في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

المصمم ويس غوردن لـ «الشرق الأوسط»: المرأة لا ترتدي أزياء كارولينا هيريرا لتختفي بل لتُعلن حضورها

الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
TT

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)

ويس غوردن، المدير الإبداعي لدار كارولينا هيريرا، يريد أن يبيع للمرأة السعادة مُغلّفة بالألوان الزاهية في زمن يرى أنه مشبع بالقتامة. امرأة «كارولينا هيريرا» كما تخيَّلها لا تتردد في ارتداء اللون الوردي الفاقع، أو الأحمر القاني في مناسبة ترتدي فيها غالبية النساء الأسود، أو ألوان ترابية تحت شعار «الفخامة الهادئة».

منذ انضمامه إلى كارولينا هيريرا وويس غوردن يبثّ فيها روحاً قوامها البهجة واللون (كارولينا هيريرا)

كان اللقاء في بهو فندق السافوي بلندن، في يوم وصلت فيه درجات الحرارة إلى أكثر من 36 درجة. وكان وجوده في العاصمة البريطانية مرتبطاً بمتابعة عرض مجموعته الجديدة من حقائب اليد، والعطور في «هارودز». يقول لـ«الشرق الأوسط» وهو يحتسي قهوة مثلجة: «لقد تعدّينا مرحلة الألوان الأحادية، والمطفأة، والرغبة في الذوبان مع محيط هادئ، وبات على المرأة أن تُعلن وجودها بثقة، وإيجابية. هذه المرأة لا تشتري أزياء كارولينا هيريرا لتختفي، بل لتشعر بالتميز الاستثنائي».

من اقتراحاته التي تنبض بالحيوية (كارولينا هيريرا)

المتابع لعروضه منذ تسلمه المشعل من كارولينا هيريرا في عام 2018، يلاحظ تراجع الألوان الباهتة واستعاضتها بكل ما هو مشرق، ومُبهج. ألوان زاهية لا تعترف بالحلول الوسطى، ونقشات تتضارب مع بعضها البعض، لكنها، وبقدرة رسام ماهر، تكتسب تناغماً عجيباً.

في طريقي لمقابلته، كانت تراودني أسئلة كثيرة مثل: كيف استطاع شاب أميركي وُلد في شيكاغو، ونشأ في أتلانتا بعيداً عن مراكز الموضة التقليدية، اختراق دار ترتبط في المخيلة بتاريخ طويل مع سيدات البيت الأبيض، من جاكي أوناسيس إلى ميشيل أوباما، وأخيراً ليس آخراً ميلانيا ترمب؟

ويس غوردن في مكتبه (كارولينا هيريرا)

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف استطاع أن يحظى بثقة مؤسسة أمضت أكثر من أربعين عاماً وهي ترسم كل تفاصيل عالمها الخاص؟ فليس من السهل على أي مؤسس، خصوصاً وهو لا يزال حاضراً وقادراً على متابعة ما يحدث، أن يتنحى عن موقعه المركزي من دون أن يشعر بأن جزءاً من هويته يُنتزع منه. تجارب الماضي تشير إلى أن عملية تسليم المشعل كانت اختباراً حساساً لتحقيق التوازن بين الحضور والغياب، وبين احترام الماضي وفتح الباب أمام المستقبل. فكيف نجح غوردن في إقناع كارولينا هيريرا وطمأنتها بأنه قادر على حمل رؤيتها من دون المساس بإرثها؟

لقاء الأجيال

ويس غوردن مع المؤسسة كارولينا هيريرا (غيتي)

أطرح عليه هذه الأسئلة، فيبتسم وكأنه توقعها، أو تعود سماعها، قائلاً إنه منذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها نشأت بينهما ألفة فورية. يعترف أن القلق انتابه قبل مقابلتها للمرة الأولى. كان يتوقع أن تستجوبه بشكل صارم كما تجري العادة في مثل هذه المقابلات، وتمطره بأسئلة حول رؤيته لمستقبل العلامة، وإدارة أعمالها، لكن المفاجأة أن الحديث أخذ منحى إنسانياً بحتاً بعد دقائق معدودات.

تحدَّثا عن الكتب التي يقرآنها، وبرامجهما التلفزيونية، وهواياتهما المفضلة، وما شابه ذلك من أمور. اكتشفا أنه، رغم اختلاف النشأة وفارق العُمر، تربطهما قواسم قوية، فنياً، وإنسانياً.

استطاع أن يحول الألوان والنقشات المتضاربة إلى لوحات فنية (كارولينا هيريرا)

وهكذا تحولت العلاقة إلى صداقة مبنية على الاحترام. ويضيف غوردن أن ما ساعده أيضاً على الانسجام مع أجواء الدار، ومتطلباتها بسهولة أن التعيين الرسمي جاء بالتدريج. فقبل أن يصبح مديراً إبداعياً، قضى عاماً كاملاً مستشاراً للدار. كانت هذه الفترة مهمة تعرَف خلالها كل منهما إلى الآخر أكثر، وساهمت فيها كارولينا بتعبيد الطريق أمامه، بأن عرَفته بفرق العمل، وكل صغيرة وكبيرة.

يُلمِح أنها، إلى جانب رُقيها ودفئها الإنساني، تتمتع بروح برغماتية «رغم الألفة والأريحية بيننا، فهي لا تتدخل في العمل على الإطلاق». أدركت بذكائها أن عليها أن تنأى بنفسها، وأن تترك له مساحة من الحرية لكي يُعبِر عن رؤيتها بلغة العصر. نعم تحرص على حضور عروضه كأي ضيفة معجبة لا أقل، ولا أكثر. من جهته، يُقدِر هو الثقة التي منحته إياها، ويتعامل مع إرثها باحترام وحب «فمن الصعب جداً أن تكون مديراً إبداعياً لعلامة لا تُكن لها محبة، أو احتراماً حقيقيين» وفق قوله.

لم يتجاهل تماماً إرث كارولينا هيريرا فهو يظهر في قطع أساسية مثل القميص الأبيض (كارولينا هيريرا)

حوار الماضي والمستقبل

ما يُحسب له أنه لم يحاول أن ينسف ماضيها ليستعرض قدراته، قائلاً: «أنا لم آتِ لكي أقوم بثورة، بل لجعل الدار مواكبة للعصر من دون أن تتنازل عن الأناقة الراقية كما أرستها السيدة كارولينا هيريرا. فهي ترى أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً».

واضح في عروضه حضور بصماتها الراقية، لكن حضورها لا يعني تقديسها. فما ينجح فيه في كل عرض وكل ابتكار -سواء كان فستاناً مطبوعاً بورود ضخمة، أو أحمر شفاه قانٍ، أو حقيبة بلون أو شكل غير متوقع، أو حتى تسريحة شعر تستحضر جذورها الفنزويلية- أنه لا يُكرر مفرداتها حرفياً بقدر ما يعيد صياغتها.

يؤمن بمقولة كارولينا هيريرا أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً (كارولينا هيريرا)

ينسج من الأساسات التي أرستها طبقات مفعمة بالحيوية، تستقطب شرائح جديدة من المعجبات من مختلف الأعمار، والجنسيات.

هذه التفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكن أثرها كبير، لأنها لا تعترف بالصرعات الموسمية، وتخاطب جانباً يحن إلى أناقة أيام زمان بلغة العصر. فإطلالة مكونة من قميص أبيض وتنورة فخمة منقوشة بالورود أو بكشاكش يمكن أن تنافس فستان سهرة من الـ«هوت كوتور».

تأثير لندن

هذا الموقف ليس مجرد خيار إبداعي، بالنسبة له، بل يعد انعكاساً لعلاقة خاصة نسجها مع الدار قبل انضمامه إليها «فقبل التعيين بسنوات كنت أتابع عروضها، وأحب تاريخها وما تمثله من أناقة راقية لا تخضع للصرعات الموسمية، وهو ما أؤمن به أيضاً، ويظهر في أعمالي بوضوح».

فستان سهرة يليق بمناسبة صيفية سواء كانت في قصر أو في منتجع صيفي (كارولينا هيريرا)

ميله إلى الكلاسيكية المعاصرة وابتعاده عن الصرعات الموسمية، حتى قبل التحاقه بالدار، يُثيران بعض التساؤل. ليس لأنه ينتمي إلى جيل من المصممين يُفترض أن تدفعهم فورة الشباب لمحاولة فرض أسلوبهم الخاص بأي ثمن، بل لأنه درس في «سانترال سانت مارتنز» بلندن. المعهد المعروف بتشجيع طلابه على التحليق بخيالهم إلى أبعد الحدود، حتى وإن تطلَب الأمر تحويل الفنون إلى جنون. يشرح ما يبدو تناقضاً أنه أمر طبيعي، فالمعهد له عدة مدارس تصميمية، ويدعم كل الاتجاهات كما يدعم كل المواهب. ويستطرد أن التحاقه بهذا المعهد تحديداً له أسباب شخصية. فشغفه بتصميم الأزياء يعود إلى مرحلة الصبا، عندما كان يعيش في أتلانتا وكانت متابعة أحداث ونشاطات الموضة العالمية محدودة للغاية. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكن قد انتشرت بعد، ولا بث عروض الأزياء على الإنترنت. مُتنفسَه لاكتشاف هذا العالم كان قراءة السير الذاتية لكل من فالنتينو، وجون غاليانو، وألكسندر ماكوين.

منذ أول عرض قدمه للدار أكد أنه يحترم أسلوب المؤسسة ولا يريد نسف إرثها (كارولينا هيريرا)

ثم كانت النقلة عندما بدأت دار «ديور» ببث عروضها على موقعها الإلكتروني في عهد مصممها: جون غاليانو. كانت تلك المشاهد بالنسبة له في غاية الإبهار، جعلت إعجابه بغاليانو وماكوين يصل إلى حد أنه توجه في عام 2005 إلى لندن للدراسة في كلية سنترال سانت مارتنز، إسوة بهما. وخلال العطل الدراسية، حرص على صقل موهبته بالعمل، فتدرَب لدى «توم فورد»، و«أوسكار دي لا رينتا». وبعد التخرج عام 2009 انتقل إلى مانهاتن ليؤسس علامته الخاصة من شقته الصغيرة. لم يكن الأمر سهلاً، إلا أنه نجح في تقديم تصاميم رفيعة المستوى وصل صيتها إلى شخصيات مثل غوينيث بالترو، وميشيل أوباما، وجانوري جونز، وغيرهن، ولفتت أنظار متاجر مثل «ساكس فيفث أفينيو» مثل «نييمان ماركوس»، و«بيرغدورف غودمان»، و«ساكس فيفث أفينيو»، و«هارودز».

صدفة أم قدر؟

من اقتراحاته التي تنبض بالحيوية (كارولينا هيريرا)

بعد ثمانية أعوام، قرر إغلاق داره الخاصة. وسواء كانت صدفة أو كان هذا قدره، تزامن هذا القرار مع بحث دار «كارولينا هيريرا» عن مصمم قادر على تسلّم زمام قيادتها بعد اتخاذ مؤسستها قرار التقاعد.

وجد كل منهما ضالّته في الآخر. وجدت هي فيه مصمماً يشاطرها الرؤية الفنية نفسها للجمال، ويمكنها أن تُسلِمه المشعل وهي مطمئنة إلى أنه سيبُث الدار مزيداً من الحيوية، بينما وجد هو فيها غطاءً مهنياً يمنحه الأمان، ويُجنبه هاجس الغد، واستنزاف اللوجستيات لطاقته الإبداعية.

أناقة عابرة للزمن قد تكون مجرد قطعة بسيطة مع تنورة فخمة (كارولينا هيريرا)

منذ أول عرض قدّمه إلى اليوم، تشير الدلائل إلى نجاح الصفقة. فالمتابع لأعماله لا يشعر بأن هناك تغييراً جذرياً يُنفّر العميلات القديمات، بقدر ما يلحظ ديناميكية بدأت تسري في خطوط الدار، وتستقطب شريحة جديدة من الشابات. وصفة غوردن كانت ولا تزال تقوم على التزامه بالسمات الأساسية للدار، مثل الأزهار المتفتحة بجرأة، والتطريزات الغنية، والأزياء المسائية الفخمة التي لوَنها بدرجات تنبض بالحياة. يشرح هذا قائلاً إنه «من المؤسف أن يأتي مدير إبداعي جديد في كل مرة إلى دار عريقة ويتجاهل جيناتها الأساسية».

انسجام الرؤية الفنية

هذا الالتزام كما يؤكد لا يأتي من باب الولاء لتراث الدار فحسب، بل لأن هذا الإرث ينسجم أيضاً مع رؤيته الخاصة. فهو يؤمن بأن الأناقة الراقية لا تعني الصرامة أو الجمود، ولا الانسياق وراء الصرعات.

طوال حديثه، تستشف أنه لا يكتفي باحترام إرث راقٍ رسَخته امرأة جاءت من كاراكاس ونجحت في أن تنقله للعالم، بل يحمل أيضاً امتناناً عميقاً للفرصة التي أتاحتها له هذه المرأة «الاستثنائية» بنظره.

امرأة الدار لا تريد أن تختفي بل تفرض حضورها بثقة (كارولينا هيريرا)

فبعد ثمانية أعوام قضاها مصمماً مستقلاً، كان الانضمام إلى دار أميركية ذات مكانة عالمية راسخة محطة مهمة احتضنها بحماس ومنحها كل ما عنده. في المقابل منحته الدار ما كان يطمح له. فمن جهة، جنَبته الأعباء اللوجستية التي تُثقل كاهل المصممين الشباب العاملين من دون مستثمر، أو مجموعة كبيرة تقف خلفهم، ومن جهة أخرى، وفَرت له مساحة أوسع للتركيز على ما يهمه أكثر: الإبداع.


مقالات ذات صلة

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

التجربةُ بالنسبة إلى إيلي صعب اكتشافٌ لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية...

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

غاليانو... عودة لم تكتمل وماضٍ لا يرحم

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ…

«الشرق الأوسط» (لندن)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
TT

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)
تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

على مدى 3 أيام، حوَّلت عزة فهمي متجراً لبيع الصحف والمجلات في لندن إلى معرض مصغر بعنوان «أخبار من مصر». كل ما فيه من تفاصيل يعكس اهتمامات المصممة الثقافية والفنية، بدءاً من اختيار المكان وصولاً إلى القطع والقصص التي يرويها المعرض.

تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

فهي لم تختر إقامة المعرض في محلها الواقع في بيرلنغتون أركايد، ولا في فندق فخم، كما جرت عادة المصممين، بل أتت بفكرة مبتكرة حوَّلت من خلالها محلاً اعتاد الناس دخوله لشراء المجلات والصحف، الأجنبية في الغالب، إلى مساحة تُروى فيها قصص مصرية، تتلاقى من خلال مجوهرات ذات جذور تاريخية أدخلتها عزة فهمي إلى عالمها الخاص، في تماهٍ سلس بين الماضي والحاضر. لكن ما المصادر والقصص التي تقف وراء تلك القطع؟

يستعرض المعرض مجوهرات من مجموعات متنوعة (عزة فهمي)

تقول الابنة أمينة غالي، المسؤولة عن قسم التصميم حالياً، إن المعرض يستعرض هذه القصص، مع التركيز على مختلف المصادر الثقافية والتاريخية التي ألهمت مجوهرات الدار، بدءاً من الرموز المصرية القديمة، مثل زهرة اللوتس والجعران وعنخ، أو مفتاح الحياة، والكوبرا، وعين حورس، وغيرها، وصولاً إلى العمارة الإسلامية التي خلَّفتها حضارات كثيرة تعاقبت على مصر، ولا تزال حاضرة في المساجد والمعابد والقصور. وهي مصادر لا تتعامل معها عزة فهمي بوصفها مجرد عناصر زخرفية، بل تنطلق منها في رحلة طويلة من البحث والفهم.

ركن من المعرض تستعرض فيه رسمات ومصادر إلهام (عزة فهمي)

وعبر 3 فصول وغرف منفصلة خلف واجهة المحل، تنتشر صور ورسومات يدوية تشير إلى حرفية الصانع المصري، إلى جانب الدراسات المعمقة التي تجريها المصممة مع علماء المصريات والآثار، سعياً إلى فهم أعمق للرموز ومعانيها، ووضعها في سياقها الثقافي والتاريخي. وهذا الشغف بالبحث لا ينفصل عن علاقتها الشخصية بمصر، ولا عن الطريقة التي تنظر بها إلى تراثها وقصصها.

سوار يختزل الكثير من المعاني التاريخية والثقافية من كليوباترا إلى اليوم (عزة فهمي)

في أحد الأركان، مثلاً، يمكن الاستماع إلى صوت عزة فهمي نفسها وهي تحكي قصة حب لا تنتهي تربطها بمصر، قائلةً إنه «حب يجري في شرايينها». وتضيف أن مصر مصدر لا ينضب يُلهب خيال كل فنان، عبر شعرائها وموسيقييها وأيضاً حرفييها.

وتقول: «من هذا الوطن ورثنا عدداً لا يُحصى من القصص، قصص نواصل دراستها وإعادة تفسيرها ومشاركتها مع العالم»، ومن هذه الرؤية تحديداً ينطلق المعرض في رحلته.

مجوهرات عصرية لها جذور ثقافية وتاريخية (عزة فهمي)

فهو يأخذ الزائر في رحلة يتعرَّف خلالها على الرموز والمعارف الموروثة من الماضي، وصولاً إلى الروايات الشفهية، وذلك الشغف الواضح بالبحث والحرفية «فهما اللذان يُسهمان في حفظها واستمرارها، ثم انتقالها إلى الأجيال القادمة» وفق عزة فهمي.

ولعل هذا الاهتمام بالقصص الموروثة يفسر أيضاً علاقتها باللغة العربية. فمن يعرف عزة فهمي يعرف مدى عشقها للغة الضاد. تُبحر في قراءة أشعارها وتغوص في معانيها لتكون نقطة البداية لقطعة مجوهرات لا مثيل لها. قد تكون بيت شعر أو حكمة أو أمنية وما شابهها من كلمات تختزن شعوراً خاصاً.

لا تستعمل الرموز المصرية بوصفها عناصر زخرفية فحسب بل أيضاً لغة سردية (عزة فهمي)

ومن خلال المجوهرات التي تطرحها، تحرص الدار على أن تكون كل قطعة منها وسيلة لحفظ هذه القصص وإعادة روايتها، فهي «تبقى حيَّة فقط عندما نواصل نقلها إلى الأجيال القادمة بحب»، وفق قولها، مضيفة أننا نختار بعض هذه القصص، في حين بعضها يختارنا.


أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
TT

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

ثمة شيء منعش في هواء أسبوع الموضة بنيويورك هذا الموسم. فالمدينة تعود إلى موعدها السنوي لربيع وصيف 2027 بنبرة أكثر تفاؤلاً وثقة. وطبعاً لا يمكننا تجاهل تأثير عمدتها زهران ممداني في زيادة هذه الثقة والتفاؤل. الرجل صاحب الابتسامة العريضة والضحكة التي تسبق أحياناً تصريحاته، وصل إلى سيتي هول حاملاً معه وعداً بمدينة أكثر حيوية. لم يُخيِّب الآمال لحد الآن، وهذه الحيوية انعكست على أسبوع سكنه الخمول في السنوات الأخيرة، وبدا فيها وكأنه يفقد ثقله في خريطة الموضة العالمية.

البرنامج الرسمي هذا الموسم أكثر امتلاءً وتفاؤلاً: نحو 70 عرضاً وتقديماً، مع عودة «تومي هيلفيغر» و«مونص» وآخرون إلى جانب أسماء جديدة مثل «كونر آيفز» و«ماغدا بوتروم» و«زالدي» ومجموعة من الأسماء الصاعدة التي تألقت مؤخراً.

واليوم، سيختتم المصمم توم براون الأسبوع، بعد غيابه عن عرض فبراير (شباط).

من عرض «كيد سوبر»... ألوان متوهجة وتصاميم تميل إلى السريالي (أ.ف.ب)

تزامُن هذه الحركة الجديدة التي يشهدها الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل أسبوع الموضة عن المدينة نفسها. فبينما تتحرَّك هذه الأخيرة نحو ديناميكية ثقافية واجتماعية واقتصادي جديدة، تعمل صناعة الموضة على استعادة زخمها القديم، واسترجاع مَن هجروها من أبنائها إلى باريس بحثاً عن انتشار أكبر، مثل غابرييلا هيرست و«ذي رو» وغيرهما، مما جعل المدينة تفقد شيئاً من أهميتها في التقويم العالمي. لكن الصورة تبدو حالياً أقل قتامة وأكثر إيجابية.

ورغم أنه من السابق لأوانه الجزم بأن الأسبوع استعاد كامل عافيته هذا الموسم، يُمكن القول بأمان إن المزاج العام يُؤمن بأن القادم أفضل.

من عرض «برابال غورونغ» تصاميم تصب في خانة السهل الممتنع (أ.ف.ب)

جانب من الفضل يعود إلى زهران ممداني، الذي رفع الثقة بنيويورك، لكن السبب الرئيسي يعود إلى ما تشهده السوق الأميركية من نمو يجعل المصممين المخضرمين والشباب، على حد سواء، يرون أن المدينة باتت محطة مهمة يمكنهم الوصول من خلالها إلى العالم بسهولة. فالسوق الأميركية تُعدّ حالياً أكثر صموداً من أسواق أوروبية كانت إلى الأمس القريب مهمة؛ الأمر الذي يجعله مُغرياً لبيوت أزياء مهمة، مثل «شانيل» و«بالنسياغا» و«غوتشي» أقامت عروضاً في نيويورك هذا العام.

«رالف لورين» لا يقف عند الماضي

علامات أميركية كبيرة كثيرة استفادت من هذا النمو، وحققت إيرادات عالية، مثل «كوتش» و«رالف لورين» اللذين بدآ الأسبوع قبل انطلاق برنامجه الرسمي بيوم. فإيرادات «رالف لورين» المالية، مثلاً، تجاوزت هذا العام حاجز 8 مليارات دولار للمرة الأولى في تاريخ الشركة، لتصل إلى 8.1 مليار دولار، بزيادة 15 في المائة عن العام السابق. كان من الطبيعي وفق المتابعين أن يكون عرضه ممتعاً. لكن ما لم يكن متوقعاً أن يفاجئوهم بالجديد.

فالدار تحتفل بمرور 60 عاماً على تأسيسها، وبالتالي كان من السهل، ومن المتوقَّع، أن يتحول عرضها إلى استعراض لتاريخها من خلال استنساخ قطعاً من أرشيفها. لكن العكس حصل. لخَّصت فيه الدار المشكلة التي يمكن أن تواجه أي دار عريقة تتمسك بماضيها بطريقة عمياء، وفي الوقت ذاته، قدَّمت الحل بعدم اعتمادها عليه كليا وتحقيق التوازن.

يعتبر رالف لورين من بين أكثر المصممين الذين زيَّنوا ربطة العنق للمرأة (أ.ب)

يشرح ديفيد لورين، نجل المصمم وكبير مسؤولي العلامة التجارية والابتكار أن «هذا ليس عاماً للنظر إلى الوراء»، موضحاً أن والده كان يريد الحفاظ على الشرارة الأولى التي انطلقت منها الشركة، مع نفخ جمرها لمنحها المزيد من التوهُّج. ظهرت في المجموعة إشارتان لافتتان إلى ذلك الماضي. الأولى بدلتان نسائيتان صُنعتا في إيطاليا، في تحية إلى أول بدلة نسائية صممها رالف لورين. والثانية قميص وسترة من البروكار وربطة عنق عريضة تستعيد الذي ساهم في إطلاق خط «بولو» عام 1967. لكن الباقي كله كان موجهاً لامرأة من هذا الزمن.

لم تتجاهل «رالف لورين» ماضيها لكن لم تقف عنده (أ.ب)

تميزت المجموعة بروح مختلفة عما عودنا عليه: بناطيل واسعة منخفضة الخصر، وسترات أكثر رشاقة، وفساتين مسائية مفعمة بالرومانسية، وبدلات مصممة بدقة. طبعاً لم تتنصل الدار من جيناتها بالكامل، فقد حضر الدينم، لكن «مطلياً» أو معالجاً بتقنيات حديثة، مثله مثل بعض الأقمشة الأخرى التي خضعت لعمليات متطورة من الغسل والرسم اليدوي، فيما أدخلت عليها تأثيرات تجعلها تبدو وكأنها «فينتاج». أكّد رالف لورين أن المجموعة تدور حول «الابتكار والأصالة والشخصية».

تباينت تصاميم «رالف لورين» بين العملية والرومانسية (أ.ب)

أما قوتها بالنسبة للمستهلك، فتكمن في أنها لا تحتاج إلى تفسير. كل قطعة كانت تحكي قصتها وتسرد تاريخها مع الدار بأسلوب حيوي ومعاصر. وربما كان هذا هو التحدي الذي واجهته الدار في عامها الستين: الإبقاء على شخصيتها الأميركية واضحة وفي الوقت ذاته اعتماد لغة تصل لكل العالم والأعمار.

الأسلوب الأميركي... الحاضر القوي

لم تكن «رالف لورين» وحدها مَن أخذت هذا الاتجاه؛ فالعروض منذ بداية الأسبوع تشير إلى أنها رمت القتامة وراءها. «كوتش» التي تحتفل هذا العام بمرور 85 على تأسيسها، لم يتجاهل مصممها ستيوارت فيفيرز أن مكمن قوتها التجارية في أرشيفها وفي إكسسواراتها الجلدية تحديداً، وهو ما ترجمه في حقيبة جديدة «TurnLock Tote» استوحاها من تصميم يعود إلى السبعينات، لتتناسب مع أزياء سلسة وعملية.

دار «تومي هيلفيغر» هي الأخرى عادت إلى البرنامج الرسمي لنيويورك، بعرض في فندق «بلازا» قالت عنه في بيانها الصحافي إنه «أقرب إلى احتفال شخصي بنيويورك».

العارضة جيجي حديد وإطلالة من «تومي هلفيغر» (تومي هلفيغر)

تحوَّل الفندق الذي أقام فيه المصمم مع عائلته في سنوات سابقة إلى مسرح أعاد فيه واحدة من أكثر مفردات الموضة الأميركية وضوحا؛ الـ«بريبي». أسلوب لا يرتبط بالموضة الأميركية فحسب بل أيضاً بأسلوبه. قدَّمه هذه المرة بنسب وأحجام أكثر تحرراً وألوان أكثر جرأة، ظهرت في قمصان «أكسفورد» وبناطيل «تشينو» وقطع من التارتان و«تي - شيرتات» بولو. يشرح هيلفيغر أن نيويورك كانت ولا تزال مصدر إلهام لا ينضب بالنسبة له «فمنذ 40 عاماً، وأنا أستلهم من أسلوب أهلها، وتلك الطرق التي يتعاملون بها مع القطع الكلاسيكية، كل بأسلوبه الخاص».

العودة إلى التسعينات

دار «كالفين كلاين» تحت قيادة فيرونيكا ليوني الإبداعية، ظلت هي الأخرى وفية لأسلوب الدار المتميز بالخطوط البسيطة، لتكون واحدة من أكثر ما تم تقديمه طوال الأسبوع هدوءاً. تضمنت التشكيلة معاطف بسيطة وفساتين انسيابية مع استدعاء واضح لروح التسعينات التي ارتبطت تاريخياً باسمها، واستحضرت بشكل أو بآخر الراحلة كارولين بيسيت.

من عرض «مايكل كورس» (رويترز)

من جهتها، قدمت دار «مايكل كورس» عرضاً استند إلى الحداثة والفن، من دون أن تتحول الإحالات الفنية إلى استنساخ أو درس في تاريخ الفن. اكتفت باقتباس إشارات خفيفة تُرجمت بأسلوب يجمع النعومة بالقوة. ظهرت النعومة في التصاميم الأنثوية والمنسابة والقطع المنفصلة العملية، بينما ظهرت القوة في تصاميم مفصَّلة قال المصمم إنه استلهمها من صمود نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر، التي تتزامن ذكراها مع فعاليات الأسبوع في هذا الشهر من كل عام.

توري بيرش..المرح أولاً وأخيراً

التفاؤل والإيجابية اللذان تميزت بهما أجواء هذا الأسبوع ظهرا جليّاً في عرض «توري بيرش»، من خلال توليفة من الألوان تبرز فيها تدرجات المرجاني، والفيروزي، والبنفسجي، والأخضر الفاتح، والأحمر القرمزي، والأصفر الكريمي، في تباين لافت مع البني الداكن والألوان المحايدة الباردة.

من اقتراحات توري بيرش (توري بيرش)

لكن لم تنس المصممة أهمية الحفاظ على عملية التصاميم، وهو ما فسَّرته قائلة إن المجموعة تُزاوج بين «الأنوثة المترفة والعملية الأميركية مع لمسة شقاوة مستمدة من متعة الموضة نفسها وتلك المساحة التي تمنحها للعب بمفرداتها». هذه الشقاوة ظهرت في تطريزات معدنية، وسترات الصوف الطويلة بتفاصيل متموجة وملمس مخملي، إلى جانب الخيوط المنقّطة التي تضفي طابعاً مرحاً على القطع. كما تتزين الأوشحة والكرات الزخرفية بريش مصنوع يدوياً، وفق لمسات فنية، ليلتف حول الأكتاف أو الحقائب كلمسة احتفالية مفعمة بالحيوية.

إطلالة تجمع الكلاسيكي بالمبتكر (توري بيرش)

لكن، في المجموع، تميزت الأزياء بتنوع يجمع التصاميم المحاكة بطابع رياضي، والتنانير المنخفضة على الخصر، والبناطيل بخصر مشدود، والقمصان بجيوب خارجية، إلى جانب تفاصيل زخرفية أصبحت لصيقة باسم الدار. تأتي معاطف الأوبرا بقصة تحاكي المعاطف المطرية المريحة، فيما تنحرف الخياطة الحادة قليلاً عن توازنها المعتاد، لتكشف عن أناقة مدروسة بلمسات غير مألوفة.

من ناحية الأقمشة والخامات، فهناك اقتراحات كثيرة، تتباين بين أقمشة صوفية تظهر في تصاميم مستوحاة من الملابس الرجالية، ولمسات من الحرير كان الغرض منها التخفيف من صرامتها وخلق إحساس بالخفة. هناك أيضاً اقتراحات من القطن المعالج بتقنيات متطورة إلى جانب أقمشة جاكارد تحاكي ورق الجدران ببطانات من الحرير وخيوط فيل كوبيه، فضلاً عن حرير «كريب دو شين» بلمسته اللامعة.

الهشاشة والقوة كما ظهرت في عرض «كالت غايا» (كالت غايا)

ربما يكون عرض «كالت غايا» (Cult Giai) الأكثر قتامة من حيث فكرته، رغم أن هذه الفكرة لم تُترجم في الأزياء بشكل حرفي. قالت إنها مجموعة تتأمل في الحزن والصمود وما يمكن أن يحدث بعد الفقدان. تتحرك المجموعة بصرياً من الظلمة إلى الضوء؛ حيث تبدأ بألوان داكنة وترابية، ثم تتدرج نحو الأخضر والأزرق السماوي والأحمر، قبل أن تنتهي بدرجات وردية أكثر رقة ونعومة. مسار يشبه الانتقال من أرض قاحلة إلى واحة أو حديقة تتحول فيها الأورغنزا والحرير إلى أزهار نحتية مرسومة يدوياً. ورغم ما تحمله المجموعة من تناقض بين القوة والهشاشة، والقوة والنعومة، فإنها تؤكد أنه من رحم الألم يُولَد الجمال.


تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
TT

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

هناك أسماء في الموضة لا تحتاج إلى شرح أو تعريف. يكفي أن يُذكر اسم إيلي صعب حتى تحضر صور فساتين صُممت للحظة لا تتكرر: أعراس، وحفلات فخمة، وحفلات توزيع جوائز، ومهرجانات سينمائية... فهي تصاميم حالمة تنسدل على الجسم وتليق بالقصور... غالباً ما تزينها تطريزات تلتقط الضوء من مسافة بعيدة وتجعل صاحبتها تتألق مثل نجمة.

إيلي صعب في لقطة تجمعه مع آن صوفي جوهانسون (إيلي صعب وإتش آند إم)

حتى يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تبقى تصاميمه بعيدة المنال، واسمه مرتبطاً بالأحلام أكثر مما يخاطب كل الطبقات الاجتماعية. كل هذا سيتغير بمجرد طرح المجموعة في الأسواق. الفضل يعود إلى متاجر «إتش آند إم»، التي يمكن القول إنها حققت الصعب حين أقنعته بالتعاون معها وطرح مجموعة يترقبها العالم أجمع الشهر المقبل بعنوان «إيلي صعب x إتش آند إم (Elie Saab x H&M).

تقول آن صوفي يوهانسون، المستشارة الإبداعية في «إتش آند إم» ورئيسة تصميم الأزياء النسائية، إن «الشركة شعرت بأن الوقت مناسب جداً لهذا التعاون. فالناس أكبر حاجة إلى الجمال وتلك الروح الرومانسية بعيداً عن الأخبار اليومية الثقيلة التي تحاصرهم من كل الجهات».

وتضيف يوهانسون أن اختيار المصمم الذي يجري التعاون معه، لا يقوم دائماً على خطة ثابتة؛ «فأحياناً تبدأ الفكرة من شعور بأن اسماً معيناً يناسب اللحظة». وتتابع قائلة: «في حالة صعب، كان هناك إحساس بأن أسلوبه في العمل اليدوي والتفاصيل يمكن أن يقدم شيئاً مختلفاً في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تطغى على كثير من جوانب الموضة».

إيلي صعب... الورقة الرابحة

رغم أنها لم تُشر إلى أهمية السوق العربية عموماً وزبائن منطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن توقيت هذا التعاون يقول الكثير. فاسم إيلي صعب يثير كثيراً من المشاعر الإيجابية في هذه السوق، الأمر الذي من شأنه أن يجعل لهذا التعاون أهمية تجارية تتجاوز الفني. فهو بالنسبة إلى المرأة عموماً، والمرأة العربية خصوصاً، لن يكون مجرد تعاون جديد بين مصمم ارتبط اسمه بالفخامة وعلامة جماهيرية جعلت من التعاونات مع كبار المصممين تقليداً سنوياً منذ 2004، بل تحقيق حلم طال انتظاره.

فستان أسود كل ما فيه يذكّر بلمسات إيلي صعب الرومانسية (إيلي صعب وإتش آند إم)

حجم التوقعات يطرح سؤالاً ملحاً عمّا إذا كان المصمم سينجح في نقل الإحساس الشاعري الذي صنعه طيلة عقود إلى أزياء تخاطب جمهورا واسعا من دون أن يفقد شيئا من خصوصيته وهويته؟

والجواب أن إيلي صعب، رغم أسلوبه الرومانسي وشاعريته الواضحة في تصاميمه، لم يحقق ما حققه من نجاحات من دون أن يحسب كل شيء بالعقل. فهو لا يتسرّع في القرارات الكبيرة، بدليل أنه عندما طُرحت عليه فكرة هذا التعاون منذ نحو عام، لم يستعجل. درس الفكرة من كل الجوانب قبل أن يوافق؛ فارضاً شروطه.

فستان أخضر بتدرجات باللون الأسود من أسفل (إيلي صعب وإتش آند إم)

لم يكن يريد تعاوناً بالمفهوم التقليدي، الذي يكتفي فيه المصمم بإضافة اسمه على القطعة، بل أراده أن يكون لقاءً فعلياً يجمع بين علامتين لخدمة المرأة. لم يبخل بلمساته الرومانسية في التصاميم، وفرض استعمال خامات وتقنيات لم تكن «إتش آند إم» تستخدمها بهذا المستوى أو بهذه الطريقة.

تقول يوهانسون إن بعض القطع المصنوعة من الفرو الصناعي، مثلاً، لم تكن ممكنة بالجودة نفسها قبل سنوات قليلة، مضيفة أن الشركة استفادت من الخبرة التي راكمتها من تعاونات سابقة مع بيوت الأزياء الكبيرة، إضافة إلى تطور المواد المعاد تدويرها.

الأسود والدانتيل من البصمات التي ترتبط بالمصمم ولم يتخلَّ عنها في هذه التشكيلة (موقع إتش آند إم)

تضم المجموعة 35 قطعة نسائية، و6 قطع رجالية، ونحو 10 إكسسوارات تشمل أحذية وحقائب يد ومجوهرات. أما الأسعار، فتبدأ من 29.99 يورو لتصل إلى 399 يورو. بالنسبة إلى المرأة، سيبدأ الاختيار من الفستان، لكن لن ينتهي عنده. ورغم ما يتردد من أن المرأة التي تنتظر طرح هذه المجموعة بفارغ الصبر، ليست بالضرورة زبونة إيلي صعب الدائمة ذات الإمكانات العالية، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغيّر في السنوات الأخيرة ولم يعد يرتبط بالسعر فقط.

بين المساء والنهار

قطع تناسب المساء والسهرة يمكن أن تدخل مناسبات النهار بسلاسة وأناقة (إيلي صعب وإتش آند إم)

من المعادلات التي كان على كل من إيلي صعب و«إتش آند إم» تحقيقها الجمعُ بين الليل والنهار. فالمصمم اسمه مرتبط بالأفراح الفخمة والحفلات الكبيرة، والمتاجر السويدية، وبأزياء عملية للنهار، وبالتالي كان من الضروري أن تجمع المجموعة بين الأناقة والعملية، وأن تخرج من المساء إلى النهار بأشكال يسهل تنسيقها معاً. هذا التنسيق يظهر واضحاً في الصور التي نُشرت على موقع «إتش آند إم». تقترح فيه يوهانسون، مثلاً، تنسيق سترة قصيرة من الفرو الصناعي وسترات هندسية مع الجينز، ومعطف مفصل بشكل راق مع قطع «كاجوال»، وقطع تلمع بالترتر مع بنطلون مستقيم أسود.

تجمع القطع ذات الخياطة الراقية بين الخطوط الحادة والانسيابية (إيلي صعب وإتش آند إم)

لكن إذا أُخذت كل قطعة على حدة، فإن لمسات إيلي صعب الفخمة حاضرة دائماً... مثلاً؛ فستانٌ أخضر بفتحة جانبية عالية، وتدرجات لونية داكنة أسفله، يُمثّل إحدى البصمات الرئيسية للمصمم عبر تاريخه. هناك أيضاً فستان أسود بقَصّة منحوتة يُزينه ذيل طويل وفيونكة بارزة عند الخصر، وآخر مفتوح عند الصدر من قماش الدوشيس المعاد تدويره، إلى جانب سترات مغطاة بالترتر بتدرجات من الذهبي إلى الأسود. الدانتيل هو الآخر حضر إلى جانب الملابس المحبوكة والمطرزة... وغيرها من التصاميم التي ستُغني خزانة أي امرأة.

كان التحدي أن يحافظ المصمم على هويته وفخامته (إيلي صعب)

هذا التنوع ليس تفصيلاً جانبياً... فصعب يقول إن المجموعة طُوِرت بالطريقة نفسها التي تُطوَّر بها مجموعاته في العادة. وربما هذا سبب حرصه على أن تنفَّذ في مشاغله الخاصة بباريس وليس في معامل «إتش آند إم» كما جرت العادة في تعاوناتها السابقة. حرص أيضاً على ألا ترتبط بموسم محدد، وهو ما يُفسر حضور اللون الاسود بقوة، والنابع من رغبته في أن تُستعمل القطعة أعواماً عدة قادمة وليس موسماً واحداً، وفي أن يعاد ارتداؤها مراراً وتكراراً من دون أن تصيب صاحبتها بالملل.

تتباين التصاميم بين فساتين السهرة وقطع منفصلة لكل المناسبات (إيلي صعب وإتش آند إم)

وهذا عز الطلب بالنظر إلى أن فرصة الحصول على تصميم بتوقيعه وبسعر مقدور عليه لن تتكرر في الوقت القريب.

سترة مطرزة بالترتر مثلاً يمكن أن تُكمل إطلالة مسائية، كما يمكن أن تنسَّق مع بنطلون جينز في النهار... وهكذا. فكل قطعة قادرة على اختراق كل المناسبات بأناقة واقعية. هذه المرونة جزء من محاولة إيلي صعب أن يجعل المجموعة أقرب إلى خزانة فعلية متكاملة. وهي فكرة لا تقوم على جعل ما يطرحه عادياً، بل هي اكتشاف لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية.

فستان بتصميم هندسي يزينه ذيل طويل يصرخ بالفخامة (إيلي صعب وإتش آند إم)

فأصعب ما في أي تعاون بين دار أزياء كبيرة وعلامة جماهيرية واسعة الانتشار هو الحفاظ على الهوية. بذكائه الفني وحسه التجاري، يُدرك المصمم خطورة هذا الأمر على تاريخه، لهذا جاءت معالجته هذه المجموعة في الاتجاه المعاكس: حافظ على رموزه البصرية، وبدل استنساخه صورة فستان من مجموعاته الخاصة يُقدر بمئات آلاف الدولارات، جعله جزءاً من الحياة اليومية.