هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟

دراسة حديثة تربط الضغوط الاجتماعية المزمنة بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية

هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟
TT

هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟

هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا؟

إننا نحرص عادةً على اختيار الطعام الصحي، وممارسة الرياضة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، ونعرف أن التدخين وقلة الحركة يتركان آثاراً سلبية على الصحة مع مرور الزمن. لكنّ قليلين منا يتوقفون ليسألوا أنفسهم سؤالاً مختلفاً: هل يمكن أن تؤثر العلاقات التي نعيشها كل يوم في صحتنا، كما يؤثر الغذاء، أو نمط الحياة؟

لكل منا أشخاص يمنحونه الطمأنينة، والدعم، وآخرون نخرج من لقائهم مثقلين بالتوتر، والإنهاك، حتى من دون خلافات واضحة. وقد اعتدنا النظر إلى هذه المشاعر بوصفها عبئاً نفسياً عابراً، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تطرح سؤالاً جديداً: هل يمكن أن يترك التعرض المستمر للعلاقات المرهقة أثراً بيولوجياً يمتد إلى سرعة شيخوخة الجسم؟

أ.د. سمر أحمد عامر

لقاء طبي

في حديثها إلى «صحّتك» توضح البروفسورة سمر أحمد عامر، أستاذة الطب الوقائي واستشارية الصحة العامة بنمط الحياة في هيئة الصحة العامة (وقاية) في الرياض-المملكة العربية السعودية، أن الاهتمام بصحة الإنسان انصب لعقود على عوامل الخطر التقليدية، مثل التغذية، والتدخين، والنشاط البدني، والنوم، بينما بقيت جودة العلاقات الاجتماعية عنصراً أقل حضوراً في النقاش الطبي، رغم أنها قد تمثل مصدراً مزمناً للضغوط. ومن هنا تبرز أهمية الدراسة الحديثة التي نُشرت هذا العام في دورية «PNAS»، التي فتحت باباً جديداً لفهم العلاقة بين الروابط الاجتماعية المرهقة والشيخوخة البيولوجية، وأعادت طرح سؤال يستحق التأمل: هل يمكن أن تؤثر جودة علاقاتنا في سرعة تقدّم أجسامنا في العمر؟ استندت الدراسة، التي نُشرت مطلع عام 2026 في دورية «Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)»، إلى بيانات 2345 بالغاً تراوحت أعمارهم بين 18 و103 أعوام، ضمن عينة ممثلة لسكان ولاية إنديانا الأميركية. ولم يكتفِ الباحثون باستطلاع آراء المشاركين حول علاقاتهم الاجتماعية، بل جمعوا أيضاً عينات من اللعاب لقياس مؤشرات العمر البيولوجي، بهدف استكشاف ما إذا كان التعرض المستمر للعلاقات الاجتماعية المرهقة يرتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية، وتدهور بعض المؤشرات الصحية.

وتوضح الأستاذة الدكتورة سمر عامر أن أهمية الدراسة تكمن في انتقالها من السؤال التقليدي عن تأثير العلاقات في الصحة النفسية إلى سؤال أكثر عمقاً: «هل يمكن أن تترك العلاقات المرهقة أثراً بيولوجياً يمكن قياسه داخل الجسم؟». وهو توجه بحثي حديث يعكس الاهتمام المتزايد بدور الصحة الاجتماعية في الشيخوخة، والصحة العامة.

العلاقات المرهقة والشيخوخة البيولوجية

• علاقات وضغوط. كانت النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه في الدراسة أن الأشخاص الذين لديهم عدد أكبر من العلاقات الاجتماعية المرهقة أظهروا مؤشرات على تسارع الشيخوخة البيولوجية مقارنة بغيرهم. فقد ارتبط كل شخص إضافي يُمثل مصدراً متكرراً للضغوط داخل الشبكة الاجتماعية بزيادة سرعة الشيخوخة البيولوجية بنحو 1.5 في المائة، وأن يبدو العمر البيولوجي أكبر بنحو تسعة أشهر مقارنة بأشخاص من العمر الزمني نفسه.

وتوضح أ.د. سمر عامر أن المقصود هنا ليس العمر الزمني الذي يُقاس بعدد السنوات، وإنما العمر البيولوجي، وهو مقياس يعكس مدى تأثر الجسم بعمليات التقدم في العمر على المستوى الخلوي، ويُعد من الأدوات الحديثة المستخدمة في أبحاث الشيخوخة.

كما أظهرت الدراسة أن هذا التأثير اتخذ طابعاً تراكمياً؛ فكلما ازداد عدد الأشخاص الذين يشكلون مصدراً دائماً للضغوط، ارتبط ذلك بمؤشرات أسوأ للشيخوخة البيولوجية. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج تشير إلى ارتباط إحصائي بين العلاقات المرهقة وتسارع الشيخوخة، ولا تثبت أن هذه العلاقات هي السبب المباشر، إذ قد تتداخل معها عوامل صحية ونفسية واجتماعية أخرى، وهو ما يتطلب مزيداً من الدراسات لفهم هذه العلاقة بصورة أوضح.

• من هم الأشخاص الأكثر إرهاقاً للآخرين؟ لم تقصد الدراسة بالأشخاص «المرهقين» أولئك الذين نختلف معهم بين حين وآخر، بل الذين يتحول وجودهم إلى مصدر متكرر للمشكلات، والضغوط، ويجعلون الحياة أكثر صعوبة بصورة مستمرة. وتوضح أ.د. سمر عامر أن هذا المفهوم لا يصف الأشخاص بقدر ما يصف طبيعة العلاقة، وما تتركه من أثر متواصل في الصحة النفسية.

وأظهرت النتائج أن بعض العلاقات كانت أكثر ارتباطاً بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية من غيرها. فبينما ظهر زملاء العمل ورفقاء السكن والجيران ضمن أكثر العلاقات التي وصفها المشاركون بأنها مرهقة، كانت المفاجأة أن أفراد الأسرة، باستثناء الزوج أو الزوجة، كانوا الأكثر ارتباطاً بتسارع الشيخوخة البيولوجية. فقد برز الوالدان، والأبناء، يليهم الإخوة، والأقارب، بوصفهم أكثر مصادر الضغوط تكراراً.

التعرض المستمر للعلاقات المرهقة له أثر بيولوجي قد يساهم في تسريع شيخوخة الجسم

وترى أ.د. سمر عامر أن هذه النتيجة لا تعني أن الأسرة بطبيعتها مصدر للمشكلات، وإنما قد تعكس خصوصية العلاقات العائلية؛ فهي علاقات يصعب الانسحاب منها، وتتداخل فيها المحبة مع الواجب، والرعاية مع المسؤولية، مما قد يجعل الضغوط المستمرة أكثر تأثيراً من العلاقات التي يمكن الابتعاد عنها بسهولة.

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الدراسة لم تجد ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين كون الزوج أو الزوجة مصدراً للتوتر ومؤشرات الشيخوخة البيولوجية التي قاستها. ويؤكد الباحثون أن ذلك لا يعني أن الخلافات الزوجية -أو الإساءة داخل العلاقة- لا تؤثر في الصحة، وإنما يعني فقط أن هذه الدراسة، ووفق منهجيتها، لم تثبت هذا الارتباط.

• هل الجميع معرضون للعلاقات المرهقة بالدرجة نفسها؟ تشير نتائج الدراسة إلى أن التعرض للعلاقات المرهقة لا يتوزع بالتساوي بين جميع الناس، إذ كان الإبلاغ عن وجود أشخاص يشكلون مصدراً متكرراً للضغوط أكثر شيوعاً بين النساء، والمدخنين، والأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية، ومن مروا بتجارب قاسية في مرحلة الطفولة، وكذلك لدى من يشعرون بأن الآخرين يعتمدون عليهم بدرجة كبيرة.

وتوضح أ.د. سمر عامر أن هذه النتائج لا تعني أن هذه الفئات أكثر ميلاً إلى إقامة علاقات مرهقة، بل قد تعكس أن من يعيشون أصلاً تحت أعباء صحية أو نفسية أو اجتماعية يصبحون أكثر تعرضاً لضغوط إضافية داخل علاقاتهم، أو أكثر تأثراً بها.

ويؤكد الباحثون أن الدراسة لا تحدد اتجاه هذه العلاقة؛ فقد تسهم العلاقات المرهقة في تدهور الصحة النفسية، والجسدية، كما قد تجعل المشكلات الصحية أو النفسية الشخص أكثر عرضة للتوتر في علاقاته. لذلك تشير النتائج إلى وجود ارتباط بين هذه العوامل، لكنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة.

الجسم في حالة استنفار

• عبء التوتر المزمن. عندما يواجه الإنسان خطراً مفاجئاً، أو موقفاً يثير التوتر، يستجيب الجسم بصورة طبيعية، وذلك بإفراز هرمونات مثل الكورتيزول، والأدرينالين، بما يهيئه للتعامل مع الموقف. وعادةً ما تنتهي هذه الاستجابة بزوال الخطر، ليعود الجسم تدريجياً إلى حالته الطبيعية.

وتوضح أ.د. سمر عامر أن المشكلة تنشأ عندما يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، كما قد يحدث مع العلاقات التي تستنزف الإنسان بصورة مستمرة. ففي هذه الحالة يبقى الجسم في حالة استنفار متكرر، وهو ما يعرف علمياً بـ«الحِمل التكيفي (Allostatic Load)»، أي العبء المتراكم على أجهزة الجسم نتيجة التعرض المستمر للضغوط.

ومع مرور الوقت قد ينعكس هذا العبء على جودة النوم، وضغط الدم، وتنظيم الشهية، والاستجابة المناعية، كما قد يسهم في تعزيز العمليات المرتبطة بالالتهاب المزمن، وهي آليات يعتقد الباحثون أنها قد ترتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية.

ومع ذلك تؤكد الدراسة أن هذا التفسير لا يزال فرضية بيولوجية مدعومة بالأدلة، لكنه لا يثبت بصورة قاطعة أن العلاقات المرهقة هي السبب المباشر لهذه التغيرات، وإنما يفسر أحد المسارات المحتملة التي قد تربط بينهما.

• العلاقات جزء من الصحة. ترى أ.د. سمر عامر أن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة تكمن في أنها تدعو إلى توسيع مفهوم الصحة ليشمل البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان. فوفق تعريف منظمة الصحة العالمية، لا تقتصر الصحة على غياب المرض، بل تشمل السلامة الجسدية، والنفسية، والاجتماعية، وهو ما يجعل جودة العلاقات الإنسانية جزءاً من الصحة، وليست مجرد جانب اجتماعي منفصل.

وتنسجم نتائج الدراسة مع هذا المفهوم، إذ تشير إلى أن الضغوط الاجتماعية المزمنة قد ترتبط بمؤشرات نفسية، وجسدية، وبيولوجية، ما يدعو إلى النظر في جودة العلاقات باعتبارها أحد العوامل التي تستحق الاهتمام عند تقييم صحة الإنسان، إلى جانب التغذية، والنشاط البدني، والنوم، والامتناع عن التدخين.

• ماذا تعني هذه النتائج لنا؟ تؤكد أ.د. سمر عامر أن الرسالة الأهم لهذه الدراسة ليست الدعوة إلى إعادة تقييم كل علاقة صعبة في حياتنا، ولا إلى إصدار أحكام على الأشخاص من حولنا، وإنما إدراك أن الضغوط الاجتماعية المزمنة تستحق الاهتمام بوصفها أحد العوامل التي قد تؤثر في الصحة، شأنها شأن بقية عوامل نمط الحياة.

وتضيف أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها معقدة، وقد يجتمع فيها الحب والخلاف، والدعم والاختلاف، لذلك لا يمكن اختزالها في علاقات «جيدة» وأخرى «سيئة». كما أن نتائج هذه الدراسة لا تعني أن إنهاء علاقة معينة سيبطئ الشيخوخة، أو يحسن الصحة تلقائياً، إذ لم تبحث هذا الأمر، ولا توجد حتى الآن أدلة علمية تثبت ذلك.

وفي مجتمعاتنا العربية، حيث تقوم العلاقات الأسرية على قيم صلة الرحم، والتكافل، وتحمّل المسؤولية، فإن الرسالة لا تكمن في القطيعة، أو الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل في إدارة العلاقات بصورة أكثر توازناً، ووضع حدود صحية تحافظ على الاحترام المتبادل، وطلب المساندة عند الحاجة إذا أصبحت الضغوط تؤثر في الحياة اليومية.

وأخيراً، فإن هذه الدراسة لا تقدم إجابة قاطعة، لكنها تضيف دليلاً جديداً إلى أبحاث متزايدة تشير إلى أن صحة الإنسان لا تتأثر بعوامل نمط الحياة وحدها، كالغذاء، والنشاط البدني، بل أيضاً بالبيئة النفسية والاجتماعية التي يعيش فيها.

وعليه، فإن الرسالة الأهم ليست البحث عن أشخاص مثاليين، أو الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل إدراك أن الضغوط المزمنة تستحق الاهتمام مثلها مثل بقية عوامل الخطر الصحية. فالعلاقات الإنسانية لا تخلو من الاختلاف، لكن استمرار الاستنزاف النفسي قد ينعكس على جودة الحياة، وربما على الصحة أيضاً.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا من وقت إلى آخر هو: هل تمنحنا علاقاتنا شعوراً بالأمان، والدعم، أم أصبحت مصدراً دائماً للضغط؟ فمجرد طرح هذا السؤال قد يكون خطوة أخرى نحو حياة أكثر توازناً، وصحة.

*استشاري طب المجتمع

 


مقالات ذات صلة

ما دور فيتامينَي «ك2» و«د» في صحة العظام؟

صحتك نموذج تشريحي لعظام اليد يوضح بنيتها (بيكسلز)

ما دور فيتامينَي «ك2» و«د» في صحة العظام؟

يساعد فيتامين «د» على امتصاص الكالسيوم، ويدعم «ك2» تمعدن العظام، لكن الأدلة على منع الكسور بمكملاتهما معاً لا تزال محدودة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

دراسة تُحذر من تضاعف حالات الخرف عالمياً بحلول عام 2050

تشير دراسة علمية حديثة إلى أن عدد الحالات الجديدة سنوياً قد يتجاوز 24 مليون حالة بحلول عام 2050، مقارنةً بنحو 11.4 مليون حالة في عام 2023.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)

السر ليس في الكافيين وحده... أسرار جديدة وراء تأثير القهوة بالجسم

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن تأثيرها قد يمتد إلى البكتيريا الموجودة في الأمعاء، والإدراك والمزاج.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك حبوب الميلاتونين تحتوي على هرمون يساعد الجسم على تنظيم دورة النوم والاستيقاظ (بيكسلز)

حبوب الميلاتونين للنوم... متى تصبح خطيرة؟

في ظل ضغوط الحياة اليومية وتزايد الشكوى من اضطرابات النوم، يلجأ كثيرون إلى استخدام حبوب الميلاتونين. لكن هذه الحبوب قد تتسبب في مشاكل صحية في بعض الحالات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الاستهلاك المفرط للمحتوى السلبي عبر الإنترنت قد يتسبب في ظاهرة يطلق عليها اسم «دماغ المروحية» (رويترز)

«دماغ المروحية»... كيف تؤثر متابعة الأخبار السلبية على صحتك النفسية والجسدية؟

قد يُسهم الاستهلاك المفرط للمحتوى السلبي عبر الإنترنت في ظاهرة يطلق عليها أحد أطباء الأعصاب اسم «دماغ المروحية».

«الشرق الأوسط» (لندن)

ما دور فيتامينَي «ك2» و«د» في صحة العظام؟

نموذج تشريحي لعظام اليد يوضح بنيتها (بيكسلز)
نموذج تشريحي لعظام اليد يوضح بنيتها (بيكسلز)
TT

ما دور فيتامينَي «ك2» و«د» في صحة العظام؟

نموذج تشريحي لعظام اليد يوضح بنيتها (بيكسلز)
نموذج تشريحي لعظام اليد يوضح بنيتها (بيكسلز)

يرتبط فيتامين «د» بصحة العظام، ويبرز إلى جانبه فيتامين «ك2»، الذي يدخل في عمليات تساعد الجسم على الاستفادة من الكالسيوم. ومع انتشار المكملات التي تجمعهما، يُطرح سؤال مهم: هل تكاملهما داخل الجسم يعني أن تناولهما معاً يحمي الجميع من الكسور؟

كيف يعمل الفيتامينان؟

يساعد فيتامين «د» على امتصاص الكالسيوم من الأمعاء، ويدعم الحفاظ على مستوياته اللازمة لتمعدن العظام. أما فيتامين «ك2» فيسهم في تنشيط بروتينات ترتبط بالكالسيوم، من بينها «الأوستيوكالسين»، الذي يشارك في تنظيم تمعدن النسيج العظمي.

ويعمل الفيتامينان بآليات متكاملة تدعم صحة العظام. فالأول يعزّز إتاحة الكالسيوم، والثاني يسهم في تفعيل بروتينات تساعد على ترسيبه داخلها. لكن هذا التكامل البيولوجي يحتاج إلى التمييز عن الفوائد المثبتة للمكملات لدى مختلف الأشخاص.

بعض الأجبان وصفار البيض من المصادر الغذائية لفيتامين «ك2» (بيكسلز)

ماذا تقول الأدلة؟

وفق مكتب المكملات الغذائية التابع للمعاهد الوطنية للصحة الأميركية، جاءت نتائج الدراسات المتعلقة بمكملات فيتامين «ك» وصحة العظام متباينة؛ إذ رصد بعضها فوائد، بينما لم تؤكد دراسات أخرى نتائج مماثلة.

وتشير بعض الأبحاث إلى تحسّن مؤشرات مرتبطة بالعظام عند الجمع بين الفيتامينين، لكن الأدلة على أن تناول مكملاتهما معاً يمنع الكسور لدى الجميع لا تزال محدودة. كما أن تحسّن كثافة العظام أو أحد المؤشرات المخبرية لا يكفي وحده لإثبات انخفاض خطر الكسور.

الغذاء والمكملات

يمكن الحصول على «ك2» من بعض الأجبان وصفار البيض والأطعمة المخمّرة، فيما تشمل مصادر فيتامين «د» الأسماك الدهنية والأطعمة المدعّمة. وتختلف الكميات حسب نوع الطعام وطريقة تحضيره.

وقبل شراء مكمل يجمع الفيتامينين، تساعد مراعاة النقاط التالية على اتخاذ قرار مناسب:

- تتحدد الحاجة إلى المكمّلات حسب الحالة الصحية والغذاء واحتمال وجود نقص.

- الجمع بين فيتاميني «د» و«ك2» لا يضمن الوقاية من الكسور.

- يُفضَّل استشارة الطبيب قبل الاستخدام، خصوصاً لمن يتناولون مميعات الدم.

ويكتسب هذا التنبيه أهمية خاصة لدى مستخدمي «الوارفارين» -وهو دواء مضاد لتخثّر الدم- وغيره من مضادات فيتامين «ك»، لأن التغيّر المفاجئ في تناول هذا الفيتامين قد يؤثر في مفعول الدواء. لذلك، ينبغي استشارة الطبيب قبل بدء مكمل «ك2» أو تغيير جرعته أو وقفه. ويختلف هذا التداخل حسب نوع مميع الدم المستخدم.


دراسة تُحذر من تضاعف حالات الخرف عالمياً بحلول عام 2050

سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
TT

دراسة تُحذر من تضاعف حالات الخرف عالمياً بحلول عام 2050

سيدة مصابة بالخرف (رويترز)
سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

في ظل الزيادة المستمرة في أعداد كبار السن حول العالم، تتصاعد التحذيرات من ارتفاع معدلات الإصابة بالخرف، إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن عدد الحالات الجديدة سنوياً قد يتجاوز 24 مليون حالة بحلول عام 2050، مقارنةً بنحو 11.4 مليون حالة في عام 2023، مما يثير مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة هذا العبء المتزايد.

وحسب صحيفة «نيويورك بوست»، فقد اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 22 بحثاً سابقاً شمل نحو 40 ألف شخص في 18 دولة، بهدف تقديم تقديرات عالمية لمعدلات الإصابة الجديدة بالخرف، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للإصابة والعوامل التي قد تسهم في الوقاية منه.

وأظهرت النتائج أن عدد الحالات الجديدة قد يرتفع إلى 24.7 مليون حالة سنوياً بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف العدد المسجل في عام 2023. وتختلف هذه التقديرات عن دراسات سابقة كانت تتوقع الوصول إلى مستويات مماثلة بحلول عام 2060، مما يشير إلى أن الزيادة قد تحدث بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.

وقالت الدكتورة ليرون سينفاني، اختصاصية طب الشيخوخة ومديرة الأبحاث والابتكار في معهد نورثويل للشيخوخة الصحية: «من حيث الحجم، فإن هذا العدد من حالات الخرف الجديدة مذهل».

وأضافت: «هذه ليست مشكلة مستقبلية، بل أزمة وبائية متسارعة تتطلب اهتماماً فورياً».

ويرتبط الارتفاع المتوقع في حالات الخرف بازدياد أعداد كبار السن حول العالم، إذ ترتفع احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر.

وأوضحت سينفاني أن نحو شخص واحد من كل تسعة أشخاص فوق سن 65 عاماً يعاني الخرف، بينما قد ترتفع النسبة إلى شخص واحد من كل ثلاثة تقريباً بعد سن 85 عاماً.

وركزت الدراسة على معدل الإصابة الجديدة، أي عدد الأشخاص الذين يصابون بالخرف خلال فترة زمنية محددة، وليس إجمالي عدد الأشخاص الذين يعيشون مع المرض في وقت معين، وهو ما يساعد على فهم سرعة ظهور الحالات الجديدة وتقدير الاحتياجات المستقبلية للرعاية الصحية.

وكشفت النتائج عن تفاوت في معدلات الإصابة بين النساء والرجال، إذ بلغ المعدل نحو 10.6 حالة لكل ألف شخص بين النساء، مقابل 8.6 حالة لكل ألف شخص بين الرجال، حتى بعد أخذ اختلاف الأعمار في الاعتبار.

وقالت سينفاني إن هذا الاختلاف قد يرتبط بعوامل بيولوجية أو اجتماعية أو بيئية تجعل النساء أكثر عرضة للإصابة، مشيرةً إلى أهمية فهم هذه الفروق لتطوير استراتيجيات أكثر فاعلية للوقاية والكشف المبكر.

كما أظهرت الدراسة أن معدلات الإصابة الجديدة بالخرف كانت أعلى بنسبة 64 في المائة لدى الأشخاص في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مقارنةً بالدول مرتفعة الدخل، مما يثير مخاوف من زيادة الأعباء على الأنظمة الصحية التي قد تكون مواردها أقل لتوفير التشخيص والرعاية والعلاج.

وقالت الدكتورة أشلي فيلا، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن فهم هذه الاختلافات أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات الوقاية والتشخيص والرعاية بما يتناسب مع الفئات السكانية الأكثر عرضة للمخاطر مستقبلاً.

ولفتت الدراسة أيضاً إلى ارتباط انخفاض مستوى التعليم بارتفاع معدلات الإصابة بالخرف، وهي نتيجة تتفق مع دراسة سابقة نُشرت عام 2024، حددت 14 عاملاً قابلاً للتعديل ارتبطت مجتمعةً بنحو نصف حالات الخرف، وفقاً لتقديراتها، وكان مستوى التعليم أحد هذه العوامل.

ورغم الزيادة المتوقعة في الإصابات، يشير الخبراء إلى أن الوقاية تظل ممكنة من خلال التعامل مع عدد من عوامل الخطر، إذ شهدت بعض الدول مرتفعة الدخل تراجعاً في معدلات الإصابة خلال العقود الماضية، وهو ما ارتبط جزئياً بتحسين إدارة عوامل الخطر الصحية.

وتشمل الإجراءات التي يوصي بها الخبراء: الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية، وضبط ضغط الدم والكوليسترول، والسيطرة على مرض السكري، والحد من السمنة والتدخين وتلوث الهواء، إلى جانب ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتعزيز التواصل الاجتماعي، والاهتمام بالتعليم والتعلم المستمر.


السر ليس في الكافيين وحده... أسرار جديدة وراء تأثير القهوة بالجسم

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)
لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)
TT

السر ليس في الكافيين وحده... أسرار جديدة وراء تأثير القهوة بالجسم

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)
لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن تأثيرها قد يمتد إلى البكتيريا الموجودة في الأمعاء، والمواد التي ينتجها الجسم، وبعض المؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية والوظائف الإدراكية.

وحسب مجلة «نيوزويك» الأميركية، ففي دراسة أجراها باحثون من جامعة كوليدج كورك في آيرلندا، خضع 62 شخصاً لتجارب هدفت إلى فهم تأثير القهوة في الجسم، نصفهم من المعتادين على شرب نحو ثلاثة إلى خمسة أكواب يومياً، والنصف الآخر لا يشربونها عادةً.

في البداية، توقف الأشخاص الذين اعتادوا شرب القهوة عن تناولها لمدة أسبوعين، وخلال تلك الفترة، رصد الباحثون التغيرات التي طرأت على أجسامهم وسلوكياتهم، حيث تم فحص بكتيريا الأمعاء، وعملية الأيض، والحالة المزاجية، ومستويات التوتر، واليقظة، والقدرة على التعلم والذاكرة لدى المشاركين.

وبعد ذلك، أُعيد إدخال القهوة إلى نظامهم الغذائي، لكن المشاركين لم يكونوا على علم بما إذا كانوا يتناولون القهوة المحتوية على الكافيين أم منزوعة الكافيين.

وتوصل الباحثون إلى تغيرات لافتة بعد التوقف عن القهوة لمدة أسبوعين، أهمها:

تغيرات ملحوظة في الأمعاء

لوحظ أن التغيير الأبرز بعد التوقف عن شرب القهوة كان في الأمعاء، إذ طرأ تغير جوهري على نواتج التمثيل الغذائي المعوية لدى شاربي القهوة، وهي مركبات كيميائية صغيرة تنتج عن عمليات التمثيل الغذائي أو تتغير بفعلها، مقارنةً بالأشخاص الذين لا يشربون القهوة عادةً.

ووجد الباحثون أيضاً بعض الاختلافات في بكتيريا الأمعاء لدى شاربي القهوة بعد امتناعهم عن تناولها لمدة أسبوعين، إذ كانت أنواع معينة من البكتيريا، مثل بكتيريا «إيغرثيلا»، التي يُعتقد أنها تسهم في إفراز الأحماض داخل المعدة والأمعاء، وبكتيريا «كريبتوباكتيريوم كورتوم» التي قد تشارك في إنتاج الأحماض الصفراوية، أكثر وفرة لديهم مقارنةً بالأشخاص الذين لا يشربون القهوة.

وقال الباحثون إن هذه التغيرات من المحتمل أن تؤدي إلى خلق بيئة معوية تحد من نمو بعض أنواع البكتيريا الضارة وتمنع حدوث العدوى.

كما أظهر شاربو القهوة مستويات أعلى من بكتيريا «فيرميكوتس» التي تعيش في أمعاء الإنسان وتلعب دوراً رئيسياً في صحة الجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي، بعد الامتناع عنها.

التوتر والتغيرات المزاجية

من النتائج اللافتة في الدراسة أن إعادة تقديم القهوة للمشاركين بعد فترة التوقف ارتبطت بانخفاض مستويات التوتر الذي يشعرون به، وتراجع درجات الاكتئاب والاندفاعية، سواء تناولوا القهوة المحتوية على الكافيين أو القهوة منزوعة الكافيين.

ويشير ذلك إلى أن بعض التأثيرات المحتملة للقهوة في المزاج قد لا تعتمد على الكافيين وحده، بل ربما ترتبط أيضاً بمركبات أخرى موجودة في حبوب البن.

وأكد الفريق أن هذه النتائج لا تعني أن القهوة تعالج الاكتئاب أو اضطرابات التوتر، وإنما تشير إلى تغيرات رُصدت في مؤشرات نفسية خلال التجربة وتحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد دلالتها.

الانتباه واليقظة

ارتبطت إعادة شرب القهوة المحتوية على الكافيين بعد فترة التوقف بانخفاض القلق وتحسن اليقظة والانتباه، إلى جانب تغيرات مرتبطة بمؤشرات الالتهاب.

وتشير هذه النتائج إلى أن الكافيين قد يكون له دور في بعض التأثيرات التي رصدها الباحثون، خصوصاً ما يتعلق بالانتباه واليقظة.

التعلم والذاكرة

من أبرز نتائج الدراسة أن المشاركين الذين تناولوا القهوة منزوعة الكافيين بعد التوقف عن شرب القهوة لفترة أظهروا تحسناً في التعلم والذاكرة، وهو ما لم يُرصد لدى المجموعة التي تناولت القهوة المحتوية على الكافيين.

وطرح الباحثون احتمال أن تكون مركبات أخرى في القهوة، وليس الكافيين وحده، وراء بعض التأثيرات المرتبطة بالوظائف الإدراكية.

ومن بين هذه المركبات البوليفينولات، خصوصاً أحماض الكلوروجينيك، التي تتمتع بخصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، ويمكن أن تحولها ميكروبات الأمعاء إلى مركبات أخرى نشطة بيولوجياً. كما تحتوي القهوة على ألياف قابلة للذوبان ومركبات نباتية أخرى قد تتفاعل مع بكتيريا الأمعاء.