تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

السعودية تمتلك فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في ظل استدامة النظام الصحي

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية
TT

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

يعيش الرجال في مختلف دول العالم في المتوسط أعماراً أقصر من النساء، ويواجهون معدلات أعلى من الوفاة المبكرة بسبب أمراض يمكن الوقاية من جزء كبير منها، أو اكتشافها في مراحل مبكرة. ورغم التقدم الكبير الذي شهدته الرعاية الصحية خلال العقود الأخيرة، لا تزال صحة الرجل تمثل تحدياً صحياً ومجتمعياً يستحق التوقف عنده، ليس بسبب الاختلافات البيولوجية وحدها، بل أيضاً نتيجة أنماط سلوكية وثقافية تؤثر بصورة مباشرة في طريقة تعامل الرجال مع صحتهم، وطلبهم للرعاية الطبية.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن النساء يعشن في المتوسط فترة أطول من الرجال في جميع دول المنظمة تقريباً، حيث بلغ متوسط الفجوة في العمر المتوقع عام 2023 نحو 5.2 سنوات. ويرى الباحثون أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بالعوامل الوراثية وحدها، بل ترتبط أيضاً بعوامل قابلة للتعديل، مثل التدخين، والسمنة، وضعف النشاط البدني، وتأخر إجراء الفحوصات الوقائية، فضلاً عن التردد في طلب الرعاية الصحية عند ظهور الأعراض الأولى للمرض.

لماذا يعيش الرجال أعماراً أقصر؟ إن الجزء الأكبر من الفجوة الصحية بين الجنسين يرتبط بالسلوك الصحي، ونمط الحياة. فالرجال أكثر عرضة للانخراط في بعض السلوكيات عالية الخطورة، وأقل ميلاً إلى الاستفادة من برامج الوقاية، والفحص المبكر.

وفي كثير من الأحيان لا يُنظر إلى الفحص الدوري باعتباره جزءاً من الرعاية الذاتية، بل يُؤجل إلى حين ظهور أعراض واضحة. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن العديد من الأمراض المزمنة تبدأ بصمت، وتستمر سنوات قبل أن تعطي إشارات تحذيرية واضحة. وعندما تظهر الأعراض تكون بعض فرص الوقاية أو العلاج المبكر قد ضاعت بالفعل.

البروفسور صالح بن صالح

رؤية وطنية لتعزيز صحة الرجل

وفي هذا السياق، يؤكد البروفسور الأستاذ الدكتور صالح بن صالح، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لصحة الرجل (SSMH)، أن قضية صحة الرجل لم تعد شأناً طبياً محدوداً، بل أصبحت قضية تنموية ووطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي، ويقول:

«تمثل صحة الرجل في المملكة العربية السعودية تحدياً صحياً وتنموياً في الوقت نفسه؛ فارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وأمراض القلب، إلى جانب تأخر كثير من الرجال في طلب الرعاية، أو إجراء الفحوصات الوقائية، كل ذلك يجعلنا أمام قضية لا يمكن التعامل معها باعتبار أنها موضوع طبي محدود، بل أصبحت أولوية وطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي. وفي المقابل، تملك المملكة اليوم فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في صحة الرجل، مستفيدةً من التحول الصحي، والطب الوقائي، والصحة الرقمية، وتنامي الوعي المجتمعي.

ورؤيتنا أن ننتقل من مرحلة علاج المرض بعد ظهوره إلى مرحلة استباقية تقوم على الكشف المبكر، وتكامل الرعاية الأولية، والتخصصية، وتأسيس مسارات واضحة لصحة الرجل تشمل القلب، والسكري، والسمنة، والصحة النفسية، والصحة الجنسية والإنجابية، وسرطانات الرجال.

وفي هذا السياق نرى أن من أهم الحلول الممكنة تبنّي مفهوم عيادات صحة الرجل، واستحداث برامج فحص في أماكن العمل، وربط الصحة الجنسية بالصحة القلبية، والاستقلابية، وإنشاء سجل وطني لمؤشرات صحة الرجل.

إن الاستثمار في صحة الرجل ليس رفاهية طبية، بل إنه استثمار مباشر في الأسرة، والمجتمع، والاقتصاد، وجودة الحياة».

وتؤكد البيانات العلمية أن هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب النظري، بل تتمثل في مجموعة من الأمراض، والمشكلات الصحية التي لا تزال تحصد أرواح الرجال، أو تؤثر في جودة حياتهم، رغم أن كثيراً منها قابل للوقاية، أو الاكتشاف المبكر.

أمراض شائعة

> أمراض القلب. تظل أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة على مستوى العالم. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنها تسببت في نحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي ما يقارب 32 في المائة من جميع الوفيات العالمية. كما أن 85 في المائة من هذه الوفيات تعود إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

والمثير للقلق أن كثيراً من عوامل الخطر المؤدية إلى أمراض القلب يمكن اكتشافها مبكراً، والسيطرة عليها، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسكري، والتدخين، والسمنة، وقلة النشاط البدني. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من الرجال لا يعلمون بإصابتهم بهذه المشكلات إلا بعد حدوث مضاعفات خطيرة.

> الصحة النفسية: حين يصبح الصمت خطراً. إذا كانت أمراض القلب تمثل القاتل الجسدي الأول، فإن مشكلات الصحة النفسية تمثل أحد أكثر التحديات الصحية صمتاً، وتعقيداً. فالاكتئاب، والقلق، والضغوط النفسية لا تقل خطورة عن الأمراض الجسدية، لكنها غالباً ما تحاط بدرجة أكبر من الصمت، والتردد في طلب المساعدة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون بسبب الانتحار سنوياً حول العالم، وأن الانتحار يعد ثالث سبب للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً. كما تُظهر البيانات في العديد من الدول أن معدلات الوفاة بالانتحار أعلى بين الرجال مقارنة بالنساء.

ويرى المختصون أن أحد الأسباب الرئيسة لذلك يتمثل في تأخر طلب الدعم النفسي، أو الامتناع عنه. فبعض الرجال لا يزالون ينظرون إلى التعبير عن الضغوط النفسية أو المشكلات العاطفية على أنه نوع من الضعف، في حين تؤكد العلوم الطبية أن طلب المساعدة النفسية يمثل خطوة إيجابية ومسؤولة للحفاظ على الصحة العامة، وجودة الحياة.

> السرطان والفحص المبكر. من بين أهم الإنجازات الصحية الحديثة أن كثيراً من أنواع السرطان أصبحت قابلة للكشف المبكر، والعلاج الفعال، إذا تم تشخيصها في الوقت المناسب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك سرطان القولون والمستقيم الذي يعد ثالث أكثر أنواع السرطانات شيوعاً عالمياً.

ووفقاً للوكالة الدولية لأبحاث السرطان، تم تسجيل أكثر من 1.9 مليون حالة جديدة من سرطان القولون والمستقيم عام 2022، كما تسبب المرض في أكثر من 900 ألف وفاة حول العالم. ورغم هذه الأرقام، فإن هذا النوع من السرطان يُعد من أكثر السرطانات التي يمكن الوقاية منها، أو اكتشافها مبكراً من خلال برامج الفحص المنتظمة.

وتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) ببدء الفحص المنتظم لمعظم البالغين اعتباراً من عمر 45 عاماً، مع مراعاة عوامل الخطورة، والتاريخ العائلي.

أما سرطان البروستاتا، فيعد من أكثر السرطانات شيوعاً بين الرجال. وتوصي الهيئات العلمية بأن يناقش الرجال، خصوصاً بين سن 55 و69 عاماً، خيارات الفحص مع أطبائهم لاتخاذ القرار الأنسب وفق عوامل الخطورة الفردية. والهدف ليس إجراء الفحوصات بصورة عشوائية، بل الوصول إلى توازن بين فوائد الكشف المبكر وتجنب التدخلات غير الضرورية.

• السمنة والسكري. وهي من أخطر عوامل الخطر على صحة الرجل. وشهدت العقود الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السمنة، وزيادة الوزن على مستوى العالم، وأصبحت هذه الظاهرة أحد أهم العوامل المساهمة في انتشار الأمراض المزمنة. فالسمنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان. وفي المملكة العربية السعودية أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 أن نسبة السمنة بين السكان بعمر 15 سنة فأكثر بلغت 23.1 في المائة، بينما بلغت نسبة زيادة الوزن 45.1 في المائة. وهي أرقام تعكس حجم التحدي الصحي المرتبط بأنماط الحياة الحديثة.

كما تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن معدل انتشار السكري بين البالغين في المملكة يبلغ نحو 23.1 في المائة، وهو من أعلى المعدلات عالمياً. وتعكس هذه المؤشرات أهمية تعزيز النشاط البدني، وتحسين العادات الغذائية، والحد من عوامل الخطر التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض المزمنة.

• الصحة الجنسية: رسالة مبكرة من الجسم. لا تقتصر صحة الرجل على القلب، أو الوزن، أو الفحوصات الدورية، بل تشمل أيضاً الصحة الجنسية التي تمثل جزءاً مهماً من الصحة العامة، وجودة الحياة. وتشير دراسات عديدة إلى أن بعض المشكلات الجنسية قد لا تكون مجرد مشكلات موضعية، بل قد تمثل أحياناً مؤشراً مبكراً على وجود أمراض كامنة، مثل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن الأمثلة المعروفة في هذا المجال ضعف الانتصاب الذي قد يكون في بعض الحالات إحدى العلامات المبكرة على وجود اضطرابات وعائية أو استقلابية تحتاج إلى تقييم طبي. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وتشعب جوانبه الطبية، والنفسية، والاجتماعية، فإننا لن نتوسع في مناقشته هنا، على أن نفرد له مقالاً مستقلاً في عدد قادم.

التردد في استشارة الطبيب يؤدي إلى أعمار أقصر وتدني جودة الحياة

التردد في استشارة الطبيب

> لماذا يتأخر الرجال في زيارة الطبيب؟ ربما يكون هذا السؤال هو جوهر الأزمة الصحية الصامتة لدى الرجال. فالدراسات تشير إلى أن النساء أكثر ميلاً إلى استخدام خدمات الرعاية الصحية، والإبلاغ عن المشكلات الصحية مقارنة بالرجال.

وتتداخل في ذلك عوامل متعددة، بعضها ثقافي، وبعضها نفسي، واجتماعي. فهناك من يربط بين القوة والقدرة على تحمل الألم، أو تجاهل الأعراض، بينما يرى آخرون أن الوقت أو الالتزامات المهنية لا تسمح بالاهتمام بالصحة إلا عند الضرورة القصوى.

لكن الواقع الطبي يؤكد أن كثيراً من الأمراض الخطيرة لا تبدأ بأعراض شديدة، بل بمؤشرات بسيطة يمكن التعامل معها بسهولة إذا تم اكتشافها مبكراً. ولذلك فإن تأخير الفحص أو الاستشارة الطبية قد يحوّل مشكلة بسيطة إلى أزمة صحية معقدة.

• الرجولة الصحية تبدأ بالوقاية. في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية، وتتطور فيه وسائل الوقاية، والتشخيص، والعلاج، فإنه لم يعد هناك مبرر أن تبقى كثير من الأمراض الخطيرة مجهولة حتى مراحلها المتقدمة. وصحة الرجل ليست اختباراً للتحمل، وليست دليلاً على القوة، أو الضعف، بل هي مسؤولية شخصية ومجتمعية تتطلب الوعي، والمتابعة، والوقاية.

إن كثيراً من الأمراض التي تحصد أرواح الرجال لا تبدأ بأعراض خطيرة، بل تبدأ بفرصة ضائعة للفحص المبكر، أو زيارة مؤجلة للطبيب. ولذلك فإن حماية صحة الرجل لا تبدأ داخل المستشفى، بل تبدأ بقرار شخصي بالإنصات للجسد قبل أن يضطر إلى إطلاق إنذار متأخر.

ولا تكمن الشجاعة الحقيقية في تجاهل الأعراض، أو تأجيل الفحص، بل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وربما يكون أفضل استثمار يمكن أن يقدمه الرجل لنفسه ولأسرته هو أن يمنح صحته ما تستحقه من اهتمام قبل أن تضطره الظروف إلى ذلك. ولنتذكر دائماً أن كثيراً من الرجال لا يموتون بسبب المرض وحده، بل بسبب التأخر في اكتشافه.

*استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

سفر وسياحة السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم

فاطمة القحطاني (الرياض)
صحتك اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)

إبطاء الشيخوخة... دراسة جديدة تكشف ما قد يساعد وما لا يجدي

رغم أن التقدم في العمر عملية حتمية، فإن الحفاظ على الصحة واللياقة لأطول فترة ممكنة يظل هدفاً يسعى إليه كثيرون.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)

ما تأثير تناول الرمان بانتظام في صحة كليتيك؟

يُعدّ الرمان من الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة التي يدرس الباحثون دورها المحتمل في تعزيز صحة الكلى وحمايتها من التلف...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الحمص يزوّد الجسم بكمية من البروتين والألياف (بيكسلز)

شبع أكثر وسعرات أقل... 5 وجبات خفيفة تساعدك على إنقاص الوزن

لا يعني السعي إلى إنقاص الوزن بالضرورة الاستغناء عن الوجبات الخفيفة، بل يكمن السر في اختيار أطعمة تُساعد على الشعور بالشبع بين الوجبات الرئيسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يؤدي نقص فيتامين «د» إلى تشوهات في العظام مثل الإصابة بالكساح لدى الأطفال (بيكساباي)

فيتامين «د» في الشتاء... مَن يحتاج إلى المكملات الغذائية ومَن تكفيه الشمس والغذاء؟

يحتاج بعض الأشخاص لمكملات فيتامين «د» خلال الشتاء، في حين يستطيع آخرون الحصول على احتياجاتهم من الغذاء والتعرض لأشعة الشمس، حسب مستويات الفيتامين وعوامل الخطر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟
TT

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟

قد يكون شراب القيقب (Maple Syrup) خياراً أفضل قليلاً من العسل للأشخاص الذين يسعون إلى ضبط مستويات السكر في الدم، إذ تشير الأبحاث إلى أنه يرفع السكر بوتيرة أبطأ. ومع ذلك، يُعدّ كلا المُحلّيين الطبيعيين بديلاً أفضل نسبياً من السكر الأبيض المكرر، كما يحتويان على بعض الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي لا يوفرها السكر العادي.

ويستعرض تقرير نشرته مجلة «هيلث» الفروق الغذائية بين العسل وشراب القيقب، وكيف يؤثر كل منهما في مستويات السكر في الدم، وأيهما قد يكون الخيار الأفضل للأشخاص المصابين بالسكري.

كيف يؤثر العسل وشراب القيقب في سكر الدم؟

يرتبط تأثير الأطعمة في مستويات السكر بمؤشر يُعرف باسم «المؤشر الغلايسيمي»، وهو مقياس يوضح سرعة ارتفاع السكر في الدم بعد تناول الأطعمة المحتوية على الكربوهيدرات. وتساعد معرفة هذا المؤشر الأشخاص الذين يحتاجون إلى ضبط مستويات السكر، خصوصاً المصابين بالسكري.

وتبلغ درجة المؤشر الغلايسيمي للسكر الأبيض المكرر 65، مقابل 58 للعسل و54 لشراب القيقب. ويضع ذلك السكر والعسل ضمن الفئة المتوسطة، فيما يقع شراب القيقب ضمن الفئة المنخفضة.

وبذلك، يكون تناول العسل أو شراب القيقب باعتدال أقل احتمالاً للتسبب في ارتفاع سريع لسكر الدم مقارنة بالسكر الأبيض، لكن شراب القيقب يتميز بمؤشر أقل قليلاً من العسل، ما قد يجعله أبطأ في رفع مستويات السكر.

فوائد إضافية لشراب القيقب والعسل

تشير دراسات إلى أن استبدال السكر الأبيض بالعسل أو شراب القيقب قد يساعد في تحسين مستويات السكر في الدم، رغم أن تأثيرهما يبدو متقارباً عند تناولهما باعتدال.

ويحتوي شراب القيقب على حمض الأبسيسيك، وهو هرمون نباتي تشير أبحاث إلى أنه قد يساعد في تنظيم مستويات السكر وتحسين حساسية الإنسولين. ويوجد هذا المركب أيضاً في بعض أنواع العسل، مثل عسل المانوكا، لكنه لا يتوافر في أنواع كثيرة أخرى، أو يوجد بكميات ضئيلة.

كما يحتوي شراب القيقب على مضادات أكسدة قد تؤثر في ميكروبيوم الأمعاء وعملية الهضم، بما قد يبطئ تكسير الكربوهيدرات ويحد من سرعة ارتفاع السكر في الدم. وفي المقابل، يحتوي العسل على بعض الألياف ذات التأثير البريبايوتيكي، التي قد تدعم صحة الجهاز الهضمي وتساعد في تنظيم مستويات السكر.

مقارنة القيمة الغذائية

يوفر العسل وشراب القيقب بعض العناصر الغذائية، على عكس السكر المكرر الذي لا يقدم قيمة غذائية تُذكر. وتُظهر مقارنة ملعقة كبيرة، أي نحو 20 غراماً، من كل منهما اختلافات في السعرات الحرارية والسكريات والمعادن.

تحتوي ملعقة العسل على نحو 60.8 سعرة حرارية، مقابل 52 سعرة في الكمية نفسها من شراب القيقب. كما يوفر العسل 16.5 غرام من الكربوهيدرات و16.4 غرام من السكريات، مقارنة بـ13.4 غرام من الكربوهيدرات و12.1 غرام من السكريات في شراب القيقب.

وفي المقابل، يتفوق شراب القيقب في بعض المعادن؛ إذ تحتوي الملعقة الكبيرة منه على 20.4 ملغ من الكالسيوم، مقابل 1.2 ملغ في العسل، كما يوفر 42.4 ملغ من البوتاسيوم، مقارنة بـ10.4 ملغ في العسل. ويحتوي أيضاً على الزنك والمنغنيز، إضافة إلى كمية أكبر من فيتامين «بي 2».

أما العسل، فيُعد مصدراً أفضل لبعض الفيتامينات، مثل فيتامينات «بي 6» و«سي» والفولات (فيتامين «بي 9»)، وإن كانت كمياتها محدودة.

ويختلف نوع السكر في كل منهما أيضاً؛ فالعسل يتكون أساساً من الفركتوز، المعروف بسكر الفاكهة، إلى جانب الغلوكوز. أما شراب القيقب فيحتوي بصورة رئيسية على السكروز، الذي يتكون من الغلوكوز والفركتوز بنسب متساوية، وهو النوع نفسه الموجود في السكر المكرر.

وتشير الأبحاث إلى أن الفركتوز الموجود في العسل أقل تأثيراً في مستويات السكر مقارنة بأنواع أخرى من السكريات. لكن شراب القيقب يحتوي على مركبات أخرى ونسبة أعلى من الماء، ما يسهم في خفض مؤشره الغلايسيمي.

ومن الفروق بينهما أن شراب القيقب مناسب للنظام الغذائي النباتي، لأنه يُستخرج مباشرة من الأشجار، بينما لا يُصنف العسل عادةً ضمن المنتجات النباتية، نظراً إلى دور النحل في إنتاجه.

استخدامهما في الطهي

يمكن استخدام العسل وشراب القيقب بدلاً من السكر في وصفات مختلفة، مع مراعاة أن كليهما يحتوي على الماء، ما قد يستدعي تقليل كمية السوائل الأخرى في وصفات المخبوزات.

ويمكن إضافتهما إلى تتبيلات السلطات والصلصات، واستخدامهما في إعداد الكعك والخبز والفطائر لإضفاء الحلاوة والرطوبة. كما يمكن إضافة شراب القيقب إلى القهوة والمشروبات الباردة، بينما يمتزج العسل بصورة أفضل بالمشروبات الدافئة.

ويُنصح بحفظ شراب القيقب في الثلاجة بعد فتح العبوة، بينما يُحفظ العسل في مكان بارد وجاف.

أيهما أفضل لمرضى السكري؟

قد يكون شراب القيقب خياراً أنسب للأشخاص المصابين بالسكري أو الذين يعانون مشكلات في تنظيم مستويات السكر، نظراً إلى انخفاض مؤشره الغلايسيمي مقارنة بالعسل، وتأثيره الأكثر تدرجاً في مستويات السكر.

ومع ذلك، يُعد العسل أيضاً بديلاً أفضل من السكر الأبيض المكرر في هذا السياق. فقد أظهرت دراسات أنه يرفع مستويات السكر بوتيرة أبطأ من سكر المائدة لدى المصابين بالسكري.

ولا تزال الأبحاث المتعلقة بتأثير شراب القيقب في مرضى السكري محدودة، لكن دراسة نُشرت عام 2024 وجدت أن بالغين يعانون مشكلات أيضية، ويكونون غالباً أكثر عرضة للإصابة بالسكري، سجلوا تحسناً في مستويات السكر بعد استبدال السكر بشراب القيقب لمدة ثمانية أسابيع.

وفي المحصلة، لا يعني انخفاض المؤشر الغلايسيمي لأي من المُحلّيين أنه يمكن تناولهما بكميات كبيرة؛ فكلاهما يظل مصدراً للسكريات، ويظل الاعتدال في الاستهلاك أساسياً للتحكم في مستويات السكر في الدم.


إبطاء الشيخوخة... دراسة جديدة تكشف ما قد يساعد وما لا يجدي

اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)
اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)
TT

إبطاء الشيخوخة... دراسة جديدة تكشف ما قد يساعد وما لا يجدي

اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)
اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)

رغم أن التقدم في العمر عملية حتمية، فإن الحفاظ على الصحة واللياقة لأطول فترة ممكنة يظل هدفاً يسعى إليه كثيرون. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم «العمر البيولوجي» أهمية متزايدة، إذ يعكس الحالة الفسيولوجية للجسم ومدى تقدمه في العمر، بدلاً من الاكتفاء بعدد السنوات التي عاشها الإنسان.

وتشير دراسة حديثة نُشرت في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، ونقلها موقع «ماديكال نيوز توداي»، إلى أن بعض التغييرات الغذائية والسلوكية، إلى جانب أدوية معينة، قد ترتبط بتباطؤ مؤشرات الشيخوخة البيولوجية، من خلال تأثيرها في أنماط مثيلة الحمض النووي (DNA).

وتعتمد هذه المؤشرات على ما يُعرف بـ«الساعات فوق الجينية»، وهي أدوات تقيس التغيرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي مع مرور الوقت، وتساعد في تقدير العمر البيولوجي للجسم.

وحلّل الباحثون بيانات 51 دراسة طولية تناولت تدخلات مختلفة بهدف إبطاء الشيخوخة، وفحصوا أكثر من 110 مؤشرات حيوية مرتبطة بمثيلة الحمض النووي، لرصد تأثير النظام الغذائي والتمارين الرياضية والأدوية والمكملات الغذائية فيها.

النظام الغذائي والرياضة والأدوية

أظهرت النتائج أن اتباع أنظمة غذائية صحية، مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون، إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام، قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية.

لكن التأثير الأكبر ظهر مع بعض الأدوية، أبرزها الميتفورمين، المستخدم علاجاً أساسياً لمرض السكري من النوع الثاني، والسيماغلوتايد، وهو دواء من فئة محفزات مستقبلات «جي إل بي-1» يُستخدم لعلاج السكري والمساعدة في ضبط الوزن، إضافة إلى علاجات مضادة لعامل نخر الورم (Anti-TNF)، التي تُستخدم للسيطرة على الالتهابات.

ووفقاً للدراسة، ارتبطت هذه الأدوية بانخفاض ملحوظ في مؤشرات العمر عبر الساعات فوق الجينية الست عشرة التي شملها التحليل.

وقالت شبنم أونلوشيلر، كبيرة مسؤولي طول العمر والمهندسة الوراثية في معهد لندن للطب التجديدي، إن التدخلات الدوائية سجلت أكبر تأثير متوسط، في حين أظهرت التغييرات الغذائية والسلوكية استجابات أكثر اتساقاً عبر المؤشرات الحيوية المختلفة.

في المقابل، لم يجد الباحثون أدلة قوية ومتسقة على أن المكملات الغذائية تُحدث تأثيراً مضاداً للشيخوخة. وأوضح راغاف سيغال، الباحث المشارك في الدراسة من كلية الطب بجامعة ييل، أن ذلك لا يعني أن المكملات عديمة الفائدة، إذ قد تكون مهمة للأشخاص الذين يعانون نقصاً غذائياً أو لديهم احتياجات طبية محددة، لكن كثيراً من الادعاءات المتعلقة بقدرتها على إبطاء الشيخوخة لا تزال تسبق الأدلة العلمية المتاحة.

تحذير من استخدام الأدوية لأغراض مكافحة الشيخوخة

وحذرت أونلوشيلر من تفسير نتائج الدراسة على أنها توصية باستخدام الميتفورمين أو السيماغلوتايد أو العلاجات المضادة للالتهابات لدى الأشخاص الأصحاء بهدف إبطاء الشيخوخة.

وأشارت إلى أن بعض الدراسات شملت أشخاصاً يعانون حالات صحية محددة، ولذلك قد تعكس التغيرات المسجلة تحسناً في المرض الأساسي أو الالتهابات أو الصحة الأيضية، وليس بالضرورة تأثيراً مباشراً في عملية الشيخوخة نفسها.

هل تكشف المؤشرات الحيوية العمر الصحي؟

رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن تغير مؤشرات مثيلة الحمض النووي لا يثبت بالضرورة أن التدخلات المستخدمة تطيل العمر أو تحافظ على الصحة والقدرات البدنية والإدراكية.

وقال سيغال إن هذه المؤشرات تتيح رصد التغيرات البيولوجية خلال أشهر أو سنوات، بدلاً من انتظار عقود لمعرفة ما إذا كانت التدخلات تقلل الإصابة بالأمراض أو خطر الوفاة. لكنه شدد على ضرورة إجراء دراسات طويلة الأمد للتأكد من أن هذه التغيرات تنعكس فعلياً على صحة الإنسان وجودة حياته.

وترى أونلوشيلر أن الخطوة التالية تتمثل في التحقق مما إذا كانت التغيرات في المؤشرات الحيوية تتنبأ بصورة موثوقة بالحفاظ على الوظائف البدنية والإدراكية، وانخفاض معدلات الإصابة بالأمراض، وإطالة سنوات الحياة بصحة جيدة. وحتى ذلك الحين، ينبغي التعامل مع «الساعات فوق الجينية» بوصفها أدوات بحثية واعدة، لا مقاييس طبية نهائية لصحة الفرد.

كيف يمكن دعم الشيخوخة الصحية؟

يشير سيغال إلى أنه لا يوجد حتى الآن تدخل واحد ثبتت قدرته على إبطاء الشيخوخة بصورة شاملة لدى البشر، لافتاً إلى أن أكثر الإجراءات المدعومة بالأدلة تظل مرتبطة بعادات يومية أساسية، تشمل الامتناع عن التدخين، وممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على نوم كافٍ، والسيطرة على ضغط الدم والكوليسترول والسكري.

وتتفق أونلوشيلر مع هذه التوصيات، مؤكدة أهمية الجمع بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة، واتباع نظام غذائي على غرار حمية البحر المتوسط، والحفاظ على وزن صحي، والحد من استهلاك الكحول، والالتزام بمواعيد نوم منتظمة.

كما تشدد على ضرورة متابعة الحالات المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسكري، وإدارتها بصورة صحيحة، لما لذلك من دور في دعم الصحة الأيضية والقلبية والدماغية على المدى الطويل.


ما تأثير تناول الرمان بانتظام في صحة كليتيك؟

الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)
الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)
TT

ما تأثير تناول الرمان بانتظام في صحة كليتيك؟

الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)
الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)

يُعدّ الرمان من الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة التي يدرس الباحثون دورها المحتمل في تعزيز صحة الكلى وحمايتها من التلف. ورغم النتائج الواعدة لبعض الدراسات الأولية، فإن الأدلة العلمية المتاحة بشأن تأثير تناول الرمان في الكلى لدى البشر لا تزال محدودة.

وفي المقابل، قد يحتاج بعض المصابين بأمراض الكلى إلى الانتباه للكميات التي يتناولونها من الرمان؛ نظراً إلى احتوائه البوتاسيوم، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

كيف يمكن أن يساعد الرمان في تعزيز صحة الكلى؟

يتميز الرمان باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة والمركبات النشطة التي قد تسهم في دعم الصحة العامة، ومن أبرزها:

- حمض الإيلاجيك (Ellagic acid) وحمض الغاليك (Gallic acid): وهما مركبان يساعدان على مكافحة الالتهابات.

- البونيكالاغين (Punicalagin): أحد مضادات الأكسدة القوية التي تساعد على حماية خلايا الجسم من التلف الناجم عن الجذور الحرة.

- الأنثوسيانين (Anthocyanins): مركبات تسهم في مقاومة الأمراض، وهي المسؤولة أيضاً عن منح الرمان لونه الزاهي.

وتشير الأبحاث إلى أن الرمان ومركباته النشطة «قد» يقدمان مجموعة من الفوائد المحتملة للكلى، تشمل:

- حماية الكلى من التلف الناتج عن بعض الأدوية أو المواد الكيميائية أو المعادن.

- المساعدة على تقليل الالتهابات.

- الحد من تكوّن الأنسجة الندبية في الكلى، وهي حالة تُعرف باسم «التليف».

- الإسهام في إصلاح الأضرار التي تصيب الكلى.

- دعم قدرة الكلى على ترشيح الماء والفضلات بكفاءة.

ومع ذلك، فإن الباحثين لم يتمكنوا حتى الآن من تحديد ما إذا كان تناول الرمان بانتظام يحقق هذه الفوائد بالفعل لدى البشر؛ مما يعني أن النتائج المتاحة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيدها.

ما الوظائف الأساسية التي تؤديها الكليتان؟

الكليتان عضوان أساسيان في الجسم، تتمثل مهمتهما الرئيسية في تنقية الدم من الفضلات والسوائل الزائدة، والتخلص منها عن طريق تكوين البول.

ولا يقتصر دورهما على ذلك؛ إذ تعملان أيضاً على تنظيم مستويات الماء والأملاح وغيرهما من الكهارل؛ المعروفة باسم «الإلكتروليتات»، في الدم.

وتُعدّ هذه العملية جزءاً من آلية تُعرف باسم «التوازن الداخلي (Homeostasis)»، التي تساعد الجسم في الحفاظ على استقرار بيئته الداخلية.

وإلى جانب هذه الوظائف، تؤدي الكليتان دوراً مهماً في إنتاج الهرمونات.

هل تناول الرمان آمن لمرضى الكلى؟

يُعدّ تناول الرمان آمناً لمعظم الأشخاص، إلا إنه ينبغي تجنبه لدى من يعانون حساسية تجاه هذه الفاكهة.

أما الأشخاص المصابون بأمراض الكلى، لا سيما الذين يعانون ارتفاع مستويات البوتاسيوم في الدم، فقد يحتاجون إلى مراقبة الكميات التي يتناولونها من الرمان.

وفي هذه الحالات، يمكن للطبيب المعالج أو اختصاصي التغذية المختص في أمراض الكلى المساعدة على تحديد الكمية المناسبة، بما يتوافق والحالة الصحية ومستويات البوتاسيوم في الدم.