إننا نحرص عادةً على اختيار الطعام الصحي، وممارسة الرياضة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، ونعرف أن التدخين وقلة الحركة يتركان آثاراً سلبية على الصحة مع مرور الزمن. لكنّ قليلين منا يتوقفون ليسألوا أنفسهم سؤالاً مختلفاً: هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا، كما يؤثر الغذاء، أو نمط الحياة؟
لكل منا أشخاص يمنحونه الطمأنينة، والدعم، وآخرون نخرج من لقائهم مثقلين بالتوتر، والإنهاك، حتى من دون خلافات واضحة. وقد اعتدنا النظر إلى هذه المشاعر بوصفها عبئاً نفسياً عابراً، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تطرح سؤالاً جديداً: هل يمكن أن يترك التعرض المستمر للعلاقات المرهقة أثراً بيولوجياً يمتد إلى سرعة شيخوخة الجسم؟

لقاء طبي
في حديثها إلى «صحّتك» توضح البروفسورة سمر أحمد عامر، أستاذة الطب الوقائي واستشارية الصحة العامة بنمط الحياة في هيئة الصحة العامة (وقاية) في الرياض-المملكة العربية السعودية، أن الاهتمام بصحة الإنسان انصب لعقود على عوامل الخطر التقليدية، مثل التغذية، والتدخين، والنشاط البدني، والنوم، بينما بقيت جودة العلاقات الاجتماعية عنصراً أقل حضوراً في النقاش الطبي، رغم أنها قد تمثل مصدراً مزمناً للضغوط. ومن هنا تبرز أهمية الدراسة الحديثة التي نُشرت هذا العام في دورية «PNAS»، التي فتحت باباً جديداً لفهم العلاقة بين الروابط الاجتماعية المرهقة والشيخوخة البيولوجية، وأعادت طرح سؤال يستحق التأمل: هل يمكن أن تؤثر جودة علاقاتنا في سرعة تقدّم أجسامنا في العمر؟ استندت الدراسة، التي نُشرت مطلع عام 2026 في دورية «Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)»، إلى بيانات 2345 بالغاً تراوحت أعمارهم بين 18 و103 أعوام، ضمن عينة ممثلة لسكان ولاية إنديانا الأميركية. ولم يكتفِ الباحثون باستطلاع آراء المشاركين حول علاقاتهم الاجتماعية، بل جمعوا أيضاً عينات من اللعاب لقياس مؤشرات العمر البيولوجي، بهدف استكشاف ما إذا كان التعرض المستمر للعلاقات الاجتماعية المرهقة يرتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية، وتدهور بعض المؤشرات الصحية.
وتوضح الأستاذة الدكتورة سمر عامر أن أهمية الدراسة تكمن في انتقالها من السؤال التقليدي عن تأثير العلاقات في الصحة النفسية إلى سؤال أكثر عمقاً: «هل يمكن أن تترك العلاقات المرهقة أثراً بيولوجياً يمكن قياسه داخل الجسم؟». وهو توجه بحثي حديث يعكس الاهتمام المتزايد بدور الصحة الاجتماعية في الشيخوخة، والصحة العامة.
العلاقات المرهقة والشيخوخة البيولوجية
• علاقات وضغوط. كانت النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه في الدراسة أن الأشخاص الذين لديهم عدد أكبر من العلاقات الاجتماعية المرهقة أظهروا مؤشرات على تسارع الشيخوخة البيولوجية مقارنة بغيرهم. فقد ارتبط كل شخص إضافي يُمثل مصدراً متكرراً للضغوط داخل الشبكة الاجتماعية بزيادة سرعة الشيخوخة البيولوجية بنحو 1.5 في المائة، وأن يبدو العمر البيولوجي أكبر بنحو تسعة أشهر مقارنة بأشخاص من العمر الزمني نفسه.
وتوضح أ.د. سمر عامر أن المقصود هنا ليس العمر الزمني الذي يُقاس بعدد السنوات، وإنما العمر البيولوجي، وهو مقياس يعكس مدى تأثر الجسم بعمليات التقدم في العمر على المستوى الخلوي، ويُعد من الأدوات الحديثة المستخدمة في أبحاث الشيخوخة.
كما أظهرت الدراسة أن هذا التأثير اتخذ طابعاً تراكمياً؛ فكلما ازداد عدد الأشخاص الذين يشكلون مصدراً دائماً للضغوط، ارتبط ذلك بمؤشرات أسوأ للشيخوخة البيولوجية. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج تشير إلى ارتباط إحصائي بين العلاقات المرهقة وتسارع الشيخوخة، ولا تثبت أن هذه العلاقات هي السبب المباشر، إذ قد تتداخل معها عوامل صحية ونفسية واجتماعية أخرى، وهو ما يتطلب مزيداً من الدراسات لفهم هذه العلاقة بصورة أوضح.
• من هم الأشخاص الأكثر إرهاقاً للآخرين؟ لم تقصد الدراسة بالأشخاص «المرهقين» أولئك الذين نختلف معهم بين حين وآخر، بل الذين يتحول وجودهم إلى مصدر متكرر للمشكلات، والضغوط، ويجعلون الحياة أكثر صعوبة بصورة مستمرة. وتوضح أ.د. سمر عامر أن هذا المفهوم لا يصف الأشخاص بقدر ما يصف طبيعة العلاقة، وما تتركه من أثر متواصل في الصحة النفسية.
وأظهرت النتائج أن بعض العلاقات كانت أكثر ارتباطاً بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية من غيرها. فبينما ظهر زملاء العمل ورفقاء السكن والجيران ضمن أكثر العلاقات التي وصفها المشاركون بأنها مرهقة، كانت المفاجأة أن أفراد الأسرة، باستثناء الزوج أو الزوجة، كانوا الأكثر ارتباطاً بتسارع الشيخوخة البيولوجية. فقد برز الوالدان، والأبناء، يليهم الإخوة، والأقارب، بوصفهم أكثر مصادر الضغوط تكراراً.
التعرض المستمر للعلاقات المرهقة له أثر بيولوجي قد يساهم في تسريع شيخوخة الجسم
وترى أ.د. سمر عامر أن هذه النتيجة لا تعني أن الأسرة بطبيعتها مصدر للمشكلات، وإنما قد تعكس خصوصية العلاقات العائلية؛ فهي علاقات يصعب الانسحاب منها، وتتداخل فيها المحبة مع الواجب، والرعاية مع المسؤولية، مما قد يجعل الضغوط المستمرة أكثر تأثيراً من العلاقات التي يمكن الابتعاد عنها بسهولة.
ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الدراسة لم تجد ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين كون الزوج أو الزوجة مصدراً للتوتر ومؤشرات الشيخوخة البيولوجية التي قاستها. ويؤكد الباحثون أن ذلك لا يعني أن الخلافات الزوجية -أو الإساءة داخل العلاقة- لا تؤثر في الصحة، وإنما يعني فقط أن هذه الدراسة، ووفق منهجيتها، لم تثبت هذا الارتباط.
• هل الجميع معرضون للعلاقات المرهقة بالدرجة نفسها؟ تشير نتائج الدراسة إلى أن التعرض للعلاقات المرهقة لا يتوزع بالتساوي بين جميع الناس، إذ كان الإبلاغ عن وجود أشخاص يشكلون مصدراً متكرراً للضغوط أكثر شيوعاً بين النساء، والمدخنين، والأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية، ومن مروا بتجارب قاسية في مرحلة الطفولة، وكذلك لدى من يشعرون بأن الآخرين يعتمدون عليهم بدرجة كبيرة.
وتوضح أ.د. سمر عامر أن هذه النتائج لا تعني أن هذه الفئات أكثر ميلاً إلى إقامة علاقات مرهقة، بل قد تعكس أن من يعيشون أصلاً تحت أعباء صحية أو نفسية أو اجتماعية يصبحون أكثر تعرضاً لضغوط إضافية داخل علاقاتهم، أو أكثر تأثراً بها.
ويؤكد الباحثون أن الدراسة لا تحدد اتجاه هذه العلاقة؛ فقد تسهم العلاقات المرهقة في تدهور الصحة النفسية، والجسدية، كما قد تجعل المشكلات الصحية أو النفسية الشخص أكثر عرضة للتوتر في علاقاته. لذلك تشير النتائج إلى وجود ارتباط بين هذه العوامل، لكنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة.
الجسم في حالة استنفار
• عبء التوتر المزمن. عندما يواجه الإنسان خطراً مفاجئاً، أو موقفاً يثير التوتر، يستجيب الجسم بصورة طبيعية، وذلك بإفراز هرمونات مثل الكورتيزول، والأدرينالين، بما يهيئه للتعامل مع الموقف. وعادةً ما تنتهي هذه الاستجابة بزوال الخطر، ليعود الجسم تدريجياً إلى حالته الطبيعية.
وتوضح أ.د. سمر عامر أن المشكلة تنشأ عندما يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، كما قد يحدث مع العلاقات التي تستنزف الإنسان بصورة مستمرة. ففي هذه الحالة يبقى الجسم في حالة استنفار متكرر، وهو ما يعرف علمياً بـ«الحِمل التكيفي (Allostatic Load)»، أي العبء المتراكم على أجهزة الجسم نتيجة التعرض المستمر للضغوط.
ومع مرور الوقت قد ينعكس هذا العبء على جودة النوم، وضغط الدم، وتنظيم الشهية، والاستجابة المناعية، كما قد يسهم في تعزيز العمليات المرتبطة بالالتهاب المزمن، وهي آليات يعتقد الباحثون أنها قد ترتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية.
ومع ذلك تؤكد الدراسة أن هذا التفسير لا يزال فرضية بيولوجية مدعومة بالأدلة، لكنه لا يثبت بصورة قاطعة أن العلاقات المرهقة هي السبب المباشر لهذه التغيرات، وإنما يفسر أحد المسارات المحتملة التي قد تربط بينهما.
• العلاقات جزء من الصحة. ترى أ.د. سمر عامر أن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة تكمن في أنها تدعو إلى توسيع مفهوم الصحة ليشمل البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان. فوفق تعريف منظمة الصحة العالمية، لا تقتصر الصحة على غياب المرض، بل تشمل السلامة الجسدية، والنفسية، والاجتماعية، وهو ما يجعل جودة العلاقات الإنسانية جزءاً من الصحة، وليست مجرد جانب اجتماعي منفصل.
وتنسجم نتائج الدراسة مع هذا المفهوم، إذ تشير إلى أن الضغوط الاجتماعية المزمنة قد ترتبط بمؤشرات نفسية، وجسدية، وبيولوجية، ما يدعو إلى النظر في جودة العلاقات باعتبارها أحد العوامل التي تستحق الاهتمام عند تقييم صحة الإنسان، إلى جانب التغذية، والنشاط البدني، والنوم، والامتناع عن التدخين.
• ماذا تعني هذه النتائج لنا؟ تؤكد أ.د. سمر عامر أن الرسالة الأهم لهذه الدراسة ليست الدعوة إلى إعادة تقييم كل علاقة صعبة في حياتنا، ولا إلى إصدار أحكام على الأشخاص من حولنا، وإنما إدراك أن الضغوط الاجتماعية المزمنة تستحق الاهتمام بوصفها أحد العوامل التي قد تؤثر في الصحة، شأنها شأن بقية عوامل نمط الحياة.
وتضيف أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها معقدة، وقد يجتمع فيها الحب والخلاف، والدعم والاختلاف، لذلك لا يمكن اختزالها في علاقات «جيدة» وأخرى «سيئة». كما أن نتائج هذه الدراسة لا تعني أن إنهاء علاقة معينة سيبطئ الشيخوخة، أو يحسن الصحة تلقائياً، إذ لم تبحث هذا الأمر، ولا توجد حتى الآن أدلة علمية تثبت ذلك.
وفي مجتمعاتنا العربية، حيث تقوم العلاقات الأسرية على قيم صلة الرحم، والتكافل، وتحمّل المسؤولية، فإن الرسالة لا تكمن في القطيعة، أو الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل في إدارة العلاقات بصورة أكثر توازناً، ووضع حدود صحية تحافظ على الاحترام المتبادل، وطلب المساندة عند الحاجة إذا أصبحت الضغوط تؤثر في الحياة اليومية.
وأخيراً، فإن هذه الدراسة لا تقدم إجابة قاطعة، لكنها تضيف دليلاً جديداً إلى أبحاث متزايدة تشير إلى أن صحة الإنسان لا تتأثر بعوامل نمط الحياة وحدها، كالغذاء، والنشاط البدني، بل أيضاً بالبيئة النفسية والاجتماعية التي يعيش فيها.
وعليه، فإن الرسالة الأهم ليست البحث عن أشخاص مثاليين، أو الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل إدراك أن الضغوط المزمنة تستحق الاهتمام مثلها مثل بقية عوامل الخطر الصحية. فالعلاقات الإنسانية لا تخلو من الاختلاف، لكن استمرار الاستنزاف النفسي قد ينعكس على جودة الحياة، وربما على الصحة أيضاً.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا من وقت إلى آخر هو: هل تمنحنا علاقاتنا شعوراً بالأمان، والدعم، أم أصبحت مصدراً دائماً للضغط؟ فمجرد طرح هذا السؤال قد يكون خطوة أخرى نحو حياة أكثر توازناً، وصحة.
*استشاري طب المجتمع

