1)، هي بمثابة الزي المدرسي الرسمي الذي يلبسه كل أفراد الفريق المُكوّن من نحو 1600 شخص، وأمتلك منها نحو 14 نسخة، بالتصميم نفسه واللونين الأحمر والأبيض أيضاً، وهو ما لا يترك لي أي فرصة للتعبير عن شخصيتي». عندما طلب منه تومي هيلفغر التعاون لتصميم تشكيلة تحمل اسمهما، لم يتردد، كما لا يتردد أبداً في حضور عروض أزياء عالمية. فهي تُبقيه في دائرة الضوء، كما تفتح لها أبواب عقود مجزية.

لاعب كرة القدم بوكايو ساكا في عرض أزياء دار «بيربري» لربيع وصيف 2024 (بيربري)

العلامات التجارية الكبيرة أيضاً أصبحت لها رغبة في دخول ميادين الرياضة بالتمويل والرعاية، وحتى بتصميم ملابس الرياضيين والأوسمة والكؤوس. فعالم الرياضة يفتح لهم الأبواب للوصول إلى جمهور عالمي واسع، والمتألقون فيه هم أدوات تسويقية قوية، أولاً لشعبيتهم، وثانياً لعدد متابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي. كيليان مبابي مثلاً له 109 ملايين متابع على صفحة «إنستغرام» الخاصة به، وهو أكثر من ضِعف عدد المتابعين لدار «ديور»، التي يتابعها 45 مليون متابع.

اللاعب أشرف حكيمي من فريق باريس سان جيرمان خلال جلسة تصوير لدار «ديور» (ديور)

دار «برادا» هي الأخرى دخلت في شراكة مع فريق كرة القدم النسائي الصيني قبل كأس العالم للسيدات FIFA، بينما تعاونت بيربري مع Able Made لإنشاء مجموعة ملابس كرة قدم باستخدام أقمشة «بيربري» المُعاد تدويرها. علامة المجوهرات «تيفاني أند كو» هي الأخرى تعاونت مع الرابطة الوطنية لدوري كرة القدم للسيدات لإعادة تصميم كأس بطولة الدوري.

أما «هيبلو» فكانت أول علامة تبتكر ساعة ذكية خاصة ببطولة الدوري الإنجليزي الممتاز، أتبعتها بساعة كرونوغراف ميكانيكية للبطولة نفسها. ويعد إطلاق هذه الساعة، وهي «كلاسيك فيوجين كرونوغراف بريميير ليغ» دليلاً على التزام الدار تجاه كرة القدم وعلاقة تربطها بها منذ عام 2006.

عزّزت شركة «هيبلو« للساعات علاقتها بكرة القدم بساعة «هيبلو كلاسيك فيوجن كرونوغراف بروميير ليغ» (هيبلو)

في عام 2020، أصبحت «هيبلو» الميقاتي الرسمي لبطولة الدوري الإنجليزي الممتاز. بالنسبة لها، فإن هذه البطولة تُبث إلى 90 دولة ويتابعها 1.66 مليار شخص، وبالتالي فإن اسمها لا بد أن يتردد بينهم. وحتى يكون الوصول مضموناً، جمعت «هيبلو» أهم سفرائها ورموز اللعبة في مباراة آرسنال ضد مانشستر يونايتد سيتي، في حفل إطلاق هذه الساعة ذات الإصدار المحدود، 100 قطعة فقط، كل واحدة منها مُرقّمة بشكل فردي.

الحديث عن المصالح المشتركة يجُرّنا للحديث عن مجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية. فهي لا يمكن أن تخرج عن السِرب عندما يتعلق الأمر بتجميل صورتها وتحسين مداخيلها.

استعداداً للألعاب الأولمبية لعام 2024 بباريس، جنّدت بعض العلامات التي تنضوي تحتها لرعاية هذه الفعالية، بدءاً من «ديور» إلى «شوميه»، علماً أن المجموعة دخلت ميادين رياضية أخرى منذ فترة لا يستهان بها. مثلاً تعاقدت «لويس فويتون»، التي تنضوي تحتها، مع لاعب التنس كارلوس ألكاراز، البالغ من العمر 20 عاماً، ليكون سفيراً لها قبل أسابيع فقط من فوزه بكأس ويمبلدون هذا العام. تعاقدت أيضاً مع السباح الفرنسي ليون مارشان، الذي حطم الرقم القياسي لسباحة 400 متر. وقبل عام تقريباً، عقدت «بيرلوتي»، وهي علامة أخرى من علاماتها، شراكة مع «فورمولا 1» فريق ألباين، في حين عقدت «ديور أوم» علاقة مع باريس سان جيرمان لكرة القدم.

«ديور» تأخذ مقاس كيليان مبابي خلال جلسة تصوير للمصور تيل جانز (ديور بريس)

كل هذا بالإضافة إلى سباقهم المحموم لإغراء رياضي مشهور للظهور بزي من توقيعهم. منذ أسابيع مثلاً، غرّدت دار «لويس فويتون» ونشرت لمتابعيها ووسائل الإعلام، أن البدلة التي ظهر بها اللاعب ميسي وهو يتسلم جائزة الكرة الذهبية من توقيعها. كان هذا بمثابة هدف ذهبي لصالحها بعد أن سبق له الظهور ببدلة من «ديور أوم». فرغم أن كلتيهما تنتمي للمجموعة نفسها، فإن هذا لا يمنع من وجود منافسة مشروعة وصحية بينهما. دار «تيفاني أند كو» نشرت بدورها صورة زوجته أنطونيلا روكوزو، وهي تتألق بسوار وخاتم وأقراط أذن من مجوهراتها في المناسبة نفسها. هذه الصور وغيرها تعدّ دعايات لا تُقدَّر بثمن لما تستقطبه لهم من زبائن جدد، ربما لم تكن هذه العلامات ضمن قائمة أولوياتهم من قبل، لكن ارتباطها بنجومهم المفضلين أو بشخصيات ناجحة، يجعلهم يريدون الاقتداء بهم، ولو بشراء نظارة شمسية أو شال.

ليونيل ميسي مع زوجته أنطونيلا وأبنائهما في حفل تسلم جائزة الكرة الذهبية (أ.ب)

المتتبع عروض الأزياء في العواصم العالمية وحفلات الافتتاح وغيرها، يلاحظ أنها باتت مسرحاً يجول فيه الرياضيون ويصولون. النجوم الكبار منهم، أصبحوا مطلباً تسعى إليه بيوت الأزياء، ونجوم أول الطريق يسعون ويتوددون إليها على أمل الحصول على عقود أو تصوير حملات ترويجية تكون النقلة النوعية. هذه الظاهرة أنعشت دور خبراء الأزياء. دورهم لا يقتصر على تجميل مظهرهم وجعله مناسباً للعصر فحسب، بل أيضاً على الربط بينهم وبين بيوت الأزياء أو المجوهرات والساعات الكبيرة. فالكثير من الرياضيين، يُدركون أن أناقتهم وحدها لن تؤدي بهم إلى النتيجة المطلوبة، وبأنهم يحتاجون إلى دفعة قوية من خبراء لهم علاقات في مجال الموضة؛ حتى تختصر عليهم الطريق.

لهذا؛ كان من الطبيعي أن تشتهر أسماء خبراء بات الرياضيون يعتمدون عليهم، أولاً لتوفير دعوات لحضور مناسبات مهمة، وثانياً لاختيار وتنسيق أزيائهم. من هؤلاء نذكر كورتني مايز، التي تتعامل مع رياضيين في فريق كرة السلة بأميركا، مثل كريس بول وكيفن لوف ودياندريه جوردان وسو بيرد وداينا توراسي، وألغين هاميلتون، خبير الأزياء وصاحب علامة «بيل بيكيت» Bill Pickett. لا يتعدى عمره 23 عاماً، لكن لائحة الرياضيين الذين يتعامل معهم تشمل ريس نيلسون وكاي هافيرتز من آرسنال، وتريفور شالوبا من تشيلسي وجو ويلوك من نيوكاسل يونايتد. بفضل علاقاته في عالم الموضة، فإن دوره قائم على توفير الدعوات لكي يحضروا مناسبات مهمة وعروض أزياء عالمية، ومن ثم يوثقون علاقتهم بهذا العالم الذي ربما يكون عصيّاً على من ليس لديهم دراية بما يجري خلف الكواليس. خبيرة أزياء المشاهير، كارلوتا كونستان، هي الأخرى تتعامل مع لاعب نادي كريستال بالاس، إيزي إيبريتشي، وكانت وراء إطلالته في عرض دار «بيربري» الأخير لربيع وصيف 2024.

من تشكيلة «فندي» لرياضة الغولف (فندي)

جدير بالذكر، أن علاقة بيوت الأزياء والمجوهرات والساعات، لا يقتصر على لاعبي كرة القدم، وإن كانوا الأكثر شعبية نظراً للقاعدة الجماهيرية لهذه الرياضة. فهم لا يتجاهلون رياضات أخرى أكثر نخبوية، لكنْ لها زبائن مهمون، مثل الفروسية أو ركوب الأمواج أو التزلج وغيرها، بدليل أن الكثير منهم طرحوا مجموعات جديدة من «مونكلير» و«فندي» إلى «بالنسياغا» و«ديور» و«برادا» وغيرها.

من مجموعة «بالنسياغا» للتزلج (بالنسياغا)

«فندي» مثلاً طرحت في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، مجموعة غولف محدودة للاحتفال ببطولة كأس رايدر الدولية التي ستقام في روما في الفترة بين 29 سبتمبر و1 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في حين أطلقت «بالنسياغا» هذا الشهر مجموعة خاصة بالتزلج. تميزت الأزياء بأقمشة وتقنيات تحافظ على الدفء ومقاومة للماء، بينما تنوّعت الإكسسوارات لتشمل كل ما يحتاج إليه المتزلج من ألواح تزلج وقفازات، إلى خوذات ونظارات وأحذية بعضها بنعل معدني مسنن قابل للإزالة.

من مجموعة «مونكلر غرونوبل» لمحبي تسلق الجبال (مونكلر)

 

 

 


مقالات ذات صلة

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة 6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، تظهر فيها المرأة عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

في ليلة الأوسكار منحت المجوهرات جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطاباً في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان ونحافة واضحة في السنوات الأخيرة (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبورن أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.


جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.