علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

اكتشاف علمي يسلّط الضوء عليها

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان
TT

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

كشفت دراسة دولية حديثة عن وجود توازن وراثي معقّد بين خطر الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي والحدّ من تطور بعض أنواع السرطان، في اكتشافٍ قد يغير فهم العلماء للعلاقة بين المناعة والسرطان ويفتح آفاقاً جديدة للطب الدقيق.

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي (AIHT) autoimmune hypothyroidism هو أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعاً، ويحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج هرمونات تُنظم عملية الأيض. ورغم شيوعه لكن آلياته البيولوجية لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وقد حددت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد برود «Broad Institute» (هو مركز أبحاث طبية حيوية وجينومية يقع في كمبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية)، بالتعاون مع جامعة هلسنكي الفنلندية ومؤسسات أخرى، أكثر من 400 علامة وراثية مرتبطة بالمرض، وهو رقم يفوق بكثيرٍ ما توصلت إليه الدراسات السابقة. ومن بين هذه العلامات قرابة 50 تغيراً في جينات مُرمِّزة للبروتينات ترتبط بوظائف المناعة والغدة الدرقية.

ونُشرت نتائج البحث بمجلة «Nature Genetics»، في 25 فبراير (شباط) 2026، بعد تحليل جينيّ واسع شمل أكثر من 81 ألف شخص مصاب بالمرض، اعتماداً على بيانات مشروع «FinnGen» وهو أكبر مشروع أبحاث طبية في فنلندا يستخدم بيانات البنوك الحيوية، إضافة إلى بيانات بنك البيانات الحيوية بالمملكة المتحدة «UK Biobank».

فصل مكونات المرض وراثياً

يقول مارك دالي، الباحث المشارك في الدراسة من معهد الطب الجزيئي الفنلندي جامعة هلسنكي وعضو معهد برود، إن العمل يرسم مساراً واضحاً لكيفية استخدام علم الوراثة، لا لاكتشاف المتغيرات المرتبطة بالمرض فحسب، بل أيضاً لتقسيمها إلى مكونات مستقلة تمثل جوانب مختلفة منه.

وللمرة الأولى، تمكّن الفريق من التمييز بين العوامل الجينية المرتبطة بخلل المناعة الذاتية عموماً، وتلك الخاصة بوظيفة الغدة الدرقية تحديداً. وأظهرت النتائج أن 38 في المائة من الإشارات الجينية المكتشَفة ترتبط بالمناعة الذاتية، بشكل عام، في حين أن 20 في المائة منها خاصة بالغدة الدرقية كعضو مستهدف.

من جهتها توضح ماري بات ريف، الباحثة الرئيسية في الدراسة من معهد الطب الجزيئي بفنلندا والعالِمة في معهد برود، أن المرض يقع عندما تتقاطع المناعة ووظيفة الأعضاء والتمثيل الغذائي، مشيرة إلى أن جمع هذا العدد الكبير من الحالات منح الفريق القدرة الإحصائية على فصل الجوانب الوراثية المختلفة للمرض.

صلة مفاجئة للوقاية من سرطان الجلد

وتمثَّل أحد أبرز الاكتشافات في أن نحو 10 في المائة من المتغيرات الجينية المرتبطة بزيادة خطر قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي، أظهر، في الوقت نفسه، تأثيراً وقائياً ضد سرطان الجلد.

وظهر ارتباط عدد من هذه الجينات ببروتينات تُعرَف باسم «بروتينات نقاط التفتيش المناعية» checkpoint inhibitors التي تعمل ككابح للجهاز المناعي، لمنعه من مهاجمة الأنسجة السليمة. وتشير النتائج إلى أن المتغيرات التي تقلل نشاط هذه الكوابح قد تؤدي إلى استجابة مناعية أقوى قادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية بكفاءةٍ أكبر، لكنها، في المقابل، قد تزيد من احتمال مهاجمة أنسجة الجسم السليمة مثل الغدة الدرقية.

ويحمل هذا الاكتشاف صدى سريرياً مهماً، إذ إن أدوية السرطان المعروفة باسم «مثبّطات نقاط التفتيش المناعية» تعمل على تحرير الجهاز المناعي من قيوده ليهاجم الأورام. ويلاحظ الأطباء أن بعض المرضى الذين يستجيبون جيداً لهذه الأدوية يصابون بقصور الغدة الدرقية كأثر جانبي، وغالباً ما تكون نتائج علاجهم السرطاني أفضل.

ويرى دالي أن النتائج تتسق مع الخبرة السريرية، حيث تُظهر أن المرضى الذين يطوّرون استجابات مناعية ذاتية أثناء العلاج المناعي، غالباً ما يحققون نتائج أفضل في مكافحة السرطان.

نحو فهم أعمق للآليات البيولوجية

تشير الدراسة إلى أن خطر الإصابة بالمناعة الذاتية أو السرطان قد يختلف من شخص لآخر، تبعاً لاختلافاتهم الجينية. ويعمل الفريق حالياً على فهم كيفية إسهام هذه المتغيرات في مكونات المرض المختلفة، تمهيداً لإيجاد سُبل تدخُّل علاجية أكثر دقة.

ويؤكد الباحثون أن علم الوراثة السكاني يمثل أداة قوية لاكتشاف الآليات الأساسية التي تنظّم المناعة، سواء على مستوى عضو محدد كالغدة الدرقية أم على مستوى الجسم ككل.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو الطب الشخصي، حيث قد تساعد الخرائط الجينية التفصيلية مستقبلاً في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية أو السرطان، بل ربما في تصميم علاجات تراعي التوازن الدقيق بين تنشيط المناعة وكبحها.

وفي عالمٍ تزداد فيه أمراض المناعة الذاتية والسرطان على حد سواء، يسلّط هذا الاكتشاف الضوء على حقيقة بيولوجية عميقة هي أن جهازنا المناعي يسير على حبل مشدود، وأن الجينات قد تكون هي ما يحدد اتجاه هذا التوازن الحساس بين الحماية والضرر.


مقالات ذات صلة

دراسة: الكرز الداكن قد يُبطئ نمو أحد أخطر أنواع سرطان الثدي

صحتك الكرز الحلو الداكن قد يحتوي على مركبات تساعد في إبطاء نمو أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية (بكساباي)

دراسة: الكرز الداكن قد يُبطئ نمو أحد أخطر أنواع سرطان الثدي

كشفت دراسة جديدة عن أن الكرز الحلو الداكن قد يحتوي على مركبات تساعد في إبطاء نمو أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك توقعات بانخفاض في خطر الإصابة بسرطان الجلد بعد الانخفاض في عدد الشامات التي يصاب بها الأطفال (بيكسلز)

دراسة أسترالية تتوقع انخفاض معدل الإصابة بسرطان الجلد بين الأطفال

توقعت دراسة أسترالية طويلة الأمد انخفاضاً كبيراً في خطر الإصابة بسرطان الجلد في المستقبل، بعد الانخفاض الكبير في عدد الشامات التي يصاب بها الأطفال.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك تناول البطيخ بانتظام قد يقلل خطر الإصابة بسرطان القولون بنسبة تصل إلى 26 % (بكسلز)

4 فواكه تساعد على تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون

هل تبحث عن طرق طبيعية للوقاية من سرطان القولون؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الخضراوات الصليبية يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون (رويترز)

خضراوات قد تخفض خطر الإصابة بسرطان القولون

يُعدّ سرطان القولون من أكثر أنواع السرطان انتشاراً في العالم، وتشير دراسات حديثة إلى أن النظام الغذائي يلعب دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة به.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الزعفران أو مركباته النشطة قد يلعبان دوراً في دعم علاج مجموعة واسعة من الحالات الصحية (بيكساباي)

7 فوائد صحية قد لا تعرفها عن الزعفران... ما هي؟

تظهر الأدلة المتزايدة أن الزعفران قد يساعد في علاج مجموعة من المشكلات الصحية، من أعراض انقطاع الطمث إلى ارتفاع الكوليسترول.

«الشرق الأوسط» (لندن)

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً
عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً
TT

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً
عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

كانت جائحة «كوفيد-19» لحظة استثنائية في التاريخ. ففي أواخر عام 2019، اجتاح فيروس جديد لم يعرفه العلماء، العالم، وأودى بحياة أكثر من 25 مليون شخص، وتسبب في خسائر اقتصادية تُقدر بتريليونات الدولارات.

«كوفيد-19 كان عادياً»

لكن دراسة جديدة وجدت أن «كوفيد-19»، مقارنةً بالأوبئة الأخرى، كان عادياً إلى حد بعيد.

قارن العلماء 7 حالات من التفشيات الفيروسية حدثت في العقود الأخيرة، بما في ذلك أوبئة «كوفيد-19» وإيبولا والإنفلونزا. ووجدوا أن معظم هذه التفشيات لم تسبقها أي تغيرات جينية غير عادية في الفيروسات. ففي جميع الحالات باستثناء حالة واحدة عام 1977، انتشرت الفيروسات بين الحيوانات، واكتسبت القدرة على الانتشار إلى البشر وبينهم، بمحض الصدفة.

دراسة جينات الفيروسات

يقول جويل ويرثيم، خبير الفيروسات في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي نشر مع زملائه الدراسة يوم الجمعة في مجلة «سيل»: «نرى ذلك يحدث مراراً وتكراراً».

وقد أعاد ويرثيم وزملاؤه بناء التاريخ التطوري لهذه الفيروسات من خلال دراسة جيناتها. وتتبع الباحثون كيفية اكتساب الفيروسات أنواعاً مختلفة من الطفرات قبل التسبب في تفشي الأوبئة، ودرسوا هذا النمط بعد انتقال الفيروسات إلى البشر.

عيادة مكتظة بمصابين بالإنفلونزا عام 2009 في نيويورك

جائحة الإنفلونزا الأميركية 2009

في أحد مسارات البحث، درس العلماء جائحة الإنفلونزا عام 2009. في ذلك العام، ظهرت سلالة جديدة من الإنفلونزا في أميركا الشمالية، وانتشرت لتصيب ربع سكان العالم، متسببة في وفاة 230 ألف شخص.

وكشفت دراسات أخرى للفيروس أنه انتقل من الخنازير؛ حيث تكتسب فيروسات الإنفلونزا طفرات بشكل منتظم. وقد صعَّبت بعض هذه الطفرات على الفيروسات الانتشار إلى خنازير أخرى، بينما منحتها طفرات أخرى ميزة تطورية، في حين لم يكن لبعضها الثالث أي تأثير.

تطور جيني عادي قبل الانتقال لإصابة الإنسان

كانت السلالة الفيروسية التي انتقلت إلى البشر عام 2009 قد انفصلت كفرع تطوري مستقل قبل ذلك بعقد على الأقل. وحتى وصولها إلى البشر، بدا تطورها طبيعياً. كان نمط الطفرات التي اكتسبها الفيروس وفقدها مشابهاً لما يتوقعه العلماء في أي فيروس إنفلونزا ينتشر بين الخنازير.

الفيروسات تتغير عند انتقالها إلى البشر

لم يتغير الوضع إلا بعد انتقال الفيروس إلى البشر، وبشكل جذري.

بعد إصابة البشر عام 2009، اكتسب فيروس الإنفلونزا كثيراً من الطفرات الجديدة. أما في الخنازير، فكان من المرجح أن تعيق هذه الطفرات قدرة الفيروس على التكاثر، وتؤدي إلى تفوق الفيروسات الأخرى التي تصيب الحيوانات، عليه.

لكن بمجرد استقرار الفيروس في مضيف جديد، زالت تلك القيود القديمة، وبدأ يتكيف لينتشر بنجاح أكبر بين البشر.

وباء الإيبولا

أجرى ويرثيم وزملاؤه التحليل نفسه على تفشيات أخرى، بما في ذلك وباء الإيبولا الذي اجتاح غرب أفريقيا عام 2013، والذي يُعتقد أنه نشأ في خفاش. وتفشى مرض الجدري البقري عام 2022، وهو فيروس يسبب بثوراً مؤلمة، ويُعتقد أن السناجب الأفريقية تحمله. ولاحظ الباحثون مراراً وتكراراً النمط نفسه: الفيروسات التي انتقلت في نهاية المطاف إلى البشر لم تتطور بطريقة غير عادية قبل ذلك، ولكنها تغيرت بشكل جذري بعده.

قال ويرثيم: «بمجرد وصول الفيروس إلى البشر، يبدأ فصل جديد».

الإنفلونزا الروسية: لقاح تسرب من المختبر

لكن دراسة جديدة كشفت أن أحد الفيروسات كان استثناءً بارزاً لهذه القاعدة. تشير طفراته الفريدة إلى أنه ربما يكون قد انتشر نتيجة خطأ علمي.

في عام 1977، اجتاحت العالم جائحة عُرفت باسم الإنفلونزا الروسية، نظراً لأن أولى الحالات سُجلت في الاتحاد السوفياتي السابق. وقد حير هذا الفيروس العلماء: إذ لم تكن أقرب الفيروسات إليه موجودة في الخنازير أو غيرها من الحيوانات؛ بل كانت تشبه إلى حد بعيد الفيروسات التي كانت منتشرة في أوائل الخمسينيات، أي قبل ربع قرن.

تكهَّن بعض العلماء بأن الإنفلونزا الروسية لم تكن منقولة من خنزير أو طائر؛ بل رجَّحوا أنها نشأت عن خطأ علمي، ربما نتيجة تجربة لقاح فاشلة في الاتحاد السوفياتي أو الصين.

ربما استخدم مصنِّعو اللقاح تقنية شائعة تتضمن إنتاج لقاح مصنوع من فيروسات مُضعفة. وتتراكم الطفرات في الفيروسات التي تُزرع في الأوعية المختبرية، ما قد يُلحق بها الضرر إذا ما أصابت إنساناً. وتكهّن العلماء بأن علماء سوفيات أو صينيين قاموا بإذابة فيروس إنفلونزا قديم لصنع لقاح مُضعف، ولكنهم استخدموا تقنيات خاطئة سمحت للفيروس بالانتشار من شخص لآخر.

باحثون يستخلصون عينة دم من خفاش لدراسة «كوفيد-19»

طفرات الفيروسات المختبرية

منذ ذلك الحين، لم يعثر الباحثون على دليل مباشر لاختبار هذا السيناريو أو غيره من السيناريوهات المشابهة. ولكن الدراسة الجديدة التي أجراها ويرثيم وزملاؤه خلصت إلى أن فيروس عام 1977 قد مرّ بتطور غريب قبل الجائحة، وأن الطفرات التي اكتسبها تحمل أنماطاً مطابقة لتلك الموجودة في الفيروسات التي تُزرع في المختبرات.

وقالت جيجي غرونفال، خبيرة الأمن البيولوجي في جامعة «جونز هوبكنز»، إن الدراسة الجديدة تشير إلى أن جائحة عام 1977 بدأت كتجربة لقاح. وأضافت: «هذا دليل إضافي على أنهم كانوا يحاولون ابتكار لقاح مُضعف، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً».

وقال سبيروس ليتراس، خبير الفيروسات في جامعة طوكيو الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، إن منهجية الدراسة تُقدم أداة جديدة لتتبع أصل تفشي الأمراض. وأوضح: «تحمل البيانات الجينية إشارة قوية تُمكِّن من التمييز بين التسرب المختبري والتعديلات المختبرية وبين انتقال العدوى الطبيعي».

وقال جيمس لويد سميث، عالم بيئة الأمراض في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إن اكتشاف البصمة الجينية للتطور المختبري في الإنفلونزا الروسية «أمر رائع للغاية». ولكنه حذَّر من أن العلماء عادة لا يرصدون سوى جزء ضئيل من تطور الفيروسات في عيناتهم. وأضاف: «هذا النهج ليس عصا سحرية، ولا تزال الدراسة تواجه نفس تحديات محدودية البيانات التي لطالما أعاقت هذا المجال».

«كوفيد-19»: لا تحولات ملحوظة قبل إصابة البشر

من بين كثير من حالات تفشي الأمراض التي حللها ويرثيم وزملاؤه، كان فيروس الإنفلونزا الروسية الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة. أما الفيروس المسبب لمرض «كوفيد-19»، وهو فيروس «سارس-كوف-2»، فلم يكن كذلك.

لم يجد الباحثون أي تغيرات غير عادية في فيروس «سارس-كوف-2» قبل انتقاله إلى البشر. فقد اكتسب طفرات في أثناء انتشاره من خفاش إلى آخر، تماماً كما حدث مع فيروسات «كورونا» الأخرى التي تصيب الخفافيش؛ ولم يشهد الفيروس تحولاً ملحوظاً إلا بعد ظهوره لدى البشر. ففي غضون عام، ظهرت سلالات جديدة كلياً، تحمل طفرات جعلتها شديدة التكيف مع البشر.

أصل «كوفيد»: فيروس مختبري أم طبيعي؟

وتُضيف هذه الدراسة الجديدة إلى النقاش الدائر حول أصول مرض «كوفيد-19». ففي مقابلة أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني)، أكد الدكتور جاي بهاتاشاريا، مدير المعاهد الوطنية للصحة، أن فيروس «سارس-كوف-2» قد نشأ في مختبر. وقال: «أعتقد أنه إذا ركزنا فقط على الأدلة العلمية، فسأقول إن الأمر مؤكد».

لكن في الشهر الماضي، خلصت مجموعة من الخبراء، كلفتهم منظمة الصحة العالمية بدراسة أصول «كوفيد-19»، إلى أن فيروس «سارس-كوف-2» نشأ في الخفافيش التي نقلته بدورها إلى الحيوانات التي تُباع في سوق بمدينة ووهان.

وأشار العلماء إلى أن «معظم الأدلة العلمية المُحكَّمة تدعم هذه الفرضية».

ساهم ويرثيم في جمع بعض الأدلة العلمية التي خضعت لمراجعة الأقران من العلماء. وأضاف أن الدراسة الجديدة تُضيف مزيداً من الأدلة التي تُرجِّح أصلاً حيوانياً للفيروس.

لو تمَّت زراعة فيروس «كوفيد-19» في المختبر، لكانت طفراته ستتطور بنمط مشابه لنمط الإنفلونزا الروسية. ولكن ويرثيم وزملاؤه وجدوا أن نمط طفراته يُطابق أنماط التفشيات الخمسة التي حدثت بشكل طبيعي، والتي درسوها.

بدلاً من ذلك، قال ويرثيم إن «كوفيد-19» يبدو أنه نشأ نتيجة سوء حظ كبير. فبينما كان الفيروس الأولي يتكيف لإصابة الخفافيش، أصبح جاهزاً لإحداث جائحة بين البشر. وأضاف ويرثيم: «من قبيل الصدفة، إنه بارع بشكل استثنائي في أن يكون فيروساً بشرياً».

رؤى جديدة حول منشأ الفيروسات الحيوانية

قال ديفيد روبرتسون، خبير الفيروسات في جامعة غلاسكو، والذي لم يشارك في البحث الجديد، إن الدراسة قدَّمت رؤى جديدة؛ ليس فقط حول «كوفيد-19»؛ بل حول أي فيروس حيواني المنشأ؛ أي فيروس ينتقل من الحيوانات إلى البشر. وأضاف: «إنها نقطة أساسية لفهم مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ. فالفيروسات قد تنتشر في الطبيعة دون الحاجة إلى تكيفات لتصيب البشر أو تنتقل إليهم بنجاح».

وأضاف ويرثيم أنه إذا كانت هذه هي الحال بالنسبة لمجموعة واسعة من الفيروسات الحيوانية المنشأ، فيمكننا توقع مزيد من الأوبئة في المستقبل. وتابع: «ما نجهله هو ما سيُصيبنا. إنها موجودة، وهي جاهزة للانتشار».

* خدمة «نيويورك تايمز».


كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مبادئ أخلاقيات الطب؟

العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار
العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار
TT

كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مبادئ أخلاقيات الطب؟

العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار
العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب مجرد أداة تحليلية تعمل في الخلفية خلف الشاشات، بل أصبح حاضراً في لحظة القرار ذاتها؛ في غرف الطوارئ، وفي أنظمة دعم التشخيص، وفي منصات تقييم المخاطر التي قد ترجّح خياراً علاجياً على آخر. وتقترح الأنظمة الذكية اليوم احتمالات علاجية، وتحسب نسب المضاعفات، وتقدّر فرص النجاة.

هنا يتغير السؤال جذرياً. لم يعد السؤال؛ هل يستخدم الطب الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح؛ كيف يمكن لهذه الأنظمة أن تعمل داخل المنظومة الأخلاقية التي صاغت الممارسة الطبية عبر قرون طويلة؟ كيف يمكن لخوارزمية أن تفهم، أو على الأقل أن تُحاط بمبادئ الإحسان، وعدم الإضرار، واحترام الاستقلالية، وتحقيق العدالة؟

حين تدخل الخوارزمية غرفة القرار، فإنها لا تدخل فراغاً تقنياً، بل تدخل تاريخاً أخلاقياً ممتداً من قوانين حمورابي، إلى قسم أبقراط، إلى تنظيرات ابن سينا، وصولاً إلى مواثيق الأخلاقيات الطبية الحديثة. والسؤال اليوم ليس عن قدرة الآلة على الحساب، بل عن قدرتنا نحن على إدماجها في هذا الإرث الأخلاقي دون أن يتصدّع.

أخلاقيات الطب من المسمار الطيني إلى الخوارزمية

جذور أخلاقيات الطب

> من حمورابي إلى ابن سينا. ظهرت أولى محاولات تنظيم المسؤولية الطبية في شريعة الملك حمورابي في بلاد الرافدين قبل نحو 4 آلاف عام، حيث رُبط الفعل الطبي بنتائجه، وحددت مسؤولية الطبيب القانونية بوضوح غير مسبوق في تاريخ الحضارات. وكان الطب هنا فعلاً يخضع للمساءلة، لا مجرد مهارة تقنية.

وفي الصين القديمة، أكّد كونفوشيوس مركزية الفضيلة والواجب الأخلاقي في علاقة المعالج بالمريض. ثم جاء أبقراط في اليونان ليضع الإطار الأكثر رسوخاً لفكرة الالتزام الأخلاقي للطبيب، عبر مبدأ «عدم الإضرار» والسعي لمنفعة المريض، مؤسساً لفكرة أن الغاية من المعرفة الطبية هي حماية الإنسان، لا استعراض المهارة.

وفي الحضارة الإسلامية، رسّخ ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» تصوراً أكثر تكاملاً، حيث لا تنفصل المعرفة الطبية عن الحكمة، ولا المهارة عن الضمير الإنساني. فالطبيب عنده ليس حافظاً للمعلومات فحسب، بل صاحب رؤية أخلاقية توازن بين العقل والرحمة.

> طبّ بين المعرفة والمسؤولية. لم يكن الطب يوماً صراعاً بين الإنسان والأداة، بل علاقة متواصلة بين التقدم العلمي والمسؤولية الأخلاقية. فمع كل تطور تقني - من المشرط الجراحي إلى الأشعة السينية ثم إلى التصوير الجزيئي - ازدادت دقة التشخيص واتسعت إمكانات العلاج، لكن في المقابل تعمّق عبء القرار الطبي وتعقّد. فالأداة لا تعفي الطبيب من المسؤولية، بل تضيف طبقة جديدة من المساءلة؛ كيف تُستخدم؟ ومتى؟ ولصالح من؟

اليوم يختلف الذكاء الاصطناعي عن الأدوات السابقة في أنه لا يساعد اليد فقط، بل يقترب من مجال التفكير السريري ذاته. إنه لا يكتفي بتوفير صورة أو نتيجة مختبرية، بل يقترح تفسيراً، ويرجّح احتمالاً، ويعيد ترتيب الخيارات العلاجية. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر حساسية؛ إذا كانت الأداة تشارك في التحليل، فمن يملك القرار؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟

الضمير في قلب الخوارزمية

حدود الذكاء الاصطناعي

> قصور في الاعتبارات الأخلاقية. لم يعد النقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي نظرياً أو افتراضياً، بل أصبح مدعوماً بتحليل تجريبي لحوادث واقعية. ففي دراسة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 بعنوان «كشف المخاطر الخفية للذكاء الاصطناعي: vتحليل تجريبي للحوادث المرتبطة بالأنظمة الصحية الذكية»، في مجلة الذكاء الاصطناعي في الطب (Artificial Intelligence in Medicine)، أجرى باحثون من معهد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة مراجعة منهجية لحوادث ارتبطت باستخدام أنظمة ذكية في بيئات الرعاية الصحية.

وكشفت النتائج أن عدداً كبيراً من الإخفاقات لم يكن ناتجاً عن خلل تقني مباشر في الخوارزمية، بل عن قصور في الاعتبارات الأخلاقية أثناء تصميم النظام، أو عن تطبيقه خارج السياق السريري المناسب. ففي بعض الحالات، جرى استخدام النظام في فئات مرضية لم تُدرَّب الخوارزمية عليها بما يكفي، أو دون مراعاة الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين المرضى، ما أدى إلى توصيات غير عادلة أو غير ملائمة.

تلك النتائج تعيدنا إلى جوهر السؤال؛ الذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً من الناحية الحسابية، لكن من دون إطار أخلاقي واضح يوجّه تصميمه واستخدامه، قد يتحول من أداة مساعدة إلى مصدر خطر غير مقصود.

> الاستقلالية: قرار المريض في عصر الخوارزمية. يقوم مبدأ الاستقلالية على حق المريض في اتخاذ قراره بعد فهم الخيارات العلاجية المتاحة، وموازنة فوائدها ومخاطرها وفق قِيَمه وظروفه الخاصة. وهو مبدأ انتقل بالطب من نموذج «الوصاية» إلى نموذج الشراكة بين الطبيب والمريض.

في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة داعمة للاستقلالية، عبر تبسيط المعلومات الطبية المعقدة، وعرض بدائل علاجية متعددة، وتوضيح احتمالات النجاح والمضاعفات بلغة مفهومة. كما يمكنه أن يمكّن المريض من الاطلاع على سيناريوهات مختلفة تساعده على اتخاذ قرار أكثر وعياً.

غير أن التحدي الأخلاقي يظهر حين تتحول توصيات النظام إلى سلطة غير مرئية. فالمريض، وأحياناً الطبيب، قد يميلان إلى الثقة المفرطة بالتوصية الرقمية باعتبارها «محايدة» أو «موضوعية»، حتى إن كانت مبنية على بيانات غير مكتملة أو منحازة. هنا قد يتقلص المجال الحقيقي للاختيار، دون أن يبدو ذلك واضحاً.

الاستقلالية في عصر الخوارزمية لا تعني توفير الخيارات فقط، بل ضمان ألا تتحول الخوارزمية إلى مرجعية صامتة تُعيد تشكيل القرار من وراء الستار.

التقييم في عصر الطب الرقمي

> الإحسان وعدم الإضرار. يشكّل مبدأ الإحسان، أي السعي إلى تحقيق منفعة المريض ومبدأ عدم الإضرار وتجنّب الأذى قدر الإمكان، حجر الزاوية في الأخلاقيات الطبية منذ أبقراط. وفي هذا الإطار، تبدو الأنظمة الذكية حليفاً طبيعياً لهذين المبدأين. فهي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات السريرية، والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة، ورصد الأنماط الدقيقة التي قد تفوت العين البشرية.

غير أن هذه القدرة الحسابية لا تعمل في فراغ. فجودة التوصيات تبقى رهينة جودة البيانات التي دُرّبت عليها الخوارزميات، وتمثيلها العادل لمختلف الفئات السكانية، ودقة السياق السريري الذي تُستخدم فيه. فإذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة، فإن التوصية مهما بدت دقيقة قد تحمل في طياتها خطراً غير مرئي.

يضاف إلى ذلك ما يُعرف بـ«الانحياز الآلي»؛ حيث قد يميل الطبيب إلى منح ثقة مفرطة للتوصية الرقمية، فيتردد في مخالفتها رغم وجود شك سريري مشروع. هنا يتحول النظام من أداة داعمة إلى مرجعية صامتة قد تضعف الجرأة المهنية على السؤال أو المراجعة.

إن الإحسان في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعني تحسين التنبؤ فقط، وعدم الإضرار لا يتحقق بمجرد انخفاض نسبة الخطأ الإحصائي، بل يتطلبان وعياً نقدياً مستمراً يوازن بين ما تقترحه الخوارزمية وما يقتضيه الضمير السريري.

> العدالة في الطب الرقمي. يحمل الذكاء الاصطناعي وعداً حقيقياً بتوسيع الوصول إلىر الرعاية الصحية، من خلال دعم التشخيص في المناطق محدودة الموارد، وتقليل الفوارق في الوصول إلى الخبرة الطبية. غير أن هذا الوعد الأخلاقي يرتبط بشرط أساسي بعدالة البيانات التي تتعلم منها الأنظمة الذكية.

إن الخوارزميات لا تعمل بمعزل عن الواقع الاجتماعي، بل تعكسه. وإذا كانت بيانات التدريب تمثل فئات سكانية محدودة، أو أنظمة صحية متقدمة دون غيرها، فقد تنتج توصيات أقل دقة لدى مجتمعات أخرى، ما يعيد إنتاج التفاوتات الصحية بدلاً من تقليصها.

لهذا تصبح مراجعة النماذج والخوارزميات، وتقييم مصادر البيانات، وضمان تمثيل التنوع البشري والثقافي، جزءاً لا يتجزأ من المسؤولية الأخلاقية في الطب الرقمي. فالعدالة لم تعد مسألة توزيع الخدمات فقط، بل مسألة تصميم خوارزمي واعٍ يضمن تكافؤ فرص التشخيص والعلاج بين مختلف المرضى والمجتمعات.

> الطب يبقى فعلاً إنسانياً. من شريعة حمورابي التي ربطت الفعل الطبي بالمسؤولية، إلى قسم أبقراط الذي جعل عدم الإضرار مبدأً مهنياً، إلى ابن سينا الذي جمع بين المعرفة والحكمة، ظلّ الطب قائماً على علاقة أخلاقية بين إنسان وإنسان. لم يكن يوماً مجرد تقنية، بل التزاماً ومسؤولية وقراراً يُتخذ في لحظة حساسة قد تغيّر مصير حياة.

اليوم، ومع صعود الخوارزميات القادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، يتسع أفق الرؤية الطبية، لكن جوهر القرار لا يتغير، لكنها لا تتحمل عبء الاختيار الأخلاقي، ولا تقف أمام المريض لتحمل تبعات القرار.

قد تساعد التقنية الطبيب على أن يرى بوضوح أكبر، لكنها لا تعفيه من أن يختار. والطب، في نهاية المطاف، لا يُقاس بذكاء النظام المستخدم، بل بوعي الإنسان الذي يوجّهه. ومهما تطورت الخوارزميات، يبقى القرار الطبي فعلاً إنسانياً، ومسؤولية لا يمكن تفويضها بالكامل للآلة.


لماذا تصبح الجراثيم القاتلة خطراً على بعض الناس دون غيرهم؟

لماذا تصبح الجراثيم القاتلة خطراً على بعض الناس دون غيرهم؟
TT

لماذا تصبح الجراثيم القاتلة خطراً على بعض الناس دون غيرهم؟

لماذا تصبح الجراثيم القاتلة خطراً على بعض الناس دون غيرهم؟

تكشف الدراسات الحديثة أن ما كان يُعتقد يوماً مجرد حظ عاثر أمام الأمراض الشديدة أصبح اليوم يمكن تفسيره وعلاجه. فمنذ ثمانينات القرن الماضي تمكن الباحثون من جمع قائمة مطولة من الطفرات الجينية النادرة التي تصيب مئات الجينات مسببةً «الأخطاء المناعية الفطرية»، إذ تقوم هذه الأخطاء بتعطيل وظيفة الخلايا المناعية لتجعل حامليها عرضة لأمراض معدية يكون معظم الناس في مأمن منها. واليوم بات بإمكان الأطباء إجراء فحوص جينية للكشف عن هذه الطفرات وتعويض العوامل المناعية المفقودة.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» هذا اللغز بوضوح. فبينما اكتفى كثيرون من المصابين بأعراض خفيفة عانى آخرون من فشل تنفسي ومضاعفات مميتة. ومع ازدياد الأبحاث اتضح أن السبب لا يكمن في الجرثومة وحدها بل في أجسامنا نفسها.

خلل جيني خفي

• عندما تكشف المأساة خللاً خفياً. في أوائل ثمانينات القرن الماضي أُصيب طفل في مالطا بعدوى شديدة اجتاحت جسده وأدت إلى فشل عدة أعضاء. وبعد نقله إلى لندن تبيّن أن المسبب بكتيريا شائعة توجد في الماء والتربة يتعرض لها معظم الناس دون أن تسبب أي مرض. لكن الطفل توفي رغم العلاج المكثف. ولاحقاً اكتشف الأطباء أنه كان يحمل طفرة جينية نادرة أضعفت جزءاً أساسياً من جهازه المناعي.

• عندما تكون المناعة مكتوبة في الجينات. يعرف العلماء اليوم أن ملايين الأشخاص حول العالم يحملون تغيّرات وراثية تؤثر في كفاءة جهازهم المناعي وهي حالات تعرف باسم «أخطاء المناعة الخَلقية» inborn errors of immunity (IEIs). وقد رُبط أكثر من 500 جين بهذه الاضطرابات. فبعض الطفرات تُضعف قدرة الجسم على مقاومة الجراثيم بينما تؤدي أخرى إلى استجابة مناعية مفرطة تسبب التهابات خطيرة. ولا تعني هذه الطفرات ضعفاً عاماً بل تزيد الخطر تجاه ميكروبات محددة مثل بكتيريا السل وفيروسات الإنفلونزا والهربس.

• دروس قاسية من جائحة «كورونا». خلال الجائحة قاد عالم المناعة جان لوران كازانوفا في جامعة روكفلر بالولايات المتحده اتحاداً علمياً كشف أن حوالي 10 بالمائة من الحالات الشديدة للمرض كانت مرتبطة بخلل مناعي خفي يتمثل في وجود «أجسام مضادة ذاتية» تهاجم الجسم نفسه بدل الفيروس. ولم يقتصر هذا الاكتشاف على «كوفيد - 19»، بل تبيّن أن هذه الأجسام تظهر أيضاً في حالات الإنفلونزا الشديدة.

الطبقة الخفية وراء الجينات

• تأثيرات بيئية وغذائية على الجينات. أضافت دراسة حديثة من «معهد سالك للأبحاث» نُشرت في مجلة «Nature Genetics 14» يناير (كانون الثاني) 2026 برئاسة دوسان بوغونوفيتش، عالم مناعة الأطفال في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، أضافت قطعة أساسية إلى هذا اللغز. فقد أظهرت الدراسة أن استجابة الجسم للعدوى تتأثر أيضاً بـ«علم التخلق أو اللاجينوم» (Epigenetics)، وهي عملية تنظيم الجينات التي لا تعتمد على تغيير تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه)، بل تقوم على إضافة طبقة من العلامات الكيميائية فوق الحمض النووي. وتعمل هذه العلامات كمفاتيح تحكم دقيقة تشغّل جينات معينة أو توقفها دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. ويتأثر هذا النشاط بالعوامل البيئية والغذاء والتوتر والعدوى السابقة واللقاحات ومراحل النمو.

• كيف تترك الحياة بصمتها داخل خلايا المناعة؟ حلّل الباحثون عينات دم من 110 أشخاص تعرضوا لعدوى وتجارب صحية مختلفة، ودرسوا أربعة أنواع رئيسية من خلايا المناعة. ووجدوا أن التأثيرات الوراثية تترك بصمتها في مناطق مستقرة من الجينوم، خاصة في خلايا المناعة طويلة العمر. بينما تُحدث العدوى والتجارب الحياتية تغييرات مرنة تساعد الجهاز المناعي على الاستجابة السريعة عند الحاجة. باختصار الجينات تضع الأساس لكن تجارب الحياة تعدّل طريقة عمل الجهاز المناعي بمرور الزمن.

• أين يبدأ المرض فعلياً؟ كشفت الدراسة أن العديد من المتغيرات الجينية المرتبطة بالأمراض لا تؤدي إلى المرض بشكل مباشر بل تعمل من خلال إحداث تغييرات في العلامات اللاجينية داخل أنواع محددة من الخلايا المناعية، حيث يتيح هذا الاكتشاف للعلماء تحديد الخلايا والمسارات الجزيئية التي ينطلق منها المرض بدقة.

طريقة جديدة لفهم العدوى

يرى بعض العلماء اليوم أن العدوى الشديدة غالباً ما تنجم عن خلل مناعي كامن، سواء وُجد منذ الولادة أم تطور مع الزمن، وأن الجراثيم تعمل كمحفّز للمرض أكثر من كونها السبب الوحيد. في المقابل يؤكد آخرون أن العمر والبيئة والحالة الصحية العامة وخصائص الجرثومة نفسها تلعب أدواراً حاسمة. فالأمراض المعدية هي نتاج تفاعل ديناميكي بين نظامين يتطوران معاً هي الإنسان والميكروب.

ويغيّر هذا الفهم نظرتنا إلى العدوى فبدل اعتبارها مجرد «سوء حظ» باتت تُرى كنتيجة تفاعل معقد بين الجينات وتجارب الحياة والجراثيم. وفي المستقبل قد تتيح الخرائط الجينية واللاجينية للأطباء التنبؤ بكيفية استجابة الشخص للعدوى قبل حدوثها وتصميم علاجات ووسائل وقاية مخصصة لكل فرد. وهكذا يقودنا العلم خطوة إضافية نحو طب أكثر دقة يفهم لماذا يمرض بعض الناس بشدة وربما يمنع ذلك قبل فوات الأوان.