في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

المصمم ويس غوردن لـ «الشرق الأوسط»: المرأة لا ترتدي أزياء كارولينا هيريرا لتختفي بل لتُعلن حضورها

الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
TT

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)
الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)

ويس غوردن، المدير الإبداعي لدار كارولينا هيريرا، يريد أن يبيع للمرأة السعادة مُغلّفة بالألوان الزاهية في زمن يرى أنه مشبع بالقتامة. امرأة «كارولينا هيريرا» كما تخيَّلها لا تتردد في ارتداء اللون الوردي الفاقع، أو الأحمر القاني في مناسبة ترتدي فيها غالبية النساء الأسود، أو ألوان ترابية تحت شعار «الفخامة الهادئة».

منذ انضمامه إلى كارولينا هيريرا وويس غوردن يبثّ فيها روحاً قوامها البهجة واللون (كارولينا هيريرا)

كان اللقاء في بهو فندق السافوي بلندن، في يوم وصلت فيه درجات الحرارة إلى أكثر من 36 درجة. وكان وجوده في العاصمة البريطانية مرتبطاً بمتابعة عرض مجموعته الجديدة من حقائب اليد، والعطور في «هارودز». يقول لـ«الشرق الأوسط» وهو يحتسي قهوة مثلجة: «لقد تعدّينا مرحلة الألوان الأحادية، والمطفأة، والرغبة في الذوبان مع محيط هادئ، وبات على المرأة أن تُعلن وجودها بثقة، وإيجابية. هذه المرأة لا تشتري أزياء كارولينا هيريرا لتختفي، بل لتشعر بالتميز الاستثنائي».

من اقتراحاته التي تنبض بالحيوية (كارولينا هيريرا)

المتابع لعروضه منذ تسلمه المشعل من كارولينا هيريرا في عام 2018، يلاحظ تراجع الألوان الباهتة واستعاضتها بكل ما هو مشرق، ومُبهج. ألوان زاهية لا تعترف بالحلول الوسطى، ونقشات تتضارب مع بعضها البعض، لكنها، وبقدرة رسام ماهر، تكتسب تناغماً عجيباً.

في طريقي لمقابلته، كانت تراودني أسئلة كثيرة مثل: كيف استطاع شاب أميركي وُلد في شيكاغو، ونشأ في أتلانتا بعيداً عن مراكز الموضة التقليدية، اختراق دار ترتبط في المخيلة بتاريخ طويل مع سيدات البيت الأبيض، من جاكي أوناسيس إلى ميشيل أوباما، وأخيراً ليس آخراً ميلانيا ترمب؟

ويس غوردن في مكتبه (كارولينا هيريرا)

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف استطاع أن يحظى بثقة مؤسسة أمضت أكثر من أربعين عاماً وهي ترسم كل تفاصيل عالمها الخاص؟ فليس من السهل على أي مؤسس، خصوصاً وهو لا يزال حاضراً وقادراً على متابعة ما يحدث، أن يتنحى عن موقعه المركزي من دون أن يشعر بأن جزءاً من هويته يُنتزع منه. تجارب الماضي تشير إلى أن عملية تسليم المشعل كانت اختباراً حساساً لتحقيق التوازن بين الحضور والغياب، وبين احترام الماضي وفتح الباب أمام المستقبل. فكيف نجح غوردن في إقناع كارولينا هيريرا وطمأنتها بأنه قادر على حمل رؤيتها من دون المساس بإرثها؟

لقاء الأجيال

ويس غوردن مع المؤسسة كارولينا هيريرا (غيتي)

أطرح عليه هذه الأسئلة، فيبتسم وكأنه توقعها، أو تعود سماعها، قائلاً إنه منذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها نشأت بينهما ألفة فورية. يعترف أن القلق انتابه قبل مقابلتها للمرة الأولى. كان يتوقع أن تستجوبه بشكل صارم كما تجري العادة في مثل هذه المقابلات، وتمطره بأسئلة حول رؤيته لمستقبل العلامة، وإدارة أعمالها، لكن المفاجأة أن الحديث أخذ منحى إنسانياً بحتاً بعد دقائق معدودات.

تحدَّثا عن الكتب التي يقرآنها، وبرامجهما التلفزيونية، وهواياتهما المفضلة، وما شابه ذلك من أمور. اكتشفا أنه، رغم اختلاف النشأة وفارق العُمر، تربطهما قواسم قوية، فنياً، وإنسانياً.

استطاع أن يحول الألوان والنقشات المتضاربة إلى لوحات فنية (كارولينا هيريرا)

وهكذا تحولت العلاقة إلى صداقة مبنية على الاحترام. ويضيف غوردن أن ما ساعده أيضاً على الانسجام مع أجواء الدار، ومتطلباتها بسهولة أن التعيين الرسمي جاء بالتدريج. فقبل أن يصبح مديراً إبداعياً، قضى عاماً كاملاً مستشاراً للدار. كانت هذه الفترة مهمة تعرَف خلالها كل منهما إلى الآخر أكثر، وساهمت فيها كارولينا بتعبيد الطريق أمامه، بأن عرَفته بفرق العمل، وكل صغيرة وكبيرة.

يُلمِح أنها، إلى جانب رُقيها ودفئها الإنساني، تتمتع بروح برغماتية «رغم الألفة والأريحية بيننا، فهي لا تتدخل في العمل على الإطلاق». أدركت بذكائها أن عليها أن تنأى بنفسها، وأن تترك له مساحة من الحرية لكي يُعبِر عن رؤيتها بلغة العصر. نعم تحرص على حضور عروضه كأي ضيفة معجبة لا أقل، ولا أكثر. من جهته، يُقدِر هو الثقة التي منحته إياها، ويتعامل مع إرثها باحترام وحب «فمن الصعب جداً أن تكون مديراً إبداعياً لعلامة لا تُكن لها محبة، أو احتراماً حقيقيين» وفق قوله.

لم يتجاهل تماماً إرث كارولينا هيريرا فهو يظهر في قطع أساسية مثل القميص الأبيض (كارولينا هيريرا)

حوار الماضي والمستقبل

ما يُحسب له أنه لم يحاول أن ينسف ماضيها ليستعرض قدراته، قائلاً: «أنا لم آتِ لكي أقوم بثورة، بل لجعل الدار مواكبة للعصر من دون أن تتنازل عن الأناقة الراقية كما أرستها السيدة كارولينا هيريرا. فهي ترى أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً».

واضح في عروضه حضور بصماتها الراقية، لكن حضورها لا يعني تقديسها. فما ينجح فيه في كل عرض وكل ابتكار -سواء كان فستاناً مطبوعاً بورود ضخمة، أو أحمر شفاه قانٍ، أو حقيبة بلون أو شكل غير متوقع، أو حتى تسريحة شعر تستحضر جذورها الفنزويلية- أنه لا يُكرر مفرداتها حرفياً بقدر ما يعيد صياغتها.

يؤمن بمقولة كارولينا هيريرا أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً (كارولينا هيريرا)

ينسج من الأساسات التي أرستها طبقات مفعمة بالحيوية، تستقطب شرائح جديدة من المعجبات من مختلف الأعمار، والجنسيات.

هذه التفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكن أثرها كبير، لأنها لا تعترف بالصرعات الموسمية، وتخاطب جانباً يحن إلى أناقة أيام زمان بلغة العصر. فإطلالة مكونة من قميص أبيض وتنورة فخمة منقوشة بالورود أو بكشاكش يمكن أن تنافس فستان سهرة من الـ«هوت كوتور».

تأثير لندن

هذا الموقف ليس مجرد خيار إبداعي، بالنسبة له، بل يعد انعكاساً لعلاقة خاصة نسجها مع الدار قبل انضمامه إليها «فقبل التعيين بسنوات كنت أتابع عروضها، وأحب تاريخها وما تمثله من أناقة راقية لا تخضع للصرعات الموسمية، وهو ما أؤمن به أيضاً، ويظهر في أعمالي بوضوح».

فستان سهرة يليق بمناسبة صيفية سواء كانت في قصر أو في منتجع صيفي (كارولينا هيريرا)

ميله إلى الكلاسيكية المعاصرة وابتعاده عن الصرعات الموسمية، حتى قبل التحاقه بالدار، يُثيران بعض التساؤل. ليس لأنه ينتمي إلى جيل من المصممين يُفترض أن تدفعهم فورة الشباب لمحاولة فرض أسلوبهم الخاص بأي ثمن، بل لأنه درس في «سانترال سانت مارتنز» بلندن. المعهد المعروف بتشجيع طلابه على التحليق بخيالهم إلى أبعد الحدود، حتى وإن تطلَب الأمر تحويل الفنون إلى جنون. يشرح ما يبدو تناقضاً أنه أمر طبيعي، فالمعهد له عدة مدارس تصميمية، ويدعم كل الاتجاهات كما يدعم كل المواهب. ويستطرد أن التحاقه بهذا المعهد تحديداً له أسباب شخصية. فشغفه بتصميم الأزياء يعود إلى مرحلة الصبا، عندما كان يعيش في أتلانتا وكانت متابعة أحداث ونشاطات الموضة العالمية محدودة للغاية. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكن قد انتشرت بعد، ولا بث عروض الأزياء على الإنترنت. مُتنفسَه لاكتشاف هذا العالم كان قراءة السير الذاتية لكل من فالنتينو، وجون غاليانو، وألكسندر ماكوين.

منذ أول عرض قدمه للدار أكد أنه يحترم أسلوب المؤسسة ولا يريد نسف إرثها (كارولينا هيريرا)

ثم كانت النقلة عندما بدأت دار «ديور» ببث عروضها على موقعها الإلكتروني في عهد مصممها: جون غاليانو. كانت تلك المشاهد بالنسبة له في غاية الإبهار، جعلت إعجابه بغاليانو وماكوين يصل إلى حد أنه توجه في عام 2005 إلى لندن للدراسة في كلية سنترال سانت مارتنز، إسوة بهما. وخلال العطل الدراسية، حرص على صقل موهبته بالعمل، فتدرَب لدى «توم فورد»، و«أوسكار دي لا رينتا». وبعد التخرج عام 2009 انتقل إلى مانهاتن ليؤسس علامته الخاصة من شقته الصغيرة. لم يكن الأمر سهلاً، إلا أنه نجح في تقديم تصاميم رفيعة المستوى وصل صيتها إلى شخصيات مثل غوينيث بالترو، وميشيل أوباما، وجانوري جونز، وغيرهن، ولفتت أنظار متاجر مثل «ساكس فيفث أفينيو» مثل «نييمان ماركوس»، و«بيرغدورف غودمان»، و«ساكس فيفث أفينيو»، و«هارودز».

صدفة أم قدر؟

من اقتراحاته التي تنبض بالحيوية (كارولينا هيريرا)

بعد ثمانية أعوام، قرر إغلاق داره الخاصة. وسواء كانت صدفة أو كان هذا قدره، تزامن هذا القرار مع بحث دار «كارولينا هيريرا» عن مصمم قادر على تسلّم زمام قيادتها بعد اتخاذ مؤسستها قرار التقاعد.

وجد كل منهما ضالّته في الآخر. وجدت هي فيه مصمماً يشاطرها الرؤية الفنية نفسها للجمال، ويمكنها أن تُسلِمه المشعل وهي مطمئنة إلى أنه سيبُث الدار مزيداً من الحيوية، بينما وجد هو فيها غطاءً مهنياً يمنحه الأمان، ويُجنبه هاجس الغد، واستنزاف اللوجستيات لطاقته الإبداعية.

أناقة عابرة للزمن قد تكون مجرد قطعة بسيطة مع تنورة فخمة (كارولينا هيريرا)

منذ أول عرض قدّمه إلى اليوم، تشير الدلائل إلى نجاح الصفقة. فالمتابع لأعماله لا يشعر بأن هناك تغييراً جذرياً يُنفّر العميلات القديمات، بقدر ما يلحظ ديناميكية بدأت تسري في خطوط الدار، وتستقطب شريحة جديدة من الشابات. وصفة غوردن كانت ولا تزال تقوم على التزامه بالسمات الأساسية للدار، مثل الأزهار المتفتحة بجرأة، والتطريزات الغنية، والأزياء المسائية الفخمة التي لوَنها بدرجات تنبض بالحياة. يشرح هذا قائلاً إنه «من المؤسف أن يأتي مدير إبداعي جديد في كل مرة إلى دار عريقة ويتجاهل جيناتها الأساسية».

انسجام الرؤية الفنية

هذا الالتزام كما يؤكد لا يأتي من باب الولاء لتراث الدار فحسب، بل لأن هذا الإرث ينسجم أيضاً مع رؤيته الخاصة. فهو يؤمن بأن الأناقة الراقية لا تعني الصرامة أو الجمود، ولا الانسياق وراء الصرعات.

طوال حديثه، تستشف أنه لا يكتفي باحترام إرث راقٍ رسَخته امرأة جاءت من كاراكاس ونجحت في أن تنقله للعالم، بل يحمل أيضاً امتناناً عميقاً للفرصة التي أتاحتها له هذه المرأة «الاستثنائية» بنظره.

امرأة الدار لا تريد أن تختفي بل تفرض حضورها بثقة (كارولينا هيريرا)

فبعد ثمانية أعوام قضاها مصمماً مستقلاً، كان الانضمام إلى دار أميركية ذات مكانة عالمية راسخة محطة مهمة احتضنها بحماس ومنحها كل ما عنده. في المقابل منحته الدار ما كان يطمح له. فمن جهة، جنَبته الأعباء اللوجستية التي تُثقل كاهل المصممين الشباب العاملين من دون مستثمر، أو مجموعة كبيرة تقف خلفهم، ومن جهة أخرى، وفَرت له مساحة أوسع للتركيز على ما يهمه أكثر: الإبداع.


مقالات ذات صلة

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج، ولا حتى في فرادة المكان والمعمار فحسب، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

جميلة حلفيشي (بيدمونت - ميلانو)
لمسات الموضة لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

أخذ شون ماكغير عذابات الراحل لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن مصدر للألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)
حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)
TT

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)
حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

من التراث المصري العريق والمتنوع، استلهمت المصممة المصرية هاجر نبيل أحدث مجموعاتها في مجال الحُلي. مجموعة بعنوان «نبض كيميت» تبدو فيها مصر القديمة حاضرة في قلب القطعة نفسها؛ تجدها مرة في عين حورس، وتعثر عليها في زهرة اللوتس، أو في قلادة ملكية تستعيد أجواء عرش توت عنخ آمون، وهلمّ جرّاً.

ولا تتوقف الحكاية عند حدود المعابد والجداريات؛ ففي المجموعة أيضاً نلمح النخلة النوبية، والنجمة، والمولد الشعبي، وحتى صدى أغنيات أم كلثوم. وهكذا لا تبدو الهوية المصرية في المجموعة مرتبطة بزمن واحد؛ فهي تمتد من مصر القديمة إلى التراث النوبي والشعبي، وصولاً إلى ذاكرة الأغنية المصرية.

كل تفصيل ينبض بعبق التاريخ ويهمس بقصص ملكات عشن ليخلدن (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه التشكيلة الألوان الزاهية التي تميز الفن والمجوهرات المصرية القديمة، في حين يمنح التوازن الدقيق بين مختلف الخامات والأحجار الكريمة ذات الألوان الصادحة كل قطعة شخصية قوية وفريدة.

تقول هاجر نبيل إنها تحاول فيها أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وربما تحاول هنا أيضاً أن تفسر سر التعلق بها. وقد جعلت دراستها الأكاديمية لتاريخ الفن المصري القديم، وحصولها على الدكتوراه في هذا المجال، علاقتها بالرموز أكثر تعقيداً من مجرد الانبهار بأشكالها.

فالمصري القديم، في رؤيتها، لم يكن يترك تفصيلاً بلا معنى؛ فالعين، والزهرة، والطائر، والهندسة، واللون، لكل منها مكان في منظومة أكبر.

قطعة من عرش توت عنخ آمون الجزء العلوي مستوحى من قلادته الملكية (الشرق الأوسط)

ومن هنا جاءت مجموعة «نبض كيميت» محاولةً لإعادة كتابة تلك اللغة من خلال مفردات امرأة تعيش اليوم. تقول هاجر نبيل لـ«الشرق الأوسط»: «تنطلق مجموعتي من العمق الروحي والحضاري للتاريخ المصري، ومن تفاصيل الفن القديم، من دون نقل الرموز كما هي؛ حيث أعيدت كتابتها بلغة بصرية حديثة».

ومن بين القطع التي تستوقف العين، تصميم يستلهم عرش توت عنخ آمون وقلادته الملكية، يأتي كأنه ذاكرة بعيدة أُعيد ترتيبها؛ يستحضر الجزء العلوي منه القلادة الملكية، في حين تتوزع على بقية القطعة مفردات من الفن المصري القديم. ويستعيد العقيق الأحمر والأخضر، والصدف الأبيض، والمينا الملونة، شيئاً من بريق خزائن الملوك.

عين حورس

عين حورس تتحول إلى بروش صغير تحيط به تفاصيل هندسية وألوان من المينا الزرقاء (الشرق الأوسط)

وفي مكان آخر من المجموعة، تستقر «عين حورس»... العين التي عرفها المصري القديم رمزاً للحماية والشفاء واستعادة التوازن، تتحول هنا إلى بروش صغير، إلا أن كثافة الرمز تجعله يبدو أكبر من حجمه. في وسط التصميم تتربع العين، في حين يحيط بها إطار هندسي دقيق، وتتخلل التفاصيل ألوان المينا الزرقاء، ويمنح النحاس المطلي بالذهب عيار 21 القطعة بريقها، فيما يظل الرمز هو البطل الحقيقي.

ومن عالم الآلهة المصرية يأتي حورس، مستلهماً هيئته من أحد التوابيت الأثرية؛ إنه ذلك الصقر الذي ارتبط بالسماء والقوة والحماية، ويظهر في المجموعة بصورة تمنحها حضوراً ملكياً واضحاً، سيما أن المصممة تستخرج من الرمز إحساسه، ثم تضعه في تصميم معاصر.

اللوتس

قطعة تحتفي بجمال اللوتس الخالد وسحر البردي وقوة الرمز المصري القديم (الشرق الأوسط)

وفي تصميمات اللوتس تبدو الزهرة كأنها تستعيد شيئاً من علاقتها القديمة بالنيل، كما تستعيد في تفاصيلها أجواء الحُلي التي ارتبطت بالملكات في مصر القديمة.

وتعدّ هاجر نبيل قطع الحلي التي تأتي تحت هذا الاسم تذكيراً دائماً بقوة المرأة وجاذبيتها التي لا تقاوم: «ربما لا يوجد رمز مصري أكثر قدرة منها على عبور الزمن؛ هي زهرة ارتبطت بالتجدد والنقاء، وظلت حاضرة في الفن المصري القديم، ونراها تعود اليوم إلى الحُلي في تكوينات أكثر نعومة، وبجوارها يظهر البردي، فيما يضيف اللازورد والألوان الغنية عمقاً إلى التصميم».

النوبة

النخلة النوبية تتوسط سلسلة من النحاس المطلي بالذهب وتتزين بالصدف وأحجار الزركون (الشرق الأوسط)

ولا تنتهي مصر التي تعرفها هاجر نبيل عند حدود كيميت القديمة، فالنخلة النوبية تأخذ مكانها في سلسلة تزين العنق، وتظهر فيها النخلة مثبتة في الأرض، في حين تتجه النجمة إلى أعلى، في ثنائية بسيطة تقول كثيراً عن الإنسان الذي لا يتخلى عن حلمه.

وتأتي السلسلة من النحاس المطلي بالذهب عيار 21، وتتزين بالصدف الأبيض وأحجار الزركون، لتصبح الفكرة نفسها جزءاً من جمال التصميم.

أم كلثوم

أقراط منقوشة بكلمات من وحي أغنية لأم كلثوم (الشرق الأوسط)

ثم تصل هاجر نبيل إلى زمن أقرب، تستعيد فيه أم كلثوم في أغنيتها «قربك نعيم الروح» بكل ما تختزنه من إحساس القرب والدفء والفن الجميل. في هذه القطع يظهر الهلال والنجوم في التصميم، يضيئان ذكرى قديمة.

ومن بين أكثر القطع اقتراباً من الذاكرة الشعبية، يأتي الحلق المستوحى من «المراجيح» في المولد؛ حيث تتحول إلى خطوط انسيابية داخل تصميم حديث.

في كل تصميم تخاطب المصممة امرأة تعرف ماذا تريد، وتحب أن ترتدي قطعة لها شخصية، لا قطعة تُشبه عشرات القطع الأخرى.

تخاطب كل من يشدُّه سحر الحضارة المصرية وإرثها، لكن دائماً في صياغات معاصرة تنبض بالألوان.


مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.