حسين طائب… رجل الشبكات الأمنية لمجتبى خامنئي

عاد بمهمة تقوية «شبكة الباسيج» بعد 13 عاماً في استخبارات «الحرس الثوري» وإقالة مفاجئة

حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)
حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)
TT

حسين طائب… رجل الشبكات الأمنية لمجتبى خامنئي

حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)
حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)

أجابت تعيينات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في القيادة العسكرية عن أحد الأسئلة العالقة منذ تعيينه خلفاً لوالده، وهو مصير حليفه المقرب حسين طائب، الذي كان دوره هامشياً عقب إقالته من رئاسة جهاز استخبارات «الحرس الثوري».

وأعاد مجتبى خامنئي طائب إلى رئاسة «الباسيج»، المؤسسة التي قادها خلال اضطرابات 2009، وكلفه بتقوية «شبكة الاستخبارات الشعبية».

وتعود علاقة الرجلين إلى سنوات الحرب الإيرانية - العراقية، حين نشأت بينهما صلة استمرت لاحقاً داخل الدوائر الأمنية المحيطة بمكتب المرشد.

خرج طائب في التسعينات من وزارة الاستخبارات، لكنه عاد لاحقاً عبر جهاز أمني موازٍ أخذ يتوسع على حسابها. قاد «الباسيج» خلال اضطرابات 2009، ثم أمضى 13 عاماً على رأس استخبارات «الحرس الثوري»، مستنداً طوال مسيرته إلى صلته الوثيقة بمركز السلطة.

من «كتيبة حبيب» إلى بيت المرشد

ولد طائب عام 1963 في طهران، وكان اسمه الأصلي حسن، وقد اتخذ اسم شقيقه حسين بعد مقتله في حرب إيران والعراق. درس في الحوزات الدينية بطهران وقم ومشهد، والتحق بـ«الحرس الثوري» في التاسعة عشرة من عمره.

وتعود إحدى المحطات المبكرة في مسيرة طائب إلى «كتيبة حبيب بن مظاهر» في الفرقة 27 التابعة لـ«الحرس الثوري». والتحق مجتبى خامنئي بالكتيبة عام 1986 وهو في السابعة عشرة، فيما كان طائب وشقيقه مهدي من الوجوه المرتبطة بالبيئة العسكرية نفسها، حيث نشأت صلات استمرت بعد الحرب وامتدت لاحقاً إلى دوائر الأمن والسياسة.

حسین طائب يصافح مجتبى خامنئي على هامش مراسم حكومية (أرشيفية - إيسنا)

وخلال حرب الثمانينات مع العراق، تشكلت حول طائب ومجتبى خامنئي صلات داخل البيئة العسكرية لـ«الحرس الثوري» استمرت بعد انتهاء الحرب. ومع تولي علي خامنئي منصب المرشد عام 1989، تحولت علاقات قديمة داخل «الحرس الثوري» إلى رصيد سياسي وأمني فتح لأصحابها الطريق إلى المؤسسات المحيطة بمكتب المرشد.

وخلال عهد المرشد السابق، تقدم حضور قادة «الحرس الثوري» تدريجياً داخل بنية السلطة، فيما انحسر نفوذ رجال الدين في عدد من مواقعها. وشكل طائب حالة مختلفة داخل هذا التحول؛ فهو رجل دين شق طريقه في المؤسسة الأمنية، وجمع في مسيرته بين التكوين الحوزوي والنفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري».

انتقل طائب بعد الحرب إلى وزارة الاستخبارات، وتولى مواقع رفيعة، بينها موقع في إدارة مكافحة التجسس. وفي تلك المرحلة ارتبط اسمه بملف أبناء الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، وتحديداً بملف مهدي هاشمي، وباعتقال رجل الأعمال الإيراني - البريطاني عباس يزدان‌ بناه يزدي، وانتزاع اعترافات منه ضد عائلة هاشمي.

وانتهت القضية بإبعاد طائب من الوزارة. وقال الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لاحقاً إن طائب «طُرد» لأنه كان يوقع بين المسؤولين، ثم مُنح «صلاحيات كاملة من دون قانون». ومع ذلك، لم يؤد خروجه من الوزارة إلى ابتعاده عن الأجهزة الأمنية.

ومع وصول محمد خاتمي إلى الرئاسة وصعود الإصلاحيين، توسعت منظومة «الاستخبارات الموازية» المرتبطة بمكتب المرشد الإيراني، ومن بينها وحدات استخبارات «الحرس الثوري»، ولعب طائب دوراً محورياً فيها إلى جانب عدد من المسؤولين الأمنيين.

الأجهزة الموازية

ويواجه طائب، المعروف أيضاً باسم «ميثم»، اتهامات بالتدخل إلى جانب مجتبى خامنئي في انتخابات 2005. وتضاربت المعلومات بشأن المرشح الذي دعماه أولاً، بين محمد باقر قاليباف ومحمود أحمدي نجاد، لكن اسميهما ارتبطا منذ تلك المرحلة بدائرة أمنية انخرطت في السياسة الانتخابية.

وقال إسفنديار رحيم مشائي، مساعد أحمدي نجاد، لاحقاً، إن طائب سعى إلى تولي وزارة الاستخبارات في حكومة أحمدي نجاد، لكن الرئيس رفض تعيينه. بعد عامين، عينه قائد «الحرس الثوري»، محمد علي جعفري نائباً في «الباسيج»، ثم تولى قيادته في 2008.

خلال احتجاجات 2009 على نتائج الانتخابات الرئاسية، كان «الباسيج» من أبرز أدوات قمع المتظاهرين. وكتب النائب المحافظ علي مطهري أن إدارة الأزمة أُسندت إلى أشخاص مثل طائب «الأكثر ألفة بالهراوة من الفكر والعقل والتدبير». واتهم المرشح الإصلاحي حينذاك، مهدي كروبي طائب بالمشاركة في إعداد رواية تلفزيونية مضادة في قضايا أمنية.

حسين طائب يلقي محاضرة حول الاحتجاجات في إيران (أرشيفية_فارس)

بعد أشهر، غادر طائب «الباسيج»، لكن الانتقال كان صعوداً، بعدما رُفعت وحدة استخبارات «الحرس الثوري» إلى مستوى منظمة مستقلة، وعُين طائب على رأسها. وبقي هناك 13 عاماً، وهي الفترة التي تحول فيها الجهاز إلى أحد أهم مراكز الأمن في الجمهورية الإسلامية، يعمل بالتوازي مع وزارة الاستخبارات ويتجاوزها في ملفات حساسة.

وطاولت عمليات الجهاز خلال عهده نشطاء سياسيين وصحافيين ومزدوجي الجنسية وناشطين بيئيين ومسؤولين اقتصاديين. وفي بعض الملفات، تمسك الجهاز باتهامات التجسس رغم اختلاف تقييم وزارة الاستخبارات.

كشف اتساع نفوذ جهاز استخبارات «الحرس الثوري» جانباً أساسياً من طريقة عمل طائب وحلفائه. فقد تبنى الجهاز تعريفه الخاص للتهديد، وفتح على أساسه ملفات أمنية واقتصادية وسياسية.

وعندما تدهورت علاقة أحمدي نجاد بمكتب المرشد، تحرك طائب ضد مقربين منه، بينهم مساعداه حميد بقائي وإسفنديار رحيم مشائي. وبعد انتخاب حسن روحاني، امتد الضغط إلى دائرته، ولا سيما شقيقه حسين فريدون.

اتهم أحمدي نجاد طائب بأن «عمله تلفيق الملفات»، وقال مشائي إن مشروع إعداد ملفات ضده وضد المقربين من الرئيس بدأ عام 2011 بإشراف طائب. وأشار فريق أحمدي نجاد إلى ضغوط طائب على بقائي لانتزاع اعتراف منه بالتجسس.

شبكة النفوذ

لم تقتصر مهام استخبارات «الحرس الثوري» على السياسة. ودخلت في ملفات فساد اقتصادي كبرى، واعتقلت مسؤولين في البنوك ورجال أعمال، ما جعلها طرفاً في الصراع بين حكومة روحاني وخصومها. وفي الوقت نفسه، ظهرت تسريبات عن فساد داخل الدائرة المحيطة بالجهاز نفسه.

في 2016، أدت تسريبات إلى اعتقال ثلاثة من كبار مساعدي طائب، عرفوا بأسماء حركية، على خلفية اتهامات شملت الفساد والتهريب وغسل الأموال والابتزاز. وجاء تعيين حسين نجات نائباً له في الفترة نفسها، بالتزامن مع تنامي النشاط الاقتصادي لبعض مسؤولي الجهاز وتصاعد الجدل بشأنه.

طائب يشارك في تشييع قائد الوحدة الصاروخية لـ«الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده يوليو العام الماضي (تلغرام_فارس)

وفي مرحلة لاحقة، ارتبط اسم طائب بملف فساد «هولدينغ ياس» التابعة لمؤسسة تعاون «الحرس الثوري». كما ورد اسمه في تسجيل مسرب لاجتماع عقد قائد «الحرس» محمد علي جعفري مع مسؤولين في جهاز الاستخبارات، ويدور الحديث فيه عن حماية متهمين بالفساد داخل المؤسسة الاقتصادية لـ«الحرس الثوري» ودعم محمد باقر قاليباف.

وبعد مغادرة إيران، قال محمد سرافراز، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون، إن طائب ومسؤولين اقتصاديين في «الحرس الثوري» تدخلوا في مناقصات الهيئة ومشروعات من بينها تطبيق «سروش». كما تحدث عن اجتماعات سياسية وأمنية جمعته بمجتبى خامنئي وطائب وحسين فدائي، مشيراً إلى أن طائب كان يقدم لمجتبى تقارير أمنية بصورة منفصلة. وكان ذلك يعكس موقع طائب داخل الدائرة الأمنية القريبة من مجتبى، قبل سنوات من وصول الأخير إلى موقع المرشد.

خلفية آيديولوجية

وتظهر خلفية حسين طائب الآيديولوجية بوضوح أكبر في نظرته إلى الأمن إذ تجمع بين التكوين في الحوزة العلمية وبيئة «الحرس الثوري» الأمنية، داخل دائرة تتبنى قراءة سياسية للمهدوية ترى الجمهورية الإسلامية جزءاً من مشروع يمهّد لظهور الإمام الثاني عشر.

ويتجلى هذا البعد في المحيط القريب من مجتبى خامنئي، الذي يوظف في خطابه مفردات مرتبطة بـ«صاحب الزمان»، ضمن رؤية تمنح بقاء النظام ومواجهة خصومه بعداً يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.

وتتضح ملامح هذا التوجه أكثر في خطاب مهدي طائب، شقيق حسين ومسؤول «مقر عمار»، أحد تجمعات الضغط المتشددة في طهران ذات الصلات الوثيقة بمكتب المرشد. فقد قدم الجمهورية الإسلامية على أنها تمهيد لحكومة الإمام الثاني عشر، وربط تحركاتها الإقليمية بهذا التصور. وتضع هذه الرؤية المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب ضمن صراع أوسع على بقاء الجمهورية الإسلامية ومشروعها الآيديولوجي.

حسين ومهدي طائب على هامش مراسم دينية (مشرق)

الإقالة والعودة

انتهى أطول فصول نفوذ طائب في يونيو (حزيران) 2022. أُقيل من رئاسة استخبارات «الحرس الثوري» وعُين مستشاراً لقائده. لم يُعلن سبب رسمي، لكن القرار جاء وسط تصاعد الانتقادات بعد سلسلة اختراقات واغتيالات وعمليات داخل إيران، وبعد تقارير إسرائيلية اتهمته بالتخطيط لاستهداف إسرائيليين في تركيا.

جاءت إقالته بعد سلسلة عمليات أمنية داخل إيران أثارت نقاشاً واسعاً بشأن الاختراق الإسرائيلي، بينها اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده وعمليات استهدفت شخصيات ومنشآت حساسة. وبعد 13 عاماً على رأس الجهاز، انتقل طائب إلى موقع أقل ظهوراً مستشاراً لقائد «الحرس الثوري».

مع ذلك، بقي طائب قريباً من دائرة مجتبى خامنئي. وبعد اختيار مجتبى مرشداً، أفادت تقارير بأن طائب وأحمد وحيدي لعبا دوراً في حشد الأصوات لمصلحته داخل مجلس الخبراء، وكانت تقارير سابقة، قد أشارت إلى انخراط طائب منذ سنوات بترتيبات خلافة مجتبى.

وبعد عودته إلى رئاسة «الباسيج»، كُلف طائب بتقوية «شبكة الاستخبارات الشعبية». وتمتد شبكات «الباسيج» إلى الأحياء والمساجد والجامعات والإدارات ومواقع العمل، وهي المؤسسة نفسها التي قادها خلال اضطرابات 2009 قبل انتقاله إلى رئاسة استخبارات «الحرس الثوري».

وبعد يومين من تكليفه رئاسة «الباسيج»، توجه طائب إلى قم في زيارة شملت عدداً من كبار رجال الدين، بينهم جعفر سبحاني وناصر مكارم شيرازي، إلى جانب حسين حسيني بوشهري وأحمد خاتمي من جمعية مدرسي الحوزة العلمية. وخلال لقائه طائب، دعا سبحاني إلى إعداد عناصر «الباسيج» بمستوى يؤهلهم للقيام بمهام مختلفة عند الحاجة.

وبذلك عاد طائب إلى موقع يجمع خبرته الطويلة في العمل الاستخباراتي بشبكة «الباسيج» المنتشرة داخل المجتمع. وبعد نحو أربعة عقود على العلاقة التي نشأت في محيط «كتيبة حبيب»، عاد أحد أقدم المقربين من مجتبى خامنئي إلى قيادة المؤسسة التي شكلت إحدى المحطات الرئيسية في صعوده الأمني.


مقالات ذات صلة

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

شؤون إقليمية طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني في 19 يونيو 2025  (أ.ف.ب)

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

لوّح نائب إيراني بإغلاق الحدود البرية مع باكستان إذا واصلت إسلام آباد منع عبور الشاحنات القادمة من إيران، في وقت تكدست مئات الشاحنات في المعابر الحدودية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
تحليل إخباري مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

تحليل إخباري حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفيةـ تتزايد التساؤلات عمّا اذا كانت المنطقة امام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية.

إيلي يوسف ( واشنطن)
الاقتصاد مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)

الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

تراجعت أسواق الأسهم العالمية الخميس مع ارتفاع أسعار النفط، ما دفع العقود الآجلة للأسهم الأميركية إلى الهبوط، وأدخل الأسهم الصينية إلى نطاق السوق الهابطة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس - إيران (رويترز)

سيناريوهات صندوق النقد الدولي: ماذا ينتظر اقتصادات المنطقة في 2027؟

وضع صندوق النقد الدولي سيناريوهات اقتصادية متعددة لقياس تداعيات اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة والصراع في المنطقة على النمو والتضخم وأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مصلون هنود يقومون بغمر تمثال للإلهة دورغا في نهر الغانج في كولكاتا (إ.ب.أ)

واردات الهند النفطية من الشرق الأوسط تعود إلى مستويات ما قبل الحرب

ارتفعت واردات الهند من النفط الخام من الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) إلى مستويات ما قبل الحرب، في حين خفضت المصافي الهندية مشترياتها من النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني في 19 يونيو 2025  (أ.ف.ب)
طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني في 19 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
TT

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني في 19 يونيو 2025  (أ.ف.ب)
طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني في 19 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

لوّح نائب إيراني بإغلاق الحدود البرية مع باكستان إذا واصلت إسلام آباد منع عبور الشاحنات القادمة من إيران، في وقت تكدست مئات الشاحنات في المعابر الحدودية، عقب تعليق التجارة بين البلدين.

وقال رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية الإيرانية - الباكستانية، النائب فدا حسين مالكي، لوكالة «إيلنا» الإصلاحية الخميس، إن الحدود أُعيد فتحها «من طرف واحد»، مضيفاً: «إذا استمر هذا الوضع، فإن إيران ستغلق حتماً حدودها من هذا الجانب».

وأوضح مالكي بعد متابعة مع محافظة بلوشستان الإيرانية، أن الشاحنات الموجودة في باكستان تدخل إيران، لكن الحركة من إيران إلى باكستان «لا تزال مغلقة».

وقال مالكي إنه بحث المسألة مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير خلال زيارته طهران، وإن منير «أصدر أوامره من هنا، من طهران، بفتح الحدود»، مضيفاً أن الجانب الباكستاني عزا القيود إلى «مشكلة فنية».

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقائه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ووزير الداخلية محسن نقوي في طهران، الثلاثاء (الرئاسة الإيرانية - رويترز)

ورأى مالكي، وهو عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، أن ما جرى يندرج «في سياق الضغوط السياسية الأميركية على الدول المجاورة لتقييد الحدود أو إغلاقها، وتقييد العلاقات التجارية والاقتصادية» مع إيران. وقال: «لم نكن نتوقع إطلاقاً من أصدقائنا الباكستانيين أمراً كهذا، ولم يكن متوقعاً أن يتأثروا بالضغوط الأميركية». ولم يقدم أدلة على هذا الربط.

وطلب مالكي من السفير الباكستاني الحضور إلى البرلمان «في أسرع وقت»، بمشاركة مسؤولي المحافظة، «لحل هذه المسائل».

وتحدث عن «تقلبات» مماثلة على الحدود مع العراق، قائلاً إنها أُغلقت سابقاً «تحت الضغط» ثم أُعيد فتحها، لافتاً إلى أن هذه المسائل تُطرح الآن «مع انسحاب القوات الأميركية من العراق».

شاحنات عالقة

وكانت مئات الشاحنات لا تزال عالقة، الأربعاء، على الجانب الباكستاني من المعابر مع إيران، بعد تعليق التجارة بين البلدين، بحسب ما أفاد مسؤول محلي وممثلون عن قطاع الأعمال وكالة الصحافة الفرنسية.

ورصد صحافي من الوكالة عند معبر «غبد - ريمدان»، في أقصى جنوب غربي باكستان، مئات الشاحنات الثقيلة المحمّلة ببضائع متجهة إلى إيران، فيما اشتكى سائقون من الانتظار أياماً.

وقال السائق عبد الغني (28 عاماً) إن السائقين يواجهون «صعوبات بالغة»، مضيفاً: «ليس لدينا مياه للشرب، ولا مرافق ملائمة للطعام أو غيره من الاحتياجات الأساسية». وقال سائق آخر، عظيم خان (32 عاماً)، إن «الجميع، ولا سيما التجار والعمال البلوش، متضررون، وخسائر الناس تتزايد يوماً بعد آخر».

وقال مسؤول في إقليم بلوشستان الباكستاني، طلب عدم كشف هويته، إن الحدود مغلقة أمام التجارة منذ خمسة أيام، وأمام جميع البضائع المتجهة إلى إيران، لكن سُمح الأربعاء لبعض الشاحنات التي تنقل بضائع عبر إيران إلى آسيا الوسطى أو تركيا بالعبور.

وكان المسؤول في الإقليم شاهد رند قد قال، السبت، إن الإغلاق «مؤقت»، ويهدف إلى «معالجة المخاوف الأمنية» و«الحد من التهريب». وقال التاجر شمس الحق، من مدينة غوادر، إن المستوردين والمصدرين الباكستانيين تكبدوا «خسائر بمليارات الروبيات». وامتنعت وزارة الخارجية الباكستانية عن التعليق.

زيارة منير

وكان منير، الذي تؤدي بلاده دور الوسيط بين طهران وواشنطن، قد قال لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارته الثلاثاء، إن المشكلات الحدودية كانت «مؤقتة وفنية»، وإن الحدود «فُتحت اعتباراً من اليوم».

والتقى منير أيضاً الرئيس مسعود بزشكيان، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، الذي أبلغه بأن إيران لن تمضي في المفاوضات مع واشنطن قبل «بناء الثقة».

وكانت السلطات الإيرانية قد أعلنت، السبت الماضي، أن باكستان أغلقت معبر «ريمدان - غبد» أمام النشاط التجاري، مع استمرار حركة المسافرين. وعزا المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي توقف العبور والتبادل الحدودي إلى «مشكلات فنية» و«تدابير احترازية».

وقال رئيس لجنة النقل في غرفة تجارة طهران بيمان سنندجي إن الصادرات الإيرانية إلى باكستان توقفت مؤقتاً بسبب العقوبات على النظام المصرفي الإيراني، مضيفاً أن الاستيراد من باكستان لا يزال ممكناً، لكن استمراره مرهون بتعاون الجانب الباكستاني.

حجاج باكستانيون يتم إجلاؤهم من إيران يسيرون عبر الحدود الباكستانية الإيرانية في تفتان بإقليم بلوشستان 18 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

حصار بري؟

وتزايدت أهمية المنافذ البرية لإيران مع الحصار البحري الأميركي على موانئها. وكان قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر قد قال إنه «باستثناء المساعدات الإنسانية التي سمحنا بدخولها، ليس لدى إيران أي صادرات أو واردات عن طريق البحر».

وحذرت وزارة الخزانة الأميركية المؤسسات المالية الأجنبية من التعامل مع المصارف الإيرانية الخاضعة للعقوبات، وقال وزير الخارجية ماركو روبيو، الثلاثاء، إن بلاده ستُبقي «ضغطاً اقتصادياً استثنائياً» لقطع التمويل عن حلفاء طهران الإقليميين وإنتاجها العسكري.

وتساءلت وكالة «إيلنا»، عما إذا كانت الضغوط الأميركية «امتدت إلى طرق الاتصال البرية» بين إيران وجيرانها، في ظل القيود على الحدود الباكستانية وأنباء عن احتمال تقييد الحدود مع العراق.

لكن الوكالة قالت إن القيود المعلنة «لا تثبت وحدها وجود خطة منسقة لحصار بري».


انتخابات إسرائيل... أحزاب صغيرة قد تملك مفاتيح الحكومة المقبلة

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
TT

انتخابات إسرائيل... أحزاب صغيرة قد تملك مفاتيح الحكومة المقبلة

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)

لا يتوقف حسم الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) على الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من الأصوات فحسب، بل على قدرة كل معسكر على جمع أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة.

وفي ظل المنافسة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزينكوت، تبرز الأحزاب الصغيرة بوصفها عاملاً مؤثراً في حسابات ما بعد الاقتراع، في حين قد تؤدي نتائج الأحزاب القريبة من العتبة الانتخابية دوراً حاسماً في تحديد توازن القوى داخل الكنيست.

وحسب وكالة «أسوشييتد برس»، تمثل الانتخابات اختباراً لقيادة نتنياهو وطريقة تعامله مع هجوم 7 أكتوبر 2023 والحروب التي تلته.

لكن التحدي لا يقتصر على الفوز الانتخابي؛ إذ يتعين على الأحزاب التفاوض لتشكيل ائتلاف قادر على تأمين أغلبية في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً.

حملة تلفزيونية يظهر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه الرئيسي مرشح المعارضة غادي آيزنكوت (أ.ب)

61 مقعداً... مفتاح تشكيل الحكومة

تعمل إسرائيل وفق نظام التمثيل النسبي؛ إذ يصوّت الناخبون للقوائم الحزبية، ثم تتفاوض الأحزاب على تشكيل ائتلاف حكومي. ووفقاً لـ«أسوشييتد برس»، لم يتمكن أي حزب في تاريخ إسرائيل من الحصول منفرداً على أغلبية مقاعد الكنيست؛ ما يجعل التحالفات ضرورة لتشكيل الحكومات.

ويشترط القانون الإسرائيلي حصول كل حزب على 3.25 في المائة على الأقل من الأصوات كي يتمكن من دخول الكنيست والفوز بمقاعد فيه. وبعد إعلان النتائج، يحتاج أي معسكر إلى تأمين دعم 61 نائباً على الأقل لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية البرلمانية.

وفي تحليل نشره موقع «تايمز أوف إسرائيل»، نقل الموقع عن استطلاعات رأي أن كلاً من معسكر نتنياهو والمعسكر المعارض بقيادة آيزينكوت يواجه صعوبة في الوصول إلى عتبة الـ61 مقعداً.

ولفت إلى أن بعض الأحزاب اليمينية تخوض الانتخابات وهي قريبة من العتبة الانتخابية؛ ما يثير احتمال خسارة أصواتها التمثيل البرلماني إذا لم تتجاوزها.

ويعني ذلك أن حزباً صغيراً قد لا يحتاج إلى الفوز بعدد كبير من المقاعد كي يصبح مؤثراً؛ فقد يتوقف عليه استكمال الأغلبية، أو يؤدي إخفاقه في دخول البرلمان إلى إضعاف المعسكر الذي كان يُفترض أن يدعمه.

إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» (إ.ب.أ)

حلفاء نتنياهو أمام اختبار العتبة الانتخابية

يواجه معسكر نتنياهو تحدياً يتمثل في تعدد الأحزاب اليمينية التي تخوض الانتخابات بصورة منفصلة. وذكر «تايمز أوف إسرائيل»، أن حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش وحزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير لم يخوضا الانتخابات على قائمة مشتركة، كما بقي حزب «أمخا يسرائيل» بقيادة الضابط السابق أوفير فينتر خارج هذا التحالف.

ملصقات لحملة انتخابية تظهِر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن اقتراب بعض هذه الأحزاب من العتبة الانتخابية يجعل نتائجها ذات أهمية تتجاوز حجمها المتوقع؛ إذ إن عدم دخول أحدها الكنيست قد يحرم معسكر نتنياهو من مقاعد كان يمكن أن تساعده في بناء ائتلاف حاكم.

وفي المقابل، لا يعني تجاوز هذه الأحزاب العتبة ضمان تشكيل حكومة؛ لأن الأمر يتوقف أيضاً على مجموع المقاعد التي يحصدها المعسكر بأكمله، وعلى قدرته على التوصل إلى اتفاقات مع شركائه المحتملين.

الأحزاب الحريدية... مطالب دينية

تُعدّ الأحزاب الحريدية (الأحزاب التي تمثل اليهود المتشددين)، وفي مقدمتها «شاس» و«يهدوت هتوراه»، من القوى التي يمكن أن تؤثر في مفاوضات تشكيل الحكومة. وتقول «أسوشييتد برس» إن الحزبين يعارضان إخفاق نتنياهو في إقرار قانون يضمن إعفاءات من الخدمة العسكرية لليهود المتشددين؛ وهو ملف أثار خلافات سياسية في إسرائيل.

وتشير الوكالة إلى أن هذه الأحزاب ركزت كذلك على الخدمات الاجتماعية والتعليمية المقدمة إلى مجتمعاتها. وقد تصبح هذه الملفات جزءاً من المساومات على تشكيل الحكومة، إذا احتاج أي من المعسكرين (المعسكر الذي يقوده نتنياهو والمعسكر المعارض له) إلى دعمها لضمان الأغلبية.

لكن الشراكة مع الأحزاب الحريدية قد تطرح تحديات أمام بعض القوى المعارضة، ولا سيما تلك التي تضع إنهاء الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية ضمن أولوياتها. لذلك؛ لا تقتصر المفاوضات على الاتفاق على هوية رئيس الوزراء، بل تشمل أيضاً التوصل إلى تفاهم بشأن القضايا التي قد تهدد تماسك الائتلاف.

رجل من التيار الأرثوذكسي المتشدد يمر بجانب لوحة إعلانية انتخابية لوزير الأمن القومي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» إيتمار بن غفير (إ.ب.أ)

وقد يشكّل ملف تجنيد الحريديم (اليهود المتشددين) عقبة أمام تشكيل الحكومة، في ظل الخلاف بشأن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

وقد تعهّد عدد من قادة المعارضة بإنهاء الإعفاءات الواسعة إذا تولوا الحكم، في حين أفادت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأن حزب «شاس» ربط مشاركته في الحكومة المقبلة بإقرار قانون يحافظ على هذه الإعفاءات.

الأحزاب العربية... مشاركة تتأثر بالتهميش

إلى ذلك، تحتل الأحزاب العربية موقعاً حساساً في حسابات تشكيل الحكومة، خصوصاً إذا جاءت النتائج متقاربة بين المعسكرين الرئيسيين. وذكرت «أسوشييتد برس» أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يمثلون نحو 20 في المائة من السكان، لكنها أشارت إلى أن المشاركة الانتخابية بينهم تتأثر بالتهميش وخيبة الأمل من السياسات القائمة.

وأضافت الوكالة أن نتنياهو ومنافسيه الرئيسيين أعلنوا رفضهم المشاركة في ائتلاف حكومي مع أحزاب عربية؛ خشية خسارة دعم ناخبين من اليمين. ومع ذلك، لفتت إلى أن تقارب النتائج قد يدفع الأطراف إلى إعادة النظر في بعض مواقفها، بما يمنح الأحزاب العربية فرصة للتأثير في اختيار رئيس الوزراء المقبل.

المعارضة أمام تحدي توحيد صفوفها

ولا تواجه الأحزاب المعارضة مشكلة منافسة نتنياهو فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى تجاوز اختلافاتها السياسية وتوحيد صفوفها وبرامجها لضمان تشكيل حكومة بديلة. وتشمل هذه القوى أحزاباً وسطية ويسارية وأخرى ذات توجهات أمنية متشددة؛ ما يجعل الاتفاق على برنامج مشترك وتوزيع الحقائب الوزارية اختباراً بحد ذاته.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق والمرشح للكنيست نفتالي بنيت خلال حملته الانتخابية في القدس (إ.ب.أ)

ووفقاً لـ«أسوشييتد برس»، يقود آيزينكوت حزب «ياشار»، في حين يضم حزب «معاً» تحالفاً بين نفتالي بنيت ويائير لابيد. وتتنافس هذه القوى مع أحزاب أخرى، بينها «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان وحزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان.

وأشار تقرير لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في هذا المجال، إلى أن استطلاعات الرأي لا تمنح أياً من المعسكرين مساراً واضحاً إلى الأغلبية. ويعني ذلك أن المعارضة قد تحتاج إلى تفاهمات تتجاوز التنسيق الانتخابي، لتشمل الاتفاق على القضايا الخلافية وتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة.

لوحة دعائية انتخابية لحزب «الديمقراطيين» تظهر زعيم الحزب يائير غولان إلى جانب صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

ماذا لو فشل المعسكران في جمع الأغلبية؟

إذا لم يتمكن أي من المعسكرين من تأمين 61 مقعداً، فقد تدخل إسرائيل مرحلة مفاوضات معقدة لتشكيل حكومة، أو تواجه احتمال استمرار المأزق السياسي. ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن النظام الحزبي المجزأ يمنح الأحزاب الصغيرة نفوذاً في تحديد هوية رئيس الوزراء، لكنه يجعل الحكومات عرضة للخلافات بين الشركاء.

وتوضح الوكالة أن الحكومات الإسرائيلية اعتمدت مراراً على ائتلافات متعددة الأحزاب، وأن الخلافات بشأن قضايا الدين والدولة والخدمة العسكرية يمكن أن تؤثر في استمراريتها. لذلك؛ لا يُقاس نجاح أي معسكر بعدد المقاعد وحده، بل بقدرته على الحفاظ على اتفاق سياسي قابل للاستمرار.

ماذا يحدث إذا فشلت الأحزاب في تشكيل الحكومة؟

ولا يعني تعثر المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة الإسرائيلية حدوث فراغ حكومي؛ إذ تواصل الحكومة القائمة (أي حكومة نتنياهو) أداء مهامها إلى حين تشكيل حكومة جديدة. لكن فشل الأحزاب في التوصل إلى اتفاق ائتلافي قد يطيل المرحلة الانتقالية ويؤخر تنفيذ السياسات والوعود الانتخابية، في ظل استمرار الخلافات بشأن توزيع الحقائب الوزارية والأولويات السياسية.

وبموجب القانون الإسرائيلي، يُمنح الشخص المكلّف بتشكيل الحكومة مهلة أولية مدتها 28 يوماً، يمكن تمديدها بما يصل إلى 14 يوماً. وإذا أخفق في مهمته، يمكن تكليف مرشح آخر بالمحاولة. أما إذا فشلت محاولات تشكيل الحكومة، فقد ينتهي المسار إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات جديدة؛ ما يضع الأحزاب أمام جولة أخرى من التنافس السياسي بدلاً من حسم الصراع على تشكيل الائتلاف.


حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران، وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفية، تزداد التساؤلات عمّا إذا كانت المنطقة أمام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية، أم فرصة أخيرة لتسوية سياسية.

وفي حين يتوقع باحث في الشؤون الاستراتيجية مواجهةً واسعةً بحلول نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، يقلل باحثان من تأثير نتائج الانتخابات في قرارات ترمب ونتنياهو، عادين الحسابات الاستراتيجية العامل الحاسم. والسؤال المطروح في واشنطن وتل أبيب لم يعد مقتصراً على احتمال تجدُّد الحرب مع إيران، بل بات يتعلق بتوقيتها وحدودها وأهدافها. فالتقارير عن إعداد إسرائيل حملة قصف واسعة ضد أهداف إيرانية، ثم إرجائها بسبب اعتراض الرئيس دونالد ترمب، تعيد طرح معادلة حساسة: هل تنتظر الحرب انتهاء الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، أم أن تأجيلها يعكس تبايناً أعمق حول جدوى التصعيد؟

وبالفعل، تكتسب هذه التساؤلات أهميةً مع اقتراب الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، لكن آراء 3 خبراء أميركيين تكشف تبايناً بين التوقعات العسكرية والحسابات السياسية، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية: نتائج الانتخابات وحدها لن تحدد مصير المواجهة.

حرب تنتظر موعدها

كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، عن أنَّ نتنياهو أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي بإعداد حملة قصف واسعة ضد إيران، كان مقرراً تنفيذها في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قبل إلغائها بعد اعتراض ترمب على استئناف العمليات قبل الانتخابات الأميركية.

وبحسب الصحيفة، شملت الخطة استهداف منشآت نووية وبنى تحتية مدنية، إضافة إلى مواقع تابعة للنظام. كما عرض مسؤولون إسرائيليون على وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال زيارته غير المعلنة لإسرائيل الاثنين، قائمةً بالأهداف بالاستناد إلى معلومات استخباراتية جديدة.

وكان موقع «أكسيوس» قد كشف عن أن البنتاغون طلب استكمال الاستعدادات لعمليات عسكرية واسعة، من دون تحديد موعد لتنفيذها. ونقل عن مسؤولين أن هيغسيث وقيادة القوات الأميركية في المنطقة يدفعان باتجاه استئناف الضربات، بينما يفضِّل معظم مستشاري ترمب مواصلة العقوبات والضغوط الاقتصادية.

وتوحي هذه المعطيات بأن الخلاف يتعلق بتوقيت استخدام القوة ومدى الحاجة إليها، أكثر مما يتعلق بالأهداف النهائية. فواشنطن تريد انتزاع تنازلات إيرانية بشأن البرنامج النووي ومضيق «هرمز»، بينما تخشى إسرائيل أن يسمح استمرار المفاوضات لطهران بإعادة بناء قدراتها العسكرية.

سيناريوهات التصعيد

في تقدير أكثر تشاؤماً، يقول فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية الإيرانية في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن جميع المؤشرات تتجه نحو مواجهة عسكرية كبيرة تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وربما دولاً إقليمية أخرى، بحلول نهاية نوفمبر.

ومع ذلك، لا يستبعد نديمي نجاح الجهود الدبلوماسية المكثفة لمنع التصعيد، لكنه يرى فرص نجاحها ضئيلة للغاية. ويطرح سيناريو يبدأ بموجة جديدة من عمليات استهداف القيادات ومراكز القيادة والسيطرة، تليها ضربات للمنشآت النووية والصاروخية والدفاعات الجوية، وصولاً إلى حملة قصف شاملة ضد المواقع العسكرية والأمنية الإيرانية.

ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي بالبيت الأبيض بواشنطن في سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أما الانتقال إلى استهداف البنية التحتية ومنشآت النفط والغاز والبتروكيماويات، فيربطه بطبيعة الرد الإيراني. ويحذر نديمي من أن طهران قد تحاول هذه المرة بصورة أكثر جدية إغراق سفن حربية أميركية وإسقاط طائرات مأهولة، فضلاً عن استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى ذات مدى أبعد.

ويطرح احتمالاً أكثر خطورة يتمثَّل في توغل بري داخل الأراضي الكويتية أو السعودية انطلاقاً من العراق، باستخدام فصائل شيعية مرتبطة بالحشد الشعبي. ويبقى هذا الاحتمال سيناريو يطرحه الباحث، وليس مؤشراً مؤكداً إلى وجود خطة إيرانية لتنفيذه. وفي المقابل، يستبعد غزواً برياً أميركياً لإيران، مرجحاً أن تشبه المواجهة المقبلة حرب الأيام الـ39 السابقة.

حسابات واشنطن

لكن برايان كاتوليس، الباحث في شؤون السياسة الخارجية والمنطقة في معهد الشرق الأوسط، يقلل من أهمية نتائج الانتخابات في تحديد مسار الحرب. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن انتخابات التجديد النصفي لن تؤثر على الأرجح بصورة جوهرية في قرارات إدارة ترمب وإسرائيل بشأن إيران، لأن التهديدات التي تمثلها طهران ستبقى العامل الأساسي في تحديد الخطوات المقبلة. ويلفت إلى أن ترمب يمرُّ بأضعف مراحله السياسية خلال ولايتيه الرئاسيَّتين، مع تراجع شعبيته واحتمال خسارة الجمهوريين بعض مقاعدهم في الكونغرس.

صورة نشرها موقع «البرلمان الإيراني» من لقاء قاليباف وعاصم منير في طهران الثلاثاء

لكن ذلك لا يعني في رأيه، أن نتائج الانتخابات ستقيد قدرة الرئيس على التَّحرُّك عسكرياً، نظراً إلى الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية في قرارات الأمن القومي مقارنة بالكونغرس. ويحدد كاتوليس عاملين أكثر أهمية في حسابات الإدارة: النقص في بعض أنواع الذخائر والتجهيزات نتيجة المرحلة السابقة من الحرب، وما ترتب عليه من انكشاف أكبر للقوات الأميركية في المنطقة ومناطق أخرى، إضافة إلى التكلفة الاقتصادية لأي مواجهة جديدة.

وتكتسب هذه النقطة أهميةً مع استمرار التوتر حول مضيق «هرمز» وأسواق الطاقة، إذ قد يؤدي استئناف العمليات ضد المنشآت الإيرانية إلى اضطرابات إضافية في إمدادات النفط. أما إسرائيلياً، فيرى كاتوليس أن الخلافات بين القادة السياسيين تصبح أقل حدة عندما يتعلق الأمر بالتهديد الإيراني.

ما بعد صناديق الاقتراع

يذهب مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في «منتدى الشرق الأوسط»، أبعد من ذلك، مستبعداً أن تحدث الانتخابات تغييراً في المعادلة السياسية الحاكمة لقرار الحرب. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب سيبقى صاحب القرار بغض النظر عمَّا يحدث في الكونغرس. بل إنه قد يشعر بحرية أكبر في اتخاذ قرارات عسكرية بعد الانتخابات، مع غياب استحقاق رئاسي جديد بالنسبة إليه.

أما في إسرائيل، فيرى روبين أن المعارضة الواسعة لنتنياهو لا تعني وجود انقسام مماثل بشأن إيران. فثمة، بحسب تقديره، توافق واسع بين المرشحين الإسرائيليين من اليمين واليسار على طبيعة التهديدات المرتبطة بإيران وحماس و«حزب الله».

ويطرح مفارقة لافتة: قد يتمكَّن رئيس وزراء إسرائيلي آخر من التحرك بفاعلية أكبر من نتنياهو، لأن اعتراض بعض أعضاء الكونغرس والدبلوماسيين ووزراء الخارجية الأجانب يتركز على شخصية نتنياهو أكثر مما يتركز على إسرائيل نفسها. وبذلك، فإن خسارة نتنياهو الانتخابات لا تعني بالضرورة تراجع احتمال المواجهة، تماماً كما أن تراجع الجمهوريين في الكونغرس لا يمنح السلطة التشريعية قدرة تلقائية على منع الرئيس من استئناف العمليات.

في المحصلة، تبدو الانتخابات عاملاً مؤثراً في توقيت المواجهة أكثر من كونها محدداً لأهدافها. فالتأجيل الذي فرضه ترمب لا يعني التخلي عن الخيار العسكري، كما أن استعدادات إسرائيل لا تعني أن قرار الحرب اتخذ نهائياً. وتبقى المفاوضات المسار البديل، رغم استمرار الخلاف حول التنازلات النووية وشروط إنهاء الحرب. وقد يزيل انتهاء الانتخابات أحد أسباب التأجيل، لكنها لن تزيل العوائق العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ويبقى السؤال عمّا إذا كانت واشنطن ستستخدم استعداداتها العسكرية لفرض تسوية، أم ستعدّ فشل المفاوضات مبرراً لاستئناف الحرب. وفي الحالتين، سيكون قرار ترمب، لا نتائج صناديق الاقتراع وحدها، العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأزمة.