واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

بوتين يهدد بالاستيلاء على سفن غربية ردّاً على مصادرة ناقلات «الأسطول الشبح»

سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)
سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)
سفينة حاويات محملة بكثافة في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود (أرشيفية - د.ب.أ)

بينما كانت واشنطن تطلب من كييف تحييد ناقلات النفط المرتبطة بخط بحر قزوين، كانت المسيّرات والصواريخ الأوكرانية تضرب القاعدة البحرية الروسية ومنشآت الحبوب في نوفوروسيسك.

Ukrainian attack on the 'Kiros' ship, part of Russia's shadow fleet, on November 29, 2025 (AFP)

هذا التزامن يلخّص المرحلة الراهنة من الحرب؛ الولايات المتحدة ما زالت قادرة على رسم حدود لبعض العمليات الأوكرانية، لكنها لم توقف حملة استهداف العمق الروسي، فيما يستخدم الطرفان التصعيد لتحسين موقعيهما قبل تحرك دبلوماسي محتمل، يقوده ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير. غير أن انتقال الحرب الجوية إلى الموانئ والمصافي والمدن، وارتفاع الخسائر المدنية، يجعلان أي وساطة جديدة سباقاً بين فتح قناة تفاوضية واتساع دائرة الانتقام.

حدود أميركية للنار

أوقفت أوكرانيا مؤقتاً هجماتها على ناقلات تستخدم ميناء نوفوروسيسك، بعدما طلب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ذلك خلال اتصال بالرئيس فولوديمير زيلينسكي أواخر يوليو (تموز). ووفق ما نقلته «فاينانشال تايمز» عن مسؤولين أوكرانيين، وافقت كييف على عدم استهداف منشآت «اتحاد خط أنابيب بحر قزوين» والناقلات غير الروسية، شرط ألا تكون خاضعة لعقوبات أوكرانية أو محمّلة بالنفط والبضائع الروسية. ولم تؤكد الإدارة الأميركية رسمياً تفاصيل التفاهم، كما قالت «رويترز» إنها لم تتمكن من التحقق منه بصورة مستقلة.

تنبع حساسية المنشأة من أنها تصدّر النفط الكازاخستاني عبر الأراضي الروسية، وتملك شركتا «شيفرون» و«إكسون موبيل» الأميركيتان مصالح كبيرة في المشاريع التي تغذيها. وكانت هجمات يوليو قد عطلت ما يصل إلى خُمس عمليات التحميل، وأسهمت في انخفاض إنتاج كازاخستان النفطي 14 في المائة خلال شهر، ما أثار مخاوف من اضطراب الأسعار وإلحاق الضرر بالشركتين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يزور الطراد الصاروخي الموجه التابع للبحرية الروسية «فارياغ» في أثناء إشرافه على المرحلة النهائية من التدريبات البحرية لأسطول المحيط الهادئ في أقصى شرق جزيرة سخالين (أ.ف.ب)

استجابة كييف تكشف استمرار اعتمادها على واشنطن، ولا سيما الحصول على صواريخ اعتراضية ومزيد من منظومات «باتريوت». لكنها تكشف أيضاً حدود النفوذ الأميركي؛ فقد حيّدت أوكرانيا النفط الكازاخستاني والسفن غير الروسية، من دون التخلي عن ضرب الأهداف الروسية في الميناء نفسه. وبذلك لم تفرض واشنطن وقفاً للحملة، بل رسمت خطاً يفصل بين استهداف موارد موسكو العسكرية وبين الإضرار بمصالح دول وشركات غربية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

الميناء يبقى هدفاً

هذا الفصل ظهر بوضوح في الهجوم الواسع على نوفوروسيسك، ليل الثلاثاء - الأربعاء. فقد قال زيلينسكي إن العملية استخدمت مسيّرات جوية وبحرية وصواريخ مضادة للسفن، واستهدفت القاعدة البحرية والدفاعات الجوية والأرصفة. وكانت روسيا قد نقلت جزءاً من أسطول البحر الأسود إلى هذه القاعدة بعدما أصبحت سفنه في القرم عرضة للهجمات الأوكرانية.

ونقلت «رويترز» عن مصادر في قطاع الحبوب أن محطتين كبيرتين للتصدير توقفتا بعد تعرضهما لأضرار. وتبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 15.6 مليون طن سنوياً، الأمر الذي دفع عقود القمح في شيكاغو إلى الارتفاع بنحو 3 في المائة. في المقابل، لم تظهر مؤشرات إلى إصابة محطة خط بحر قزوين أو ناقلاته، بما يؤكد التزاماً انتقائياً بالطلب الأميركي.

Residents inspect the damage after a Russian shelling of Lviv on July 30 (AFP)

وتتجاوز تداعيات المعركة روسيا وحدها. فموسكو أكبر مصدّر للقمح عالمياً، فيما قالت وزارة الزراعة الأوكرانية إن شحنات بلادها تراجعت 76 في المائة خلال أول أسبوعين من أغسطس (آب) مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة الهجمات الروسية على الملاحة والموانئ. وهكذا يتحول البحر الأسود مجدداً إلى مساحة ضغط على الأمن الغذائي، بعدما أصبح ممراً تتقاطع فيه الحرب البحرية مع مصالح الطاقة والتجارة الدولية.

منقذون يجلون مصابين من مبنى سكني تعرض للقصف في لفيف يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)

بوتين يهدد

وفي سياق متصل، هدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأربعاء، بالاستيلاء على سفن تابعة لدول أوروبية، ردّاً على قيام هذه الدول باعتراض واحتجاز سفن يُشتبه في أنها جزء من «الأسطول الشبح» الروسي. وجاء التهديد الروسي بعدما اعترضت دول أوروبية، ولا سيما السويد وفرنسا، في الأشهر الأخيرة، سفناً يُعتقد أنها تابعة لهذا الأسطول الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة عليها.

وتتيح مجموعة جديدة من العقوبات، أقرّها الاتحاد الأوروبي في نهاية يوليو، وتستهدف هذه العائدات الهامة لروسيا، بيع حمولات هذه السفن من نفط وغيره.

وقال بوتين: «نلاحظ أن سلطات بعض الدول... درست مؤخراً إمكانية مصادرة سفننا وبيع الممتلكات التي ينهبونها منّا»، مندداً بأعمال «قرصنة ولصوصية».

وأضاف متحدثاً على هامش مناورات بحرية في أقصى الشرق الروسي: «إذا ما نُفّذ ذلك، فسنُضطر للردّ بالمثل»، مضيفاً أن روسيا ستتحرك «حيثما نرى نحن ذلك ضرورياً ومناسباً، في أي مكان».

عملية إنقاذ تجري بعد ضربة صاروخية روسية على مدينة لفيف في غرب أوكرانيا يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)

وقرّرت السويد مؤخراً تسليم أوكرانيا سفينة شحن من أسطول الظل الروسي، اعترضتها مطلع مارس (آذار)، وهي تنقل بحسب كييف حمولة من القمح الأوكراني المسروق من الأراضي التي تحتلها موسكو. وأدلى بوتين بتصريحاته على متن الطراد الروسي «فارياغ» قبالة جزيرة سخالين، حيث تقوم البحرية الروسية بمناورات عسكرية. وتجري المناورات قبل أسبوع من مناورات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، تحاكي هجوماً محتملاً من كوريا الشمالية. ويخيم توتر شديد في المنطقة، في وقت تندد فيه كييف وسيول بتكثيف التعاون العسكري بين بيونغ يانغ وموسكو.

العمق الروسي ينكشف

بالتوازي، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها أسقطت 502 مسيّرة خلال الليل، وأكثر من ألف مسيّرة خلال 24 ساعة، وهي أرقام لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، لكنها تعكس الحجم غير المسبوق للهجمات. كما توقفت مصفاة أورسك، التي تبعد نحو 1900 كيلومتر عن الحدود، وتبلغ طاقتها 115 ألف برميل يومياً، إثر حريق نسبته مصادر نفطية إلى ضربة أوكرانية.

وتسمي كييف هذه الحملة «عقوبات بعيدة المدى»، لأنها تستهدف المصافي والموانئ ومستودعات الوقود والمنشآت اللوجستية التي تموّل آلة الحرب الروسية. إلا أن اتساعها أضعف قدرة بوتين على إبقاء المجتمع الروسي بعيداً عن تداعيات الغزو. ففي نيجنكامسك، قتل 13 شخصاً، وأصيب 39 في ضربة استهدفت مصفاة «تانيكو» في تتارستان.

الدخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس (رويترز)

وبحسب بيانات «فريق استخبارات الصراعات»، التي أوردتها «نيويورك تايمز»، قُتل 327 مدنياً داخل روسيا بضربات جوية وقصف خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، مقابل 145 في الفترة نفسها من العام الماضي، وأصيب 2366. لكن التكلفة تبقى أعلى في أوكرانيا، حيث قُتل 1695 مدنياً خلال الفترة ذاتها، فيما تواصل موسكو استخدام الصواريخ الباليستية والمسيّرات بكثافة. وفي أحدث موجة روسية، ضُربت منشآت في أوديسا، واشتعل حريق في مركز تجاري بزابوريجيا، بعد هجوم بصواريخ، قالت كييف إنها كورية شمالية، أوقع قتلى في مصنع للصلب.

مسيرات انتحارية في تايوان خلال تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ)

وساطة ممكنة لا اختراق قريباً

وسط هذا التصعيد، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف سلّمت الجانب الأميركي مقترحات جديدة لإنهاء الحرب، من دون كشف تفاصيلها. كما تتوقع موسكو وكييف زيارة ويتكوف وكوشنير إلى العاصمتين، بعدما تعطلت جهود الوساطة لأشهر بسبب انشغال واشنطن بالحرب والمفاوضات مع إيران. لكن لم يُعلن حتى الآن موعد رسمي للزيارة، في حين أنهما زارا موسكو سابقاً، ولم يزورا كييف بعد.

ويرى مراقبون أن ثمة عناصر تسمح بإعادة تشغيل الوساطة؛ تجاوب كييف مع فانس، وتسليمها مقترحات، واستعداد الكرملين لاستقبال المبعوثين. لكن هذه مؤشرات إلى استئناف «دبلوماسية مكوكية» أكثر منها دليلاً على تسوية وشيكة. فالعقدة الأساسية لم تتغير؛ موسكو تطالب أوكرانيا بالتخلي الكامل عن المناطق الأربع التي أعلنت ضمّها ومعالجة ما تسميه «الأسباب الجذرية»، بينما تتمسك كييف بوقف النار والضمانات الأمنية وترفض الانسحاب من أراضٍ لم تحتلها روسيا.

عملية إنقاذ تجري بعد ضربة صاروخية روسية على مدينة لفيف غرب أوكرانيا 30 يوليو (أ.ف.ب)

وقد يكون الإنجاز الأقرب اتفاقاً محدوداً لتحييد النفط الكازاخستاني والسفن غير الروسية، وربما توسيعه إلى ممرات الحبوب أو بعض منشآت الطاقة. أما التسوية الشاملة فتحتاج إلى ضغط أميركي متوازن على الطرفين، لا إلى ضبط نيران كييف وحدها. لذلك يمكن لزيارة ويتكوف وكوشنير أن تفتح نافذة تفاوض، لكن الهجمات الحالية تبدو، في الوقت نفسه، محاولة من موسكو وكييف لتحديد ما سيدخل عبر تلك النافذة من أوراق قوة وشروط.


مقالات ذات صلة

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية، غير أن الخلافات تفاقمت حول مواضيع أساسية مثل الهجرة والموازنة.

شوقي الريّس (بروكسل )
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وخلفه شعار الاتحاد الأوروبي على هامش قمة لزعماء التكتل (د.ب.أ)

قادة الاتحاد الأوروبي يدعون إلى تقليص اعتماد أوروبا على «ستارلينك»

بحث قادة الاتحاد الأوروبي سبل الحد من اعتماد أوكرانيا على نظام «ستارلينك» الذي يدعم عملياتها العسكرية، بعدما شهد النظام الأميركي اضطرابات أثرت على استخدامه.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 28 فبراير 2025 (رويترز)

ترمب: زيلينسكي ليس شخصاً جيداً للتعامل معه

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنه شريك تفاوضي أكثر صعوبة من الروسي فلاديمير بوتين، مصوّراً إياه عقبةً أمام إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
TT

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)

أعلنت هانا شتيرنه، المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» المرموقة، استقالتها، الجمعة، بعد أيام من إعلان الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام.

وقالت المؤسسة، في بيان، إن الصحافية السويدية والمديرة الإعلامية (57 عاماً)، ستتنحى عن منصبها، لأسباب «شخصية وصحية».

وقالت شتيرنه: «كانت رحلة رائعة لتطوير أنشطة مؤسسة نوبل والمساهمة في ضمان وصول جوائز نوبل إلى الناس في جميع أنحاء العالم».

وأضافت: «أشعر بالفخر إزاء ما حققناه معاً، وبالزملاء ذوي الكفاءة العالية في مختلف المجالات المرتبطة بنوبل».

وتولت شتيرنه إدارة المؤسسة في مطلع عام 2025. وقبل ذلك، كانت تتولى رئاسة هيئة البث العامة السويدية «إس في تي».

أُسست مؤسسة نوبل في عام 1900 لإدارة إرث رجل الصناعة السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل (1833-1896).


البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
TT

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)

أقام البابا ليو الرابع عشر قداساً، الجمعة، في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في الرئة، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية.

وأظهرت الصور البابا، البالغ (71 عاماً) والمولود في شيكاغو، واقفاً أمام مذبح في غرفة من المستشفى في روما، مرتدياً ثوباً كهنوتياً أخضر.

وبدا البابا في حالة جيدة، وإلى جانبه سكرتيره الخاص الكاهن البيروفي إدغارد ريمايكونيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقمَيْن الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

وأضاف أن البابا أعرب عن شكره لجميع العاملين من أطباء وممرضين وموظفي خدمات، على تفانيهم في العمل وقربهم من الناس واهتمامهم بضعف الإنسان، وخصوصاً على ما تلقاه شخصياً في الأيام الماضية من رعاية واهتمام وعلاج.

ومن المتوقع أن يترأس البابا صلاة «التبشير الملائكي» التقليدية، الأحد، لكن مصدراً في الفاتيكان لم يوضح ما إذا كانت الصلاة ستُقام من داخل المستشفى أم من الفاتيكان.

وتعوّد البابا إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود في الساحة.

البابا ليو الرابع عشر يقيم قداساً في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج (د.ب.أ)

فحوص مستمرة

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وذكر الأطباء أنه يتعافى بشكل طبيعي، لكن الفحوص المستمرة ستحدد المسار المقبل لعلاجه.

وأفاد أطباؤه، الخميس، بأن صورة الأشعة للصدر أظهرت «تعافياً جيداً للرئة التي أُجريت لها الجراحة».

وأفادوا، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، لافتين النظر إلى أنه بات الآن يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».

ولم تظهر بعد نتائج الفحوص التي ستحدد ما إذا كان السرطان قد انتشر. وقال مصدر في الفاتيكان إن «معنويات (البابا) جيدة، وهذا واضح. كما أن تعافيه يسير على ما يرام، بدليل أن البابا تمكن من إقامة القداس».

«أيام أفضل»

لم يدل المكتب بأي معلومات عن الموعد المحتمل لخروج البابا من المستشفى، مكتفياً بتكرار ما سبق أن ذكره الطبيب لجهة أن تعافيه سيستغرق نحو أسبوع.

وإذا قام البابا صلاة «التبشير الملائكي» من نافذة مستشفى جيميلي، فلن تكون سابقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

ففي 6 فبراير (شباط) 2005، أطل البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان يبلغ حينها (84 عاماً)، من نافذة المستشفى خلال تعافيه من مشكلات تنفسية نجمت عن الإنفلونزا، فيما تولى أحد مساعديه تلاوة صلاة التبشير واقفاً إلى جانبه.

كما أقام البابا فرنسيس الصلاة ذاتها من نافذة المستشفى في 11 يوليو (تموز) 2021، وكان يبلغ حينها (84 عاماً) أيضاً، وذلك عقب خضوعه لجراحة في القولون. وقال يومها للحشود المجتمعة: «أنا سعيد لأنني تمكنت من الالتزام بموعد صلاة (التبشير الملائكي) ليوم الأحد، حتى من هنا».

ونشر الفاتيكان، الجمعة، مجموعة من الرسوم والرسائل التي أرسلها أطفال في المستشفى، بالإضافة إلى رسالة من شابة تبلغ (18 عاماً) كتبت فيها «سنحيا أياماً أفضل».

وكتب طفل في السابعة اسمه أنجيلو نقل إلى الطابق العاشر من مستشفى جيميلي قبل 36 يوماً، حيث خضع لجراحة في الرأس: «أمي وأنا نصلي من أجلك كل ليلة. أتمنى أن تتحسن صحتك قريباً».


الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تفرّق الأوروبيون حول كل الملفات التي كانت مطروحة على طاولة القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وتعمّقت خلافاتهم حول مواضيع أساسية، مثل الهجرة والموازنة التي ستحدد سياسات الاتحاد خلال السنوات السبع المستقبلة، لكن الحرب في أوكرانيا جمعت شملهم حول موقف موحد لمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى كييف، وتكريس القطيعة بين واشنطن وبروكسل، في مقاربة أخطر أزمة تواجه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان هو نجم هذه القمة بلا منازع، إذ وصل العاصمة البلجيكية مساء الخميس، وأجرى محادثات وصفها بالممتازة مع رئيس الوزراء البلجيكي حول الأصول المالية الروسية المجمدة في بلدان الاتحاد، ومعظمها لدى المصارف البلجيكية، التي قالت عنها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كاياك آلّاس، ظهر الجمعة، إنها «لا يجب أن تعاد إلى روسيا، قبل أن تحصل منها أوكرانيا على التعويضات التي تستحقها جراء الدمار الذي خلّفته الاعتداءات الروسية عليها».

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بروكسل (أ.ف.ب)

في اليوم الثاني من القمة، حلّ عليها ضيفاً الرئيس الأوكراني طيلة الجلسة الصباحية، واستقبله القادة الأوروبيون بحفاوة لافتة وتصفيق طويل، كما لو أنهم كانوا يشعرون بحاجة ملحة لإظهار موقف موحد بعد سلسلة الخلافات العميقة التي ميّزت معظم اللقاءات الأخيرة. وكانت حفاوتهم تلك، وما تبعها من مواقف صدرت عن مسؤولة السياسة الخارجية ورئيس المجلس، رداً واضحاً على الموقف الأميركي الذي أكدت انكفاءه تصريحات الرئيس دونالد ترمب، التي دعا فيها إلى البحث عن بديل لرئاسة أوكرانيا، وتحميله زيلينسكي مسؤولية عدم التوصل إلى حلّ لإنهائها.

أما الملف الخلافي الذي استهلك معظم النقاش الذي دار يوم الخميس في القمة، فكانت موازنة الاتحاد للفترة 2028 - 2034، التي ستحدد العناوين السياسية الكبرى خلال السنوات المقبلة، التي برزت فيها خلافات عميقة حولها، تبدّت في المواجهة الشرسة بين مجموعة الدول «المقتصدة» التي تقودها ألمانيا وتدعو إلى خفض كبير في المقترح الذي أعدته المفوضية، ومجموعة «أصدقاء التضامن» بقيادة إسبانيا وإيطاليا، وتطالب بتخصيص مزيد من الموارد لمواجهة المرحلة المقبلة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وليس أدلّ على عمق الخلافات حول هذا الإطار المالي المتعدد السنوات من تصريحات رئيس الوزراء السويدي كريسترسون، الذي قال: «بصراحة، لسنا في عجلة من أمرنا للتوصل إلى اتفاق، والمواطن السويدي ليس صرّافاً آلياً للاتحاد الأوروبي». وردّ عليها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بقوله: «هذا الاقتراح ليس كافياً على الإطلاق».

وما يزيد من تعقيدات هذا الملف، ويعرقل بتّه قبل نهاية السنة، أن السنة المقبلة هي سنة انتخابات بامتياز في العديد من الدول الأعضاء، ما يجعل النقاش حول كل الملفات الحساسة سياسياً وموجهاً في الدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي.

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخميس بمناسبة قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

ويعتبر هذا الإطار المالي بمثابة إعلان للأولويات السياسية، يحدد أين وكيف ستنفق الموارد المالية في السنوات السبع المقبلة. ويتضمن الاقتراح الذي وضعته المفوضية خفضاً ملحوظاً في بعض الأبواب الرئيسية التقليدية، مثل السياسة الزراعية المشتركة وسياسة التضامن، وزيادات في بعض الأبواب التي صارت من الأولويات الجديدة بسبب الظروف الجيوسياسية الراهنة، مثل الدفاع والأمن، وتعزيز القدرات التنافسية لمساعدة المؤسسات الأوروبية في السباق الذي تتصدره الولايات المتحدة والصين، وتتقدمان على بلدان الاتحاد الأوروبي بأشواط.

الرئاسة الدورية الحالية التي تتولاها آيرلندا تحاول منذ أشهر الدفع نحو اتفاق نهائي حول هذا الإطار المالي، رغم أنه لن يدخل حيز التنفيذ سوى في مطلع عام 2028. السبب التقني المعلن وراء هذا الاندفاع هو أن الإطار له تداعيات على البنى التحتية والإدارات التي ستتولى تنفيذه عندما يدخل حيز التنفيذ، وتحتاج وقتاً للاستعداد له. لكن ثمة سبباً سياسياً غير معلن، وهو أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية واشتراعية في أبريل (نيسان) المقبل، ولا يخفى على أحد أنه في حال وصول اليمين المتطرف إلى الإليزيه أو سيطرته على الأغلبية في الجمعية الوطنية، لن يكون من السهل أبداً التوصل إلى اتفاق، ناهيك عن الانتخابات المقررة أيضاً في بولندا وإيطاليا وفنلندا، حيث لن تتراجع الدول عن مواقفها المعلنة خشية تعرضها لخسارة في الأصوات.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

الطبق الخلافي الآخر على مائدة القمة كانت الهجرة، التي أصبحت العنوان الرئيسي لمعظم الحملات الانتخابية في الدول الأعضاء، والمرشحة لمزيد من الاستقطاب والاستهلاك والمزايدات على أبواب الانتخابات، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية هذا الصيف. ورغم أن الدول الأعضاء أبدت مؤخراً عن استعدادها للتضامن مع إسبانيا، بعكس ما حصل في بداية أحداث سبتة، لم تبخل في انتقاداتها لرئيس الوزراء الإسباني وسياسة الهجرة التي ينهجها، وقرار تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، الذي تعتبره بعض الدول الدافع الذي استقطب آلاف الشبان المغاربة الذين تدفقوا على سبتة هذا الصيف.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ولم يمنع ذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ونظيرتها الدنماركية، من مطالبة سانشير بإعادة النظر في قرار تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الإسباني بشدة في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد القمة.

لكن سانشيز، الذي جاء إلى القمة مستعداً لهذه المواجهة، فنّد جميع الاتهامات التي وجّهت إليه بالأرقام والبيانات الصادرة عن أجهزة المفوضية، التي قالت رئيستها فون در لاين إن تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة لم يؤثر على سياسة الهجرة الأوروبية، وإن التدفقات غير الشرعية تراجعت العام الماضي بنسبة 55 في المائة، وبنسبة الثلث منذ بداية هذا العام.