يجمع مستقبل زراعة القوقعة بين الجراحة الدقيقة والذكاء الاصطناعي والتأهيل، لتحسين فهم الكلام واستعادة التواصل. وشكّلت هذه التحولات محور مؤتمر «زراعة القوقعة واضطرابات السمع – حوكمة المسار العلاجي»، الذي نظمته وزارة الصحة السعودية بالرياض، يومي 7 و8 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بمشاركة جراحين واختصاصيي سمع وتأهيل وشركات عالمية. وناقشت جلساته تطوير الرعاية من التشخيص إلى المتابعة، بالتوازي مع معالجة العوائق الاجتماعية التي تؤخر العلاج.

تقدُّم سعودي وخوارزميات ذكية
أكد الدكتور سعيد الغامدي رئيس المؤتمر واستشاري الأنف والأذن والحنجرة رئيس مركز زراعة القوقعة بمدينة الملك عبد الله الطبية بمكة المكرمة، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن المملكة أصبحت من الدول المتقدمة في هذا التخصص. وقال إنه لم يلحظ فروقاً جوهرية بين التقنيات والعلاجات في المراكز السعودية المتقدمة وتلك المعروضة في اجتماع عالمي لزراعة القوقعة حضره بلوس أنجليس، العام الماضي.
وعزا الغامدي هذا المستوى إلى تراكم الخبرات الطبية والجراحية، وتوافر الأجهزة الحديثة، وتطور التأهيل والمتابعة. وأوضح أن المؤتمر ناقش دور خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تشخيص اضطرابات السمع وتحسين علاجها، خصوصاً في التقنيات المرتبطة بزراعة القوقعة.
وتحلل بعض الأجهزة الحديثة الأصوات المحيطة، وتميز الكلام من الضوضاء، وتعدل معالجة الصوت تلقائياً عند الانتقال بين البيئات الهادئة والمزدحمة. وتعتمد على المعالجة الرقمية للإشارات، وبعضها يستخدم التعلُّم الآلي، لتحسين وضوح الكلام وتقليل أثر الضوضاء، مع اختلاف النتائج بحسب الجهاز وطبيعة فقدان السمع.
دراسة لتحسين فهم الكلام
واختبرت دراسة نُشرت بمجلة «Ear and Hearing»، في عدد مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2026، أجراها باحثون من مؤسسات أكاديمية بهولندا وألمانيا، خوارزميات ذكاء اصطناعي للحد من الصدى وانعكاسات الصوت لدى مستخدمي القوقعة. ويكمن التحدي لدى كثير من المستخدمين في تجاوز سماع الصوت، إلى فهم الكلام وسط الضوضاء والصدى.
وشملت الدراسة 15 مستخدماً، وأظهرت تحسناً متوسطاً في درجات فهم الكلام تراوح بين 11 و17 نقطة مئوية، مقارنة بالأصوات غير المعالَجة، ضمن ظروف الاختبار. وتفتح النتائج مجالاً لتحسين إدراك الكلام في البيئات الصعبة، لكنها تحتاج إلى تأكيد بتجارب سريرية أوسع قبل تعميمها، لصغر العينة المدروسة.

الجراحة الروبوتية والمتابعة عن بُعد
وتناول البرنامج العلمي للمؤتمر أنظمة روبوتية تساعد على إدخال الأقطاب الكهربائية داخل القوقعة، في مرحلة دقيقة تستهدف المحافظة قدر الإمكان على البنى الداخلية للأذن. كما ناقش برمجة الأجهزة وضبطها عن بُعد، لتسهيل متابعة المرضى وتقليل السفر المتكرر للمراكز المتخصصة، خصوصاً من المناطق البعيدة.
وشملت الجلسات الحالات الجراحية المعقدة، والتشوهات الخلقية للأذن الداخلية، وإعادة الزراعة عند تعطل الأجهزة، والتدخل المبكر للأطفال. وأكدت أهمية التقييم الدقيق وبرمجة الجهاز والتأهيل السمعي واللغوي المستمر، بمشاركة الأسرة وفريق متعدد التخصصات؛ إذ لا ينتهي نجاح الزراعة بإجراء العملية.
تقنيات سمعية جديدة
وشاركت شركات «Cochlear» و«MED-EL» و«Advanced Bionics»، إلى جانب عروض لأجهزة سمعية رقمية وملحقات لتحسين التواصل. وتناولت ورش العمل مستقبل الرعاية السمعية حتى 2030، والطب الاتصالي، وتقييم السمع بالأذنين، وحلول التوصيل العظمي.
وعكست المعروضات توجهاً لتصغير الأجهزة وتطوير معالجات الصوت وتسهيل استخدامها واتصالها بالأجهزة الرقمية. ويظل إدخال الابتكارات إلى الممارسة الطبية مرتبطاً بالتقييم السريري المستمر لفاعليتها وسلامتها وملاءمتها لاحتياجات المرضى.
الوصمة الاجتماعية تؤخر العلاج
ورغم التقدم، شدد الغامدي على استمرار تحديات الوعي والمواقف الاجتماعية. وأوضح أن بعض المصابين يترددون في مراجعة الاختصاصيين أو استخدام السماعات خشية نظرة المجتمع، مما قد يؤخر التشخيص والاستفادة من العلاج.
ودعا إلى حملات توعية وتصحيح المفاهيم المتعلقة بالسماعات وزراعة القوقعة، والتأكيد على أن طلب المساعدة الطبية خطوة للحفاظ على التواصل والمشاركة الاجتماعية، فضعف السمع قد يؤثر في التعليم والعمل والعلاقات الأسرية والاجتماعية عند تأخر اكتشافه وعلاجه.
وتؤكد مناقشات المؤتمر أن تطوير الأجهزة يحتاج إلى مسار متكامل للكشف المبكر واختيار العلاج والتأهيل والمتابعة الطويلة. ويساعد الذكاء الاصطناعي في معالجة الأصوات ودعم القرارات السريرية، مع بقاء التقييم الطبي المتخصص أساساً للرعاية، وإزالة الخوف من الوصمة شرطاً لوصول المرضى إليها.
