الصيام والصحة في رمضان

بين الفوائد الصحية والممارسات الخاطئة

الصيام والصحة في رمضان
TT

الصيام والصحة في رمضان

الصيام والصحة في رمضان

مع دخول الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، يبدأ كثير من الناس في إعادة النظر في علاقتهم بأجسادهم وغذائهم ونمط حياتهم اليومي. فالصيام لا يُعد مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب، بل يمثل تجربة فسيولوجية وسلوكية متكاملة، تفرض على الجسم إيقاعاً مختلفاً، وقد تمنحه فرصة نادرة لاستعادة التوازن إذا ما أُحسن التعامل معها. وبينما ينشغل البعض بتجهيز موائد الإفطار، يغيب عن كثيرين أن الصيام، في جوهره، ممارسة صحية ذات أبعاد مثبتة علمياً، شرط أن يُمارس بوعي واعتدال.

ويُنظر إلى شهر رمضان، من منظور طبي، بوصفه فترة انتقالية تتغير فيها مواعيد النوم والطعام والنشاط البدني، ما يجعل الجسم في حالة تكيف مستمر. وقد يكون هذا التكيف إيجابياً، فينعكس تحسناً في بعض المؤشرات الصحية، أو سلبياً إذا ارتبط بعادات غذائية خاطئة وسلوكيات مرهقة. ومن هنا تبرز أهمية فهم العلاقة بين الصيام والصحة، لا بعدّها علاقة تلقائية، بل علاقة مشروطة بنمط الممارسة.

فرصة صحية

يتميّز شهر رمضان بكونه فرصة سنوية لإعادة ضبط العادات اليومية، وهو ما يجعله بيئة مناسبة لتبني سلوكيات صحية جديدة. فالتقليل الإجباري من عدد الوجبات، وتحديد أوقات الأكل، يمنحان الجهاز الهضمي فترات راحة منتظمة، ويساعدان الجسم على تحسين كفاءته الأيضية. وتشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن أنماط الصيام المتقطع، عندما تُمارس بطريقة سليمة، قد تسهم في تحسين التمثيل الغذائي، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقليل الالتهابات المزمنة.

لكن هذه الفرصة قد تتحول إلى عبء صحي لدى البعض، خصوصاً إذا استُبدل بالحرمان المؤقت إفراط لاحق، أو أُهملت الاحتياجات الأساسية للجسم، مثل النوم الكافي والترطيب المنتظم. لذا فإن النظرة الصحية لرمضان يجب أن تقوم على التوازن، لا على القسوة أو التعويض المفرط.

• ماذا يحدث للجسم في أثناء الصيام؟ خلال ساعات الصيام، يعتمد الجسم في البداية على مخازن الغلوكوز (الغليكوجين) في الكبد والعضلات لتوفير الطاقة. وبعد استنفاد هذه المخازن، يبدأ في التحول التدريجي إلى استخدام الدهون كمصدر بديل للطاقة، وهي عملية تُعرف بالأيض الدهني. ويُعد هذا التحول من أبرز الفوائد الفسيولوجية للصيام، إذ يُسهم في تحسين حساسية الخلايا للإنسولين وتقليل تراكم الدهون الضارة.

كما تشير دراسات منشورة في دوريات طبية متخصصة، مثل The New England Journal of Medicine، إلى أن الصيام قد يحفّز عمليات الإصلاح الخلوي، ويعزز ما يُعرف بآلية «الالتهام الذاتي»، وهي عملية طبيعية يتخلص فيها الجسم من الخلايا التالفة، ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة على المدى البعيد. ويُلاحظ كذلك تحسن في بعض المؤشرات الالتهابية، وانخفاض في مستويات بعض الدهون في الدم، لدى الصائمين الذين يلتزمون بنمط غذائي متوازن.

غير أن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً، إذ إن الإفراط في تناول السكريات والدهون المشبعة بعد الإفطار قد يُفقد الصيام أثره الإيجابي، بل وقد يؤدي إلى اضطرابات هضمية وزيادة في الوزن.

• متى يكون الصيام مساعداً على إنقاص الوزن ومتى يزيده؟ يستقبل كثير من الصائمين شهر رمضان وهم يتوقعون أن يؤدي الامتناع اليومي، لساعات محددة، عن الطعام والشراب إلى فقدان الوزن تلقائياً، غير أن هذا التصور لا يكون دقيقاً من الناحية الفسيولوجية. فالصيام لا يعمل بمعزل عن السلوك الغذائي ونمط الحياة اليومي، إذ إن فقدان الوزن يرتبط بشكل أساسي بتوازن الطاقة وتنظيم العمليات الأيضية داخل الجسم، وفي مقدمتها دور هرمون الإنسولين.

خلال ساعات الصيام تنخفض مستويات الإنسولين تدريجياً، ما يسمح للجسم بالانتقال من استخدام الغلوكوز إلى الاعتماد على مخازن الدهون كمصدر للطاقة، وهي آلية فسيولوجية تُعد أساس الفائدة الأيضية للصيام. وعندما يُمارس الصيام ضمن نمط غذائي متوازن، مع توزيع معتدل للوجبات، وتجنب الإفراط في السكريات، والحفاظ على نشاط بدني مناسب، تتحسن حساسية الخلايا للإنسولين، ويصبح الجسم أكثر كفاءة في حرق الدهون وتنظيم الشهية، وهو ما يتوافق مع ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية وهيئات التغذية الدولية بشأن فوائد الصيام المتقطع عند تطبيقه ضمن إطار صحي غذائي وسلوكي متكامل.

في المقابل، تُفقد هذه الفائدة الأيضية عندما يُكسر الصيام بوجبات عالية السكر والدهون، إذ يؤدي الارتفاع الحاد في مستويات الغلوكوز بعد الإفطار إلى إفراز كميات كبيرة من الإنسولين، ما يدفع الجسم إلى تخزين فائض الطاقة على هيئة دهون. ويزداد هذا الأثر مع قلة الحركة واضطراب النوم، حيث تؤكد دراسات فسيولوجية متعددة أن السهر وقلة الراحة يُخلّان بتوازن الهرمونات المنظمة للجوع والشبع، ويزيدان من مقاومة الإنسولين، الأمر الذي قد يحوّل الصيام من فرصة لتحسين الأيض إلى عامل غير مباشر في زيادة الوزن.

ومن هنا تتضح القاعدة الصحية الأساسية: الصيام ليس وصفة سحرية لفقدان الوزن، ولا سبباً حتمياً لزيادته، بل هو أداة فسيولوجية حساسة تتأثر بكيفية استخدامها من حيث كسر الصيام، ونوعية الطعام، وتنظيم النوم والحركة. والنتيجة النهائية لا تحددها ساعات الامتناع عن الطعام بقدر ما تصنعها الخيارات اليومية التي يتخذها الصائم طوال الشهر الكريم.

• فوائد جسدية ونفسية. عند الالتزام بمبادئ التغذية السليمة، يمكن للصيام أن يقدم مجموعة من الفوائد الصحية المهمة. من أبرز هذه الفوائد تحسين التحكم في مستويات السكر في الدم، وهو ما ينعكس إيجاباً على مرضى ما قبل السكري، وفق ما تشير إليه دراسات رصدية متعددة. كما يسهم الصيام في منح الجهاز الهضمي فترات راحة منتظمة، ما قد يقلل من أعراض عسر الهضم والارتجاع لدى بعض الأشخاص.

ولا تقتصر الفوائد على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الصحة النفسية. فقد أظهرت أبحاث منشورة في دوريات علم النفس الصحي أن الصيام المصحوب بنمط حياة منظم قد يساعد في تحسين التركيز، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالانضباط الذاتي. ويعزو الباحثون ذلك إلى انتظام الوجبات، وتقليل استهلاك المنبهات، ووجود بُعد روحي يدعم الاستقرار النفسي.

أخطاء شائعة

رغم الإمكانات الصحية الكبيرة التي يوفّرها الصيام، يقع كثير من الصائمين في ممارسات يومية تقلل من فوائده أو تحرمه من أثره الإيجابي المرجو. فبعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام والشراب، يُفاجئ البعضُ أجسادَهم بوجبات دسمة تفوق احتياجاتهم الفعلية، ما يؤدي إلى شعور بالثقل والخمول واضطرابات في الهضم، مع حدوث ارتفاع سريع في مستويات سكر الدم. ولا يقل إهمال شرب الماء أهمية عن ذلك، إذ يكتفي كثيرون بكميات محدودة من السوائل خلال فترة الإفطار، ما قد يعرّض الجسم للجفاف ويؤثر في التركيز ووظائف الكلى والدورة الدموية. ويضاف إلى هذه السلوكيات اضطراب نمط النوم الناتج عن السهر الطويل وقلة عدد ساعات الراحة، الأمر الذي يخلّ بتوازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة، ويزيد من الشعور بالإرهاق خلال ساعات الصيام. كما أن الاعتماد المفرط على الحلويات الرمضانية والمقليات، رغم ارتباط ذلك بالعادات الاجتماعية، يؤدي إلى تقلبات حادة في مستويات السكر والدهون في الدم، يعقبها شعور بالتعب والجوع المبكر. وتشكّل هذه الأخطاء مجتمعة، عائقاً حقيقياً أمام تحقيق الفوائد الصحية للصيام، وتحول هذه العبادة إلى تجربة مرهقة بدل أن تكون فرصة لإعادة التوازن الجسدي.

ومن أبرز هذه الممارسات الخاطئة مما يمكن رصده في السلوك الغذائي اليومي للصائمين، والتي تستحق الوقوف عندها بشيء من التفصيل:

• الإفراط في الأكل عند الإفطار. يُعد تناول كميات كبيرة من الطعام فور أذان المغرب من أكثر الأخطاء شيوعاً في رمضان. فبعد ساعات طويلة من الصيام، يكون الجهاز الهضمي في حالة استعداد تدريجي، وليس مهيأً لاستقبال وجبات دسمة ومركزة. وقد يؤدي هذا السلوك إلى الشعور بالثقل، واضطرابات الهضم، وارتفاع مفاجئ في سكر الدم، ما يحرم الصائم من الفائدة الصحية المرجوة من الصيام.

• إهمال شرب الماء. يركز كثير من الصائمين على نوعية الطعام وينسون أهمية الترطيب. والاكتفاء بكميات محدودة من الماء بين الإفطار والسحور قد يعرّض الجسم للجفاف، ويؤثر سلباً في التركيز ووظائف الكلى والدورة الدموية. ويؤكد مختصو التغذية أن شرب الماء يجب أن يكون موزعاً على ساعات الإفطار، لا دفعة واحدة.

• السهر الطويل وقلة النوم. يتعامل البعض مع رمضان بوصفه شهر السهر، ما يؤدي إلى اضطراب النوم وقلة عدد ساعاته. هذا الخلل يؤثر في توازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة، وقد يسبب الإرهاق، وتقلب المزاج، وزيادة الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية خلال النهار.

• الاعتماد على الحلويات والمقليات. تمثل الحلويات الرمضانية والمقليات عنصراً أساسياً على كثير من الموائد، لكن الإفراط فيها يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستويات السكر والدهون في الدم، يعقبه شعور بالخمول والتعب. ويؤكد الأطباء أن الاعتدال في هذه الأطعمة، واستبدال خيارات أخف بها، يسهم في الحفاظ على استقرار الطاقة والصحة العامة خلال الشهر.

• كيف نجعل من الصيام نمطاً صحياً؟ لتحقيق الفائدة الصحية المرجوة من الصيام، يُنصح باتباع مجموعة من الإرشادات البسيطة والعملية. من أهمها توزيع الوجبات بين الإفطار والسحور بشكل متوازن، والبدء بالإفطار بوجبة خفيفة تسمح للجهاز الهضمي بالاستعداد التدريجي. كما يُعد شرب الماء على فترات منتظمة بين الإفطار والسحور عنصراً أساسياً للحفاظ على الترطيب.

ويُوصي خبراء التغذية، استناداً إلى إرشادات منشورة من هيئات صحية دولية، بضرورة إدخال الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ضمن الوجبات الرمضانية، والحد من السكريات المضافة والدهون المشبعة. كما أن ممارسة نشاط بدني خفيف بعد الإفطار، مثل المشي، تسهم في تحسين الهضم وتنظيم مستويات السكر.

أما النوم، فيجب التعامل معه بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الصحة الرمضانية، من خلال محاولة الحفاظ على عدد ساعات كافٍ، ولو بصورة متقطعة، لتجنب الإرهاق المزمن.

ويبقى الصيام أكثر من مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب؛ إنه تجربة متكاملة لإعادة التوازن بين احتياجات الجسد ومتطلبات الحياة اليومية. ومع الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، تبرز فرصة حقيقية لتحويل الصيام إلى نقطة انطلاق نحو نمط حياة صحي أكثر وعياً واستدامة. فالصحة لا تُبنى بقرارات مفاجئة أو ممارسات موسمية، بل بخيارات يومية مدروسة، تبدأ من مائدة الإفطار، وتمتد إلى ما بعد انتهاء الشهر الفضيل.

• استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

صحتك مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

يُعرف مرض باركنسون بأنه اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي يؤثر تدريجياً على الحركة والتحكم العضلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)

لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

قد يبدو الامتناع عن الطعام والشراب قبل الخضوع للجراحة إجراءً روتينياً مزعجاً؛ خصوصاً عند تحديد موعد العملية في ساعات الصباح الباكر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك طبيب ينظر إلى فحوص تصوير مقطعي للدماغ (أ.ب)

بروتين يحمي خلايا الدماغ من الشيخوخة... هل يفتح الطريق لعلاج ألزهايمر؟

اكتشف باحثون بروتيناً يحمي الخلايا المناعية في الدماغ من التدهور المرتبط بالتقدم في العمر، وهو ما قد يمهد الطريق لابتكار علاجات مستقبلية لمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يعاني ما لا يقل عن 3.8 مليون شخص حول العالم من مرض التهاب الأمعاء (رويترز)

قبل عقد من ظهور الأعراض... إشارات في الدم قد تنذر بالإصابة بالتهاب الأمعاء

كشفت دراسة جديدة أن أنماط الأجسام المضادة في دم الإنسان قد تتنبأ بظهور مرض التهاب الأمعاء قبل عقد كامل من تشخيصه، مما يفتح باب الأمل للكشف المبكر عن هذه الحالة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
صحتك قد تشمل العلامات المبكرة لضعف القلب ضيق التنفس والتعب المستمر وتورم القدمين والكاحلين (بيكسلز)

5 علامات مبكرة لضعف القلب لا تتجاهلها

قد تشمل العلامات المبكرة لضعف القلب ضيق التنفس، والتعب المستمر، وتورم القدمين والكاحلين، وتسارع ضربات القلب، والدوخة أو الإغماء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تساعد أدوية السكري والسمنة في علاج الإدمان؟

حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
TT

هل تساعد أدوية السكري والسمنة في علاج الإدمان؟

حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)

تمثل اضطرابات تعاطي المواد عبئاً صحياً عالمياً كبيراً. ومع ارتفاع معدلات الانتكاس ومحدودية الخيارات الدوائية المتاحة لعلاج الإدمان على بعض المواد، تبرز الحاجة إلى علاجات إضافية، إلى جانب توسيع نطاق الوصول إلى العلاجات المعتمدة.

وفي هذا السياق، يدرس الباحثون إمكانية استخدام أدوية السمنة «جي إلى بي -1» (GLP-1)، التي تُستخدم لعلاج السكري من النوع الثاني والسمنة، في علاج الإدمان؛ نظراً إلى تأثيراتها في دوائر المكافأة في الدماغ. لكن استخدامها لهذا الغرض لا يزال قيد البحث، ولم تتأكد بعد فاعليتها السريرية.

كيف يمكن أن تؤثر أدوية «GLP-1» في الإدمان؟

طُوّرت هذه الأدوية في الأصل لعلاج الاضطرابات الأيضية، من خلال محاكاة عمل هرمون «GLP-1» الطبيعي، وتحسين تنظيم مستويات السكر في الدم، وتعزيز الشعور بالشبع. وتساعد مدة تأثيرها الطويلة على استمرار مفعولها العلاجي. ويُنتج الجسم هرمون «جي إلى بي -1» في خلايا الأمعاء، وكذلك في بعض الخلايا العصبية في منطقة جذع الدماغ.

وتشير الأبحاث إلى أن الإشارات التي ينقلها هذا الهرمون تؤثر في شبكات الدماغ المسؤولة عن المكافأة والتحكم المعرفي، بما في ذلك المسارات التي تربط المنطقة السقيفية البطنية والنواة المتكئة والقشرة الجبهية الأمامية. ويستند جانب كبير من الأدلة المتعلقة بهذه التأثيرات إلى دراسات أُجريت على الحيوانات.

وتؤثر دورات الإدمان في هذه المسارات، بما ينعكس على القدرة على التحكم في السلوك، وإشارات الدوبامين، والاستجابة للتوتر والمحفزات المرتبطة بالمواد المخدرة.

وقد تساعد أدوية «جي إلى بي -1» على تعديل بعض هذه العمليات. وأظهرت دراسات على الحيوانات انخفاض استجابات الدوبامين الناجمة عن تعاطي المواد، كما أدى دواء إكسيناتيد، في نموذج لدراسة الكوكايين، إلى تقليل إشارات الالتهاب العصبي المرتبطة بعامل نووي يُعرف باسم NF-κB في النواة المتكئة، وفق ما أفادت موقع «نيوز ميديكال».

وتشير أبحاث حديثة في مجال الاضطرابات العصبية والنفسية إلى وجود مسارات مشتركة للمكافأة والتحكم المعرفي بين الإدمان وبعض أشكال السمنة. وقد أظهرت دراسات أن الأشخاص المصابين بالسمنة لديهم اتصال وظيفي أقل بين المنطقة السقيفية البطنية والقشرة الجبهية الأمامية، لكن هذه النتائج لا تثبت أن السمنة والإدمان ينشآن عن آليات مرضية متطابقة.

كما كشفت دراسات جينية عن أساس وراثي متعدد الجينات مشترك بين اضطراب تعاطي الكحول ومؤشر كتلة الجسم، مع وجود بعض المتغيرات الجينية المشتركة التي تؤثر بصورة متعاكسة في كل منهما.

التأثير في المكافأة والرغبة في التعاطي

حددت الدراسات ما قبل السريرية إشارات هرمون «GLP-1» بوصفها أحد العوامل التي تعدّل معالجة الدماغ للمكافأة. ويقيّم الباحثون تأثيراتها السلوكية من خلال قياس استهلاك المواد طوعاً، والاستجابة للمحفزات المرتبطة بها، وعودة الرغبة في البحث عنها بعد الامتناع عنها.

وفي تجربة بشرية على أشخاص يعانون اضطراب تعاطي الكحول، قلل دواء إكسيناتيد استجابة مناطق في المخ، تشمل الجسم المخطط البطني والحاجز الدماغي، للمحفزات المرتبطة بالكحول. لكن هذه النتيجة، التي رُصدت باستخدام التصوير العصبي، لم تصاحبها انخفاضات عامة في استهلاك الكحول؛ لذلك لا يمكن عدّ تراجع الاستجابة للمحفزات دليلاً على الوقاية من الانتكاس.

وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن العلاجات القائمة على ناهضات مستقبلات «GLP-1» قد تؤثر في استجابة الدماغ للمكافأة والرغبة في التعاطي. لكن التغيرات التي تُرصد في السلوك التجريبي أو نشاط الدماغ تحتاج إلى تأكيد من خلال نتائج سريرية ملموسة، مثل الانخفاض المستمر في تعاطي المواد ومعدلات الانتكاس.

ماذا أظهرت الدراسات على الحيوانات؟

تشير أدلة متزايدة من الدراسات ما قبل السريرية إلى أن أدوية «GLP-1» قد تقلل استهلاك المواد أو قدرتها على تعزيز السلوك الإدماني، أو تحد من عودة البحث عنها، في نماذج تجريبية تتناول الكحول والنيكوتين والكوكايين والمواد الأفيونية.

ويقصد بعودة البحث عن المادة استئناف هذا السلوك بعد إيقافه تجريبياً.

وفي دراسات على القوارض والرئيسيات غير البشرية، أدت أدوية عدة، من بينها سيماغلوتايد وليراغلوتايد وإكسندين-4، إلى تقليل شرب الكحول أو السلوكيات الشبيهة بالانتكاس، مع اختلاف النتائج حسب الجرعة والمركب الدوائي والنموذج التجريبي. فعلى سبيل المثال، أدى حقن إكسندين-4 مباشرة في مناطق مرتبطة بالمكافأة، بما فيها النواة المتكئة والمنطقة السقيفية البطنية، إلى تقليل استهلاك الكحول لدى القوارض.

ورصدت بعض التجارب هذا الانخفاض من دون تغيرات مماثلة في استهلاك الماء أو الوظائف الحركية، لكن مدى خصوصية التأثير اختلف بين الدراسات.

وفي نماذج اضطراب تعاطي التبغ، نشّط النيكوتين الخلايا العصبية المنتجة لهرمون «GLP-1» في نواة السبيل المنفرد في جذع الدماغ. وعززت إشارات الهرمون عبر مسارات الحُبَين تجنب النيكوتين، في حين قلل دواء ليراجلوتايد من الإدارة الذاتية للنيكوتين، أي تناوله طوعاً في بيئة تجريبية، ومن عودة سلوك البحث عنه.

ماذا تقول التجارب السريرية على البشر؟

لم يجد تحليل تجميعي لثلاث تجارب عشوائية محكومة، شملت 430 بالغاً ودرست نتائج مرتبطة بالكحول، انخفاضاً إجمالياً ذا دلالة إحصائية في استهلاك الكحول بعد العلاج بأدوية «GLP-1». كما لم تُظهر النتائج المجمعة انخفاضاً ذا دلالة إحصائية في عدد المشروبات لكل يوم من أيام الشرب أو في الرغبة في تناول الكحول.

ومن المهم الإشارة إلى اختلاف الفئات المشاركة في الدراسات؛ إذ جاءت نتائج دواء دولاجلوتايد من تجربة للإقلاع عن التدخين، وليس من تجربة صُممت أساساً لعلاج اضطراب تعاطي الكحول. كما أن التحليل التجميعي وصف هذه العينة بصورة غير متسقة بصفتها من المصابين باضطراب تعاطي الكحول؛ ما يعقد تفسير نتائجه المجمعة.

ولم تجد تجربة خاصة بدواء إكسيناتيد فائدة عامة في خفض استهلاك الكحول. لكن تحليلاً ثانوياً أظهر انخفاض الاستهلاك لدى المشاركين المصابين بالسمنة أيضاً، التي عُرّفت بأنها مؤشر كتلة جسم يبلغ 30 كيلوغراماً لكل متر مربع أو أكثر. وتحتاج هذه النتيجة الاستكشافية إلى تأكيد، ولا تثبت أن السمنة مؤشر موثوق لتوقع الاستجابة للعلاج.

وفي تجربة منفصلة استمرت تسعة أسابيع، أدى سيماجلوتايد إلى خفض استهلاك الكحول في المختبر، وعدد المشروبات لكل يوم من أيام الشرب، والرغبة في تناول الكحول، مقارنة بالعلاج الوهمي. ولم تُجرَ مقارنة مباشرة بين سيماجلوتايد وإكسيناتيد؛ ولذلك لا يمكن الاستنتاج من هاتين التجربتين أن أحد الدواءين يتفوق على الآخر.

أما نتائج دراسات الإقلاع عن التدخين، فجاءت متباينة. فقد أظهرت تجربة صغيرة أن إضافة إكسيناتيد إلى لصقات النيكوتين حسّنت الامتناع عن التدخين وقللت زيادة الوزن بعد الإقلاع عنه.

لكن تجربة أكبر اختبرت إضافة دولاجلوتايد إلى فارينيكلين لم تجد تحسناً في معدلات الامتناع عن التدخين، رغم انخفاض زيادة الوزن خلال فترة العلاج. ولم يستمر هذا الأثر المتعلق بالوزن خلال المتابعة الأطول.

كذلك، لم تجد دراسة صغيرة استخدمت جرعة واحدة من إكسيناتيد لدى أشخاص يعانون اضطراب تعاطي الكوكايين انخفاضاً في الاستهلاك الذاتي للكوكايين أو في آثاره التي أبلغ عنها المشاركون.

لا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد مدى فعالية أدوية «GLP-1» في علاج اضطرابات تعاطي المواد، وتقييم سلامتها على المدى الطويل، ومعرفة الفئات التي قد تستفيد منها، قبل التوصل إلى استنتاجات بشأن إمكانية استخدامها علاجاً للإدمان.


كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
TT

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)

يُعرف مرض باركنسون بأنه اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي يؤثر تدريجياً على الحركة والتحكم العضلي.

وتشير الدراسات إلى أن ممارسة النشاط البدني بانتظام قد تساعد على إبطاء تراجع القدرات الحركية وتحسين جودة الحياة لدى المصابين بمرض باركنسون. ويُنصح غالباً بممارسة نحو 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين المناسبة للحالة، مع تمارين التوازن والقوة، بعد استشارة الطبيب. لكن لا توجد مدة محددة ثبت أنها توقف تطور المرض أو تبطئه بشكل مؤكد.

ما هو مرض باركنسون؟

• يحدث نتيجة تلف أو موت الخلايا العصبية في جزء من الدماغ يُسمى «المادة السوداء».

• تتوقف هذه الخلايا عن إنتاج الدوبامين، وهو ناقل عصبي مهم ينظم حركة الجسم وتوازنه.

• يُعد التقدم في العمر هو عامل الخطر الأبرز، وغالباً ما تبدأ الأعراض في الظهور بعد سن الخمسين.

مستويات النشاط البدني:

نشاط منخفض:

مستويات قليلة من الحركة أسبوعياً.

نشاط متوسط:

مستويات معتدلة من النشاط البدني التي أظهرت الدراسات ارتباطها بتباطؤ واضح في التدهور الإدراكي والحركي.

نشاط مرتفع:

مستويات عالية من النشاط البدني، حيث تشير بعض الملاحظات إلى أن زيادة المجهود المفرط قد لا تعطي بالضرورة فوائد إضافية مضاعفة للذاكرة والتفكير مقارنة بالنطاق المعتدل.

تشير التوصيات العامة إلى أن الحفاظ على مستوى منتظم من النشاط البدني أسبوعياً يساعد في الحفاظ على الصحة البدنية وتقليل حدة الأعراض.


لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
TT

لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)

قد يبدو الامتناع عن الطعام والشراب قبل الخضوع للجراحة إجراءً روتينياً مزعجاً؛ خصوصاً عند تحديد موعد العملية في ساعات الصباح الباكر، ولكنه في الواقع خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض.

وتختلف مدة الصيام المطلوبة وفقاً لنوع الطعام والشراب، والحالة الصحية للمريض، وطبيعة العملية والتخدير المستخدم، حسب موقع «أونلي ماي هيلث» العلمي.

فلماذا يجب الامتناع عن الطعام قبل الجراحة؟

يتمثل السبب الرئيسي للصيام قبل الجراحة في تقليل خطر الشفط الرئوي، وهي حالة ترتد فيها محتويات المعدة، مثل الطعام أو السوائل، إلى القصبة الهوائية والرئتين بدلاً من انتقالها عبر الجهاز الهضمي بصورة طبيعية، ما قد يؤدي إلى التهابات ومشكلات خطيرة في التنفس، وقد تؤدي في الحالات الشديدة إلى مضاعفات تهدد الحياة.

وفي الظروف المعتادة، يمتلك الجسم ردود فعل وقائية، مثل السعال والبلع، تساعد على منع دخول الطعام والسوائل إلى الجهاز التنفسي. ولكن أدوية التخدير العام تؤدي إلى فقدان الوعي وإضعاف هذه الآليات الوقائية، كما قد ترخي العضلات التي تساعد على منع ارتداد محتويات المعدة إلى المريء.

لماذا تختلف مدة الصيام من طعام إلى آخر؟

تظل الأطعمة داخل المعدة فترة تختلف حسب نوعها وكميتها، قبل انتقالها تدريجياً إلى الأمعاء الدقيقة.

وتحتاج الوجبات الدسمة والغنية بالدهون إلى وقت أطول للهضم ومغادرة المعدة مقارنة بالسوائل الصافية، وهو ما يفسر اختلاف فترات الامتناع عن الطعام والشراب قبل العمليات.

وبالنسبة إلى كثير من البالغين الأصحاء الذين يخضعون لعمليات اختيارية، تتضمن الإرشادات الشائعة للتخدير الفترات التالية:

السوائل الصافية:

يمكن عادة تناولها حتى ساعتين قبل التخدير، وتشمل الماء والعصائر المصفاة، والشاي أو القهوة من دون حليب.

الوجبات الخفيفة:

تتطلب عادة الامتناع عن الطعام لمدة 6 ساعات على الأقل قبل التخدير.

الوجبات الثقيلة أو الغنية بالدهون:

قد تتطلب صياماً لمدة 8 ساعات أو أكثر، نظراً إلى بطء إفراغ المعدة بعد تناولها.

وتظل هذه المدد إرشادات عامة وليست قواعد تنطبق على جميع المرضى؛ إذ قد تستلزم بعض الحالات الصحية احتياطات مختلفة، ولذلك ينبغي الالتزام بالتعليمات المحددة التي يقدمها فريق الجراحة والتخدير.

ماذا يحدث إذا تناول المريض الطعام قبل العملية؟

في هذه الحالة، يقيِّم طبيب التخدير مقدار الخطر وفقاً لنوع الطعام أو الشراب الذي تناوله المريض، وكميته، والوقت المنقضي منذ تناوله، إلى جانب حالته الصحية ونوع التخدير المخطط له.

وقد يقرر الفريق الطبي تأجيل العملية أو إعادة جدولتها إذا رأى أن المعدة لم تفرغ بصورة كافية، وأن استمرار الجراحة في موعدها قد يعرض المريض لمخاطر إضافية.

لكن تناول الطعام قبل العملية لا يعني بالضرورة حدوث مضاعفات؛ إذ يعتمد القرار على تقييم الحالة. والأهم هو إبلاغ الفريق الطبي بكل دقة عن أي طعام أو شراب تم تناوله عن طريق الخطأ، وعدم إخفاء هذه المعلومات، حتى لو كانت الكمية صغيرة.