في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

المصمم ويس غوردن لـ «الشرق الأوسط»: المرأة لا ترتدي أزياء كارولينا هيريرا لتختفي بل لتُعلن حضورها

الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
TT

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)

ويس غوردن، المدير الإبداعي لدار كارولينا هيريرا، يريد أن يبيع للمرأة السعادة مُغلّفة بالألوان الزاهية في زمن يرى أنه مشبع بالقتامة. امرأة «كارولينا هيريرا» كما تخيَّلها لا تتردد في ارتداء اللون الوردي الفاقع، أو الأحمر القاني في مناسبة ترتدي فيها غالبية النساء الأسود، أو ألوان ترابية تحت شعار «الفخامة الهادئة».

منذ انضمامه إلى كارولينا هيريرا وويس غوردن يبثّ فيها روحاً قوامها البهجة واللون (كارولينا هيريرا)

كان اللقاء في بهو فندق السافوي بلندن، في يوم وصلت فيه درجات الحرارة إلى أكثر من 36 درجة. وكان وجوده في العاصمة البريطانية مرتبطاً بمتابعة عرض مجموعته الجديدة من حقائب اليد، والعطور في «هارودز». يقول لـ«الشرق الأوسط» وهو يحتسي قهوة مثلجة: «لقد تعدّينا مرحلة الألوان الأحادية، والمطفأة، والرغبة في الذوبان مع محيط هادئ، وبات على المرأة أن تُعلن وجودها بثقة، وإيجابية. هذه المرأة لا تشتري أزياء كارولينا هيريرا لتختفي، بل لتشعر بالتميز الاستثنائي».

من اقتراحاته التي تنبض بالحيوية (كارولينا هيريرا)

المتابع لعروضه منذ تسلمه المشعل من كارولينا هيريرا في عام 2018، يلاحظ تراجع الألوان الباهتة واستعاضتها بكل ما هو مشرق، ومُبهج. ألوان زاهية لا تعترف بالحلول الوسطى، ونقشات تتضارب مع بعضها البعض، لكنها، وبقدرة رسام ماهر، تكتسب تناغماً عجيباً.

في طريقي لمقابلته، كانت تراودني أسئلة كثيرة مثل: كيف استطاع شاب أميركي وُلد في شيكاغو، ونشأ في أتلانتا بعيداً عن مراكز الموضة التقليدية، اختراق دار ترتبط في المخيلة بتاريخ طويل مع سيدات البيت الأبيض، من جاكي أوناسيس إلى ميشيل أوباما، وأخيراً ليس آخراً ميلانيا ترمب؟

ويس غوردن في مكتبه (كارولينا هيريرا)

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف استطاع أن يحظى بثقة مؤسسة أمضت أكثر من أربعين عاماً وهي ترسم كل تفاصيل عالمها الخاص؟ فليس من السهل على أي مؤسس، خصوصاً وهو لا يزال حاضراً وقادراً على متابعة ما يحدث، أن يتنحى عن موقعه المركزي من دون أن يشعر بأن جزءاً من هويته يُنتزع منه. تجارب الماضي تشير إلى أن عملية تسليم المشعل كانت اختباراً حساساً لتحقيق التوازن بين الحضور والغياب، وبين احترام الماضي وفتح الباب أمام المستقبل. فكيف نجح غوردن في إقناع كارولينا هيريرا وطمأنتها بأنه قادر على حمل رؤيتها من دون المساس بإرثها؟

لقاء الأجيال

ويس غوردن مع المؤسسة كارولينا هيريرا (غيتي)

أطرح عليه هذه الأسئلة، فيبتسم وكأنه توقعها، أو تعود سماعها، قائلاً إنه منذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها نشأت بينهما ألفة فورية. يعترف أن القلق انتابه قبل مقابلتها للمرة الأولى. كان يتوقع أن تستجوبه بشكل صارم كما تجري العادة في مثل هذه المقابلات، وتمطره بأسئلة حول رؤيته لمستقبل العلامة، وإدارة أعمالها، لكن المفاجأة أن الحديث أخذ منحى إنسانياً بحتاً بعد دقائق معدودات.

تحدَّثا عن الكتب التي يقرآنها، وبرامجهما التلفزيونية، وهواياتهما المفضلة، وما شابه ذلك من أمور. اكتشفا أنه، رغم اختلاف النشأة وفارق العُمر، تربطهما قواسم قوية، فنياً، وإنسانياً.

استطاع أن يحول الألوان والنقشات المتضاربة إلى لوحات فنية (كارولينا هيريرا)

وهكذا تحولت العلاقة إلى صداقة مبنية على الاحترام. ويضيف غوردن أن ما ساعده أيضاً على الانسجام مع أجواء الدار، ومتطلباتها بسهولة أن التعيين الرسمي جاء بالتدريج. فقبل أن يصبح مديراً إبداعياً، قضى عاماً كاملاً مستشاراً للدار. كانت هذه الفترة مهمة تعرَف خلالها كل منهما إلى الآخر أكثر، وساهمت فيها كارولينا بتعبيد الطريق أمامه، بأن عرَفته بفرق العمل، وكل صغيرة وكبيرة.

يُلمِح أنها، إلى جانب رُقيها ودفئها الإنساني، تتمتع بروح برغماتية «رغم الألفة والأريحية بيننا، فهي لا تتدخل في العمل على الإطلاق». أدركت بذكائها أن عليها أن تنأى بنفسها، وأن تترك له مساحة من الحرية لكي يُعبِر عن رؤيتها بلغة العصر. نعم تحرص على حضور عروضه كأي ضيفة معجبة لا أقل، ولا أكثر. من جهته، يُقدِر هو الثقة التي منحته إياها، ويتعامل مع إرثها باحترام وحب «فمن الصعب جداً أن تكون مديراً إبداعياً لعلامة لا تُكن لها محبة، أو احتراماً حقيقيين» وفق قوله.

لم يتجاهل تماماً إرث كارولينا هيريرا فهو يظهر في قطع أساسية مثل القميص الأبيض (كارولينا هيريرا)

حوار الماضي والمستقبل

ما يُحسب له أنه لم يحاول أن ينسف ماضيها ليستعرض قدراته، قائلاً: «أنا لم آتِ لكي أقوم بثورة، بل لجعل الدار مواكبة للعصر من دون أن تتنازل عن الأناقة الراقية كما أرستها السيدة كارولينا هيريرا. فهي ترى أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً».

واضح في عروضه حضور بصماتها الراقية، لكن حضورها لا يعني تقديسها. فما ينجح فيه في كل عرض وكل ابتكار -سواء كان فستاناً مطبوعاً بورود ضخمة، أو أحمر شفاه قانٍ، أو حقيبة بلون أو شكل غير متوقع، أو حتى تسريحة شعر تستحضر جذورها الفنزويلية- أنه لا يُكرر مفرداتها حرفياً بقدر ما يعيد صياغتها.

يؤمن بمقولة كارولينا هيريرا أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً (كارولينا هيريرا)

ينسج من الأساسات التي أرستها طبقات مفعمة بالحيوية، تستقطب شرائح جديدة من المعجبات من مختلف الأعمار، والجنسيات.

هذه التفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكن أثرها كبير، لأنها لا تعترف بالصرعات الموسمية، وتخاطب جانباً يحن إلى أناقة أيام زمان بلغة العصر. فإطلالة مكونة من قميص أبيض وتنورة فخمة منقوشة بالورود أو بكشاكش يمكن أن تنافس فستان سهرة من الـ«هوت كوتور».

تأثير لندن

هذا الموقف ليس مجرد خيار إبداعي، بالنسبة له، بل يعد انعكاساً لعلاقة خاصة نسجها مع الدار قبل انضمامه إليها «فقبل التعيين بسنوات كنت أتابع عروضها، وأحب تاريخها وما تمثله من أناقة راقية لا تخضع للصرعات الموسمية، وهو ما أؤمن به أيضاً، ويظهر في أعمالي بوضوح».

فستان سهرة يليق بمناسبة صيفية سواء كانت في قصر أو في منتجع صيفي (كارولينا هيريرا)

ميله إلى الكلاسيكية المعاصرة وابتعاده عن الصرعات الموسمية، حتى قبل التحاقه بالدار، يُثيران بعض التساؤل. ليس لأنه ينتمي إلى جيل من المصممين يُفترض أن تدفعهم فورة الشباب لمحاولة فرض أسلوبهم الخاص بأي ثمن، بل لأنه درس في «سانترال سانت مارتنز» بلندن. المعهد المعروف بتشجيع طلابه على التحليق بخيالهم إلى أبعد الحدود، حتى وإن تطلَب الأمر تحويل الفنون إلى جنون. يشرح ما يبدو تناقضاً أنه أمر طبيعي، فالمعهد له عدة مدارس تصميمية، ويدعم كل الاتجاهات كما يدعم كل المواهب. ويستطرد أن التحاقه بهذا المعهد تحديداً له أسباب شخصية. فشغفه بتصميم الأزياء يعود إلى مرحلة الصبا، عندما كان يعيش في أتلانتا وكانت متابعة أحداث ونشاطات الموضة العالمية محدودة للغاية. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكن قد انتشرت بعد، ولا بث عروض الأزياء على الإنترنت. مُتنفسَه لاكتشاف هذا العالم كان قراءة السير الذاتية لكل من فالنتينو، وجون غاليانو، وألكسندر ماكوين.

منذ أول عرض قدمه للدار أكد أنه يحترم أسلوب المؤسسة ولا يريد نسف إرثها (كارولينا هيريرا)

ثم كانت النقلة عندما بدأت دار «ديور» ببث عروضها على موقعها الإلكتروني في عهد مصممها: جون غاليانو. كانت تلك المشاهد بالنسبة له في غاية الإبهار، جعلت إعجابه بغاليانو وماكوين يصل إلى حد أنه توجه في عام 2005 إلى لندن للدراسة في كلية سنترال سانت مارتنز، إسوة بهما. وخلال العطل الدراسية، حرص على صقل موهبته بالعمل، فتدرَب لدى «توم فورد»، و«أوسكار دي لا رينتا». وبعد التخرج عام 2009 انتقل إلى مانهاتن ليؤسس علامته الخاصة من شقته الصغيرة. لم يكن الأمر سهلاً، إلا أنه نجح في تقديم تصاميم رفيعة المستوى وصل صيتها إلى شخصيات مثل غوينيث بالترو، وميشيل أوباما، وجانوري جونز، وغيرهن، ولفتت أنظار متاجر مثل «ساكس فيفث أفينيو» مثل «نييمان ماركوس»، و«بيرغدورف غودمان»، و«ساكس فيفث أفينيو»، و«هارودز».

صدفة أم قدر؟

من اقتراحاته التي تنبض بالحيوية (كارولينا هيريرا)

بعد ثمانية أعوام، قرر إغلاق داره الخاصة. وسواء كانت صدفة أو كان هذا قدره، تزامن هذا القرار مع بحث دار «كارولينا هيريرا» عن مصمم قادر على تسلّم زمام قيادتها بعد اتخاذ مؤسستها قرار التقاعد.

وجد كل منهما ضالّته في الآخر. وجدت هي فيه مصمماً يشاطرها الرؤية الفنية نفسها للجمال، ويمكنها أن تُسلِمه المشعل وهي مطمئنة إلى أنه سيبُث الدار مزيداً من الحيوية، بينما وجد هو فيها غطاءً مهنياً يمنحه الأمان، ويُجنبه هاجس الغد، واستنزاف اللوجستيات لطاقته الإبداعية.

أناقة عابرة للزمن قد تكون مجرد قطعة بسيطة مع تنورة فخمة (كارولينا هيريرا)

منذ أول عرض قدّمه إلى اليوم، تشير الدلائل إلى نجاح الصفقة. فالمتابع لأعماله لا يشعر بأن هناك تغييراً جذرياً يُنفّر العميلات القديمات، بقدر ما يلحظ ديناميكية بدأت تسري في خطوط الدار، وتستقطب شريحة جديدة من الشابات. وصفة غوردن كانت ولا تزال تقوم على التزامه بالسمات الأساسية للدار، مثل الأزهار المتفتحة بجرأة، والتطريزات الغنية، والأزياء المسائية الفخمة التي لوَنها بدرجات تنبض بالحياة. يشرح هذا قائلاً إنه «من المؤسف أن يأتي مدير إبداعي جديد في كل مرة إلى دار عريقة ويتجاهل جيناتها الأساسية».

انسجام الرؤية الفنية

هذا الالتزام كما يؤكد لا يأتي من باب الولاء لتراث الدار فحسب، بل لأن هذا الإرث ينسجم أيضاً مع رؤيته الخاصة. فهو يؤمن بأن الأناقة الراقية لا تعني الصرامة أو الجمود، ولا الانسياق وراء الصرعات.

طوال حديثه، تستشف أنه لا يكتفي باحترام إرث راقٍ رسَخته امرأة جاءت من كاراكاس ونجحت في أن تنقله للعالم، بل يحمل أيضاً امتناناً عميقاً للفرصة التي أتاحتها له هذه المرأة «الاستثنائية» بنظره.

امرأة الدار لا تريد أن تختفي بل تفرض حضورها بثقة (كارولينا هيريرا)

فبعد ثمانية أعوام قضاها مصمماً مستقلاً، كان الانضمام إلى دار أميركية ذات مكانة عالمية راسخة محطة مهمة احتضنها بحماس ومنحها كل ما عنده. في المقابل منحته الدار ما كان يطمح له. فمن جهة، جنَبته الأعباء اللوجستية التي تُثقل كاهل المصممين الشباب العاملين من دون مستثمر، أو مجموعة كبيرة تقف خلفهم، ومن جهة أخرى، وفَرت له مساحة أوسع للتركيز على ما يهمه أكثر: الإبداع.


مقالات ذات صلة

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.


خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
TT

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

يبدو أن صناع الموضة في مأزق صعب، الأمر الذي يُفسِّر حجم التغييرات التي تقوم بها كل من مجموعة «إل في آم آش» ومجموعة «كيرينغ» مؤخراً. فأرقام المبيعات في تراجع، وعدد زبائن المنتجات الفخمة أيضاً في تراجع، والعالم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تتجلى فقط في الإضرابات التي تشهدها العديد من العواصم الأوروبية، بل أيضاً فيما يجري داخل بيوت الأزياء من انقلابات، وإقالات.

وبين ضغوط المبيعات، وتقلّبات سوق الرفاهية، وتوقعات العلامات التجارية تحقيق نتائج سريعة، باتت المساحة المتاحة أمام المديرين الإبداعيين لاختبار أفكارهم وبناء هوياتهم داخل الدور تضيق أكثر فأكثر. لم تعد فترة عام أو عامين متاحة أمامهم لتأسيس لغة إبداعية متماسكة. وهكذا بين الفترة والأخرى تنتشر إشاعات حول رحيل مصمم، أو إقالته سرعان ما تتأكد صحتها، في مشهد يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت الذي يحتاج إليه، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

فمنذ أيام أعلنت دار «كالفين كلاين» خروج مديرتها الفنية فيرونيكا ليوني، وبعدها مباشرة أعلنت شركة «كيرينغ»، المالكة لعلامة ألكسندر ماكوين، أن مديرها الإبداعي شون ماكغير غادر منصبه.

قبل ذلك، أعلنت المجموعة رحيل أنتوني فاكاريلو، المدير الإبداعي لـ«سان لوران»، فيما تقول مصادر في القطاع إن فترة تولي بييرباولو بيتشولي منصبه في «بالنسياغا» تقترب أيضاً من نهايتها، فيما لا تزال دار «بروني» من دون مصمم حتى الآن.

سبب خروج ماكغير أنه واجه صعوبة في إثبات حضوره، بعد أن قوبلت تصاميمه الأولى بفتور. كان ماكغير قد انضم إلى ماكوين في وقت كانت فيه العلامة التجارية تواجه تراجعاً حاداً في المبيعات، نتيجة تباطؤ سوق السلع الفاخرة، وتراجع الطلب على خطها الناجح من الأحذية الرياضية تحديداً.

في عرضه الأول في مارس (آذار) 2024، قدّم أسلوباً أكثر تحرراً وخشونة. بدا متجدداً، ما أعطى الأمل بأنه تغيير إيجابي. لكن بعض تجار التجزئة والنقاد رأوا أن العرض كان غير متماسك، وأنه ابتعد بدرجة كبيرة عن السمعة التي تتمتع بها ماكوين بوصفها علامة متخصصة في التفصيل الدقيق، والمتقن.

حاول المصمم تجديدها في مجموعته لربيع وصيف 2027 بالألوان والعودة إلى إرثها (ماكوين)

ورغم أن المجموعات اللاحقة جاءت أكثر إحكاماً في تنفيذها، فإنها لم تنجح في تجديد اهتمام السوق بالعلامة التجارية. وبحلول عام 2025، انخفضت الإيرادات المقدّرة إلى أقل من 200 مليون يورو، بعدما بلغت 800 مليون يورو في ذروتها. هذا التراجع جعل الشركة المالكة، «كيرينغ»، تدرس إمكانية بيع العلامة التجارية، قبل أن تبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة لها.

وتعتبر ماكوين واحدة من أصغر العلامات التجارية التابعة لـ«كيرينغ»، ومن أكثرها تعقيداً أيضاً، لأنها لم تخرج من عباءة مؤسسها ألكسندر ماكوين حتى الآن. فهو لا يزال حاضراً في الذاكرة بعروضه المسرحية، وبراعة تفصيله، وروحه المتمردة بفنية لا يستطع أياً كان أن يُعوِّضها بسهولة. وربما هذا ما تبحث عنه الدار لحد الآن، وهو أيضاً ما صرَّح به لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرينغ» بقوله إنه يقدر مساهمة شون ماكغير، وتفانيه في خدمة «ألكسندر ماكوين»، لكن «المجموعة تطمح إلى رسم مسار جديد وجريء للدار، يستند إلى إرثها الفريد في التفصيل الاستثنائي، والإبداع الذي لا يقبل المساومة، والتمرد، من أجل تأكيد مكانتها بوصفها أحد أكثر الأصوات ابتكاراً، وتأثيراً ثقافياً في قطاع السلع الفاخرة».

تشتهر الدار ببراعتها في التفصيل الرجالي (ماكوين)

وتقود «كيرينغ» حالياً تغييرات كبيرة في القيادة الإبداعية عبر مجموعة علاماتها التجارية، في وقت لا تزال فيه سوق السلع الفاخرة تمر بظروف صعبة.

ربما تبدو «غوتشي»، العلامة الرئيسة للمجموعة، وكأنها تتجه تدريجياً نحو التعافي تحت قيادة مديرها الإبداعي الجديد ديمنا، إلا أن هذا التعافي لا يزال بطيئاً، ويحتاج إلى تسريع قوي.