إيران خارج مطبخ الانتخابات العراقية... «لكنها في المنزل»

فريق قاآني يتأهب للصدر ولمنع اقتتال بين «أولاد كبروا واشتد عودهم»

رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (إكس)
رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (إكس)
TT

إيران خارج مطبخ الانتخابات العراقية... «لكنها في المنزل»

رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (إكس)
رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (إكس)

تسمح إيران بحلبة مفتوحة لنزالات القوى الشيعية قبل أشهر من الانتخابات العراقية، وفي حين لا تتدخل كثيراً في التفاصيل بسبب انكفاء محورها، فإنها تتأهب بـ«الخطة ب» عن بُعد، لمنع اقتتال بين جماعاتها وتحسباً لعودة التيار الصدري، إذ تحاول قدر الإمكان عدم الظهور بوضوح أمام أعين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دوائر بغداد.

ومنذ إعلان تحالف «الإطار التنسيقي» قراره بالتفرق إلى قوائم في الانتخابات المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بدا أن قطبين رئيسيين يتنافسان على أصوات الجمهور الشيعي، وهما رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني والأسبق نوري المالكي، في معركة تقليدية «قد تخرج عن السيطرة»، كما يقول قيادي بارز في «حزب الدعوة الإسلامية».

ويقول أشخاص يعملون في «مطابخ انتخابية» لقوى كبيرة في التحالف الشيعي، إنهم يلمسون تراجع إيران في مكاتبهم، إذ لا يشعرون «للمرة الأولى» بضغطها في رسم التحالفات، لكنهم موجودون فعلاً لحماية الحلبة من الاقتلاع «لو هبّت رياح عاتية».

الحال أنها المرة الأولى في كل شيء؛ إذ يتسرّب إلى بغداد أن إيران قد تقدم المزيد من الأضاحي لحماية النظام، وقد تكون فصائل عراقية من بينها بعد تداعي «الحوثيين» في اليمن، بينما يصل إلى طهران عن الجماعات الموالية أنها تريد حماية مصالحها بالانخراط أكثر داخل المؤسسات الحكومية «حتى لو تطلّب ذلك التخلي عن السلاح مؤقتاً».

وثمة اشتباك عراقي - إيراني «بارد» حول الانتخابات ربطاً بمصير مفاوضات البرنامج النووي الإيراني، لكن الطرفين متفقان على أن «كل ما يجري وسيجري أمر مؤقت للضرورة».

في 25 أبريل (نيسان) 2025، وصف المرشد الإيراني علي خامنئي المحادثات بين بلاده والولايات المتحدة بـ«الوضع المؤقت». وقال، خلال مجلس عزاء في طهران، إن «هذا التسلّط للنفاق ليس قدراً دائماً، بل هو مؤقت ضمن تقدير إلهي».

قبل ذلك، كانت مصادر عراقية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن فصائل عراقية حصلت على «فتوى»، من المرشد الإيراني علي خامنئي، تُجيز مناورة ضغوط يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأظهرت مقابلات حديثة أجرتها «الشرق الأوسط» مع سياسيين عراقيين أن «حرية الحركة» تسمح الآن بوضع يشبه «المصارعة الحرة»، وقد يتفاقم إلى سيناريو يشبه اشتباكات المنطقة الخضراء في سبتمبر (أيلول) 2022، حين اقتحم أنصار مقتدى الصدر المنطقة المحصّنة، احتجاجاً على منعهم من تشكيل حكومة أغلبية بعيداً عن «الإطار التنسيقي». وأفادت تلك المقابلات بأن «إيران خرجت من مطبخ الانتخابات مؤقتاً لكنها موجودة في المنزل».

أنصار الصدر داخل البرلمان العراقي في يوليو 2022 (رويترز)

خريطة «سيّالة»

في 10 أبريل (نيسان) 2025، كشفت «الشرق الأوسط» أن قائد «قوة القدس» في «الحرس الثوري»، الجنرال إسماعيل قاآني، ترك في العاصمة بغداد فريقاً مصغّراً لإدارة ملفات سياسية، من بينها الإشراف على تحضيرات القوى الشيعية للانتخابات البرلمانية.

بعد أسبوعين، قرر «الإطار التنسيقي» خوض الانتخابات متفرقاً إلى قوائم، وهذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها التحالف الحاكم إلى هذا التكتيك، محكوماً بقانون انتخابي يقسم البلاد إلى دوائر، فضلاً عن تضارب مصالح بين القوى المتنافسة.

بحسب سياسيين كلفتهم أحزابهم وضع خطط أولية للانتخابات، فإن الفريق الإيراني لم يظهر كثيراً في مطابخ «الإطار التنسيقي». يقول القيادي في حزب الدعوة إن «طهران التي تمرّ بلحظة حساسة، تنشغل بحماية نظامها وتاريخها السياسي»، لهذا «تكاد تختفي من المشهد في بغداد».

ساعد هذا «الاختفاء»، كما يزعم القيادي الشيعي، قوى «الإطار التنسيقي» على التصرف بحرية أكبر في صياغة التحالفات، رغم إقراره بأن «العمل في غياب المشرف له مخاطره».

يتحرك «الإطار التنسيقي» في خريطة سيّالة. في الأسبوعين الماضيين، عقد ممثلو أحزاب شيعية اجتماعات لرسم التحالفات، فشل كثير منها في تشكيل قوائم تجمع حزبين أو أكثر بعد مدٍّ وجزر.

اقترب محسن المندلاوي، النائب الأول لرئيس البرلمان، من نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، ثم ابتعد. كذلك، وجد هادي العامري، وهو رئيس منظمة «بدر»، نفسه قريباً من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، قبل أن يتصادما ويتفقا على الافتراق، وقد يعودان.

بهذه الطريقة، تسيل القوائم دون إقفال حاسم حتى الآن. يقول هشام داود، الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، إن «المجتمع السياسي الشيعي في العراق عرف أول انقسام كبير له عام 2009. حينما عبّر المالكي عن رغبته في خوض الانتخابات بمفرده لفرض قيادته على الحلفاء، ثم عاد التحالف الشيعي تحت ضغوط إيرانية وتزايد الخطر الذي مثله وقتها تحالف «العراقية» بقيادة إياد علاوي.

من الطبيعي أن يتعرض «الإطار التنسيقي»، اليوم، إلى عملية تفكك أخرى، يراها هشام داود متزامنة مع ضغوط إقليمية ودولية، وتغييرات أكثر عمقاً في المنطقة، منها حرب غزة، وتلقي «حزب الله»، في لبنان، ضربة موجعة، والانهيار المدوي لنظام الأسد في سوريا، وتعرض الحوثيين للمزيد من الهجمات في اليمن.

ويتساءل الباحث العراقي عما يعنيه ذلك إيرانياً من إعادة طرح العديد من الأسئلة ذات الطبيعة الاستراتيجية: كيف يمكن الاحتفاظ بمكاسبها الاستراتيجية في العراق؟

«ربما لا تريد هذه المرة»، يقول القيادي في «الدعوة» المقرب من المالكي، إن «إيران تحاول إيصال رسائل بأنها لا تتدخل في الشأن العراقي، وأنها منهمكة في حماية النظام، وفي إدارة تحوّل جديد بالسياسة الخارجية». ويقول قيادي شيعي آخر: «إيران تترك حلفاءها يتنازعون قبل الانتخابات، لأنها متأكدة من عودتهم إليها؛ إذ إنها الوحيدة القادرة على (مسك النهايات)».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بجانب نوري المالكي خلال مناسبة دينية في بغداد (إعلام حكومي)

العراق بوصفه من «أضاحي إيران»

يعتقد القيادي في «الدعوة» أن إيران «في سبيل منع إسقاط نظامها السياسي مستعدة لتقديم الأضاحي بعد سوريا ولبنان واليمن، حتى لو كانت الأضحية الجديدة في العراق، وذلك لدفع ضرر كبير»، لكنه يشدد على أن «الإيرانيين لا يتغيرون، ولن يقتنعوا يوماً بالانكفاء عن المنطقة، وسيعودون يوماً».

يشكك كثيرون بهذا الغياب. ثمة مصالح في العراق يجب أن يبقى أحد «من إيران» لرعايتها. يقول أشخاص من «الإطار التنسيقي» تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، بشرط عدم الكشف عن أسمائهم، إن لإيران دوائر مختلفة تتعاطى مع الملف العراقي: «هناك (قوة القدس)، و(الحرس الثوري)، وجهاز (الاستخبارات)، إلى جانب مكتب المرشد علي خامنئي، وحتى شخصيات في عائلته، كلها دوائر معنية بالانتخابات العراقية»، وكل «طرف لديه تفضيلات ومصالح».

يقول الباحث هشام داود إن «العراق بالنسبة لإيران ليس سوريا ولا حتى لبنان؛ هو السوق التجارية الأوسع لإيران، والممر الجغرافي نحو البحر المتوسط».

بالفعل، ثمة لقاءات عقدها أعضاء في فريق قاآني مع سياسيين شيعة للتأكد من أن «كل شيء تحت السيطرة». يقول مفاوضون عن أحزاب شيعية تعمل على تشكيل التحالفات إن «الإيرانيين مَوجودون بالفعل، لكنهم يراقبون الانتخابات عن بُعد، ولديهم تفضيلات تتعلق بأمرين: تقليل عدد القوائم لتجنب التشظي، وإدراج الفصائل المسلحة الأساسية في التحالفات الكبيرة».

سألت «الشرق الأوسط» ممثلي فصائل ما إذا كانوا يشاركون في الانتخابات، كانت الإجابة أنهم لم يقرروا بعد، أو أنهم غير معنيين بها. يقول كاظم الفرطوسي، القيادي في «كتائب سيد الشهداء»، إنهم «لا يسلمون بالاشتراك في الانتخابات رغم قناعتهم بأنها أساس النظام السياسي في البلاد».

استعراض لعناصر من فصيل «النجباء» في بغداد (موقع الحركة)

«كَبُر الأولاد»

لا يتراجع حجم التأثير الإيراني بسبب تراجع محور المقاومة فقط، بل لأن «الأولاد كَبُروا»، كما يصف الباحث هشام داود الميليشيات والفصائل؛ إذ «باتت لهم قواعد زبائنية ومصالح محلية ضاغطة داخل العراق، لا يمكن ضمانها فقط بالتبعية المطلقة لإيران».

يقول داود، المتخصص في الأنثروبولوجيا السياسية: «حتى الأمس القريب، كانت الفصائل والأحزاب الموالية لإيران أكثر استجابة لضغوط طهران. كان هناك تناغم بين المصلحة الإيرانية وواقع الفصائل العراقية، التي لم تمتلك وقتها قاعدة اجتماعية، ولا مصادر مالية، ولا خبرة عسكرية كافية».

تشكل هذه الفصائل اليوم الجزء الأساسي من حكومة السوداني: «بدلاً من أن تكون خارجها أو موازية لها»، بحسب الباحث داود الذي يرجح أن «تضع التغييرات ذات الطبيعة البنيوية العميقة الفصائل العسكرية العراقية أمام خيارات حادّة: إما الاحتفاظ بمكاسبها الاستراتيجية مقابل تسريح مجاميعها المسلحة ودمجهم كموظفين وعاملين في آليات الدولة، أو تعرضهم لتهديدات إقليمية ودولية، خصوصاً بعد الزلازل في سوريا».

لهذه الفرضية انعكاس واقعي داخل «الإطار التنسيقي»، حين تظهر أحزاب شيعية في حلبة مفتوحة بقواعد اشتباك أقل تحفظاً، وفقاً لسياسيين شيعة أكدوا أن «النزالات تخضع لرقابة إيرانية عن بُعد».

محمد شياع السوداني يتوسط نوري المالكي ومسعود بارزاني في بغداد (إعلام حكومي)

نزال المالكي – السوداني

لم يحتمل «الإطار التنسيقي» إخفاء النار التي تغلي تحت مكاتبه. وفي مطلع يناير (كانون الثاني) 2025، منح زعيم «تيار الحكمة»، عمار الحكيم، سياقاً للصراع الشيعي - الشيعي.

قال الحكيم إن قادة أحزاب شيعية يرون أن السوداني، الذي كان يملك مقعده اليتيم، صار رئيساً للحكومة بفضل اختيار «الإطار التنسيقي»، وأن هذا الأخير هو الذي «أخذه إلى هذه الإنجازات».

بحسب الحكيم، الذي يروّج تياره لفكرة «الاعتدال الشيعي»، فإن قادة «الإطار» الناقمين على السوداني يرفضون نزوله من السفينة لقطع تذكرة في رحلة منفردة. يتساءل هؤلاء: «لماذا نأتي بشخص حتى يكبر علينا؟».

من الواضح أنها «عقدة رئيس الحكومة» المتأصلة في المجتمع السياسي الشيعي، كما يصفها مستشار سياسي كان يعمل في حكومات ما قبل 2019. ونوري المالكي أحد المتأثرين بها، الذي يريد الآن «وصاعداً» منع رئيس الحكومة من استثمار هذا المنصب، ربما لأنه أدرك تأثيره وسحره الذي يؤثر في كل مرة على نتائج الانتخابات.

يقول المستشار (الذي طلب عدم الكشف عن اسمه بسبب حساسية سياسية) إن السوداني يستنسخ المالكي الأول (حكومة 2006 - 2010)، إذ كان الأخير يستثمر في دولة مركزية وقطاع عام يقدم ولاءات حصرية للمنصب.

إلا أن السوداني عمّق قلق الإطاريين. يقول القيادي في حزب «الدعوة الإسلامية»، إن المالكي مثلاً «لا يشعر بالارتياح منذ فترة لطريقة تعامل السوداني مع مجلس الوزراء، الذي يحتاج إلى إشراكه في آليات إصدار القرار، حتى وصلنا اليوم إلى أن نعيش مع رئيس حكومة «مطلق اليدين».

يعتقد القيادي المنتمي إلى حزب المالكي أن السوداني تجاوز الخطوط التقليدية المتفق عليها داخل «الإطار التنسيقي» في إدارة الحكومة. لقد «سافر إلى قطر والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع، دون أن ينسق مع التحالف الحاكم، متحولاً إلى نقطة التقاء إقليمية».

يرجح القيادي في «الدعوة»، بلهجة «أعرف ما سيحدث»، أن تنفجر بوجه السوداني ألغام «سيحتاج إلى كثير من القوة لعبورها بسلام قبل الانتخابات».

الحياة السياسية العراقية معتادة على الألغام. ثمة خبرات متراكمة في زرعها أو إزالتها قبل التفجير، لكن السوداني يجرب الأمر للمرة الأولى، وفي رأسه خطط متضادة ومزدحمة، كما يصف سياسي مطلع.

يقول السياسي لـ«الشرق الأوسط»، إن إيران المتراجعة تلعب أدواراً دقيقة للغاية في التأثير على التحالفات؛ إذ تفرض على السوداني قوى مسلحة لضمان حمايتها، إذ إن طهران تتعامل مع رئيس الحكومة بوصفه رقماً صعباً فلماذا تخسره؟

رفض أعضاء في «تيار الفراتين» الذي يتزعمه السوداني التعليق على خططه الانتخابية، إلا أن مصادر مطلعة على مفاوضات تشكيل التحالفات قالت إن رئيس الحكومة اصطدم مع رئيس منظمة بدر، هادي العامري، حول زعامة التحالف المفترض بينهما.

وفق المصادر، فإن السوداني اشترط زعامة التحالف على حساب العامري المخضرم، وأن يقر بدعم ولاية حكومية ثانية.

شيء تعجيزي ينبض في هذه الشروط. يعتقد سياسيون ضالعون في المفاوضات الانتخابية أن السوداني يريد التخلص من الجيل الأول من قادة «الإطار التنسيقي»، لا سيما الذين تفوح من مكاتبهم رائحة «طوفان الأقصى»، لكن المصادر تقول إن رئيس الحكومة يدرك الألغام فيجذب إليه حلفاء يقدمون الحماية.

عادل عبد المهدي خلال جنازة سليماني في بغداد - 4 يناير 2020 (أرشيفية - رويترز)

«ليس مهماً لون القطة»

تعلمت إيران درساً من ولاية عادل عبد المهدي (2018 - 2019)، التي يراها تيار احتجاجي ومدني عراقي «مأساوية». يومها كانت طهران في ذروة شعورها بالغرور وتريد السيطرة على غرب آسيا بعد تصفير المصالح الأميركية، كما يقول المستشار العراقي السابق.

في الفترة التي تولى فيها عبد المهدي، القيادي المخضرم المتحدر من «المجلس الإسلامي الأعلى» الذي تشكل في إيران عام 1982، كانت طهران تجني ثمار إعادة تموضع الفصائل الموالية لنظام «ولاية الفقيه». لقد تمددت الكيانات الموازية على الكيانات الأصيلة، لولا احتقان الشارع، في حراك أكتوبر (تشرين الأول) 2019، الذي أحدث اختلالاً نسبياً في علاقات النظام السياسي العراقي، رغم مقتل أكثر من 600 شاب عراقي.

لاحقاً، بدا أن إيران أدركت خطأها في التفرُّد التام بمسرح العراق، وأن عليها العودة إلى الصيغة القديمة. يقول الباحث العراقي هشام داود، إن «طهران أفلحت، منذ 20 عاماً، بإقناع أو إجبار واشنطن بأنه من الأفضل للطرفين أن يديرا معاً الشأن العراقي، وأن هذه الثنائية لإدارة الشأن العراقي هي التي تكون مسؤولة عادة عن إدخال بعض التغييرات والتموضعات في الحياة السياسية العراقية».

يصف المستشار السابق الأمر بالنسبة للإيرانيين مع الوضع الحساس مع النفوذ الأميركي بأنهم «لا يكترثون بلون القطة، المهم أنها تعرف كيف تمسك بالفأر»، ويضرب الحرب على «داعش» مثالاً على ذلك. ويتذكر المستشار حدثاً مماثلاً حين أفتت إيران لفصائل عراقية قبل عام 2003 بأن «أميركا شيطان أكبر، وستبقى كذلك، لكن لا بأس من التعاون مع هذا الشيطان لإسقاط نظام صدام حسين». قطعت هذه الفتوى تذاكر سفر لمعارضين شيعة نحو واشنطن تحضيراً لحرب الخليج الثانية.

في الضفة الاخرى، يتشجع كثيرون من السياسيين المحسوبين على الشيعة العلمانيين للقول إنها «لحظة يفرضها ترمب». أحد هؤلاء يقول لـ«الشرق الاوسط» إنه زار واشنطن مرتين قبل تنصيب الرئيس الأميركي وبعده في يناير (كانون الثاني) 2025، إن «الانتخابات المقبلة يجب أن تتأثر بتحولات المنطقة، وإلا فسيخرج العراق من مسرح الشرق الأوسط الجديد».

المرشد الإيراني علي خامنئي قال إن ما يجري «أمر مؤقت بتقدير إلهي» (موقع المرشد)

إيران: «الخطة ب»

ثمة تفسيران لدور إيران في العراق هذه الأيام، يفيد الأول بأنها «لا تظهر أمام أعين الإدارة الأميركية في بغداد لإقناعها بأن الساحة لها، وأنها تركز على المفاوضات»، بينما يقول الثاني إن «إيران منهكة ولديها داخلياً ما يكفيها، لكنها ستعود».

لكن فريق قاآني «يضبط حسابات (الخطة ب) في بغداد»، كما يقول سياسيون شيعة. وتفيد إشارات محدودة تسربت من اجتماعات نخبة شيعية في بغداد بأن طهران تريد الآن 3 أمور أساسية قبل الذهاب إلى الانتخابات: «أن تمنع في لحظة ارتخاء الحبل بروز تيار شيعي قد يتحول مستقبلاً إلى خصم، وهذا محكوم بتاريخ طويل من الحساسيات، وأن تحمي المساحة المصممة والمحددة للتنافس الانتخابي بين القوى الشيعية في العراق، وأن تحافظ على حيوية السوداني والمالكي معاً حتى لو تصارعا؛ إذ سيكون الأول خياراً استراتيجياً في حال نجحت المفاوضات مع الأميركيين، والثاني سيكون مهماً في حال فشلت».

يقول القيادي في حزب الدعوة إن «إيران تحول دون انتقال التنافس الشيعي - الشيعي إلى الاقتتال، لكنها في (الخطة ب) ستنحاز حتماً إلى أحد القطبين لو عاد التيار الصدري إلى الانتخابات».

يقول مطلعون على خطط التيار الصدري إن التيار يتعمّد تأجيل إعلان قراره بشأن العودة إلى الانتخابات حتى اللحظات الأخيرة، بهدف تقليل فرص خصومه السياسيين في التحشّد ضده أو الاستعداد لمواجهته.

«ملتقى روّاد الانتخابات»

تتحوّل الانتخابات في العراق إلى ما يشبه «ملتقى روّاد الأعمال»، إذ يشارك الجميع «لزيادة أسهم النفوذ، وبالنسبة لكثيرين جدد فإنها فرصة لدخول نادي الكبار»، وفقاً لتعبير مرشح شيعي شارك في أول دورتين انتخابيتين بعد عام 2003.

يقول المرشح، الذي تقاعد عن العمل السياسي وفضّل مراقبة الأحداث عن بُعد، إن الإيرانيين يواجهون «أولادهم الذين اشتدّ عودهم داخل المؤسسات الحكومية التي توفّر لهم عقوداً وموارد». يقول إن «بعضهم يستطيع اليوم التبرع لـ(الحرس الثوري)، وليس العكس».

هذه الدينامية المعقّدة تُقلق الباحث هشام داود؛ يقول إن «حصيلة 20 عاماً من حاكميّة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي جاءت أكثر من محبطة: اقتصاد ريعي وحيد المورد بالمطلق، غياب تام لرؤية اقتصادية، جهل بفنّ إدارة المجتمعات المركّبة، وعدم معرفة حتى بآليات السوق، بالإضافة إلى صعوبة التواصل مع المحيط الإقليمي والعالمي، والخلط حتى بين سياسة خارجية ودبلوماسية، وتحوّل الفساد إلى منظومة».

وفي الطريق إلى الانتخابات المقبلة، يرى داود أن مسارين متوازيين يتحرّكان معاً نحو موعد الاقتراع المقرّر في نوفمبر 2025: «الفشل في بناء نموذج دولة بإدارة عقلانية، وضغوط إقليمية ودولية لا تتوقّف».


مقالات ذات صلة

ترمب بين قرع طبول الحرب وإدارة التصعيد على الحافة مع إيران

تحليل إخباري طائرات مقاتلة على متن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب)

ترمب بين قرع طبول الحرب وإدارة التصعيد على الحافة مع إيران

كلّ الإشارات توحي بأن عملاً عسكرياً أميركياً قد يقع ضد إيران. لكن المفارقة أن الاقتراب من حافة المواجهة قد يكون، في ذاته، جزءاً من مفاوضات تجري على «نار حامية».

إيلي يوسف (واشنطن)
خاص تحالف الإطار التنسيقي في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)

خاص واشنطن تعرقل ترشيح المالكي... ورسالة حادة لإيران

تعرض مسار ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة في العراق إلى شلل قد يهدد باستبعاده من المنصب، بعدما وصلت رسائل أميركية غير معلنة تعترض على تشكيل الحكومة.

علي السراي (لندن)
تحليل إخباري إيرانية تعبر ساحة «انقلاب» وسط طهران بالقرب من لافتة ضخمة مناهضة للولايات المتحدة (إ.ب.أ)

تحليل إخباري طهران تبقي جميع الخيارات مطروحة... وتلوّح بـ«رصاص الغيب»

قالت طهران إن جميع الخيارات لا تزال مطروحة في مواجهة الانتشار العسكري الأميركي، مؤكدة أن «أولوية الحكومة هي الدبلوماسية مع الحفاظ على الجاهزية الكاملة».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
المشرق العربي عراقيون يحملون علم إيران وشعار «كتائب حزب الله» وصورة خامنئي خلال مظاهرة في بغداد (أ.ف.ب)

مزيد من الفصائل العراقية تنضم إلى حملة لدعم إيران

بعد إعلان «كتائب حزب الله» في العراق استعدادها لخوض حرب شاملة دعماً لإيران، سارعت فصائل شيعية أخرى إلى إعلان تأييدها البلدَ الجار.

شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب)

حصيلة قتلى احتجاجات إيران ترتفع وسط نفي رسمي

قالت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا)، الاثنين، إنها تحققت من مقتل 5848 شخصاً في موجة الاحتجاجات التي تتعرض لقمع شديد في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«تنسيق الضرورة» يمنع هروب قيادات «داعش» من السجون

عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
TT

«تنسيق الضرورة» يمنع هروب قيادات «داعش» من السجون

عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)
عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)

بلغت ذروة التحولات الميدانية في ملف معتقلي تنظيم «داعش»، بانتقال السيطرة الفعلية على أكبر مراكز الاحتجاز في الرقة والحسكة إلى الحكومة السورية، بالتوازي مع تسارع عمليات التحالف الدولي لنقل العناصر الأكثر خطورة خارج الأراضي السورية، إلى العراق تحديداً.

وتمكن الجيش السوري أخيراً من تأمين مرافق حيوية عدة لسجون وأماكن احتجاز في ريف الحسكة والرقة ودير الزور، في حين أفرجت الجهات القضائية عن 126 محتجزاً دون سن الثامنة عشرة من سجن «الأقطان» في الرقة احتُجزوا بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم «داعش».

ووصفت تقارير محلية الحالة النفسية لبعض الأطفال المُفرج عنهم بـ«المزرية»، وأن كثيراً منهم يعانون أوضاعاً صحية متردية جراء سوء التغذية نتيجة احتجازهم لفترات طويلة، في حين تواصل الجهات الأمنية السورية ملاحقة الفارين من سجن «الشدادي» منتصف الأسبوع الماضي. ووفق تصريحات رسمية، نجحت وزارة الداخلية السورية في إعادة اعتقال 81 منهم.

تجمع لأقارب المعتقلين الذين أُفرج عنهم من سجن الأقطان في الرقة (رويترز)

أطفال سجن الأقطان

واتهم العقيد خالد جاسم، المسؤول في وزارة الداخلية السورية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، «قسد» بـ«تعمّد» الإفراج عن عشرات من عناصر «داعش»، خاصة من سجن الشدادي، لكن وزارة الداخلية «تمكنت من إعادة القبض على معظمهم».

وشدد جاسم على أن قوات «قسد» «أظهرت تردداً في التفاهمات التي تمت بينها وبين الحكومة، وعندما قامت العشائر العربية بالسيطرة على مناطقها وطردها منها، بدأت (قسد) تطلق سراح عناصر (داعش) للضغط على الحكومة دولياً وإرباك مساعيها في محاربة التنظيم».

وأوضح جاسم أن قوات «قسد» «تعتقل عائلات وأطفالا لا ينتمون لـ(داعش)، وبين المعتقلين فارون من الخدمة الإلزامية التي تفرضها (قسد)، وآخرون اعتُقلوا بتهم مختلفة».

وأصدرت إدارة السجون التابعة للإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، الأحد 25 يناير (كانون الثاني)، بياناً علقت فيه على وجود عدد من الأحداث بسجن الأقطان في مدينة الرقة، ذكرت فيه أن «قسماً مخصصاً داخل سجن الأقطان كان يضم عدداً من الأحداث، بعضهم متورط في جرائم متنوعة رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من مواطنين، في حين كان آخرون ضحايا لعمليات تجنيد واستغلال نفذها تنظيم (داعش)».

وأوضح البيان أن «نقل هؤلاء الأحداث جرى قبل نحو ثلاثة أشهر، من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان؛ وذلك نتيجة الظروف الأمنية القائمة»، مشدداً على أن «عملية النقل جاءت في إطار إجراءات احترازية وتنظيمية»، حسب البيان.

قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» منه الثلاثاء (أ.ب)

سجن غويران

وتتمركز القوات الأمنية السورية على مسافات قريبة من مركز مدينة الحسكة؛ تحسباً لأي محاولة فرار أو فتح لسجن غويران وسط الحسكة الذي لا يزال يخضع لسيطرة قوات «قسد» بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي. ويضم السجن ما بين 3 و5 آلاف معتقل، من بينهم اخطر قيادات تنظيم «داعش».

وتشير تقارير إعلامية إلى أن ما لا يقل عن 9 آلاف عنصر معتقل من تنظيم «داعش» في عدد من السجون التي كانت تخضع لإدارة قوات «قسد»، في حين رفعت تقارير أخرى أعدادهم إلى نحو 12 ألف معتقل ومحتجز في عدد من السجون وفي مخيمي الهول وروج. وتضم السجون نسبة كبيرة من العراقيين والأجانب.

وفي آخر تطورات السيطرة على السجون، فإن سجن الأقطان في الرقة يخضع لسيطرة الجيش السوري في حين تسلمت وزارة الداخلية السورية إدارة سجن الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي. ويخضع مخيم الهول الذي تحتجز فيه عوائل تنظيم «داعش» من عشرات الجنسيات لإدارة وزارة الداخلية السورية بعد انسحاب قوات «قسد» من المخيم.

الفرنسية إميلي كونيغ وهي من العناصر السابقين بتنظيم «داعش» في مخيم الروج الذي يؤوي أفراداً من عائلات أعضاء مفترضين في التنظيم الإرهابي بشمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

صلاحيات عراقية وجنسيات أوروبية

وفي تطور لافت، وبحلول 24 يناير 2026، دخلت عمليات نقل المعتقلين مرحلة جديدة مع إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن بدء «جسر جوي» لنقل نحو 500 عنصر من «داعش» يومياً من سوريا إلى مراكز احتجاز آمنة في العراق لما يصل إلى سبعة آلاف معتقل مقرر نقلهم إلى العراق.

وأكدت مصادر أمنية أن الدفعة الأولى التي تسلمها العراق تضم 150 معتقلاً، شملت قيادات من «الصف الأول» و«أمراء» تورطوا في عمليات دموية كبرى منذ 2014، من بينهم 65 أجنبياً من جنسيات أوروبية وعربية ومن دول القوقاز.

ووفق مراقبين، تهدف العملية التي تجري بالتنسيق الثلاثي بين الولايات المتحدة وسوريا والعراق إلى إفراغ السجون السورية التي كانت تخضع لسيطرة «قسد» من العناصر الأكثر خطورة لمنع استغلال التنظيم لحالة الحرب التي تشهدها مناطق شمال وشمال شرقي سوريا.

وتصف الحكومة العراقية هذه الخطوة بأنها «إجراء استباقي للدفاع عن الأمن القومي»؛ إذ إن سرعة تطور الأحداث في سوريا وتغيّر موازين القوى فرضت اتخاذ قرارات لضمان بقاء المعتقلين في «مرافق احتجاز آمنة» ومنع أي محاولات هروب قد تؤدي إلى تسللهم عبر الحدود المشتركة.

وأكد مجلس القضاء الأعلى العراقي أن جميع المعتقلين المنقولين، بغض النظر عن جنسياتهم (سواء كانوا عراقيين أو من 56 جنسية أخرى)، سيخضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وسيتم تطبيق الإجراءات القانونية الأصولية بحقهم، مع التركيز على توثيق الجرائم «العابرة للحدود» لضمان حقوق الضحايا وتكريس سيادة القانون. في حين تشير تقارير أخرى إلى أن العراق سيتواصل مع الدول المعنية لتسلم رعاياها.

ولا يزال ملف المقاتلين الأجانب وعائلاتهم في مخيمي الهول وروج يشكل هاجساً أمنياً لدى الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى. يضم مخيم الهول أكثر من 43 ألف شخص معظمهم من العراقيين والسوريين والأجانب من النساء والأطفال الذين ترفض دولهم استعادتهم. ويجري التنسيق لإعادة نحو 18 ألف محتجز من العراقيين إلى بلدهم على دفعات.

وتشير إحصاءات منشورة إلى وجود مئات المعتقلين من دول أوروبية مثل فرنسا 450 معتقلاً، وألمانيا 77 معتقلاً، وبلجيكا 55 معتقلاً، وبريطانيا 27 معتقلاً وهولندا 90 معتقلاً. وتتبنى حكومة دمشق موقفاً يؤكد على ضرورة محاسبة هؤلاء على الجرائم المرتكبة فوق الأراضي السورية، مع استعدادها لتطبيق مسارات متكاملة تشمل الجوانب القانونية والإنسانية والأمنية.

تجمع مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

«نحن أدرى بـ«داعش»

وكان اتفاق 10 آذار/مارس، يقضي بدمج عناصر «قسد» كافة ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين؛ ما يعني عملياً انتقال مسؤولية حراسة السجون والمخيمات إلى الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي. وبينما أكد جاسم أن «قسد» كانت «تتهرب من تسليم سجون (داعش) للدولة السورية» لتثبيت نفسها شريكاً أساسياً للتحالف الدولي في محاربة الإرهاب.

وذكر جاسم، أن من مهام الحكومة السورية حفظ الأمن وإدارة السجون وإطلاق سراح من يثبت عدم انتمائه إلى «قسد». وقال: «نحن أدرى من (قسد) وأكثر خبرة في ملف (داعش)، فقد حاربناه وقضينا على خلاياه قبل التحرير في إدلب وريف حلب الشمالي ومنطقة رأس العين وتل أبيض، كما فككنا عشرات الخلايا لـ(داعش) بعد التحرير. نحن من يلاحق (داعش)، والتحالف الدولي يعرف جهودنا في محاربة التنظيم ويدعمها، ولن نسمح لـ(قسد) باستخدام ملف (داعش) لزعزعة الأمن داخل سوريا».

قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)

«تنسيق الضرورة»

من جهته، رأى الباحث في الجماعات المسلحة رائد الحامد، أن عملية نقل المقاتلين الأكثر خطورة من السجون السورية إلى العراق تعكس في حقيقتها «تنسيق الضرورة»، حيث تسعى واشنطن لحماية العناصر القيادية ومنع هروبهم في أي فوضى محتملة جراء المعارك التي تشهدها المنطقة. وأكد أنه «مع تولي الدولة السورية ملف سجناء التنظيم، باتت الكرة الآن في ملعب العواصم العربية أو الأجنبية لاستعادة رعاياها»، لكن هذه الدول «قد لا تريد استعادتهم لتجنب الكلف الأمنية الناجمة عن احتمالات تشكيلهم نواة للتنظيم في المجتمعات المحلية في بلدانهم الأصلية، إلى جانب ما يتعلق بقدرة هذه الحكومات على توفير ما يكفي من الأدلة الثبوتية والجرمية التي تتيح لأجهزتها القضائية إدانة هؤلاء، وهو أمر بالغ التعقيد»، على ما يقول الحامد.

ولفت إلى أن نقل المعتقلين إلى خارج سوريا «لا يلغي المخاطر من نموّ حالات تطرف جديد في ظل ظروف احتجاز قد تكون أكثر صعوبة. بالتالي، فإن نجاح هذه المرحلة يتطلب تنسيقاً دولياً عالياً ودعماً لجهود الحكومتين السورية والعراقية في التعامل مع ملف السجناء الأكثر خطورة في العالم».


«آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي

متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
TT

«آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي

متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعد الهجرة ملفاً إدارياً خلافياً يطفو على السطح في مواسم الانتخابات ثم يتراجع؛ بل تحولت إلى محور صدام مفتوح يعكس انقساماً عميقاً داخل الدولة الأميركية نفسها. وفي قلب هذا الصدام تقف وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس)، لا بوصفها جهازاً تنفيذياً فحسب؛ بل باعتبارها رمزاً لنهج سياسي وأمني متشدد، وعنواناً لصراع أوسع حول معنى الأمن، وحدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

وخلال الأشهر الماضية، بات اسم «آيس» حاضراً في نشرات الأخبار، وساحات القضاء، وميادين الاحتجاج، مع توسع عملياتها داخل المدن الكبرى، وازدياد الاحتكاك المباشر بين عناصرها والسكان. الوكالة التي أُنشئت في الأصل في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، تواجه اليوم اتهامات بأنها تجاوزت دورها التنفيذي، لتتحول إلى قوة أمنية داخلية ذات طابع شبه عسكري، تعمل في قلب الأحياء السكنية، وتختبر عملياً حدود الدستور الأميركي. بينما يؤكد أنصارها أنها تمارس صلاحيات قانونية ضرورية لحماية الأمن القومي وتطبيق قوانين الهجرة.

قوات «أيس» تعتقل متظاهراً في مينيابولس - 15 يناير 2026 (أ.ب)

 

نقطة اشتباك

لم تعد «آيس» وكالة تقنية لإدارة الهجرة؛ بل ظاهرة سياسية وأمنية واجتماعية، تحوّلت بفعل السياق السياسي إلى نقطة اشتباك بين الحكومة الفيدرالية والسلطات المحلية، وبين الدولة والمجتمع. فكيف نشأت هذه الوكالة وتطورت صلاحياتها؟ وما بنيتها البشرية وأساليب عملها؟ وما الاتهامات الموجهة إليها، والجدل الدستوري المتصاعد حولها، خصوصاً بعد ما جرى في ولاية مينيسوتا، عبر استهداف الجالية الصومالية، ما حولها خلال فترة وجيزة من ولاية هادئة نسبياً إلى نموذج مصغر للأزمة الوطنية؟

 

من رحم «11 سبتمبر» إلى وزارة الأمن الداخلي

تأسست «أيس» عام 2003، في سياق إعادة هيكلة شاملة للأجهزة الأمنية الأميركية عقب هجمات 11 سبتمبر، حين سادت داخل واشنطن قناعة بأن تفكك الصلاحيات بين أجهزة الهجرة والجمارك يخلق ثغرات أمنية خطيرة. قبل ذلك، كانت مهام الهجرة موزعة بين دائرة الهجرة والتجنيس والجمارك الأميركية، في نموذج عُدّ بيروقراطياً وغير قادر على التعامل مع التهديدات الجديدة، فجاء قرار دمج هذه الصلاحيات في وكالة واحدة، أُلحقت بوزارة الأمن الداخلي المستحدثة، لتعكس عقلية ما بعد الهجمات، حيث باتت الهجرة تُقرأ من زاوية الأمن القومي بقدر ما تُقرأ من زاوية القانون.

ومنذ لحظة تأسيسها، حملت «آيس» في بنيتها الداخلية توتراً بنيوياً: هل هي جهاز مدني لإدارة ملف قانوني وإنساني معقّد؟ أم أداة أمنية هدفها حماية الدولة من أخطار محتملة؟ هذا السؤال لم يكن نظرياً فقط، بل انعكس في ثقافة الوكالة، وفي طريقة تدريب عناصرها، وفي أسلوب عملها الميداني، خصوصاً مع توسع صلاحياتها التدريجي.

عناصر من «أيس» يحرسون مدخل فندق قبيل مظاهرة مناهضة لهم في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ب)

«أيس» والصورة الذهنية

في الواقع تعمل «آيس» عبر ذراعين رئيسيتين مختلفتين جذرياً في طبيعة المهام. الذراع الأولى هي إدارة الإنفاذ والترحيل، المسؤولة عن توقيف المهاجرين غير النظاميين، واحتجازهم، وتنفيذ قرارات الترحيل. وهي الذراع الأكثر احتكاكاً بالجمهور، والأكثر إثارة للجدل، لأنها تعمل داخل الأحياء السكنية وأماكن العمل وحول المحاكم والمدارس.

أما الذراع الثانية فهي إدارة التحقيقات في الأمن الداخلي؛ وهي جهاز تحقيقي يتعامل مع ملفات تهريب البشر والمخدرات، والجرائم المالية، والإرهاب، والجرائم السيبرانية، وغالباً ما تحظى بتقدير حتى من منتقدي الوكالة.

غير أن الرأي العام لا يميز كثيراً بين هاتين الوظيفتين؛ فالصورة الذهنية لـ«آيس» تشكلت أساساً من مشاهد المداهمات، والاعتقالات المفاجئة، والعناصر المسلحة بملابس تكتيكية، وهي صور ارتبطت حصراً تقريباً بإدارة الإنفاذ والترحيل. ويقول مسؤول أمني أميركي سابق عمل في وزارة الأمن الداخلي، إن المشكلة ليست في طبيعة التحقيقات التي تقوم بها الوكالة؛ بل في الطريقة التي تُنفذ بها عمليات الترحيل داخل بيئات مدنية حساسة، حيث يكون أي خطأ أو سوء تقدير قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية.

منذ تأسيسها، عملت «آيس» تحت إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، لكن حجم دورها وطبيعة تفويضها تغيّرا بشكل واضح تبعاً للتوجه السياسي في البيت الأبيض. في عهد الرئيس باراك أوباما، حاولت الإدارة نظرياً فرض أولويات لإنفاذ قوانين الهجرة، تركز على ترحيل من يشكلون خطراً أمنياً أو جنائياً. غير أن هذه السياسة لم تمنع تسجيل أرقام ترحيل مرتفعة، ما دفع ناشطين إلى اتهام أوباما بأنه «رحّل أكثر من أي رئيس آخر»، رغم خطابه الأكثر تصالحية.

كتابات تدعو إلى خروج هيئة «أيس» من مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)

توسيع الصلاحيات

التحول الجذري جاء مع إدارة ترمب الأولى، حين أُلغي معظم القيود، وتوسعت صلاحيات «آيس» عملياً لتشمل جميع المهاجرين غير النظاميين، بغض النظر عن سجلاتهم أو ظروفهم. ومع عودة ترمب إلى الحكم في ولايته الثانية، مدعوماً بخطاب سياسي يربط الهجرة بالجريمة، ويمنح الوكالة غطاءً سياسياً واسعاً، عاد هذا النهج بقوة أكبر، خصوصاً مع توسيع نشاطها داخل الولايات غير الحدودية؛ مثل مينيسوتا، وإلينوي، ونيويورك، وتعزيز تعاونها مع الشرطة المحلية، ما جعلها حاضرة في مدن لم تكن معتادة على هذا النوع من العمليات الفيدرالية المكثفة. وهو ما فُسّر من قبل منتقدي الوكالة بوصفه تصعيداً في توظيف القوة التنفيذية، وعجزاً في التفريق بين إنفاذ القانون وتنفيذ سياسات الهجرة بطرق متشددة. وفي أحد خطاباته، قال ترمب إن الدولة لا يمكن أن تكون دولة بلا حدود، ولا يمكن للقانون أن يكون قانوناً إذا لم يُنفذ، وهي عبارات تحولت إلى مرجعية سياسية لعمل «آيس».

كما هدّد ترمب باستعمال قانون التمرد الذي لم يتم استخدامه منذ عام 1992، حين استعمله الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في لوس أنجليس، بعد مقتل الأميركي من أصول أفريقية رودني كينغ، على أيدي عناصر من الشرطة. ويعطي هذا القانون الحكومة الفيدرالية صلاحيات تتخطى السلطات المحلية، ويُمكّن الرئيس من نشر قوات مسلحة في الولاية، كما ينقل سلطة التحكم بالحرس الوطني فيها من الحاكم إلى البيت الأبيض.

عناصر «أيس» في مينيابوليس - 21 يناير 2026 (أ.ب)

الموارد البشرية ومشكلة «المتعاقدين»

يبلغ عدد موظفي الوكالة نحو 20 ألف موظف، موزعين بين ضباط تنفيذ، ومحققين فيدراليين، ومحللي استخبارات، وموظفي احتجاز، وكوادر إدارية. ويأتي هؤلاء من خلفيات متنوعة تشمل الشرطة المحلية والولائية، والجيش الأميركي، خصوصاً قدامى المحاربين، ووكالات فيدرالية أخرى، إضافة إلى خريجي جامعات في تخصصات القانون والأمن. ويتلقى المنتسبون تدريباً فيدرالياً متخصصاً يركز على قوانين الهجرة، والإجراءات الجنائية، واستخدام القوة، والسلامة الميدانية، لكنه يبقى أقصر وأقل شمولاً من التدريب العسكري، ما فتح الباب أمام انتقادات تتعلق بجاهزية بعض العناصر للعمل داخل مجتمعات مدنية متوترة.

أحد أكثر الملفات حساسية في عمل «آيس» يتمثل في اعتمادها الواسع على متعاقدين من القطاع الخاص، لا سيما في تشغيل مراكز الاحتجاز ونقل المحتجزين. هؤلاء المتعاقدون لا يتمتعون بالصفة نفسها للموظف الفيدرالي، ولا يخضعون دائماً للمعايير الصارمة ذاتها في التوظيف والمساءلة. ووثقت تقارير حقوقية وإعلامية خلال السنوات الماضية، حالات سوء معاملة وإهمال طبي واستخدام مفرط للقوة داخل مراكز احتجاز تديرها شركات خاصة. ويرى منتقدون أن خصخصة جزء من منظومة الاحتجاز خلقت حوافز مالية غير مباشرة لتوسيع عمليات التوقيف، حيث تُحتسب قيمة بعض العقود على أساس عدد المحتجزين.

ولا يوجد داخل «آيس» برنامج رسمي يمنح المهاجرين غير النظاميين الإقامة أو الجنسية مقابل العمل مع الوكالة، كما هي الحال في الجيش الأميركي. لكن عملياً، تعتمد الوكالة على مخبرين وشهود متعاونين في قضايا تهريب البشر أو الجريمة المنظمة، وقد يحصل بعض هؤلاء على تسهيلات قانونية مثل تأشيرات خاصة لضحايا الجرائم أو الاتجار بالبشر. ويرى محامون أن هذه المساحة الرمادية تثير أسئلة أخلاقية جدية، خصوصاً عندما يكون الشخص مهدداً بالترحيل، ويُطلب منه التعاون تحت ضغط الخوف.

مينيسوتا: مواجهات مفتوحة

بلغ الجدل حول «آيس» ذروته في ولاية مينيسوتا، التي شهدت منذ أواخر عام 2025، انتشاراً واسعاً لعناصر الوكالة ضمن ما عُرف بـ«عملية زيادة سعة المترو»، التي وُصفت بأنها أكبر عملية إنفاذ للهجرة في تاريخ الولاية، وتركزت في مدينتي مينيابوليس وسانت بول، حيث تعيش جالية صومالية كبيرة. السلطات الفيدرالية أعلنت أن العملية استهدفت «مجرمين خطرين» و«مخالفين للقانون»، وأنها أسفرت عن آلاف الاعتقالات، مؤكدة أنها تعيد فرض سيادة القانون بعد سنوات من تراخي الإدارات المحلية. كما أعلنت أنها ستستأنف التقييدات القضائية المفروضة على تعاملها مع المتظاهرين، معتبرة أن مثل هذه القواعد قد تعيق تنفيذ مهامها الأمنية.

لكن ما جرى على الأرض رسم صورة مختلفة في نظر كثيرين؛ ففي يناير (كانون الثاني) 2026، قُتلت رينيه نيكول غود، وهي مواطنة أميركية تبلغ 37 عاماً، خلال عملية نفذها عناصر من «آيس» في مينيابوليس. وتضاربت الروايات حول ملابسات الحادثة، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة: الضحية ليست مهاجرة غير نظامية؛ بل مواطنة أميركية، وهو ما أدى إلى تفجر موجة غضب واسعة، تحولت إلى شرارة أشعلت احتجاجات غير مسبوقة في الولاية.

وفي أحد التطورات الملحوظة، أعلنت الشرطة المحلية أن احتجاجين توقفا بعد أن قام متظاهرون بإعاقة قداس في كنيسة بولاية مينيسوتا احتجاجاً على أن أحد القساوسة يعمل مع «أيس»، ما أثار تحقيق وزارة العدل حول ما إذا كانت تلك الاعتراضات قد انتهكت قوانين خاصة بالأماكن الدينية، أم لا.

المجتمع ساحة اشتباك

عمدة مينيابوليس جاكوب فري، الذي وصف الحملة بأنها «تهدد قدرة شرطة الولاية على حماية السكان»، وجعلت من المجتمع «ساحة اشتباك» بين قوات فيدرالية وسكان مدنيين، قال حينها إن ما حدث ليس الطريقة التي ينبغي أن تُنفذ بها القوانين في مدينته، داعياً إلى تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين. وسرعان ما اتسعت رقعة الاحتجاجات، لتشمل مسيرات واعتصامات ودعوات إلى عصيان مدني اقتصادي، فيما رفعت سلطات محلية دعاوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي، متهمة «آيس» بتجاوز صلاحياتها وانتهاك الحقوق الدستورية، لا سيما حرية التجمع والحماية من الاعتقال غير المبرر.

بيد أن الأحداث لم تتوقف عند وفاة غود؛ فقد تسببت التحركات الميدانية لـ«آيس» في سلسلة من المواجهات. في 14 يناير الحالي، أُبلغ عن إطلاق نار على رجل من أصل فنزويلي في ساقه بواسطة عنصر من «آيس» أثناء محاولة توقيفه، ما أثار احتجاجات جديدة في شمال مينيابوليس. كما تم تداول فيديوهات على وسائل التواصل أظهرت رجلاً أميركياً في ملابسه الداخلية في طقس شتوي قارس بعد اقتحام منزله دون أمر قضائي واضح، وهو ما أثار غضباً واسعاً حول أساليب التنفيذ نفسها. كما أفادت تقارير محامين بأن بعض الأشخاص المعتقلين حرموا من الاتصال بمحامين، أو الحصول على حقوقهم القانونية الأساسية.

وبلغت «الكوميديا السوداء» حد نشر فيديوهات وصور على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر عرض جواز السفر مع العلم الأميركي وبطاقة الضمان الاجتماعي وقبعة «ماغا» الحمراء (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) على لوحة القيادة الأمامية للسيارة، لتجنب الاعتقال العشوائي.

صورة للأميركية رينيه غود التي قتلت برصاص عنصر «أيس» في 15 يناير 2026 (رويترز)

مأزق «المدينة الملاذ»

دخل القضاء الفيدرالي على الخط، وأصدر قاضٍ أمراً يقيد تعامل عناصر الهجرة مع المتظاهرين السلميين، معتبراً أن بعض الممارسات تختبر حدود التعديلين الأول والرابع في الدستور الأميركي. الإدارة الفيدرالية ردت بالقول إن هذه القيود تعيق إنفاذ القانون، وأعلنت نيتها استئناف القرار، في مواجهة قانونية عكست حجم التوتر بين السلطتين التنفيذية والقضائية.

يطرح هذا التصعيد سؤالاً جوهرياً حول حدود السلطة الفيدرالية داخل الولايات؛ ففيما يُعرف بـ«المدن الملاذ»، ترفض الشرطة المحلية التعاون مع «آيس» لمنع تحويل ضباطها إلى أدوات لتنفيذ قوانين الهجرة، ما يثير غضب الإدارة الفيدرالية التي ترى في ذلك تمرداً على القانون. وفي دلالة على تصاعد التوتر بين سلطات الولايات والإدارة الفيدرالية، أصدرت الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، حاكمة ولاية فيرجينيا الجديدة، أمراً تنفيذياً قضى بعدم تعاون قوات إنفاذ القانون في الولاية مع وكالة «آيس»، وذلك في اليوم الأول لتسلمها منصبها في الـ17 من الشهر الحالي.

ومن الناحية القانونية، لا تُعد «آيس» ميليشيا، فهي وكالة فيدرالية تعمل بموجب قوانين أقرها الكونغرس الذي يمتلك صلاحية إعادة هيكلتها، أو حتى حلها ودمج مهامها في أجهزة أخرى. وقد طُرحت بالفعل أفكار لفصل ذراع التحقيقات الجنائية عن مهام الترحيل، وإخضاع عمليات التوقيف لرقابة قضائية أشد. لكن عملياً، تبدو هذه السيناريوهات بعيدة المنال في ظل الإدارة الحالية التي جعلت من «القبضة الحديدية» في ملف الهجرة ركيزة أساسية لسياساتها، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الأمني، وتحول الهجرة إلى ملف انتخابي حاسم. ويرى منتقدوها أن اتساع صلاحياتها، محدودية الشفافية، والطابع شبه العسكري لبعض عملياتها، جعلها أقرب إلى قوة أمنية داخلية ذات استقلالية مفرطة؛ فعناصر الوكالة غالباً ما يرتدون ملابس تكتيكية، ويستخدمون سيارات غير مميزة، وينفذون عمليات سريعة ومفاجئة ومداهمات «فجرية» داخل أحياء سكنية، وهي سمات زادت من التوتر وسوء التقدير، وأحياناً من احتمالات العنف.

ويرى باحثون أن المشكلة لا تكمن في وجود «آيس» بحد ذاته؛ بل في «تسييس» عملها وربطه بخطاب أمني متشدد، يحوّل إنفاذ القانون إلى أداة صدامية بدل أن يكون ممارسة مؤسسية خاضعة للرقابة.

أميركيون تجمعوا حداداً في الموقع الذي قتل الممرض أليكس بريتي برصاص «أيس» في مينيابوليس - مينيسوتا (أ.ف.ب)

هل يمكن إصلاح الوكالة؟

تتراوح السيناريوهات المطروحة بين توسيع دور الوكالة وترسيخه، أو إخضاعها لإصلاحات هيكلية تقلص صلاحياتها، أو حتى الدعوة إلى تفكيكها أو دمجها مع أجهزة أخرى. لكن المؤكد أن «آيس» ستظل، في المستقبل المنظور، في قلب النقاش الأميركي حول الهجرة، والسيادة، وحدود استخدام القوة داخل المجتمع المدني. إذ لم تعد «آيس» مجرد قصة جهاز أمني يطبق القانون؛ بل هي صراع على هوية أميركا: هل هي دولة تُعرف بحدودها الصارمة وقبضتها الأمنية؟ أم مجتمع يحمي الحريات الفردية بوصفها أولوية مطلقة؟ ما جرى في مينيسوتا قد لا يكون استثناءً، بل قد يكون نموذجاً مرشحاً للتكرار في ولايات أخرى، مع توسع عمليات «آيس» داخل المدن الكبرى. وفي هذا السياق، تتحول الوكالة إلى مرآة لانقسام أميركا: دولة تسعى إلى فرض القانون باسم الأمن، ومجتمع يخشى أن يدفع ثمن هذا الأمن من حرياته وثقته بالمؤسسات.

في نهاية المطاف، تبقى قصة «آيس» أكثر تعقيداً من اختزالها في ثنائية مؤيد ومعارض؛ فهي نتاج نظام سياسي منقسم، يعمل في منطقة رمادية يلتقي فيها الخوف بالقانون، والأمن بالسياسة. والسؤال الذي تطرحه هذه القصة لا يتعلق بوكالة واحدة فقط؛ بل بجوهر التجربة الأميركية نفسها: كيف يمكن تطبيق القانون، دون أن يتحول إنفاذه إلى مصدر انقسام دائم؟ وكيف يمكن لدولة ديمقراطية أن تحمي حدودها، من دون أن تفقد ثقة مواطنيها؟


روسيا تجد الدفء في جليد غرينلاند... وتصدّعات «التضامن الأطلسي»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)
TT

روسيا تجد الدفء في جليد غرينلاند... وتصدّعات «التضامن الأطلسي»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

وقف الرئيس فلاديمير بوتين منتشياً في مكتبه الفخم في الكرملين، وهو يراقب عبر شاشات عملاقة ما يجري في قاعة اجتماعات «دافوس». يفرك راحتي كفيه بارتياح ظاهر. يطلب من مساعديه ترتيب اجتماع لمجلس الأمن القومي، لمناقشة «ملفات الأمن الاستراتيجي» على ضوء متغيرات وأحداث متسارعة قلبت موازين «المعسكر المعادي».

هذه ليست مجرد لوحة من الخيال. ولا هي بعض أحلام اليقظة للزعيم الروسي الذي عمل بجد خلال ربع قرن على رسم صورته في كتب التاريخ مستقبلاً، إلى جانب صور يكاتيرينا الثانية «محرِّرة القرم» وبطرس الأكبر باني الدولة العظمى.

لمَ لا؟ حان وقت القطاف. يخاطب القيصر الروسي نفسه وهو ينظر في مرآة ضخمة تعود إلى عهد ألكسندر الأول، هازم نابليون، و«منقذ أوروبا»، كما تصفه كتب التاريخ الروسي.

قد يسجل التاريخ مجدداً أن الزعيم الذي تربع على عرش الكرملين بداية الألفية الثالثة أنقذ أوروبا مرة أخرى، وهزم طموحات الهيمنة ومحاولات التوسع في فضاء روسيا الحيوي. مستفيداً بالدرجة الأولى من الصراعات الدائرة في معسكر الخصوم.

هذا المشهد بالتحديد، يكاد ينعكس بكل ملامحه، في تعليقات سياسيين وخبراء مقربين من الكرملين، وهم يراقبون خطوات الرئيس دونالد ترمب. بعضهم يصفها بأنها مغامرات. وآخرون يضعون سيناريوهات محتملة، تبدو روسيا في أي منها رابحة.

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

استعارة التاريخ

واستعارة التاريخ ومجرياته لم تأتِ من قبيل المصادفة، إذ فتحت السجالات الحادة التي شهدتها أروقة منتدى دافوس، شهية الروس بقوة، لعقد مقارنات.

يقول البعض في الغرب، إن ترمب يقوض عبر تصرفاته القانون الدولي، ويفتح المجال أمام قادة مثل بوتين للتوغل في طموحاتهم التوسعية. وإن ما فعله الرئيس الأميركي بفنزويلا وما يفعله حالياً حول غرينلاند لا يختلف كثيراً عن عملية تطويع جورجيا في 2008 ثم ضم القرم في 2014 وشن الحرب في أوكرانيا لمحو هذا البلد «المتمرد» على سياسات روسيا، أو تفكيكه وإعادة الجزء الأعظم منه إلى السيطرة الروسية وفقاً لمنطق «الأملاك التاريخية».

لكن هذا الفهم يتعامل معه السياسيون الروس بكثير من الاستنكار، ليس من باب الدفاع عن القانون الدولي، وسيادة الدول؛ فهذا المبدأ تم تجاهله أصلاً لصالح حق تقرير المصير مثلما حدث في ملف استفتاء القرم والمناطق الأوكرانية التي ضمَّتها روسيا «استجابةً لرغبة مواطنيها».

كتب ديميتري مدفيديف، المقرَّب من بوتين: «الجميع يفهم ماذا يريد ترمب؛ إنه يريد أن يرسم جزيرة غرينلاند على خرائط العالم بألوان العلم الأميركي (وقد نشر بالفعل خريطةً تضم كندا وفنزويلا) وأن يقف إلى جانب الآباء المؤسسين. يريد أن يرسخ اسمه في التاريخ إلى الأبد. وفي الوقت نفسه، يريد أن يصبح مثل رئيس روسيا».

ووفقاً للسياسي الذي تحوّل إلى أحد أشد الصقور اندفاعاً منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، فإن «تنفيذ الشطر الأخير مستحيل. خلال العملية العسكرية الخاصة، ومن خلال الاستفتاءات، استعادت روسيا أراضيها التي كانت جزءاً منها لقرون، مع شعبها. أما في غرينلاند، فالوضع مختلف تماماً. لم تكن لها قط علاقة مباشرة بالولايات المتحدة، رغم محاولات الأخيرة المتكررة لشرائها».

لكن هذا الرفض للمقارنة، لا يمنع النخب الروسية من التشفي في أوروبا. وإبداء درجة كبيرة من الارتياح لأن تحركات ترمب بدَّلت أولويات المعسكر المعادي لروسيا، وتهدد بإعادة رسم ملامح المواجهة القائمة بين روسيا والغرب على أسس جديدة.

وبعد تغريدة ساخرة لمدفيديف حثّ فيها ترمب على تسريع خطواته في غرينلاند «قبل أن تقرر روسيا إجراء استفتاء فيها»، توقف السياسي عند النقطة الأساسية التي تهم موسكو حالياً: «يبدو الحدث العبثي في دافوس مثيراً للاهتمام. فبدلاً من تركيز الاهتمام على أوكرانيا المنهكة والميتة، يناقشون مصير غرينلاند المتجمدة».

تقطيع كعكة على شكل جزيرة غرينلاند مزيّنة بالعَلَم الأميركي خلال فعالية للحزب الجمهوري في مركز كينيدي بواشنطن يوم 20 يناير 2026 (رويترز)

لا أحد يوقف ترمب

وفقاً للقراءة الروسية، فإن السجالات القائمة حالياً بين واشنطن والعواصم الأوروبية حول مصير غرينلاند لن تمنع ترمب من تنفيذ مخططه مهما بلغ حجم الخسائر المتوقعة.

وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية، أن ترمب احتفل بمرور عام على ولايته الرئاسية الثانية، وهو «في حالة معنوية عالية، في أوج قوته وتحت الأضواء (...) قبل عام، قوبلت عودته إلى البيت الأبيض بمشاعر متباينة: من خصومه بتوجس، ومن مؤيديه بأمل، وكان المراقبون على يقين من أنها لن تكون مملّة على الإطلاق. وقد حقق التوقعات، ومن المرجح أن يكون هذا العام، الذي بدأه باختطاف الرئيس الفنزويلي بشكل غير متوقع، حافلاً بمفاجآت ترمب المعهودة».

رأى المعلق أنه ليس لدى ترمب ما يخسره. في نوفمبر (تشرين الثاني)، تُجرى انتخابات التجديد النصفي، التي يحتاج إليها بشدة، إن لم يكن للفوز (وهو أمر شبه مستحيل)، فعلى الأقل لتجنب الخسارة (أي الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس الشيوخ مع خسارة مجلس النواب). لن يخوض ترمب ولاية رئاسية أخرى لذا، يجب ليس فقط تهيئة مكانه في التاريخ، بل صياغته بعناية فائقة، ويبدو أن ترمب قد اختار بالفعل الأداة الرئيسية لترسيخ «عرشه في التاريخ».

لتحقيق ذلك، اختار ترمب بدلاً من الاكتفاء بشعاراته الكبرى مثل: محاربة الهجرة، أو بناء عاصمة أميركية جديدة، أو خوض حرب صغيرة رابحة مع جهة ما... أن يضع أولوياته في تنفيذ فكرة كبرى: السيطرة على نصف الكرة الغربي وضم غرينلاند.

ترى النخب الروسية أن تطبيق «مبدأ مونرو» وفرض سيطرة أميركية كاملة في النصف الغربي للكرة الأرضية، غير ممكن، على أقل تقدير خلال فترة رئاسة ترمب. أما الخيار الثاني -ضم غرينلاند- فهو قابل للتحقيق تماماً خلال السنوات الثلاث المتبقية من ولايته. لذلك، تأتي غرينلاند في المقام الأول لأولوياته حالياً. ينبغي، وفقاً للمعلق الروسي، أن تجعل غرينلاند من ترمب «الأعظم» لمجرد أنه سيكون أول رئيس منذ أواخر القرن التاسع عشر يُوسّع أراضي الولايات المتحدة بهذا الشكل الكبير.

ويضيف: «سوف يستولي ترمب ببساطة على غرينلاند -من الواضح أنه لن يتراجع أو يُحوّل تركيزه إلى قضية أخرى. غرينلاند تأتي أولاً وليس هناك أي طرف قادر حالياً على منعه من تنفيذ فكرته».

جنود دنماركيون خلال تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند يوم 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

تقويض التضامن الأطلسي

كان من المفترض أن يكون المنتدى الاقتصادي الحالي في دافوس، سويسرا، «منصةً للجهود الغربية» لإضعاف فرص موسكو في تحويل تقدمها الميداني في أوكرانيا إلى مكاسب سياسية في أي صفقة مقبلة. وكان من المتوقع أن يغادر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، المنتدى بفهم أوسع لطبيعة الضمانات الأمنية الكاملة لبلاده، وأن يحمل في حقيبته اتفاقية «ازدهار لأوكرانيا» موقعة بقيمة 800 مليار دولار، وضمانات مستقبلية محكمة من الولايات المتحدة، وباقي أركان المعسكر الغربي.

لكن السجالات حول غرينلاند بدَّلت كل التوقعات، وتم إلغاء خطط للقاء بين ترمب وزيلينسكي، وبقي الأخير في كييف محاصَراً بانقطاع كامل للتيار الكهربائي وبضربات عنيفة على البنى التحتية حوله، فيما خاض «الكبار» في المنتدى سجالات نارية لا علاقة لها أصلاً بمصير أوكرانيا.

راقبت روسيا بدقة الخطاب الناري للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع شعور بارتياح زائد ليس فقط لجهة تبدل أولويات أوروبا، وبروز انهيار أو تصدع كبير في المعسكر الغربي كله.

هذا الخطاب، كما وُصف في موسكو، رثى رسمياً الانهيار المبكر لفكرة التضامن الأطلسي.

أيُّ هدية أثمن من هذه كان يتوقعها بوتين؟

ترى موسكو أن المخاوف الأوروبية التي برزت حيال تكريس «عالم بلا قواعد، حيث يُداس القانون الدولي، وحيث القانون الوحيد المُهم هو قانون الأقوى، وعودة الطموحات الإمبريالية إلى الظهور» لا تعكس واقعاً جديداً، لكنَّ صدور هذا الحديث عن أطراف غربية يُبرز حجم التحولات الحاصلة في المجتمع السياسي الغربي.

في هذا الإطار، يبرز عنصران مهمان، يمكن أن يسجَّلا ضمن مكاسب موسكو المباشرة.

الأول يتمثل في إعادة توجيه الأنظار نحو الصين، وكما قال ماكرون: «نحن بحاجة إلى مزيد من الاستثمارات الصينية المباشرة في أوروبا في القطاعات الرئيسية لدعم نمونا».

هذا التوجه يبدو مغرياً جداً لموسكو في إطار مواجهتها المصيرية التي لعبت خلالها أوروبا دوراً حاسماً في إطالة أمد المعركة واستنزاف قدرات روسيا. خصوصاً إذا ربط مع العنصر الثاني المهم جداً: «بناء جسور وتعاون أكبر مع دول (بريكس) و(مجموعة العشرين)».

ترجمة تلك العبارة أن روسيا جارتنا، وقد يكون مسار تطبيع العلاقة معها مهماً للغاية في مواجهة تصرفات ترمب التي تهدد أمن القارة الأوروبية واستقرار خرائط بلدانها.

يضاف إلى هذا الحرب التجارية التي بدأت تطل برأسها بين الولايات المتحدة وأوروبا. فضلاً عن غموض مصير التضامن في حلف الأطلسي على خلفية هذه المتغيرات.

فجأةً، بدا أن روسيا القوة النووية الكبرى في العالم، والتي تمتلك أكبر مساحة من الأراضي، وعدد سكان كبيراً، وموارد هائلة، أصبحت لا غنى عنها مجدداً.

اللافت أن هذه السجالات تأتي في وقت تُبدي فيه موسكو تحفظات على التطبيع السريع مع أوروبا، لسان حالها يقول:

«ادفعوا ثمن تصرفاتكم معنا».

الخروج من المأزق الأوروبي

كما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قبل يومين: «من غير المرجح أن نتمكن من التوصل إلى أي اتفاق مع القادة الأوروبيين الحاليين: لقد غرقوا في كراهية روسيا». وتشير النتائج إلى أن «الاتحاد الأوروبي في أزمة عميقة، وحلف شمال الأطلسي في أزمة عميقة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على وشك الانهيار». بدلاً من البحث عن مخرج من المأزق الأوروبي، «تستعد أورسولا فون دير لاين، وميرتس، وستارمر، وماكرون، وروته، بجدية لحرب ضد روسيا، ولا يخفون ذلك».

لكنَّ هذا لا يعني أن موسكو لا تسعى لتوظيف الحدث سريعاً. وحسب لافروف، يحتاج الأوروبيون «ليس إلى إعلان اتصالات مع بوتين، بل إلى الانخراط في حوار». هذه هي الفرصة الوحيدة من وجهة النظر الروسية للحفاظ ولو على بصيص من أوروبا السابقة، لأن «أوروبا المستقبلية، على ما يبدو، ستشهد تغييراً على الخرائط»، وفقاً لمعلق سياسي.

يقول محللون إنه من المستبعد توقع انهيار سريع لحلف الأطلسي بسبب السجالات النارية القائمة حالياً لكنّ «الثغرة في سفينة التضامن الأطلسي ستكون خطيرة، قادرة على إغراقها خلال العاصفة الجيوسياسية القادمة».

اللافت أنه مع تسرع البعض في موسكو لرصد أرباح روسيا من المواجهة الأميركية - الأوروبية القائمة، فإن بعض المخاوف برزت بقوة تجاه تحول أوروبا بقوة نحو حشد طاقات عسكرية في غرينلاند بما يؤثر على التوازنات القائمة حالياً في منطقة القطب الشمالي الذي سيكون ساحة لصراع أكبر وأوسع خلال المرحلة المقبلة تشارك فيه ليس فقط روسيا والصين والولايات المتحدة بل أوروبا أيضاً.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي يستقبل مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل (أ.ف.ب)

تراجع ملف أوكرانيا

تقول أوساط روسية إن تأثيرات التباينات الأوروبية - الأميركية بشأن غرينلاند سوف تنعكس سريعاً على الملف الأوكراني. خصوصا في تقليص الاهتمام على ملف الأمن الأوروبي الشامل. ووفقاً لمحللين فإن واشنطن «بدأت تعويد الأوروبيين على دفع تكاليف أمنهم الأوروبي بأنفسهم -والآن سيدركون أن عليهم الدفع فعلياً». يقول الكاتب السياسي البارز كيريل ستيرلنيكوف إن الأوروبيين «أغضبوا روسيا بشدة، أملاً في الحصول على مظلة أمنية أميركية. الآن اتضح أن الأخ الأكبر يركز على نصف الكرة الغربي. بعبارة أخرى، أوروبا، التي تتطلع إلى أوكرانيا، ليس لديها خيار (طرد الولايات المتحدة)، فهي لا تستطيع فقط القتال من أجل أوكرانيا بمفردها، بل إنها عاجزة حتى عن مواجهة مخاوفها الأمنية. لذا ليس من المستغرب أن يقرر ترمب استغلال الخوف من روسيا في أوروبا، المُستمد من الفكر الأنغلوسكسوني، لتسهيل عملية (الضغط) على غرينلاند. بعبارة أخرى، حفر الأوروبيون حفرةً بأيديهم. ولتجنب الوقوع فيها، سيتعين عليهم التخلي عن غرينلاند، حيث سيتولى ترمب زمام الأمور».

تعني فكرة إجبار الأوروبيين على إجراء مراجعة لأولوياتهم في إطار التعامل مع المخاوف الأمنية، أن تتغير النظرة فعلاً إلى العلاقة مع موسكو، وأن يتراجع حجم التأييد غير المشروط للأوكرانيين. وهذا مع السيطرة الفعلية لموسكو على الأرض الأوكرانية وميزان القوى العسكري المائل بقوة لصالح الكرملين سوف يرمي بثقل مهم على بلورة أي صفقة سياسية مستقبلية.

العنصر الثاني اللافت هنا، أن بعض المحللين الروس بدأوا يضعون تصورات المرحلة المقبلة على أساس انتصار ترمب في معركته حول غرينلاند. وكتب المستشار السياسي رامي الشاعر، المقرب من الخارجية الروسية: «أعتقد أن غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة ستفتح آفاقاً أخرى للتنمية بين روسيا والولايات المتحدة، وأرى دوراً مهماً لرئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة والممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي الخارجي كيريل دميترييف، وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في طرح مشروعات روسية - أميركية مشتركة في القطب الشمالي. لقد أثبتت أوروبا فشلها وهُزمت في أوكرانيا ولم يعد لها دور في التوازنات الاستراتيجية الجديدة، وأعتقد أن الحوار الجدي حول مستقبل العالم يجب أن يجري بين روسيا والولايات المتحدة والصين والهند».

ويضيف: «كما استخدم الغرب (الناتو) أوكرانيا شرقاً لتهديد واستنزاف روسيا، تقف أوروبا اليوم عاجزة أمام الولايات المتحدة بعد فشل كل المحاولات شرقاً، وما أسفرت عنه من فقدان الدولة الأوكرانية ليس فقط مساحات شاسعة تقدَّر بربع مساحة البلاد، وإنما أيضاً في فقدانها مقومات الدولة، وبينما تدور المعارك اليوم حول أوديسا، فإنه بفقدان أوكرانيا لهذه المدينة الروسية بالأساس على البحر الأسود، ستفقد أوكرانيا مخرجها الوحيد على البحر، وهي خسارة استراتيجية فادحة، تشبه خسارة أوروبا لغرينلاند».