معرض «ساعات وعجائب 2025» يعيد عقارب الساعات إلى «الزمن» الجميل

إصدارات تتبرك بأيقونات قديمة... وتستهدف جيل الشباب

لقطة من جناح «IWC» في المعرض (ووتشرز آند ووندرز)
لقطة من جناح «IWC» في المعرض (ووتشرز آند ووندرز)
TT

معرض «ساعات وعجائب 2025» يعيد عقارب الساعات إلى «الزمن» الجميل

لقطة من جناح «IWC» في المعرض (ووتشرز آند ووندرز)
لقطة من جناح «IWC» في المعرض (ووتشرز آند ووندرز)

«ساعات مُستوحاة من الزمن الذهبي ولا تلتزم بقيوده»... جُملة تُلخّص توجه صناع الساعات الفاخرة في معرض «ساعات وعجائب» لعام 2025. أغلبهم أعادوا صياغة أيقونات قديمة وكأنهم يتبركون بسحرها وما حققته من نجاحات، لكن بلغة شبابية واضحة.

هذا التوجه ليس جديداً أو غريباً في عالم المال والجمال عموماً، يظهر دائماً في أوقات الأزمات الاقتصادية؛ لما تتطلبه من حذر ولعب على المضمون. فالمعرض الذي تحتضنه جنيف السويسرية سنوياً، انطلق في أجواء غير عادية هذه المرة في العالم؛ إذ كل ما فيه يدعو للقلق، من فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية زلزلت صناع الترف، كما المستهلكين والمستثمرين، وتباطؤ نمو أسواق كانت الآمال معقودة عليها قبل جائحة «كورونا» مثل الصين.

افتتاح المعرض السنوي «ساعات وعجائب» لعام 2025 (ساعات وعجائب)

وفقاً لاتحاد صناعة الساعات السويسرية، فإن صادرات الساعات السويسرية تراجعت في العام الماضي بنسبة تقارب 10 في المائة، لتصل إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، في حين انخفضت الإيرادات بنسبة 2.8 في المائة. ورغم أن السوق مستقرة إلى حد ما، فإن هذا لا يعني أنها تبشّر بالخير.

لحسن الحظ أن الإصدارات التي استُعرضت في المعرض تؤكد أن الحذر يقتصر على الاستراتيجيات التسويقية والترويجية. فيما يتعلق بالجانب الإبداعي، فماكينته لم تتوقف أو تضعف، بدليل أن المنافسة محتدمة بين الكل لطرح ابتكارات قد تؤهلهم للحصول على براءات اختراع.

كما تنافس صناع الساعات على حصصهم السوقية تنافسوا على الدقة والابتكار (آي دبليو سي شافهاوزن)

ثم إن الأزمات المتتالية علّمتهم أنه عندما يُغلق باب لا بد أن تُفتح منافذ جديدة، وهذا وجدوه في الشرق الأوسط؛ سوق منتعشة اقتصادياً، وزبائنها من الشباب تحديداً يقدرون كل ما هو فريد، ويمكنهم الاستمتاع به والاستثمار فيه في آنٍ واحد. لهذا كان من الطبيعي أن تدور المنافسة حالياً على استقطاب شريحة الشباب، من كل أنحاء العالم، بابتكار ساعات تلمس القلب والعقل، بعد أن انتبهوا أن هذا الزبون متطلب بقدر ما هو حذر؛ أي إنه يميل إلى ساعات بوظائف وتعقيدات سابقة لأوانها. انتبهوا أيضاً إلى أنه في وقت الأزمات الاقتصادية يثق أكثر في العلامات التجارية التي يرى أن «ثمنها فيها»، مثل ساعات «روليكس» و«باتيك فيليب» و«كارتييه» وما شابهها من أسماء سويسرية. واحد من التحديات بالنسبة لهم تكسير هذه القناعات وإقناع هذا الزبون بإصدارات كلاسيكية تفوح منها روح المعاصرة.

دار «كارتييه» عادت إلى ساعتها الأيقونية «تانك» لتوجهها لفئة شبابية جديدة (كارتييه)

العديد منهم اعتمدوا على تصاميم مجربة ولها تاريخ لا يزال يدغدغ الخيال. استخرجوا من أرشيفهم جواهر من الزمن الجميل، وأعادوا صياغتها بلغة العصر. طوروا وظائفها، ولعبوا على المعادن النفيسة والألوان التي تبث السعادة في النفس، وحتى إضافة أحجار كريمة، من دون المساس بكلاسيكيتها. فما يبدو كلاسيكياً الآن كان في عصره ثورياً وجريئاً يعكس الحقب الزمنية التي وُلد فيها. «بياجيه» مثلاً عادت إلى الستينات من خلال ساعتها «سيكستي»، وهي حقبة شهدت عدة تغيرات اجتماعية؛ تحررت فيها المرأة من الكثير من القيود، وظهرت فيها حركة شبابية مثيرة تجلت في الكثير من مناحي الحياة، بما فيها فن «البوب آرت»، كما تغير فيها وجه الموضة على يد أمثال إيف سان لوران وماري كوانت وغيرهما. مثل «بياجيه» عادت «كارتييه» إلى «تانك» الساعة المفضلة لدى النجوم والعائلات المالكة، وهلم جرا من أمثال:

«SIXTIE» من «بياجيه»

«SIXTIE» من «بياجيه»

وُلدت في 1969 الذي كان عاماً مهماً في تاريخ الدار؛ رسمت فيه حدوداً غير مسبوقة بين صناعة الساعات والمجوهرات، متأثرة بالحركات الشبابية التي ظهرت في تلك الحقبة وتمردهم على كل ما هو تقليدي، فضلاً عن تأثير فنّ «البوب». نسخة هذا العام جاءت بنفس الجرأة التي تصورها مصممها الأول جان-كلود غيت في أواخر الستّينات من القرن الماضي، بدءاً من سوارها العريض وحلقاته المنحرفة والمتداخلة، وساعات «سوتوار» المتدلّية ذات الأشكال المنحرفة وباقي التفاصيل، بدءاً من أضلاعها المنحوتة برقّة على الإطار، ومؤشراتها الذهبية وعقاربها التي هي على شكل أسهم فتنصهر مع الأرقام الرومانية.

«TORIC QUANTIÈME PERPÉTUEL» من «بارميجياني فلورييه»

«TORIC QUANTIÈME PERPÉTUEL» من «بارميجياني فلورييه»

تم طرحها في نسختين: الأولى مصنوعة من الذهب الوردي عيار 18 قيراطاً، والثانية من البلاتين، بكمية محدودة لا تتجاوز 50 قطعة لكل منهما. شجع نجاحها في عام 2024 على تطويرها، معتمدة على واحد من أبرز التعقيدات الكلاسيكية في عالم صناعة الساعات الراقية، وهو التقويم الدائم (Quantième Perpétuel). فمنذ البداية أظهر ميشيل بارميجياني شغفاً بالتقاويم، بوصفها لغة شاعرية تتحكم في الزمن وتحاكي أبعاده الرمزية والوجدانية؛ لهذا لم يكن غريباً أن توظف الدار هذا الشغف وتُقدّم تجربة بصرية تتّسم بالنقاء وإحساس عاطفي بالزمن.

أما وجهها ذو التصميم المحوري (coaxial) فيتيح بدوره عرضاً هندسياً دقيقاً للعناصر الزمنية، لا يؤثر على نقاء الميناء وبساطة الخطوط، وهو ما يُعد إنجازاً بحد ذاته. فغالباً ما تكون واجهة ساعة اليد المزوّدة بآلية التقويم، سواء كان الغريغوري أو الصيني أو الهجري، مزدحمةً بالمعلومات المرتبطة بهذه الوظيفة الزمنية المتقدمة. لكن الدار خلقت توازناً بين الجانب الجمالي، والبُعد التقني المعقّد بشكل مريح للعين.

ساعة «إنجنيور أوتوماتيك 35» من «آي دبليو سي شافهاوزن»

ساعة «إنجنيور أوتوماتيك 35» من «آي دبليو سي شافهاوزن»

شهد عام 2023 إطلاق أول نسخة من «إنجنيور أوتوماتيك 40»؛ التحفة الرياضية بسوار مدمج مستوحى من التصميم الأيقوني لساعة «إنجنيور إس إل» التي أبدعها جيرالد جنتا في سبعينات القرن الماضي. هذا العام تضيف الدار السويسرية ساعة «إنجنيور أوتوماتيك 35» بسمك لا يتجاوز 9.44 ملم، ومع ذلك تحافظ على كل السمات التصميمية الأصيلة لساعات «إنجنيور»، بدءاً من الإطار المرصع بـ5 من البراغي الوظيفية، والسوار المثبت بحلقاته الوسطى، إلى الميناء «الشبكي» بمؤشراته البارزة المثبتة يدوياً والمطبوعة بمادة «Super-LumiNova» وخطوطه المربعة. تم تجهيز جميع إصدارات ساعة «إنجنيور أوتوماتيك 35» الثلاثة بظهر شفاف يكشف عن العيار «47110» ذي التعبئة الأوتوماتيكية ومخزون الطاقة الذي يمتد حتى 42 ساعة.

«Alpine Eagle Flying Tourbillon» من «شوبارد»

«Alpine Eagle Flying Tourbillon» من «شوبارد»

ساعة رياضية تنضم إلى مجموعة «ألباين إيغل» حازت لحد الآن على شهادتَي امتياز، ليكون معمل «شوبارد» الوحيد الذي تحمل ساعات التوربيون المحلّق لديه شهادة «الكرونومتر» و«دمغة جنيف للجودة». استُوحيت مجموعة «Alpine Eagle» من موديل إحدى ساعات «شوبارد» التاريخية التي أعيدت صياغتها على يد ثلاثة أجيال لتصل إلى تعقيد التوربيون المُحلّق، حيث ابتكار أول عيار في عام 1997 لا تتعدى سماكته 3.30 ملم، مما أتاح تحسين حجم هذه الساعة. فالعلبة مثلاً لا تتعدى سماكتها 8 ملم، مقارنة بغيرها من النماذج السابقة. مثل باقي ساعات مجموعة «Alpine Eagle» تضم آلية «flyback» الارتجاعية، لكن بسمك لا يتعدى 3.30 ملم، وعلبة قطرها 41 ملم مع سوار مدمج فيها، وقد صُنعت الساعة بالكامل ضمن ورشات الدار من معدن «لوسنت ستيل TM» باعتباره سبيكة معدنية استثنائية حصرية لـ«شوبارد»، فائقة المقاومة وقابلة للتدوير.

ساعة «Big Crown Pointer Date» من «أوريس»

ساعة «Big Crown Pointer Date» من «أوريس»

طُرحت أول مرة في عام 1938 خصيصاً للطيارين؛ إذ تم تزويدها بمستويات عالية من الدقة والمتانة مع سهولة الاستخدام، وهو ما تمثّل في تاج كبير الحجم يسهل التحكم به عند ارتداء القفازات، وأرقام عربية واضحة عند مواضع الساعة 12 و3 و9، ونافذة مخصصة لعرض التاريخ. في عام 2025، وبعد 90 عاماً، أعيد طرحها بسوارٍ معدني وتوليفة من الألوان الحيوية بمقاسات علب متنوعة وحركة أوتوماتيكية. عُلبتها بقطر 40 ملم مثلاً تأتي باللون الترابي الدافئ والأخضر، وهي مزودة بحركية كاليبر أوريس 403، ومؤشر صغير للثواني عند موضع الساعة 6، في حين تتميز الساعة بقطر 34 ملم باللون البيج أو الأسود، ومرصعة بـ12 ألماسة. من الناحية التقنية، تضم أكثر من 30 عنصراً مقاوماً للتأثيرات المغناطيسية، واحتياطي طاقة لمدة 5 أيام يضمن استمرار عمل الساعة حتى بعد مرور فترة على عدم ارتدائها.

«Arceau Le temps suspendu» من «هيرميس»

«Arceau Le temps suspendu» من «هيرميس»

في هذه الساعة عادت الدار الفرنسية إلى مجموعة «آرسو لو تون سيسبوندي» التي أصدرتها أول مرة في عام 2011. لعبت على أسطح ثنائيّة الأبعاد تختبئ عقاربها في بروش يمكن أن يُزيّن سترة رجل أنيق، أو قلادة تزيّن عنق امرأة. الجديد في إصدار عام 2025 هيكله البالغ قطره 39 ملم من الذهب الأبيض أو الذهب الوردي، والذي يترافق مع ثلاثة ألوان تُبرز جمال الطبيعة وتنوعها من خلال تدرج زمني يبدأ من شروق الشمس إلى غروبها، فضلاً عن خطوطها الحادّة وهندستها الجريئة. مؤشر التشغيل الذي يدور بعكس اتجاه السّاعة يضيف بدوره لمسة منعشة من المرح والأناقة، لا سيما في ساعة المعصم المرصعة بأحجار الألماس والتورمالين.

«The Excalibur Biretrograde Calendar» من «روجيه ديبوي»

«إكسكاليبر بايرتروجراد كاليندر» من «روجيه ديبوي»

على غرار الساعة التي طرحتها «روجيه ديبوي» في عام 1996، ينفرد هذا الإصدار بتقنية تراجعية مزدوجة تشتهر بها الدار منذ 1995. هذا العام 2025 جاء بمثابة احتفال بمرور ثلاثين عاماً على بدايتها. ويجسد تصميمها اتصالاً وثيقاً بين الماضي والحاضر. من أهم سمات الساعة قطرها البالغ 40 ملم، باحتياطي طاقة يبلغ 60 ساعة، ويمكن رؤية وزنها المُتأرجح عبر الجزء الخلفي المصنوع من كريستال السافير، بهيكل من الذهب الوردي يزدان بميناء من عرق اللؤلؤ الأبيض. وتجدر الإشارة إلى أن «روجيه ديبوي» من أوائل صانعي الساعات الذين أدخلوا الذهب الوردي وعرق اللؤلؤ في الساعات الرجالية في مطلع الألفية، ليُصبح هذان العنصران جزءاً لا يتجزأ من هوية الدار.


مقالات ذات صلة

سلسلة ساعات «هواوي ووتش كيدز إكس1» الذكية: الأولوية لسلامة الأطفال وصحتهم

تكنولوجيا تقدم السلسلة إصداري «برو» والقياسي بتصميم أنيق ومناسب لأذواق الأطفال

سلسلة ساعات «هواوي ووتش كيدز إكس1» الذكية: الأولوية لسلامة الأطفال وصحتهم

تُعيد سلسلة ساعات «هواوي ووتش كيدز إكس1» صياغة مفهوم الساعات الذكية المخصصة للأطفال.

خلدون غسان سعيد (جدة)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير، صهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة بيعها

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

مع حلول رأس السنة الصينية، تعود العلامات الفاخرة إلى الأبراج الصينية، لإصدار مجموعات محدودة؛ احتفاءً وتبركاً بالعام الجديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحات منوَّعة شهدها المعرض (الشرق الأوسط)

الدرعية تحتفي بالفنّ... «مسند» يفتح نافذة جديدة على الإبداع

خلال المعرض، عُرِض عدد من القطع الفنّية النادرة، والأعمال الفنّية المقتناة، إضافة إلى مخطوطات محلّية

بدر الخريف (الرياض)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.


داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».