كيف أعادت الأماكن المفتوحة والوجهات السياحية تشكيل أزياء الأعراس؟

بين فساتين السهرة وفساتين الزفاف خيط تلاشى

عروس دار «ديور» (رويترز)
عروس دار «ديور» (رويترز)
TT

كيف أعادت الأماكن المفتوحة والوجهات السياحية تشكيل أزياء الأعراس؟

عروس دار «ديور» (رويترز)
عروس دار «ديور» (رويترز)

احتضنت باريس مؤخراً أسبوع الـ«هوت كوتور». تزامن الحدث مع خبر زواج المغنية تايلور سويفت في حفل لم تتسرّب منه أي صورة لحد الآن. بقيت تفاصيل فستانها محاطة بالسرية والتكتم. كل ما تم الكشف عنه أن من صمّمه هو جوناثان أندرسون، المدير الإبداعي لدار «ديور».

قبل ذلك بأسابيع قليلة كان زواج الفنانة دوا ليبا، والذي كشفت فيه عن صور فستان صمَمه لها خصيصاً ماثيو بلازي، وجسّد فيه كل ما تتمتع به دار «شانيل» من حرفية وسحر. فقد صُنع يدوياً في 31 شارع كامبون في باريس بمساهمة دورها الفنية المتخصصة، مثل لوساج ولوماريه ومونتيكس وغيرهم.

وهكذا بين فستان لم نره بعد، وفستان ألهب مواقع التواصل الاجتماعي، لم يتضح لنا المعنى الحقيقي للحرفية التي ترتبط بموسم الـ«هوت كوتور» وتنتج عنها قطعاً تُجسد قصة صاحبتها فحسب، بل ذكرنا أيضاً بأن فيه تتحوّل الأحلام إلى واقع، وتتعايش الأذواق والثقافات على اختلافها. فالمعروف عن تايلور سويفت أنها كلاسيكية في اختيارات أزيائها، وبالتالي كان متوقعاً أن يكون فستان زفافها بتصميم أميري، بينما يميل المصمم جوناثان أندرسون إلى الأسلوب التجريبي أكثر. هذا التباين بينهما زاد من الفضول والتكهنات حول الفستان، وأكَّد مرة أخرى أن هذا الخط الراقي تلتقي فيه الأذواق عند نقطة واحدة، وهي تقدير الحرفية والرغبة في التفرد.

من العرض إلى التنفيذ

فستان الزفاف الذي اقترحه رامي العلي بذيل يمتد لعدة أمتار (أ.ف.ب)

بيد أن قصة الـ«هوت كوتور» مع الأفراح والمناسبات المهمة لا تقتصر على النجمات فحسب، بل على كل امرأة تبحث عن فستان يُخلّد ليلة العمر في الذاكرة وألبوم الصور. مع هذه المرأة، تبدأ الرحلة الحقيقية.

فبعد انتهاء العروض ومغادرة العارضات المنصات وانتهاء العمال من تفكيك الديكورات الضخمة، يبدأ العمل على ترجمة ما تم عرضه إلى واقع.

بعد انتهاء عروض الأزياء يبدأ العمل الحقيقي بالنسبة لبيوت الأزياء والزبونات (تمارا رالف)

داخل صالونات الخياطة التابعة للدور الكبرى، تبدأ اللقاءات الخاصة مع المصممين ورؤساء أقسام التصميم، تحجز خلالها الزبونات ما راق لهن من الفساتين. يضعن عليها لمساتهن الخاصة، سواء باختيار الأقمشة والألوان أو بإجراء تعديلات خفيفة عليها، مثل تطويل الأكمام أو تقصيرها أو رفع الياقة أو فتحها، حسب متطلبات بيئة كل واحدة منهن. بعدها تُؤخذ القياسات الأولى، وتبدأ عملية التنفيذ التي قد تستغرق أسابيع قبل وصول التصميم النهائي إلى صاحبته.

بعد هذه المرحلة مباشرة، تنكبّ الأنامل الماهرة على تنفيذ القطع في سباق مع الزمن، لتكون جاهزة مع انطلاق موسم الأعراس والمناسبات الاجتماعية.

«عروس إيلي صعب» فستان يُلخص معنى الفخامة (إيلي صعب)

ضيفات العروس لهن نصيب

من التقاليد المتّبعة في عروض الـ«هوت كوتور» أن يختتم كل مصمم عرضه بمجموعة من فساتين السهرة تبلغ ذروتها بفستان زفاف أميري. هذا التركيز على فساتين السهرة وفستان العروس يشير إلى أن الاهتمام لا ينصب على العروس وحدها. فزبونة الـ«الهوت كوتور» لا تبحث عادة عن فستان واحد، بل عن خزانة متكاملة لكل أفراد عائلة العروس.

من هذا المنطلق، لم يكن غريباً أن يقدم الثنائي اللبناني جورج قزي وأسعد أسطا مؤسسا «عزي أند أسطا» تشكيلة مكونة من 16 تصميماً موجهة كلها لضيفات العروس، والمصمم ستيفان رولان 33 قطعة تتلون غالبيتها بدرجات الأبيض. كل قطعة يمكن أن تناسب عروساً أو وصيفتها أو والدتها، فكلها قابلة للتطويع حسب رغبة كل واحدة. ولا يتعلق الأمر هنا باللون فحسب، بل أيضاً بأقمشتها، من الكريب والغزار والموسلين إلى الأورغانزا والساتان، مما يضفي عليها خفة تبدو فيها الأحجام وكأنها تتأرجح بين القوة والنعومة. يشير المصمم إلى أن تطريزها بالعقيق والبلور وعرق اللؤلؤ والخزف لم يكن للزينة فحسب، بل لتعبئة القطعة بالمشاعر، واحتراماً لفكرة أن الأزياء الراقية كانت ولا تزال قائمة على المناسبات الاجتماعية الكبيرة.

اقتراحات المصمم ستيفان رولان تخاطب العروس وكل ضيفة تريد التميز (ستيفان رولان)

فمنذ نشأتها، وهي تعيش في قلب هذه المناسبات، من حفلات الأوبرا والحفلات التنكرية والمواسم الأرستقراطية، إلى مناسبات السجاد الأحمر، حيث بدأت النجمات الظهور بفساتين بيضاء، بل وحتى من الدانتيل تستحضر صورة عروس من دون أن تبدو إطلالاتهن نشازاً أو متنافية مع الأعراف.

والفضل يعود إلى التحوّلات الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية التي انعكست على فساتين الفرح. فنسبة عالية من العرائس حالياً لا يردن إنفاق مبالغ طائلة على فستان فخم وضخم لا يرتدينه سوى في ليلة واحدة ثم يُركن بعدها في الخزانة. بدلاً من ذلك يُفضلن تصميماً يمكنهن الاستفادة منه في مناسبات أخرى. وهكذا بدأ الأبيض الثلجي يتراجع لصالح درجات أخرى مثل السكري الذهبي والوردي الخفيف، بل وحتى الرمادي الماسي، بينما تخفَّفت التصاميم الهندسية من صلابتها وصرامتها لتصبح أكثر انسيابية وراحة. ومع الوقت بدأت فساتين الزفاف تقترب من فساتين السهرة، حتى غدا الفاصل بينهما أقل وضوحاً، وصارت فساتين السهرة خياراً مشروعاً للعرائس اللواتي لا يرغبن في الالتزام بالقالب التقليدي.

تصاميم لكل المواسم والأماكن من «أرماني بريفيه» و«ديور»

أعراس الوجهات

فلا «الهوت كوتور» تخلّت عن فستان الزفاف التقليدي تماماً ولا المرأة نبذته، لكن مفهوم المناسبة نفسها تغيَر مع تغيَر أماكن إقامة حفلات الزفاف نفسها. فالأعراس التي تقام في المنازل والقصور وقاعات الفنادق والنوادي الاجتماعية، قد تُتيح ارتداء فساتين فخمة تزخر بالتطريزات والتنورات الواسعة والذيول التي تمتد لعشرات الأمتار. لكن، ومع توجه نسبة متزايدة من العرسان لجعل ليلة العمر تجربة متكاملة تتجاوز الاحتفال التقليدي، أصبحت الوجهات الحالمة والمناظر الطبيعية الساحرة، جزءاً من التجربة، لتفرض على التصاميم خامات أخف، وقصّات أكثر انسيابية، وأحذية أكثر عملية، من دون التفريط بالأناقة والتفرد.

من اقتراحات إيلي صعب... فساتين سهرة يمكن تطويعها لكل المناسبات (إيلي صعب)

بدأ هذا التحول في الغرب في أواخر التسعينيات وبداية الألفية مع صعود ما بات يعرف بـ«زفاف الوجهة»، حيث يسافر الضيوف إلى مدينة أو جزيرة أو منتجع اختاره العروسان خصيصاً للمناسبة. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتسرّع هذا التحول بوتيرة هائلة، إذ لم تعد أهمية الزفاف تقتصر على الحدث نفسه، بل امتدت إلى الصورة التي سيُخلّفها، والتي تجعل المكان في أهمية الفستان.

لم يختلف الأمر في العالم العربي، فرغم أن فنادق خمس نجوم والقاعات الكبرى لم تفقد مكانتها التقليدية في استضافة حفلات الزفاف، فإن ذلك لم يمنع بروز وجهات جديدة، مثل الشواطئ في دبي، والمنتجعات الساحلية في عُمان، والجونة والساحل الشمالي في مصر. وكان من الطبيعي أن يُصبح الفستان والإكسسوارات أكثر انسجاماً مع المكان بقدر انسجامه مع المناسبة. لم ينسَ المصممون الباريسيون أيضاً أن زبونة المنطقة العربية أكثر من تُسند الـ«هوت كوتور» منذ السبعينيات وبالتالي عليهم أخذها بعين الاعتبار، بالاقتراب أكثر من احتياجاتها، مثل الفرنسي أليكسي مابيل، الذي قدّم إطلالات محتشمة لا تحتاج إلى تعديلات كبيرة لتناسب المرأة العربية، سواء كانت عروساً أو من المدعوات. غطى شعر العارضات وجعل الفستان جاهزاً للتكيف مع متطلبات ثقافة مختلفة.

قدم أليكسي مابيل مجموعة موجهة للمرأة العربية راعى فيها ثقافتها (أ.ف.ب)

تعايش الأميري بالانسيابي

توالت الاقتراحات المتنوعة طوال الأسبوع، معظمها يُشير إلى أن التحوُّل نحو الانسيابي أو المنحوت لم يُقصيا الفستان الأميري، بل وسّع خيارات العروس وضيفاتها. فما زالت عروض الـ«هوت كوتور» تراهن على أن ليلة العمر تستحق تنورات واسعة، وكورسيهات منحوتة، وتفاصيل مترفة، إلى جانب فساتين سهرة لا تقل فخامة وحرفية.

من اقتراحات رامي العلي... تصاميم تجمع الفخامة بالمرونة (رامي العلي)

تصاميم رامي العلي مثالاً على ذلك. فالكثير منها يحمل الطابع الاحتفالي الذي يليق بقاعة فخمة أو بقصر، وفي الوقت نفسه تتمتع بخفة وانسيابية تسمح للعروس بارتدائها في حفلات تقام في الهواء الطلق أو في وجهات بعيدة.

في المقابل، حافظ إيلي صعب على بصمته الرومانسية الحالمة، بكل ما تحمله من فساتين مترفة تليق بقاعات الاحتفالات والقصور، بينما قدّم جوناثان أندرسون لـ«ديور» مجموعة من فساتين السهرة يسهل تطويعها وتغيير دورها بمجرد إضافة طرحة أو تاج. كذلك الأمر بالنسبة لماثيو بلازي وإن قدّم في عرضه لدار «شانيل» لخريف 2026 وشتاء 2027، قراءة مختلفة تماماً.

رسالة ماثيو بلازي أن العروس وضيفاتها والأسود والأبيض في نفس كفة الاهتمام (شانيل)

كان اللافت فيها أنه لم يختتم العرض بفستان الزفاف الأبيض المصنوع من الدانتيل، بل بفستان أسود جاء بعده مباشرة ليكون مسك الختام. اختيار بدا كأنه يختصر قصة سندريلا معاصرة مستوحاة من حياة كوكو شانيل، ورحلتها من البدايات المتواضعة إلى تأسيس واحدة من أكثر الدور تأثيراً في العالم. فالفستان الأسود الناعم ليس غريباً عن هوية الدار، بل له مكانة خاصة في أرشيفها. ومع ذلك فإن ظهوره في ختام العرض بعد فستان العروس، يحمل دلالة تتجاوز التصميم نفسه، كما لو أنه يقول إن المناسبة لم تعد تتمحور حول العروس وحدها، بل أصبحت مساحة تمنح جميع الضيفات حق التميز.

بين التقاليد والحداثة

المصمم زهير مراد قدم اقتراحات فخمة تتراقص على الأميري والانسيابي المعاصر (زهير مراد)

يُسجِل هذا التحول أيضاً تراجع بعض القواعد التقليدية التي حكمت إطلالات الأعراس طويلاً. فبعد أن كان الأبيض حكراً على العروس، والأسود مرتبطاً بالسهرات الرسمية، باتت الحدود أكثر مرونة. لم يعد غريباً أن تختار المدعوات ألواناً كانت تُعد في السابق تعديا على حق العروس في التميز إذا كانت بالأبيض الثلجي خاصة، أو لا تُعبِر عن الفرح إذا كانت بالأسود. كل هذا لم يعد مطروحاً، فالنجمة جينفر لوبيز، مثلاً حضرت حفل زفاف تايلور سويفت، بفستان فخم بتوقيع دار «كارولينا هيريرا» باللون الأسود، وهذا يعني أن الأسود بدأ يعود لتصدر مشهد الموضة من جديد. أما الأهم، فإن العروس لم تعد مطالبة بارتداء الأبيض لتتميَز. فقد أصبحت درجات الباستيل بكل تدرجاتها متاحة لها، تاركة لها حرية اختيار اللون الذي يشبهها، بعيداً عن أي قواعد ثابتة.


مقالات ذات صلة

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.


خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
TT

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

يبدو أن صناع الموضة في مأزق صعب، الأمر الذي يُفسِّر حجم التغييرات التي تقوم بها كل من مجموعة «إل في آم آش» ومجموعة «كيرينغ» مؤخراً. فأرقام المبيعات في تراجع، وعدد زبائن المنتجات الفخمة أيضاً في تراجع، والعالم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تتجلى فقط في الإضرابات التي تشهدها العديد من العواصم الأوروبية، بل أيضاً فيما يجري داخل بيوت الأزياء من انقلابات، وإقالات.

وبين ضغوط المبيعات، وتقلّبات سوق الرفاهية، وتوقعات العلامات التجارية تحقيق نتائج سريعة، باتت المساحة المتاحة أمام المديرين الإبداعيين لاختبار أفكارهم وبناء هوياتهم داخل الدور تضيق أكثر فأكثر. لم تعد فترة عام أو عامين متاحة أمامهم لتأسيس لغة إبداعية متماسكة. وهكذا بين الفترة والأخرى تنتشر إشاعات حول رحيل مصمم، أو إقالته سرعان ما تتأكد صحتها، في مشهد يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت الذي يحتاج إليه، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

فمنذ أيام أعلنت دار «كالفين كلاين» خروج مديرتها الفنية فيرونيكا ليوني، وبعدها مباشرة أعلنت شركة «كيرينغ»، المالكة لعلامة ألكسندر ماكوين، أن مديرها الإبداعي شون ماكغير غادر منصبه.

قبل ذلك، أعلنت المجموعة رحيل أنتوني فاكاريلو، المدير الإبداعي لـ«سان لوران»، فيما تقول مصادر في القطاع إن فترة تولي بييرباولو بيتشولي منصبه في «بالنسياغا» تقترب أيضاً من نهايتها، فيما لا تزال دار «بروني» من دون مصمم حتى الآن.

سبب خروج ماكغير أنه واجه صعوبة في إثبات حضوره، بعد أن قوبلت تصاميمه الأولى بفتور. كان ماكغير قد انضم إلى ماكوين في وقت كانت فيه العلامة التجارية تواجه تراجعاً حاداً في المبيعات، نتيجة تباطؤ سوق السلع الفاخرة، وتراجع الطلب على خطها الناجح من الأحذية الرياضية تحديداً.

في عرضه الأول في مارس (آذار) 2024، قدّم أسلوباً أكثر تحرراً وخشونة. بدا متجدداً، ما أعطى الأمل بأنه تغيير إيجابي. لكن بعض تجار التجزئة والنقاد رأوا أن العرض كان غير متماسك، وأنه ابتعد بدرجة كبيرة عن السمعة التي تتمتع بها ماكوين بوصفها علامة متخصصة في التفصيل الدقيق، والمتقن.

حاول المصمم تجديدها في مجموعته لربيع وصيف 2027 بالألوان والعودة إلى إرثها (ماكوين)

ورغم أن المجموعات اللاحقة جاءت أكثر إحكاماً في تنفيذها، فإنها لم تنجح في تجديد اهتمام السوق بالعلامة التجارية. وبحلول عام 2025، انخفضت الإيرادات المقدّرة إلى أقل من 200 مليون يورو، بعدما بلغت 800 مليون يورو في ذروتها. هذا التراجع جعل الشركة المالكة، «كيرينغ»، تدرس إمكانية بيع العلامة التجارية، قبل أن تبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة لها.

وتعتبر ماكوين واحدة من أصغر العلامات التجارية التابعة لـ«كيرينغ»، ومن أكثرها تعقيداً أيضاً، لأنها لم تخرج من عباءة مؤسسها ألكسندر ماكوين حتى الآن. فهو لا يزال حاضراً في الذاكرة بعروضه المسرحية، وبراعة تفصيله، وروحه المتمردة بفنية لا يستطع أياً كان أن يُعوِّضها بسهولة. وربما هذا ما تبحث عنه الدار لحد الآن، وهو أيضاً ما صرَّح به لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرينغ» بقوله إنه يقدر مساهمة شون ماكغير، وتفانيه في خدمة «ألكسندر ماكوين»، لكن «المجموعة تطمح إلى رسم مسار جديد وجريء للدار، يستند إلى إرثها الفريد في التفصيل الاستثنائي، والإبداع الذي لا يقبل المساومة، والتمرد، من أجل تأكيد مكانتها بوصفها أحد أكثر الأصوات ابتكاراً، وتأثيراً ثقافياً في قطاع السلع الفاخرة».

تشتهر الدار ببراعتها في التفصيل الرجالي (ماكوين)

وتقود «كيرينغ» حالياً تغييرات كبيرة في القيادة الإبداعية عبر مجموعة علاماتها التجارية، في وقت لا تزال فيه سوق السلع الفاخرة تمر بظروف صعبة.

ربما تبدو «غوتشي»، العلامة الرئيسة للمجموعة، وكأنها تتجه تدريجياً نحو التعافي تحت قيادة مديرها الإبداعي الجديد ديمنا، إلا أن هذا التعافي لا يزال بطيئاً، ويحتاج إلى تسريع قوي.