هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟

دراسة حديثة تربط الضغوط الاجتماعية المزمنة بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية

هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟
TT

هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟

هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟

إننا نحرص عادةً على اختيار الطعام الصحي، وممارسة الرياضة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، ونعرف أن التدخين وقلة الحركة يتركان آثاراً سلبية على الصحة مع مرور الزمن. لكنّ قليلين منا يتوقفون ليسألوا أنفسهم سؤالاً مختلفاً: هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا، كما يؤثر الغذاء، أو نمط الحياة؟

لكل منا أشخاص يمنحونه الطمأنينة، والدعم، وآخرون نخرج من لقائهم مثقلين بالتوتر، والإنهاك، حتى من دون خلافات واضحة. وقد اعتدنا النظر إلى هذه المشاعر بوصفها عبئاً نفسياً عابراً، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تطرح سؤالاً جديداً: هل يمكن أن يترك التعرض المستمر للعلاقات المرهقة أثراً بيولوجياً يمتد إلى سرعة شيخوخة الجسم؟

أ.د. سمر أحمد عامر

لقاء طبي

في حديثها إلى «صحّتك» توضح البروفسورة سمر أحمد عامر، أستاذة الطب الوقائي واستشارية الصحة العامة بنمط الحياة في هيئة الصحة العامة (وقاية) في الرياض-المملكة العربية السعودية، أن الاهتمام بصحة الإنسان انصب لعقود على عوامل الخطر التقليدية، مثل التغذية، والتدخين، والنشاط البدني، والنوم، بينما بقيت جودة العلاقات الاجتماعية عنصراً أقل حضوراً في النقاش الطبي، رغم أنها قد تمثل مصدراً مزمناً للضغوط. ومن هنا تبرز أهمية الدراسة الحديثة التي نُشرت هذا العام في دورية «PNAS»، التي فتحت باباً جديداً لفهم العلاقة بين الروابط الاجتماعية المرهقة والشيخوخة البيولوجية، وأعادت طرح سؤال يستحق التأمل: هل يمكن أن تؤثر جودة علاقاتنا في سرعة تقدّم أجسامنا في العمر؟ استندت الدراسة، التي نُشرت مطلع عام 2026 في دورية «Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)»، إلى بيانات 2345 بالغاً تراوحت أعمارهم بين 18 و103 أعوام، ضمن عينة ممثلة لسكان ولاية إنديانا الأميركية. ولم يكتفِ الباحثون باستطلاع آراء المشاركين حول علاقاتهم الاجتماعية، بل جمعوا أيضاً عينات من اللعاب لقياس مؤشرات العمر البيولوجي، بهدف استكشاف ما إذا كان التعرض المستمر للعلاقات الاجتماعية المرهقة يرتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية، وتدهور بعض المؤشرات الصحية.

وتوضح الأستاذة الدكتورة سمر عامر أن أهمية الدراسة تكمن في انتقالها من السؤال التقليدي عن تأثير العلاقات في الصحة النفسية إلى سؤال أكثر عمقاً: «هل يمكن أن تترك العلاقات المرهقة أثراً بيولوجياً يمكن قياسه داخل الجسم؟». وهو توجه بحثي حديث يعكس الاهتمام المتزايد بدور الصحة الاجتماعية في الشيخوخة، والصحة العامة.

العلاقات المرهقة والشيخوخة البيولوجية

• علاقات وضغوط. كانت النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه في الدراسة أن الأشخاص الذين لديهم عدد أكبر من العلاقات الاجتماعية المرهقة أظهروا مؤشرات على تسارع الشيخوخة البيولوجية مقارنة بغيرهم. فقد ارتبط كل شخص إضافي يُمثل مصدراً متكرراً للضغوط داخل الشبكة الاجتماعية بزيادة سرعة الشيخوخة البيولوجية بنحو 1.5 في المائة، وأن يبدو العمر البيولوجي أكبر بنحو تسعة أشهر مقارنة بأشخاص من العمر الزمني نفسه.

وتوضح أ.د. سمر عامر أن المقصود هنا ليس العمر الزمني الذي يُقاس بعدد السنوات، وإنما العمر البيولوجي، وهو مقياس يعكس مدى تأثر الجسم بعمليات التقدم في العمر على المستوى الخلوي، ويُعد من الأدوات الحديثة المستخدمة في أبحاث الشيخوخة.

كما أظهرت الدراسة أن هذا التأثير اتخذ طابعاً تراكمياً؛ فكلما ازداد عدد الأشخاص الذين يشكلون مصدراً دائماً للضغوط، ارتبط ذلك بمؤشرات أسوأ للشيخوخة البيولوجية. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج تشير إلى ارتباط إحصائي بين العلاقات المرهقة وتسارع الشيخوخة، ولا تثبت أن هذه العلاقات هي السبب المباشر، إذ قد تتداخل معها عوامل صحية ونفسية واجتماعية أخرى، وهو ما يتطلب مزيداً من الدراسات لفهم هذه العلاقة بصورة أوضح.

• من هم الأشخاص الأكثر إرهاقاً للآخرين؟ لم تقصد الدراسة بالأشخاص «المرهقين» أولئك الذين نختلف معهم بين حين وآخر، بل الذين يتحول وجودهم إلى مصدر متكرر للمشكلات، والضغوط، ويجعلون الحياة أكثر صعوبة بصورة مستمرة. وتوضح أ.د. سمر عامر أن هذا المفهوم لا يصف الأشخاص بقدر ما يصف طبيعة العلاقة، وما تتركه من أثر متواصل في الصحة النفسية.

وأظهرت النتائج أن بعض العلاقات كانت أكثر ارتباطاً بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية من غيرها. فبينما ظهر زملاء العمل ورفقاء السكن والجيران ضمن أكثر العلاقات التي وصفها المشاركون بأنها مرهقة، كانت المفاجأة أن أفراد الأسرة، باستثناء الزوج أو الزوجة، كانوا الأكثر ارتباطاً بتسارع الشيخوخة البيولوجية. فقد برز الوالدان، والأبناء، يليهم الإخوة، والأقارب، بوصفهم أكثر مصادر الضغوط تكراراً.

التعرض المستمر للعلاقات المرهقة له أثر بيولوجي قد يساهم في تسريع شيخوخة الجسم

وترى أ.د. سمر عامر أن هذه النتيجة لا تعني أن الأسرة بطبيعتها مصدر للمشكلات، وإنما قد تعكس خصوصية العلاقات العائلية؛ فهي علاقات يصعب الانسحاب منها، وتتداخل فيها المحبة مع الواجب، والرعاية مع المسؤولية، مما قد يجعل الضغوط المستمرة أكثر تأثيراً من العلاقات التي يمكن الابتعاد عنها بسهولة.

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الدراسة لم تجد ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين كون الزوج أو الزوجة مصدراً للتوتر ومؤشرات الشيخوخة البيولوجية التي قاستها. ويؤكد الباحثون أن ذلك لا يعني أن الخلافات الزوجية -أو الإساءة داخل العلاقة- لا تؤثر في الصحة، وإنما يعني فقط أن هذه الدراسة، ووفق منهجيتها، لم تثبت هذا الارتباط.

• هل الجميع معرضون للعلاقات المرهقة بالدرجة نفسها؟ تشير نتائج الدراسة إلى أن التعرض للعلاقات المرهقة لا يتوزع بالتساوي بين جميع الناس، إذ كان الإبلاغ عن وجود أشخاص يشكلون مصدراً متكرراً للضغوط أكثر شيوعاً بين النساء، والمدخنين، والأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية، ومن مروا بتجارب قاسية في مرحلة الطفولة، وكذلك لدى من يشعرون بأن الآخرين يعتمدون عليهم بدرجة كبيرة.

وتوضح أ.د. سمر عامر أن هذه النتائج لا تعني أن هذه الفئات أكثر ميلاً إلى إقامة علاقات مرهقة، بل قد تعكس أن من يعيشون أصلاً تحت أعباء صحية أو نفسية أو اجتماعية يصبحون أكثر تعرضاً لضغوط إضافية داخل علاقاتهم، أو أكثر تأثراً بها.

ويؤكد الباحثون أن الدراسة لا تحدد اتجاه هذه العلاقة؛ فقد تسهم العلاقات المرهقة في تدهور الصحة النفسية، والجسدية، كما قد تجعل المشكلات الصحية أو النفسية الشخص أكثر عرضة للتوتر في علاقاته. لذلك تشير النتائج إلى وجود ارتباط بين هذه العوامل، لكنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة.

الجسم في حالة استنفار

• عبء التوتر المزمن. عندما يواجه الإنسان خطراً مفاجئاً، أو موقفاً يثير التوتر، يستجيب الجسم بصورة طبيعية، وذلك بإفراز هرمونات مثل الكورتيزول، والأدرينالين، بما يهيئه للتعامل مع الموقف. وعادةً ما تنتهي هذه الاستجابة بزوال الخطر، ليعود الجسم تدريجياً إلى حالته الطبيعية.

وتوضح أ.د. سمر عامر أن المشكلة تنشأ عندما يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، كما قد يحدث مع العلاقات التي تستنزف الإنسان بصورة مستمرة. ففي هذه الحالة يبقى الجسم في حالة استنفار متكرر، وهو ما يعرف علمياً بـ«الحِمل التكيفي (Allostatic Load)»، أي العبء المتراكم على أجهزة الجسم نتيجة التعرض المستمر للضغوط.

ومع مرور الوقت قد ينعكس هذا العبء على جودة النوم، وضغط الدم، وتنظيم الشهية، والاستجابة المناعية، كما قد يسهم في تعزيز العمليات المرتبطة بالالتهاب المزمن، وهي آليات يعتقد الباحثون أنها قد ترتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية.

ومع ذلك تؤكد الدراسة أن هذا التفسير لا يزال فرضية بيولوجية مدعومة بالأدلة، لكنه لا يثبت بصورة قاطعة أن العلاقات المرهقة هي السبب المباشر لهذه التغيرات، وإنما يفسر أحد المسارات المحتملة التي قد تربط بينهما.

• العلاقات جزء من الصحة. ترى أ.د. سمر عامر أن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة تكمن في أنها تدعو إلى توسيع مفهوم الصحة ليشمل البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان. فوفق تعريف منظمة الصحة العالمية، لا تقتصر الصحة على غياب المرض، بل تشمل السلامة الجسدية، والنفسية، والاجتماعية، وهو ما يجعل جودة العلاقات الإنسانية جزءاً من الصحة، وليست مجرد جانب اجتماعي منفصل.

وتنسجم نتائج الدراسة مع هذا المفهوم، إذ تشير إلى أن الضغوط الاجتماعية المزمنة قد ترتبط بمؤشرات نفسية، وجسدية، وبيولوجية، ما يدعو إلى النظر في جودة العلاقات باعتبارها أحد العوامل التي تستحق الاهتمام عند تقييم صحة الإنسان، إلى جانب التغذية، والنشاط البدني، والنوم، والامتناع عن التدخين.

• ماذا تعني هذه النتائج لنا؟ تؤكد أ.د. سمر عامر أن الرسالة الأهم لهذه الدراسة ليست الدعوة إلى إعادة تقييم كل علاقة صعبة في حياتنا، ولا إلى إصدار أحكام على الأشخاص من حولنا، وإنما إدراك أن الضغوط الاجتماعية المزمنة تستحق الاهتمام بوصفها أحد العوامل التي قد تؤثر في الصحة، شأنها شأن بقية عوامل نمط الحياة.

وتضيف أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها معقدة، وقد يجتمع فيها الحب والخلاف، والدعم والاختلاف، لذلك لا يمكن اختزالها في علاقات «جيدة» وأخرى «سيئة». كما أن نتائج هذه الدراسة لا تعني أن إنهاء علاقة معينة سيبطئ الشيخوخة، أو يحسن الصحة تلقائياً، إذ لم تبحث هذا الأمر، ولا توجد حتى الآن أدلة علمية تثبت ذلك.

وفي مجتمعاتنا العربية، حيث تقوم العلاقات الأسرية على قيم صلة الرحم، والتكافل، وتحمّل المسؤولية، فإن الرسالة لا تكمن في القطيعة، أو الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل في إدارة العلاقات بصورة أكثر توازناً، ووضع حدود صحية تحافظ على الاحترام المتبادل، وطلب المساندة عند الحاجة إذا أصبحت الضغوط تؤثر في الحياة اليومية.

وأخيراً، فإن هذه الدراسة لا تقدم إجابة قاطعة، لكنها تضيف دليلاً جديداً إلى أبحاث متزايدة تشير إلى أن صحة الإنسان لا تتأثر بعوامل نمط الحياة وحدها، كالغذاء، والنشاط البدني، بل أيضاً بالبيئة النفسية والاجتماعية التي يعيش فيها.

وعليه، فإن الرسالة الأهم ليست البحث عن أشخاص مثاليين، أو الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل إدراك أن الضغوط المزمنة تستحق الاهتمام مثلها مثل بقية عوامل الخطر الصحية. فالعلاقات الإنسانية لا تخلو من الاختلاف، لكن استمرار الاستنزاف النفسي قد ينعكس على جودة الحياة، وربما على الصحة أيضاً.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا من وقت إلى آخر هو: هل تمنحنا علاقاتنا شعوراً بالأمان، والدعم، أم أصبحت مصدراً دائماً للضغط؟ فمجرد طرح هذا السؤال قد يكون خطوة أخرى نحو حياة أكثر توازناً، وصحة.

*استشاري طب المجتمع

 


مقالات ذات صلة

10 بدائل للملح قد تساعد في خفض ضغط الدم

صحتك هناك مجموعة من البدائل الطبيعية للملح التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة للأطعمة وتساعد في خفض ضغط الدم (بيكساباي)

10 بدائل للملح قد تساعد في خفض ضغط الدم

إذا كنت تحاول تقليل الملح في طعامك، فهناك مجموعة من البدائل الطبيعية التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة إلى الأطعمة، وتساعد في خفض ضغط الدم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)

الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

كشفت دراسة جديدة أن البالغين الذين يعانون من مشكلات صحية عقلية واضطرابات نفسية حادة، أكثر عرضة بشكل كبير للوفاة بأمراض جسدية خطيرة قبل سن 75 مقارنة بأقرانهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد تساعد الجوافة مرضى الكوليسترول المرتفع ضمن نظام غذائي متوازن (بيكساباي)

تأثير تناول الجوافة على مرضى الكوليسترول المرتفع

قد تساعد الجوافة مرضى الكوليسترول المرتفع ضِمن نظام غذائي متوازن، فهي غنية بالألياف ومضادات الأكسدة، وقد تسهم الألياف في دعم خفض الكوليسترول الضار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك صورة توضيحية تُظهر سماعة طبية وجهازاً لقياس ضغط الدم في بوردو (أرشيفية-رويترز)

ما أسباب اختلاف أعراض النوبة القلبية بين الرجال والنساء؟

تختلف الأزمة القلبية من الرجال للنساء، وتلعب الاختلافات الفسيولوجية دوراً في هذا الاختلاف، فكيف يحدث ذلك؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك رجل مريض بالسرطان (رويترز)

لماذا تزداد احتمالية تشخيص الرجال بالسرطان في مراحل متأخرة؟

كشفت دراسة حديثة عن فجوة لافتة بين الرجال والنساء في توقيت تشخيص السرطان إذ تشير النتائج إلى أن الرجال أكثر عُرضة لتلقي تشخيص بمرحلة متأخرة

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل المُحلِّيات الصناعية آمنة لمرضى السكري؟

الامتناع التام عن السكر والمُحلِّيات قد يكون صعباً بالنسبة إلى كثيرين (بكسلز)
الامتناع التام عن السكر والمُحلِّيات قد يكون صعباً بالنسبة إلى كثيرين (بكسلز)
TT

هل المُحلِّيات الصناعية آمنة لمرضى السكري؟

الامتناع التام عن السكر والمُحلِّيات قد يكون صعباً بالنسبة إلى كثيرين (بكسلز)
الامتناع التام عن السكر والمُحلِّيات قد يكون صعباً بالنسبة إلى كثيرين (بكسلز)

يعد الحد من تناول السكر جزءاً أساسياً من النظام الغذائي لمرضى السكري، ما يدفع كثيرين إلى اللجوء إلى المُحلِّيات الصناعية بديلاً من السكريات المضافة. فهي تمنح الأطعمة والمشروبات مذاقاً حلواً، مع سعرات حرارية قليلة أو معدومة، ومن دون التأثير في سكر الدم بالطريقة نفسها التي يفعلها السكر العادي.

وتقول اختصاصية التثقيف بمرض السكري، سو كوتي، من «كليفلاند كلينك»، إن المُحلِّيات الصناعية، عند استخدامها باعتدال، يمكن أن تكون آمنة لمرضى السكري، كما قد تساعد في تقليل استهلاك السعرات الحرارية والكربوهيدرات، والحد من الرغبة في تناول الحلوى.

لكن ذلك لا يعني أن الأطعمة المصنوعة باستخدام المُحلِّيات الصناعية صحية بالضرورة؛ خصوصاً أن بعض البحوث ربطت أنواعاً معينة منها بمخاطر صحية محتملة.

أين توجد المُحلِّيات الصناعية؟

تدخل المُحلِّيات الصناعية في مجموعة واسعة من المنتجات، بينها المشروبات الخاصة بالحمية، والمخبوزات والحلوى الخالية من السكر أو منخفضة السكر، والعصائر والمشروبات الرياضية والزبادي الخفيف والعلكة.

كما تباع منفردة لإضافتها إلى القهوة والشاي، ويمكن استخدام بعض أنواعها في الطهي والخبز.

وتوضح اختصاصية التثقيف بمرض السكري، أندريا هاريس، أن المُحلِّيات الصناعية تخضع لاختبارات للتأكد من سلامتها. وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على 6 أنواع منها، أو أدرجتها ضمن قائمة المواد «المعترف عموماً بأنها آمنة».

لكن بحوثاً خلال السنوات الأخيرة أثارت تساؤلات بشأن المخاطر المحتملة لبعض الأنواع. فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى مرضى السكري؟ وما أبرز أنواع المُحلِّيات الصناعية وأكثرها شيوعاً؟

الأسبارتام

يُباع الأسبارتام تحت أسماء تجارية عدة، بينها «Equal»، ويُعرف أحيانا بأنه المُحلِّي الموجود في «العبوة الزرقاء».

وتدعم أكثر من مائتي دراسة سلامة الأسبارتام، إلا أن نتائج بعض البحوث الحديثة كانت متباينة. وفي عام 2023، صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، الأسبارتام على أنه «مادة يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر»، وهو تصنيف يعني وجود أدلة محدودة، وليس إثباتاً أن استهلاكه بالكميات المعتادة يسبب السرطان.

ويحتوي الأسبارتام على الفينيل ألانين، ولذلك ينبغي للمصابين بمرض بيلة الفينيل كيتون (PKU) تجنبه. كما أنه غير مستقر عند درجات الحرارة المرتفعة، وبالتالي لا يُعد الخيار الأفضل للطهي أو الخَبز.

السكرالوز

يُعرف السكرالوز خصوصاً بالاسم التجاري «Splenda» أو «العبوة الصفراء». وهو مستقر عند تعرضه للحرارة، ولذلك يمكن استخدامه في الطهي والخبز. ويتوفر بأشكال مختلفة، بينها الأقراص والحبيبات وخلطات مخصصة للمخبوزات.

الستيفيا

على خلاف معظم المُحلِّيات الصناعية المصنَّعة كيميائياً، يُستخلص الستيفيا من نبات. ولا تتمتع منتجات الستيفيا جميعها بالتصنيف نفسه. فالمنتجات المصنوعة من أوراق الستيفيا الكاملة لم تحصل على تصنيف «المعترف بها عموماً بأنها آمنة» من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وتباع كمكملات غذائية.

أما بعض مشتقات الستيفيا عالية النقاء المستخدمة كمُحلِّيات في الأطعمة والمشروبات، فتحظى بهذا التصنيف.

وتحتوي بعض منتجات الستيفيا على كحول سكري يسمى الإريثريتول، الذي ربطته دراسات بزيادة محتملة في خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية، ولكن البحوث بشأن هذه العلاقة لا تزال مستمرة.

هل يجب على مرضى السكري تجنبها؟

من الناحية الغذائية، لا يحتاج الجسم إلى السكر المضاف ولا المُحلِّيات الصناعية للحفاظ على صحته، كما أنها لا تقدم فوائد صحية بحد ذاتها.

لكن الامتناع التام عن السكر والمُحلِّيات قد يكون صعباً بالنسبة إلى كثيرين؛ خصوصاً أن التعايش مع السكري يتطلب بالفعل تغييرات كبيرة في العادات الغذائية.

وتشير كوتي إلى أن معظم المخاوف المرتبطة بالمُحلِّيات الصناعية ترتبط باستهلاك كميات كبيرة منها على مدى فترات طويلة. ولذلك تنصح -إلى جانب هاريس- بالاعتدال وتقليل الكمية، بدلاً من فرض حظر كامل على الأطعمة المحلاة.

ويبقى الأهم بالنسبة إلى مرضى السكري التركيز على وجبات متوازنة وبكميات مناسبة، تحتوي على البروتينات قليلة الدهون والخضراوات غير النشوية والدهون الصحية والكربوهيدرات المعقدة.

وتقول هاريس إن تناول قطعة من فطيرة خالية من السكر في مناسبة عائلية -على سبيل المثال- ليس أمراً يستدعي القلق، شرط الانتباه إلى الكمية، وعدم تحويل المنتجات المحلاة صناعياً إلى جزء مفرط من النظام الغذائي اليومي.


10 بدائل للملح قد تساعد في خفض ضغط الدم

هناك مجموعة من البدائل الطبيعية للملح التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة للأطعمة وتساعد في خفض ضغط الدم (بيكساباي)
هناك مجموعة من البدائل الطبيعية للملح التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة للأطعمة وتساعد في خفض ضغط الدم (بيكساباي)
TT

10 بدائل للملح قد تساعد في خفض ضغط الدم

هناك مجموعة من البدائل الطبيعية للملح التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة للأطعمة وتساعد في خفض ضغط الدم (بيكساباي)
هناك مجموعة من البدائل الطبيعية للملح التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة للأطعمة وتساعد في خفض ضغط الدم (بيكساباي)

إذا كنت تحاول تقليل الملح في طعامك، فهناك مجموعة من البدائل الطبيعية التي يمكن أن تضيف نكهة قوية ومميزة إلى الأطعمة، وتساعد في خفض ضغط الدم وتقليل المخاطر المرتبطة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

وبحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تشير مراجعات ودراسات إلى أن بعض هذه البدائل قد يكون لها تأثير مفيد على ضغط الدم، بينما قد توفر بدائل أخرى طريقة للحفاظ على المذاق المالح مع تقليل كمية الصوديوم.

وفيما يلي أبرز بدائل الملح:

بدائل الملح التجارية

تُصنع كثير من بدائل الملح التجارية من كلوريد البوتاسيوم، الذي يشبه مذاق ملح الطعام التقليدي، المصنوع من كلوريد الصوديوم. وقد يلاحظ بعض الأشخاص مذاقاً مراً أو معدنياً عند استخدام هذه البدائل بكميات كبيرة.

أما الأنواع التي تحمل وصف «منخفض الصوديوم» أو «خفيف الملح»، فعادة ما تجمع بين كلوريد البوتاسيوم وكلوريد الصوديوم، لتقديم مذاق أقرب إلى ملح الطعام المعتاد.

وأظهرت دراسة نُشرت عام 2022 أن بدائل الملح التي تعتمد على البوتاسيوم يمكن أن تخفض ضغط الدم الانقباضي بما يصل إلى 6 ملليمترات زئبق، وضغط الدم الانبساطي بما يصل إلى ملليمترين زئبق.

لكن هذه البدائل لا تناسب الجميع، إذ يمكن أن ترفع مستوى البوتاسيوم في الدم إلى مستويات خطيرة لدى المصابين بأمراض الكلى المتقدمة أو أمراض الكبد أو مرض السكري، لذلك ينبغي استشارة الطبيب قبل استخدامها في هذه الحالات.

الخل

يمكن للخل أن يضيف مذاقاً حامضاً ومنعشاً إلى الطعام، كما أن بعض أنواعه، مثل الخل البلسمي، تضيف مذاقاً غنياً يساعد على تعزيز نكهة الأطعمة دون الحاجة إلى إضافة كميات إضافية من الملح.

ويُعتقد أن حمض الخليك الموجود في الخل قد يساعد على خفض ضغط الدم.

وأشارت مراجعة نُشرت عام 2022 إلى أن تناول نحو ملعقتين كبيرتين، أي ما يعادل 30 ملليلتراً من الخل يومياً، قد يخفض ضغط الدم الانقباضي والانبساطي بنحو 3 ملليمترات زئبق.

الحمضيات

يمكن استخدام الليمون والبرتقال، سواء في صورة عصير أو قشور مبشورة، لإضفاء نكهة قوية على الأطعمة بدلاً من الاعتماد على الملح.

وتحتوي الحمضيات على مركبات نباتية، من بينها الإريوسيترين والهسبيريدين، يُعتقد أنها تساعد على توسيع الأوعية الدموية، وهو ما قد يسهم في خفض ضغط الدم.

الأعشاب الطازجة أو المجففة

تساعد الأعشاب على إضافة نكهات مميزة إلى الطعام دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الملح. ومن الخيارات المناسبة: الكزبرة، والزعتر، وإكليل الجبل، والمريمية، والريحان، والبقدونس، والنعناع، والشبت.

وتشير بعض الأبحاث إلى أن الكزبرة والمريمية والريحان قد تمتلك خصائص تساعد على خفض ضغط الدم.

التوابل

يمكن للتوابل أن تمنح الطعام مذاقاً غنياً، ما يقلل الحاجة إلى إضافة الملح.

ومن التوابل التي يُعتقد أن لها تأثيرات مفيدة على ضغط الدم: الهيل، والقرفة، والزنجبيل، والزعفران، وبذور السمسم، والكركم.

الثوم

يُعد الثوم من المكونات الأساسية التي تمنح الأطعمة نكهة قوية، وقد يساعد استخدامه في تقليل كمية الملح المضافة إلى الطعام.

وتشير دراسات عديدة إلى ارتباط الثوم بتأثيرات مفيدة على ضغط الدم، إذ يمكن أن يساعد على زيادة إنتاج أكسيد النيتريك، كما يؤثر في الإنزيمات المرتبطة بتنظيم ضغط الدم، وهي الإنزيمات نفسها التي تستهدفها بعض أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم.

البصل

عند طهي البصل حتى يتحول إلى اللون الذهبي، تطلق السكريات الموجودة فيه نكهات قوية تضيف مذاقاً مميزاً إلى الطعام.

ويمتلك البصل خصائص قد تساعد على خفض ضغط الدم، من خلال التأثير في حركة الكالسيوم داخل العضلات الملساء للقلب والأوعية الدموية. كما يحتوي على مضاد أكسدة يُعرف باسم الكيرسيتين، وقد أشارت بعض الدراسات إلى إمكانية مساهمته في خفض ضغط الدم الانقباضي بما يصل إلى 5 ملليمترات زئبق.

الفلفل

يمكن للفلفل الأسود والفلفل الحلو والفلفل الحار أن يضيف درجات مختلفة من الحرارة والنكهة إلى الطعام، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى إضافة الملح.

ويحتوي الفلفل الأسود على مركب يُسمى البيبيرين، وتشير بعض الدراسات إلى أنه قد يساعد على توسيع الأوعية الدموية من خلال التأثير في حركة الكالسيوم داخلها.

كما أشارت دراسة صينية نُشرت عام 2023 إلى أن مادة الكابسيسين، المسؤولة عن الإحساس بحرارة الفلفل الحار، قد تساعد بدرجة محدودة على خفض ضغط الدم الانقباضي عند تناولها بانتظام.

الأعشاب البحرية

تحتوي الأعشاب البحرية على نسبة مرتفعة من كلوريد البوتاسيوم ونسبة منخفضة من كلوريد الصوديوم، ولذلك يمكن أن تضيف مذاقاً مالحاً إلى الطعام مع تقليل الاعتماد على ملح الطعام.

كما تحتوي على سكريات متعددة نباتية يمكنها الارتباط بالصوديوم والمساعدة على التخلص منه عبر البول، وهو ما قد يقلل احتباس السوائل الذي يمكن أن يسهم في ارتفاع ضغط الدم.

الخميرة الغذائية

الخميرة الغذائية هي نوع من الخميرة غير النشطة، وتضيف مذاقاً غنياً إلى الأطعمة. ويمكن استخدامها لتتبيل الفشار والمكرونة والسلطات، أو إضافتها إلى الحساء والصلصات.

ولا تمتلك الخميرة الغذائية في حد ذاتها خصائص محددة لخفض ضغط الدم، لكنها مصدر غني بحمض الفوليك وفيتامين «ب12»، وهما عنصران يرتبطان بزيادة مستويات أكسيد النيتريك في الدم، الذي يساعد على تنظيم ضغط الدم.


الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)
المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)
TT

الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)
المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)

كشفت دراسة جديدة أن البالغين الذين يعانون من مشاكل صحية عقلية واضطرابات نفسية حادة، أكثر عرضة بشكل كبير للوفاة بأمراض جسدية خطيرة قبل سن 75 مقارنة بأقرانهم.

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد استندت الدراسة التي أجرتها مؤسسة «ريثينك للصحة النفسية»، إلى بيانات من هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، وأظهرت أن الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية عقلية حادة يموتون في سن مبكرة (بفارق 15- 20 عاماً) مقارنة بأقرانهم.

وحسب الباحثين، يعزى ذلك لحد بعيد إلى حالات صحية جسدية يمكن الوقاية منها.

وتشير البيانات إلى أن الأشخاص دون سن 75 عاماً المصابين باضطرابات نفسية شديدة، أكثر عرضة للوفاة بسبب أمراض الكبد بنحو 6.3 مرة، وبسبب أمراض الجهاز التنفسي بنحو 6 مرات، وبسبب أمراض القلب والأوعية الدموية بنحو 3.8 مرة، وبسبب السرطان بنحو 2.3 مرة.

كما أنهم أكثر عرضة للوفاة نتيجة الانتحار بمقدار 14.6 ضعف.

وبشكل عام، فإن احتمالية وفاتهم قبل سن 75 تزيد بمقدار 4.8 ضعف عن احتمالية وفاة عامة السكان.

وتكشف الأرقام كذلك أن أمراض السرطان والقلب والأوعية الدموية والكبد والجهاز التنفسي، شكَّلت مجتمعة 56.5 في المائة من وفيات الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و74 عاماً، ممن يعانون اضطرابات نفسية شديدة في إنجلترا خلال الفترة من عام 2022 إلى عام 2024.

وشكَّل كل من السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية نحو 19 في المائة من إجمالي الوفيات، بينما بلغت نسبة أمراض الجهاز التنفسي 11 في المائة، وأمراض الكبد 8 في المائة، في حين شكَّل الانتحار 7 في المائة من هذه الوفيات المبكرة.

ويعزو التقرير ارتفاع معدلات الوفاة إلى مجموعة من العوامل، من بينها الفقر، والسكن غير الملائم، وارتفاع معدلات التدخين، وزيادة الوزن المرتبطة ببعض الأدوية، وقلة النشاط البدني.

كما يشير التقرير إلى ظاهرة «طغيان التشخيص النفسي»؛ حيث قد تُنسب الأعراض الجسدية أحياناً بصورة خاطئة إلى الاضطراب النفسي، ما يؤدي إلى عدم إجراء الفحوص اللازمة، أو تأخر تشخيص الأمراض الجسدية وعلاجها.

وقال مارك وينستانلي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «ريثينك للصحة النفسية»: «إنه لأمر مشين أن يكون الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية نفسية حادة أكثر عرضة بكثير للوفاة، جرَّاء حالات صحية جسدية يمكن غالباً الوقاية منها».

وتابع قائلاً: «إن حالات الوفاة المبكرة هذه ليست حتمية، لذا يجب على الحكومات والمؤسسات الصحية أن تحسِّن فرص الحصول على تدخلات تراعي الجوانب النفسية، إذا أرادت الحد من هذه التفاوتات الصحية المروعة».

من جانبه، قال البروفسور سوبود ديف، رئيس الكلية الملكية للأطباء النفسيين: «لا ينبغي أن تكون الإصابة باضطراب نفسي شديد حكماً بالموت المبكر. هذا التفاوت الصارخ غير مقبول. ويستحق الأشخاص المصابون باضطرابات نفسية شديدة الفرصة نفسها، للعيش حياة طويلة وصحية مثل أي شخص آخر».

وأضاف: «نعلم أن هناك حلولاً لسد هذه الفجوة، بدءاً من المساعدة على الإقلاع عن التدخين، وصولاً إلى الفحوص الصحية الجسدية المنتظمة. ولكن ما ينقص هو التحرك المنسق لمنع هذه الوفيات المبكرة».