كيف سيُسمع صدى «معركة دمشق» في بيروت وبغداد؟

ردود فعل «المقاومة» الموالية لإيران يعتمد على «سلوك» الفصائل السورية

مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)
مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)
TT

كيف سيُسمع صدى «معركة دمشق» في بيروت وبغداد؟

مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)
مقاتلون يرفعون علماً يمثّل فصائل سورية مسلحة وسط حلب (أ.ف.ب)

تتزايد احتمالات أن يتحول تمدد الفصائل السورية المسلحة إلى صراع مفتوح وربما طويل الأمد، بين قوى إقليمية متنافسة، تشهد الآن انقلاباً في المعادلة، على نحو مفاجئ.

منذ سنوات، يجتذب المسرح السوري قوى خارجية بترسانتها العسكرية، لخلق توازن لصالح حكومة الرئيس بشار الأسد.

وبلغ المسرح ذروته بعد عام 2011، حينما اندفع «الحرس الثوري» الإيراني وفصائل عراقية موالية، بغطاء روسي، في حرب أهلية مدمرة، في حين كانت الولايات المتحدة تتمركز هناك لمحاربة تنظيم «داعش».

بعد سنوات، اتفقت القوى الفاعلة في سوريا على صيغة سياسية لخفض التصعيد، عبر ما يُسمّى «مسار آستانة»، لكن إيران حافظت على وجودها العسكري والاستخباري لحماية جسر الإمداد الممتد بين طهران وبيروت في الأراضي السورية، وأرست واشنطن، من الجانب الآخر، قواعد عسكرية في شمال شرقي البلاد.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قال إن «هدف الفصائل السورية هو دمشق» (الرئاسة التركية)

جذور 2011

الاستجابة: كانت تركيا، مع اندلاع التمرد في سوريا وقبل أن يتحول إلى حرب أهلية، مترددة في خياراتها السياسية والعسكرية، حتى إن مجلس الأمن القومي التركي أمضى أسابيع، في مايو (أيار) 2011، لتقييم تقارير عن «المأزق السوري» قدّمها رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان الذي أصبح اليوم وزيراً للخارجية.

بعد عامين، وجدت تركيا «الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني وميليشيات عراقية تتمركز في سوريا، في حين اندفعت هي لكبح الكرد بدعم حلفاء من العرب في الشمال السوري، واستقبلت ملايين اللاجئين الذين تحولوا إلى عبء اقتصادي واجتماعي في الداخل لديها، وأحياناً إلى «سكين في خاصرتها» في الصراع بين حزبي «العدالة والتنمية» و«الشعب الجمهوري».

تنظيمات متطرفة: نتيجة ظروف مختلفة، تمدّد تنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى في مناطق سورية وعراقية، وانخرطت قوى متنافرة لمحاربة هذه التنظيمات، من «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة وفصائل كردية، إلى «الحشد الشعبي» و«الحرس الثوري» والجيش السوري.

الدور الروسي: انخرطت موسكو في سوريا، ولم تكن يومها منشغلة بحرب استنزاف في أوكرانيا. سيطرت على الساحل السوري، وحافظت على منطقة تنافس فيها واشنطن في الشرق الأوسط، وبهذا القدر كانت تقيم تحالفها مع الرئيس السوري بشار الأسد.

زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني في حلب يوم 4 ديسمبر 2024 (تلغرام)

«الطوفان» السوري

طهران وموسكو: بعد اتفاق وقف النار في لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل كانت إيران في موضع لا يسمح لها بالمناورة، وحينما باغتت الفصائل السورية المسلحة الجيش السوري بتمدد سريع ومنظم تجاوز حلب وإدلب، لم تُظهر إيران رد فعل ميدانياً واضحاً، كما أن روسيا منهكة بحرب أوكرانيا.

التوقيت التركي: أفصحت أنقرة عن نفسها. أظهرت أنها تسبق الجميع «نحو دمشق»، كما عبر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي شرح الأمر بوضوح قبل يومين: «الوضع في سوريا يُدار بهدوء».

تنظيم الفصائل السورية: أظهرت المجموعات المسلحة المعارضة للأسد وللوجود الإيراني، خلال الأسبوع الماضي، قدراً من التنظيم. فإلى جانب التحركات الميدانية المنتظمة، حرصت -على الأقل حتى الآن- على عدم ارتكاب «جرائم حرب»، رغم انتماء قادتها إلى حركات أصولية. مع ذلك، الجميع يترقّب ما إذا سيتغيّر هذا الوجه المنظم.

الجيش السوري: كان من اللافت أن تمدّد الفصائل السورية لم يأتِ بعد معارك طاحنة، إذ ارتبط سقوط المدن تباعاً بعد حلب، بانسحاب قوات الجيش الحكومية، وقد يعني هذا أحد أمرين: قرار سياسي بعدم التورط بالقتال لمنح الحل السياسي الضئيل أساساً، أو أن الجيش متهالك ومفكك وغير قادر على حماية المدن.

جندي من قوات الحدود العراقية يقف عند الشريط المحاذي لسوريا (أ.ف.ب)

معركة دمشق

«تبدو خيارات إيران محدودة الآن». يقول مستشار سياسي عراقي سافر إلى واشنطن أخيراً وسمع وجهات نظر «جديدة» عن سوريا، إن «طهران لا تمتلك ورقة تفاوض واحدة، وهذا ما يزيد من خطرها لو قررت فعل شيء في لحظة احتضار لا قيمة سياسية لها».

تفيد الوقائع التاريخية بأن إيران لم تكن تسمح بسقوط بشار الأسد، لكن من الواضح أنها لو أرسلت الآن قوات مع حلفائها في المنطقة لدعم الرئيس السوري، فإنها تعلن، بالضرورة، الحرب ضد تركيا، في لحظة تردد روسي وبرود أميركي.

في بغداد وبيروت تتزايد المخاطر مع تمدّد الفصائل نحو الجنوب السوري، وصولاً إلى بلدة «القصير» جنوب حمص، ومنها إلى دمشق.

يقول فاعلون في الفصائل العراقية، إن «بغداد تضبط (قدر الضغط) لأول مرة منذ سنوات»، لكن «العامل الديني العقائدي لن يكون هيناً»، لو تعرّضت حواضن «الأقليات» في سوريا، أو أضرحة شيعية في دمشق إلى «الخطر»، وهذا يعتمد كثيراً على سلوك الفصائل السورية.

يعترف هؤلاء بصعوبة التحرك الآن، فالوقت والموارد وخطوط الإمداد ليست في صالح «المحور»، لكن الأضرار الجانبية ستبدأ ربما من أعمال انتقام في بيروت وبغداد.


مقالات ذات صلة

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

المشرق العربي قوات من الجيش السوري تغلق أحد الشوارع في بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة النطاق لحفظ الأمن الأربعاء والخميس (أ.ف.ب)

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

سلَّم القيادي السابق في الجنوب السوري، أحمد العودة «رجل التسويات» نفسه إلى السلطات السورية وظهر في شريط مصور، الأحد،

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي عناصر من القوات السورية يحرسون منطقة قرب سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرق سوريا (ا.ف.ب)

«قسد» تنسحب من سجن الأقطان باتجاه عين العرب شرق حلب

أعلن الجيش السوري، بدء انسحاب مقاتلي «قسد» من سجن الأقطان في ريف الرقة باتجاه عين العرب (كوباني).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ) p-circle

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الأحد، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فرضت» على الأكراد.

«الشرق الأوسط» (القامشلي)
المشرق العربي جندي سوري يقف على دبابة (أ.ف.ب)

القوات السورية تسيطر على حقلَي نفط وغاز في شرق البلاد

أفادت 3 مصادر أمنية، اليوم ‌(الأحد)، ‌بأن القوات ⁠السورية سيطر ت على حقل «العمر» النفطي، وهو الأكبر في سوريا، وحقل «كونيكو» للغاز في شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
TT

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)

أعلن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» أنه يعمل على «تعديل» وضع مهمته في العراق، في خطوة تعكس انسحاباً مؤقتاً لبعض قواته مع تصاعد التوتر الإقليمي.

وأكدت المتحدثة باسمه، أليسون هارت، الجمعة، أن الحلف «يعدّل وضعه في العراق... ويعمل بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء»، مؤكدة أن «سلامة وأمن أفراد الحلف أمر بالغ الأهمية».

في السياق ذاته، أعلن ​وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، إجلاء ‌قوات ​بلاده ‌من ⁠العراق «بعد تحليل الظروف ‌العملياتية، والتهديدات المحتملة».

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع ضغوط سياسية مكثفة داخل بغداد لوقف هجمات الفصائل، عبر رسائل حكومية وتحذيرات قضائية وتهديدات أميركية «حازمة».

وتحدثت مصادر عن تفاهمات أولية لخفض التصعيد، ترافقت مع هدنة كانت أعلنتها «كتائب حزب الله» لخمسة أيام، وسط هدوء نسبي ميدانياً، غير أن مصادر أشارت إلى أن الجانب الأميركي لم يقدّم حتى الآن رداً واضحاً عليها؛ مما يبقي الهدنة في إطار هش وقابل للانهيار، مع استمرار الضربات الجوية التي استهدفت مقار تابعة لـ«الحشد الشعبي».


اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
TT

اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوساطات لوقف إطلاق النار مع لبنان، باندفاعة في الميدان، تمثلت في هجمات برية متزامنة على أربعة محاور، في محاولة لتشتيت القوة المدافعة التي تتصدى للتوغلات من خلال توسعة رقعة الهجوم، والضغط بالنار على لبنان قبل أي محادثات.

وعلى وقع تعزيزات إسرائيلية تتدفق إلى الحدود مع لبنان، جدد الجيش الإسرائيلي الهجمات على محوري الخيام والطيبة، واستأنف تحركاته على محور مارون الراس وعيترون في محيط مدينة بنت جبيل، فيما افتتح محوراً جديداً في القطاع الغربي باتجاه بلدة الناقورة.

وترافق التوغل مع قصف جوي ومدفعي عنيف استهدف عشرات البلدات في العمق اللبناني، وأصابت إحدى الهجمات مركزاً للدفاع المدني.

وبينما لم تثمر زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو إلى تل أبيب أي ليونة إسرائيلية تجاه الوساطة الفرنسية، تنشر «الشرق الأوسط» مضمون الورقة الفرنسية التي تتحدث عن ثلاث مراحل، ولا تشير صراحة إلى اعتراف لبناني بإسرائيل. وينص البند الأول على تأكيد «دولة لبنان التزامها احترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل»، في حين ينص البند الثاني على «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل»، لكن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما».


الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

لا يبدو من تصريحات وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو بعد الزيارة السريعة التي قادته الخميس والجمعة إلى لبنان وإسرائيل أنه نجح في دفع الجانب الإسرائيلي إلى تليين موقفه، والقبول بالوساطة الفرنسية لخفض التصعيد بين لبنان و«حزب الله»، توصلاً إلى اتفاقية تتخطى القرار الدولي 1701، واتفاقية وقف الأعمال العدائية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

فالوزير الفرنسي لم يخف الهدف من جولته إذ أعلن، عقب لقائه نظيره الإسرائيلي الجمعة، أنه جاء إلى المنطقة «للبحث مع شركائنا في سبل التوصل إلى حل سياسي يتيح توفير رد مستدام للتحديات الأمنية الجماعية التي تسببت بتصعيد غير مسبوق» في إشارة للحرب القائمة بين إسرائيل و«حزب الله». وبكلام أوضح، فإن بارو كان يسعى للترويج لـ«الخطة» التي اقترحتها باريس لإيجاد حل نهائي بين بيروت وتل أبيب. وبطبيعة الحال، كرر بارو الموقف الفرنسي من الحرب الدائرة، والتي دفع إليها «القرار غير المسؤول وغير المقبول لـ(حزب الله) في الانضمام إلى الاعتداءات الإيرانية على إسرائيل بحيث فضل دعم النظام الإيراني على استقرار وأمن لبنان ما جره إلى حرب لا تريدها السلطات (اللبنانية)، ولا الشعب اللبناني».

الوزير جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة بعد انتهاء زيارته لإسرائيل (أ.ب)

حتى اليوم، ما زالت باريس تنفي أنها قدمت «خطة» للحل في لبنان، وهو ما أكده الرئيس إيمانويل ماكرون ليل الخميس-الجمعة، من بروكسل، بعد اجتماع لقادة دول الاتحاد الأوروبي بقوله: «إنه «لا يوجد أي مقترح فرنسي على الإطلاق يتضمن» اعتراف لبنان بإسرائيل، مضيفاً: «هذا غير موجود». وبصراحة متناهية، اعتبر الرئيس الفرنسي أن «موضوع المفاوضات المباشرة يتطلب جاهزية الوفود وإعراب الجانب الإسرائيلي عن موافقته (بعد) أن أعلن الرئيس عون بوضوح عن جاهزيته، واستعداده للقيام بذلك». وانتقد ماكرون العملية العسكرية الإسرائيلية «غير مقبولة بموجب القانون الدولي».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الخميس في بروكسل على هامش القمة الأوروبية (رويترز)

حقيقة الأمر أن ماكرون نفى وجود «خطة» فرنسية تتضمن «اعتراف» لبنان بإسرائيل. وبنفيه هذا، لا يجانب الرئيس الفرنسي الحقيقة لأن تعبير «الاعتراف» بإسرائيل غير وارد فيها. لكن هناك بالفعل خطة فرنسية نقلت إلى الأطراف المعنية «لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة» وحصلت عليها «الشرق الأوسط» وهي موجودة بالإنجليزية تحت مسمى «معايير لاتفاق بين لبنان وإسرائيل-ورقة فرنسية غير رسمية». وهذه «الورقة» أشير إليه بـ«Non Paper»، وهو المفهوم المستخدم في الأمم المتحدة بشكل خاص، والذي يعني مقترحاً قابلاً للتعديل.

إشكالية الاعتراف اللبناني بإسرائيل

تتحدث «الخطة» الفرنسية عن ثلاث مراحل لا تشير صراحة إلى «الاعتراف». ذلك أن البند الأول من المرحلة الأولى الممتدة لشهر واحد من الخطة ينص على «بند الاعتراف الأول» وفيه ما حرفيته: «تؤكد دولة لبنان التزامها باحترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل». وبعده وردت فقرة ثانية تتحدث عن «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل». بيد أن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما البعض». وإعلان «انتهاء حالة الحرب» و«اتفاق عدم الاعتداء» لا يعنيان، قانونياً، «الاعتراف» بدولة إسرائيل، إذ لا حديث عن تبادل السفراء مثلاً... ولا شك أن باريس تعي الصعوبات التي تحول دون ذلك. والإشكال واقع في «عنوان» البند الأول، وليس في مضمونه. ويرجح أن صياغته الغامضة بهذا الشكل يراد منها «إغراء» إسرائيل بقبول المقترح الفرنسي، والسير في المفاوضات السياسية المباشرة التي تطالب بها منذ أشهر، والتي كانت تريدها بديلاً عن آلية مراقبة وقف إطلاق النار «الميكانيزم» التي أطلقت في نوفمبر عام 2024. ولا شك أن ما نشره موقع «أكسيوس» قبل أسبوع، وفيه الحديث صراحة عن «الاعتراف» أثار الإشكالية المشار إليها.

رفض أميركي

اللافت في الورقة الفرنسية أنها توحي بدعم أميركي للخطة، إذ نصت على أن «لبنان وإسرائيل يجتمعان على مستوى كبار المسؤولين، ثم على المستوى السياسي في باريس، للاتفاق على إعلان سياسي مشترك، بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا». والحال أن مصدراً فرنسياً أكد الخميس أن مجلس الأمن الذي اجتمع قبل يومين في جلسة لمناقشة الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل لم يفضِ إلى أي نتيجة، لأن واشنطن ترفض أن يعمد إلى التصويت على قرار، أو حتى إصدار بيان، وأن ما تريده راهناً «توفير الوقت» لإسرائيل من أجل «إتمام المهمة» التي تقوم بها، أي القضاء على «حزب الله».

وبحسب هذا المصدر، فإن واشنطن تترك لإسرائيل حرية التصرف، مع استثناء يتناول البنى التحتية الرئيسة، مثل المطار، والمرفأ. وأكدت مصادر أخرى أن إسرائيل ما زالت حتى اليوم ترفض حتى مشاركة باريس في رعاية المفاوضات السياسية المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالتالي مقترحها. ولم يعرف ما إذا كان بارو قد نجح في اجتماع الساعتين الذي عقده مع نظيره جدعون ساعر في دفع تل أبيب إلى تليين موقفها الرافض حتى اليوم.

خيام النازحين اللبنانيين على شاطئ مدينة بيروت (أ.ف.ب)

خطة واضحة وشاملة ولكن...

لا تكتفي الخطة الفرنسية بالمسائل الأمنية، بل تريد أن تكون شاملة لكل جوانب الوضع اللبناني، إذ تشير في مرحلتها الثالثة إلى «استكمال ترسيم الحدود البرية بحلول نهاية عام 2026 بين لبنان وإسرائيل، وكذلك بين لبنان وسوريا، وذلك بمساعدة فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والأمم المتحدة» و«تقديم دعم دولي لتعزيز أمن وسلامة الحدود اللبنانية-السورية». أما انسحاب إسرائيل «التدريجي» من الأراضي الجديدة التي احتلتها منذ معاودة الحرب في مارس (آذار) 2026 فسيتم بعد شهر، وبالتوازي بين تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء نزع سلاح «حزب الله». أما الانسحاب من المواقع الخمسة التي تحتلها منذ العام 2024 فسيحصل خلال المرحلة الثانية، أي بعد توقيع إعلان انتهاء حالة الحرب بين البلدين، مع نشر قوات من «تحالف المتطوعين» على الحدود للإشراف على ذلك. وتتضمن الخطة العديد من الالتزامات اللبنانية، ومنها التنفيذ الكامل لكافة مندرجات القرار 1701، ومنع استخدام أراضيه لمهاجمة إسرائيل، ونزع سلاح «حزب الله»، وتكليف «اليونيفيل» بالتأكد من ذلك جنوب الليطاني، فيما تتولى قوة من «تحالف المتطوعين» التأكد من نزع السلاح في المناطق اللبنانية الأخرى شرط حصوله على انتداب دولي.

ولا تشير الخطة إلى الدول التي يمكن أن تنضم إلى «تحالف المتطوعين» الذي يتعين عليه التحضير لما بعد مرحلة رحيل «اليونيفيل» عن لبنان مع بداية العام 2027، وتتحدث الخطة الفرنسية عن مؤتمر لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، وآخر لإعادة الإعمار للمناطق المعنية «بعد إعادة سيطرة الدولة عليها». واللافت أن الخطة تشير أيضاً إلى «التزامات لبنان باستكمال الإصلاحات المالية المطلوبة» بما في ذلك «قانون الفجوة المالية»، وتقديم مساعدات للنازحين.