الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة

انخفاض شعبيته بسبب تأثيره على الوظائف والموارد الطبيعية

الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة
TT

الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة

الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي مع استثمارها مليارات الدولارات في تطويره خطراً متزايداً، يتمثل في عدم شعبيته بشكل كبير.

ردود الفعل السلبية ليست مفاجئة

هذا الخطر يتمثل في الردود السلبية للأميركيين: هل نريد حقاً تكنولوجيا تقضي على الوظائف، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه، وتُضعف قدرتنا على التفكير، وتُشكل مجموعة واسعة من المخاطر الأخرى، بدءاً من تسهيل مراقبة الحكومة للمواطنين وصولاً إلى تشجيع انتحار المراهقين؟ من الواضح أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مفيدة أيضاً -إذ يُمكن أن يُساعد في تطوير أدوية أفضل وحلول مناخية، على سبيل المثال- لكن للمعارضين وجهة نظر أخرى.

وفي حين قد يبدو أن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يُمكن إيقافه، فإن نقص الدعم يعني أنه بات من الصعب جداً على شركات التكنولوجيا بناء مراكز البيانات الجديدة التي ترغب بها بشدة.

وهناك أربعة جوانب لردود الفعل السلبية تلك:

الأميركيون لا يريدون العيش بجوار مراكز البيانات

* معارضة شديدة. في أقل من عام تغيّرت الآراء حول مراكز البيانات بسرعة، ففي استطلاع أجرته شركة «هيت ماب» في أغسطس (آب) الماضي، أفاد 24 في المائة من المشاركين بمعارضتهم الشديدة لبناء مركز بيانات بالقرب من أماكن سكنهم. وفي أحدث استطلاع أجرته الشركة في مايو (أيار) وشمل أكثر من 4 آلاف ناخب، ارتفعت هذه النسبة إلى 55 في المائة. وهكذا تضاعفت المعارضة الشديدة أكثر من مرتين، خلال الأشهر التسعة الماضية.

70 في المائة من الأميركيين يبدون معارضتهم لبناء مركز بيانات جديد للذكاء الاصطناعي في منطقتهم

*مخاوف التأثير على موارد الطاقة والمياه. في استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» في مايو أيضاً، أعرب 71 في المائة من الأميركيين عن معارضتهم بناء مركز بيانات جديد للذكاء الاصطناعي في منطقتهم، مع معارضة شديدة من نصفهم تقريباً. (تجدر الإشارة إلى أنه في الاستطلاع نفسه، أعرب 53 في المائة فقط من المشاركين عن معارضتهم لبناء محطة طاقة نووية جديدة في منطقتهم). ومن الصعب تحديد ما إذا كانت معارضة مراكز البيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ذاته أم بمخاوف أخرى أكثر إلحاحاً مثل ارتفاع فواتير الكهرباء؛ ففي استطلاع «غالوب»، أشار نصف المعارضين إلى تأثيرات المشروع على الموارد مثل الماء والطاقة، في حين ذكرت نسبة أقل كراهيتهم للذكاء الاصطناعي. ولكن من الصحيح أيضاً أن العديد من مراكز البيانات المقترحة ما كانت لتوجد لولا الذكاء الاصطناعي، والناخبون يدركون ذلك.

* تعليق وحظر إنشاء مراكز البيانات. في ولاية فرجينيا، وهي مركز رئيسي لمراكز البيانات، انخفض الدعم للمشروعات المحلية من 69 في المائة عام 2023 إلى 35 في المائة هذا العام. وتخلّت إحدى المقاطعات أخيراً عن خطط لبناء مجمع ضخم يضم ما يصل إلى 37 مركز بيانات. وأصبحت مدينة في كاليفورنيا أخيراً أول مدينة تحظر إنشاء مراكز بيانات جديدة. وأصدرت مدن أخرى في أنحاء البلاد قرارات تعليق مؤقتة. وفي بلدة بولاية ميسوري، تم التصويت على إقالة أربعة أعضاء من مجلس المدينة بعد موافقتهم على مركز بيانات بتكلفة 6 مليارات دولار. بالنسبة إلى مطوري مراكز البيانات الذين كانوا يُعانون بالفعل صعوبة الحصول على الطاقة والمياه والتراخيص، ستزداد صعوبة البناء.

الذكاء الاصطناعي الأقل شعبية بين الشباب

وفقاً لاستطلاع رأي وطني أجرته شبكة «إن بي سي» وشمل 1000 ناخب في مارس (آذار)، ينظر 26 في المائة فقط من الناخبين إلى الذكاء الاصطناعي بإيجابية، في حين ينظر إليه 46 في المائة بسلبية. وبصافي تأييد سلبي بلغ -20، كان الذكاء الاصطناعي أقل شعبية من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية أو الرئيس ترمب. (منذ ذلك الاستطلاع، ازدادت شعبية ترمب المتدنية سوءاً، لذا من المحتمل أن يكون للذكاء الاصطناعي الآن ميزة). منح الناخبون الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، الذكاء الاصطناعي تقييماً سلبياً بلغ -44.

57 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده

وقال 57 في المائة من المشاركين في الاستطلاع إنهم يعتقدون أن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده. كما قال ثلث المشاركين إن كلا الحزبَين السياسيين لا يُحسن التعامل مع سياسات الذكاء الاصطناعي.

قلق الأميركيين من الذكاء الاصطناعي أكثر من حماسهم له

في سلسلة من استطلاعات مركز «بيو» للأبحاث التي بدأت عام 2021، تراجع الحماس الشعبي للذكاء الاصطناعي. ففي عام 2021، قال 37 في المائة من الأميركيين إنهم أكثر قلقاً من حماسهم لهذه التقنية. أما الآن فيقول 50 في المائة إنهم أكثر قلقاً، في حين أن 10 في المائة فقط أكثر حماساً من قلقهم.

ويقول 57 في المائة إن المخاطر المجتمعية لهذه التقنية عالية. قال نحو نصف المشاركين في استطلاع عام 2025 إنهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيجعل التفكير الإبداعي أو بناء علاقات ذات معنى مع الآخرين أكثر صعوبة.

الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة مفرطة

أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» (YouGov)، بالتعاون مع مجلة «الإيكونوميست» في مايو، أن غالبية الأميركيين، بنسبة 65 في المائة، يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة مفرطة. (في استطلاع سابق أُجري في الشهر نفسه، كانت هذه النسبة أعلى قليلاً، حيث بلغت 71 في المائة). وقال غالبية المشاركين في الاستطلاع إنه من غير المرجح أن تعود المكاسب الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي بالنفع على الجميع. وأعرب نحو ثلاثة أرباع المشاركين عن قلقهم -تراوح بين قلق طفيف وقلق بالغ- بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف.

غالبية التقنيات الجديدة تواجه ردود فعل سلبية

من الواضح أن هذه ليست أول تقنية تواجه ردود فعل سلبية. ففي القرن الخامس عشر، جادل بعض النقاد بأن المطابع الجديدة ستنشر معلومات مضللة وانحلالاً أخلاقياً. وفي أواخر القرن التاسع عشر، حذّر صحافي من أن انتشار المجلات الجديدة سيؤدي إلى تدهور العقول، بحيث يصبح الناس غير قادرين على التركيز، وسيفكرون «مثل طيور بأفكار متقطعة». لذا فقد يكون بعض المخاطر مبالغاً فيها، لكن بعضها الآخر قد لا يكون كذلك.

تناقضات التقدم

ويشير مؤيدو الذكاء الاصطناعي إلى حقيقة أنه عندما هددت تقنيات أخرى الوظائف، أدى ذلك في نهاية المطاف إلى ظهور مسارات مهنية جديدة، لكن من المحتمل أن يكون حجم التغييرات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي مختلفاً. وكان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، سام ألتمان، حذّر من كارثة الوظائف، وإن كان قد غيّر رأيه أخيراً. من جهة أخرى، يجري بناء محطات وقود لتشغيل مراكز البيانات في وقت لم يعد لدينا فيه متسع من الوقت لخفض الانبعاثات. كما أن شركة «أنثروبيك» جادلت أخيراً بأن مختبرات الذكاء الاصطناعي قد تحتاج إلى التباطؤ بسبب مخاطر أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تطوير نفسه بطرق قد تضر بالمجتمع.

وأخيراً، فقد تكون وتيرة التطوير هي التحدي الأكبر، إذ يتحدد السؤال في أنه مع تسابق شركات التكنولوجيا لبناء أنظمة أكثر قوة، هل تستطيع الحكومات الاستجابة في الوقت المناسب؟

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

خاص يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)

بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

يكشف تقرير انتقال التصيد المدعوم بالذكاء الاصطناعي من البريد إلى التقويمات ومنصات العمل مستغلاً الثقة والتشتت واختفاء العلامات التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد هواتف آيفون معروضة في متجر «أبل» بمدينة مومباي بالهند 29 يونيو 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يعلن عن محادثات «بناءة» مع «أبل» بعد خلاف حول «سيري»

قالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية، أمس، إن رئيسة قسم التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، هينا فيركونين، أجرت محادثات «بنَّاءة» مع الرئيس التنفيذي لشركة «أبل».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تكنولوجيا تلفزيون «أوليد إيفو جي 6» المتقدم

الذكاء الاصطناعي يعيد ابتكار الترفيه التلفزيوني المنزلي لكأس العالم 2026

أطلقت شركة «إل جي» LG مجموعة تلفزيونات جديدة تتميز بمعالج ذكاء اصطناعي متقدم وجيل جديد من تقنيات الاتصال اللاسلكي، وتقنيات العرض، وذلك بهدف تقديم تجربة ترفيه…

خلدون غسان سعيد (جدة)
الاقتصاد محطة الحاويات التابعة لشركة «هانجين شيبينغ» في ميناء بوسان الجديد (رويترز)

صادرات كوريا الجنوبية تقفز 70.9 % في يونيو بأقوى نمو منذ 1978

سجّلت صادرات كوريا الجنوبية في يونيو نموّاً هو الأقوى منذ نحو نصف قرن، متجاوزة التوقعات، مدفوعة بطفرة عالمية في الطلب على الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شاحنات تُستخدم لنقل حاويات في ميناء «بوسان» بكوريا الجنوبية (رويترز)

صادرات كوريا الجنوبية تنمو بأقوى معدل منذ نصف قرن

سجلت صادرات كوريا الجنوبية الشهر الماضي أقوى معدل نمو لها منذ ما يقرب من نصف قرن، متجاوزة التوقعات، بفضل ارتفاع مبيعات الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

علماء ينجحون في «بناء خلية من الصفر» لأول مرة

الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
TT

علماء ينجحون في «بناء خلية من الصفر» لأول مرة

الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)

أعلن علماء أنهم قاموا لأول مرة ببناء خلية من الصفر يمكنها أن تتغذى وتنمو وتتكاثر مثل الخلية الطبيعية. ويمكن لهذا التقدم في علم الأحياء التخليقي أن يبشر بعصر من «الكائنات الحية المصنعة حسب الطلب»، و«التي تعمل مثل الآلات الحية»، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقامت كيت أدامالا، عالمة الأحياء الاصطناعية والأستاذة في جامعة مينيسوتا الأميركية، وفريقها ببناء الخلية قطعة قطعة من مكونات كيميائية غير حية.

ويعد هذا الابتكار «نموذجاً أولياً محدوداً وهشاً»، ولكنه قد يساعد العلماء على فهم أصل الحياة بشكل أفضل، ومن الممكن برمجته للمساعدة في التخفيف من بعض أكبر المشكلات البيولوجية في العالم. والخلية غير محددة - ليست نباتية ولا حيوانية - ولكنها تشبه إلى حد كبير البكتيريا البسيطة.

الحدود التالية

قالت أدامالا: «أعرف قائمة المكونات الكاملة للخلية، وأعرف بالضبط ما المواد الكيميائية، وما الجزيئات، وبأي تركيزات». وأضافت: «إنها محددة بالكامل، مما يعني أنه يمكننا هندستها».

ولقد قام العلماء لعقود من الزمن بهندسة الخلايا الطبيعية بيولوجياً لحل المشاكل البشرية. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك كيفية إدخال جينات الإنسولين البشري في الخلايا البكتيرية للإشريكية القولونية لتصنيع الإنسولين وعلاج مرض السكري.

ويرى العلماء أن الخلايا الاصطناعية هي الحدود التالية؛ ومن المحتمل أن تؤدي إلى تطوير علاجات جديدة للسرطان وطرق جديدة لتصنيع المواد الكيميائية.

والخلايا هي اللبنات الأساسية للحياة، لكنها أبعد ما تكون عن البساطة. ويحتوي جسم الإنسان على 37 تريليون خلية، أي أكثر من عدد النجوم في السماء، ولا يزال العلماء لا يعرفون كيف تعمل كل أنواع الخلايا المختلفة أو ما تحتويه بالضبط.

وأطلقت أدامالا على الخلية اسم «SpudCell» لأنها لم ترغب في تسميته باسمها. وفيها أيضاً إسقاط على «Sputnik» القمر الاصطناعي الروسي الذي أطلق عصر الفضاء في الخمسينات، وفق «سي إن إن».

وقالت أدامالا: «نأمل أن نبدأ بالفعل العصر الحقيقي للاقتصاد الحيوي، وتمكين التكنولوجيا التي ستسمح للناس بهندسة علم الأحياء».

وتتكون الخلية من 150 إلى 200 جزيء، وتتغذى وتنمو وتتكاثر لمدة خمسة أجيال تقريباً، وفقاً لأدامالا. وهي أقل تعقيداً بكثير من الخلية البيولوجية التي تحتوي على الملايين، إن لم يكن المليارات، من الجزيئات.

«الاختراق الأكبر»

وقال يوفال إيلاني، الأستاذ المشارك في تقنيات الكيمياء الحيوية في «إمبريال كوليدج لندن»، الذي لم يشارك في العمل، إن الخلية الاصطناعية التي بنتها أدامالا وزملاؤها لم تكن «حياة تم إنشاؤها في المختبر» ولكنها «معلم حقيقي على الطريق نحو هذا السؤال».

وأضاف إيلاني: «بناء خلية من الصفر يعني أنك لم تعد مرتبطاً بالقيود التطورية للبيولوجيا الطبيعية. إن ذلك يفتح إمكانية تصميم أنظمة وبرمجتها للقيام بأشياء قد لا تفعلها الخلايا الحية بسهولة، أو قد لا تفعلها على الإطلاق». واستطرد: «في رأيي، يعد هذا تقدماً حقيقياً في الجهود طويلة الأمد للتساؤل عما إذا كان من الممكن تنظيم الكيمياء بشكل مقنع لدرجة أن نبدأ في تسميتها حياة».

ووصف توم إليس، أستاذ هندسة الجينوم الاصطناعي في «إمبريال كوليدج لندن»، الخلية بأنها «ربما أكبر اختراق في الآونة الأخيرة في مجال الخلايا الاصطناعية». وقال إن «صنع خلية اصطناعية يساعدنا على فهم الحد الأدنى الدقيق من متطلبات الحياة، وكيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت من الكيمياء، إنه أمر رائع أن نحاول فهمه».


«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية
TT

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

يُعرف داريو أمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» -عند مقارنته مع معظم الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي- بإطلاقه تنبؤات مذهلة ومثيرة للدهشة. ففي مقاله الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعنوان «آلات النعمة المُحِبّة» (Machines of Loving Grace)، طرح واحدة من أشهر تنبؤاته: «ستسمح لنا علوم الأحياء والطب المدعومة بالذكاء الاصطناعي بضغط كل مسار التقدم الذي كان سيحققه علماء الأحياء البشر على مدار 50 إلى 100 عام المقبلة، ليتحقق في غضون من 5 إلى 10 سنوات فقط». وقد أطلق على هذا التأثير اسم «القرن الحادي والعشرين المضغوط».

الذكاء الاصطناعي والتقدم العلمي

أمس وفي 30 يونيو (حزيران)، وخلال حدث نظمته «أنثروبيك» في سان فرانسيسكو تحت عنوان «الإيجاز: الذكاء الاصطناعي من أجل العلم» (The Briefing: AI for Science)، لم يعلن أمودي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على علم الأحياء والعلوم الأخرى قد أطلق له العنان بالفعل أو أنه على وشك تحقيقه، بل شدد على أنه لا يتوقع حدوث ذلك في العامين المقبلين، مشيراً إلى أنه «قد» يحدث بعد عقد من الآن.

خُصِّصت معظم الفترة المتبقية من الفعالية لحلقات نقاشية، بمشاركة كل من أمودي، ومخترعة عقار «جي إل بي-1» (GLP-1) لوتي كنودسن، والرئيس التنفيذي لشركة «بريستول مايرز سكويب» كريس بورنر، والرئيس التنفيذي لشركة «نوفارتس» فاس ناراسيمهان، ونائبة الرئيس التنفيذي لشركة «جينينتيك» أفيف ريغيف.

نموذج «كلود للبحث العلمي»

في عالم الذكاء الاصطناعي، يبدو عام 2036 وكأنه مستقبل بعيد للغاية. لكن الهدف من حدث «أنثروبيك» كان تأكيد أن الشركة تعمل بالفعل نحو تحقيق حالة «الضغط الزمني» التي كتب عنها أمودي. وعلى وجه الخصوص، كشفت الشركة عن «كلود ساينس» (Claude Science)، وهي نسخة جديدة من نموذج «كلود» مخصصة للبحث العلمي، التي يتم إطلاقها اليوم في مرحلة تجريبية (بيتا). وقد قدم ألكسندر تاراشانسكي، الذي قاد عملية تطوير المنتج، عرضاً توضيحياً موسعاً ومباشراً على المسرح وقد يوظّف في اكتشاف الأدوية.

ورغم أن التفاؤل بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على العلوم كان هو السائد بلا شك فإنه لم يكن تفاؤلاً مطلقاً أو غير مقيد؛ فقد اتسمت النقاشات بعمق وموضوعية لافتة، مع الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي -رغم تطوره السريع- تظل له حدود فيما يمكنه تقديمه لدفع عجلة التقدم في مجالات مثل اكتشاف الأدوية.

أبرز نتائج المؤتمر

إليك بعض الجوانب التي وجدتها الأكثر قيمة في هذا الحدث، الذي يُعد واحداً من أفضل فعاليات شركات التكنولوجيا التي حضرتها في السنوات الأخيرة:

1. أداة «Claude Science» تبدو واعدة ومميزة. لا أتوقع أن أستخدم «كلود ساينس» شخصياً لابتكار أي أدوية ثورية؛ فبما أنني لست عالماً، قد لا أستخدمها على الإطلاق. لكنني أُعجبت بالعرض التوضيحي الذي قدمه تاراشانسكي، حيث أظهر أن المنتج يمنح المستخدم شعوراً مألوفاً يشبه روبوتات الدردشة، ولكنه يوفر أيضاً مجموعة أكثر ثراءً من الأدوات للبحث عن المعلومات ومعالجتها وفهمها.

وعلى وجه الخصوص، يمكن لـ«كلود ساينس» إنشاء رسوم بيانية توضيحية (infographics) بشكل فوري، ولا يقتصر دورها على كونها مجرد مادة للعروض، بل تساعد في استكشاف البيانات بطرق يتعذر تحقيقها بمجرد النظر إلى أرقام مجردة على الصفحة. وقد أشار إريك كاودرر-أبرامز، رئيس قسم علوم الحياة في شركة «أنثروبيك»، إلى أن «العلم مجال يعتمد بشكل كبير على الجانب البصري».

علاج السرطان

2. التركيز المفرط على «علاج السرطان» أمر غير صائب. يبدو أن كل نقاش حول الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي تحسين حياة البشر بشكل جذري يتحول سريعاً إلى احتمالية استخدامه لعلاج السرطان. ويُستخدم هذا الأمر بوصفه اختزالاً لفكرة تحقيق اختراقات طبية كان من المستحيل الوصول إليها لولا هذه التقنية، مما قد ينقذ حياة الملايين، ورغم ذلك سأكون سعيداً بالقدر نفسه لو نجح الذكاء الاصطناعي في علاج أمراض القلب أولاً.

لكنني خرجت من فعالية «أنثروبيك» بعزمٍ على عدم حصر تفكيري في هدف طبي كبير وجريء واحد أو اثنين عند النظر إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعلم. فإذا كان كل ما نحصل عليه هو مئات أو آلاف من الإنجازات الأصغر حجماً والأسرع تحقيقاً، فلا يوجد أي مبرر للاستنتاج بأن الوعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت مبالغاً فيها.

تقول بورنر: «تنطوي هذه التكنولوجيا على إمكانات وفرص هائلة، لكن علينا أيضاً ألا نرفع سقف التوقعات بشأن ما يمكننا تحقيقه إلى مستويات نعجز فعلياً عن الوفاء بها. فعندما نسمع عبارة (القضاء على السرطان في حياتنا)، ندرك أننا سنحرز تقدماً كبيراً في هذا المجال، لكننا لا نريد استباق الأمور والمبالغة في تقدير قدراتنا».

حدود تمنع تسريع الدراسات العلمية

3. هناك حدود لمدى إمكانية تسريع وتيرة العلم. إلى جانب المساعدة في الاكتشاف العلمي بحد ذاته، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في جوانب أخرى -أكثر روتينية- تتعلق بطرح الأدوية في الأسواق. تقول نودسن: «في بعض الأحيان، يتعين عليك استقطاب 20 ألف شخص لإجراء دراسة تستغرق خمس سنوات، وتستغرق عملية الاستقطاب وحدها عامين». وهي ترى إمكانات واعدة في الذكاء الاصطناعي لتسريع الإجراءات الإدارية المعقدة والموسعة المرتبطة بمثل هذه الاختبارات.

وفي معرض حديثها عن رؤية أمودي المتمثلة في اختزال عقود من التقدم العلمي في سنوات قليلة، حذرت نودسن من أن عناصر معينة -مثل الدراسات التي تستغرق خمس سنوات- لا يمكن تقليص مدتها بشكل جذري، مهما بلغت درجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وتضيف قائلة: «أعتقد أننا سنشهد بالفعل تقليصاً كبيراً في المدة الزمنية، لكننا ما زلنا بحاجة إلى بيانات التجارب السريرية؛ لذا فمن الصعب تصور إمكانية تقليص المدة إلى أقل من خمس سنوات».

وحتى لو حالت العمليات البطيئة بطبيعتها -مثل التجارب السريرية- دون تحقيق هدف أمودي النظري المتمثل في تسريع العمليات بمقدار عشرة أضعاف، فإن تحقيق تقدم أقل دراماتيكية يظل تقدماً مهماً. ويقول ناراسيمهان: «يمكن تقليص المدة -منذ تحديد الدواء المرشح وحتى نهاية الرحلة- من 12 عاماً إلى ما بين 7 و8 سنوات؛ وهو أمر هائل إذا ما نظرنا إلى تأثيره التراكمي على هذا القطاع بأكمله».

ثنائية اللغة العلمية... والتقنية

4. قد يحتاج العلماء إلى أن يكونوا «ثنائيي اللغة». تواجه العديد من القطاعات حالياً مأزقاً غريباً يتمثل في حماس مفرط لدى المديرين التنفيذيين الذين لا يفهمون الذكاء الاصطناعي بما يكفي لاستخدامه بمسؤولية. وقد أكدت نودسن -التي بدت متحمسة لهذه التكنولوجيا دون أي مبالغة غير عقلانية- على ضرورة أن يزخر المجال العلمي بأشخاص تصفهم بأنهم «ثنائيو اللغة».

وتوضح قائلة: «لا أقصد الأشخاص الذين يتحدثون لغتين، بل أقصد أولئك الذين يمتلكون طلاقة تامة في مجال علمي معين، وفي الوقت نفسه يتقنون مجالات التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وحينها، يمكن لشخص واحد في كل فريق أن يحقق نتائج مذهلة».

«الهلوسة الذكية» لن تنحسر

5. لا تتوقع اختفاء ظاهرة «الهلوسة» (المعلومات الخاطئة). في مرحلة ما، أخبر المحاور ماثيو هيربر -من موقع «Stat News»- أمودي بأنه طلب من «كلود» المساعدة في صياغة أسئلة لطرحها في أثناء الجلسة الحوارية. ولم يكن رد فعل برنامج الدردشة الآلي مشجعاً له على طرح أسئلة سهلة أو بسيطة. وفقاً لما ذكره هيربر، فقد طُلب منه طرح السؤال الآتي: «لماذا ينبغي لشركات الأدوية أن تثق بتنبؤات الذكاء الاصطناعي في حين أن نماذجكم تعاني من (الهلوسة)؟».

وردّ أمودي بأن ظاهرة الهلوسة «قد تحسنت وتطورت بمرور الوقت، فلم نعد نسمع عنها كثيراً كما في السابق»، وهو أمر صحيح بالفعل. ومع ذلك، فقد أكد في النهاية أن ميل الذكاء الاصطناعي إلى «تخيل» أشياء غير موجودة هو أمر لا ينفصل عن قدرته على استخلاص رؤى جديدة مما يمتلكه من معلومات. وأشار إلى أن الأمر نفسه ينطبق على البشر، قائلاً: «لكي تكون مبدعاً، غالباً ما تجد نفسك تقف على الحد الفاصل بين اختلاق الأمور وتوليد أفكار قيّمة. ولذا، أعتقد أن (الهلوسة) لن تختفي أبداً».

لقد شهد مجال الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من التصريحات الرنانة التي تفوق حاجته الفعلية، إلا أن النقاشات الأكثر هدوءاً واتزاناً تظل دائماً موضع ترحيب؛ بل ربما تكون هذه النقاشات هي السبيل الأمثل لهذا القطاع لتجاوز حالة التشكيك العام التي تلازم كل خطوة يخطوها.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة
TT

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

في كل خلية من خلايا الجسم البشري يمتد الحمض النووي بطول يقارب المترين، ومع ذلك يُحشر داخل نواة مجهرية أصغر من رأس دبوس.

أهمية موقع الجينات

ولطالما اعتقد العلماء أن طريقة طي الحمض النووي ليست مجرد وسيلة لتوفير المساحة داخل النواة، بل تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم عمل الجينات. واليوم تكشف دراسة جديدة أن موقع الجين داخل النواة قد لا يقل أهمية عن الجين نفسه، وأن أي خلل في هذا التنظيم قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة.

وتوصل باحثون من كلية بيرلمان للطب في جامعة بنسلفانيا الأميركية إلى فهم جديد للآلية التي تُحدد بها الخلية ما إذا كان الجين سيظل نشطاً أو سيُسكَت. كما أظهرت الدراسة أن هذا النظام يختل في مرض نادر يُعرف باسم «رنح فريدرايخ» (Friedreich's Ataxia)، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف تنظيم الحمض النووي (دي إن إيه) بدلاً من تعديل الجينات نفسها.

ليس كل الجينات متساوية داخل النواة

ولا تُرتب الجينات داخل نواة الخلية بشكل عشوائي، بل تشغل مواقع محددة في فضاء ثلاثي الأبعاد. وقد لاحظ العلماء منذ سنوات أن الجينات القريبة من الغلاف الداخلي للنواة تكون عادة أقل نشاطاً، في حين تميل الجينات الموجودة في مركز النواة إلى العمل بشكل أكبر.

لكن السؤال الذي حيّر الباحثين طويلاً كان: هل يتوقف نشاط الجين بسبب موقعه داخل النواة، أم يتغير موقعه نتيجة انخفاض نشاطه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، ركز فريق بحث، برئاسة راجان جاين من قسم بيولوجيا الخلية والتطور في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، في دراسة نُشرت بمجلة «Molecular Cell» في 21 مايو (أيار) 2026، على عمليتين أساسيتين؛ الأولى هي «النسخ الجيني» (Transcription)، وهي عملية قراءة الجين لإنتاج الحمض النووي الريبي (RNA)، والثانية تتعلق ببروتين يُعرف باسم «كوهيسين» (Cohesin)، الذي ينظم البنية المكانية للحمض النووي (DNA) عبر طيه وربط أجزاء مختلفة منه معاً.

وباستخدام أدوات تعتمد على تقنية «كريسبر»، اكتشف الباحثون أن خفض نشاط النسخ الجيني يدفع بعض الجينات نحو أطراف النواة؛ حيث تصبح أكثر عرضة للإسكات. وفي المقابل فإن النشاط الزائد لبروتين كوهيسين يؤدي أيضاً إلى دفع الجينات نحو الحافة الخارجية للنواة وإخماد نشاطها.

أما المفاجأة فكانت أن إعادة تنشيط عملية النسخ وتقليل نشاط كوهيسين سمحا للجينات بالعودة نحو مركز النواة واستعادة جزء من نشاطها الطبيعي.

ويصف العلماء هذه العلاقة بأنها تُشبه «مفتاح تعتيم الضوء»، إذ لا تعمل الجينات بنظام التشغيل أو الإيقاف الكامل، بل يجري ضبط نشاطها تدريجياً حسب موقعها، وطريقة تنظيم الحمض النووي حولها.

مرض نادر يكشف الآلية الخفية

واختار الباحثون مرض «رنح فريدرايخ» نموذجاً للدراسة؛ لأنه ينتج عن خلل معروف في جين واحد يسمى «FXN» المسؤول عن إنتاج بروتين «فراتاكسين» (frataxin).

ويؤدي انخفاض هذا البروتين إلى ظهور أعراض عصبية وقلبية خطيرة تشمل فقدان التوازن التدريجي وضعف العضلات ومشكلات في القلب، ويصيب المرض نحو شخص واحد من كل 40 ألف شخص حول العالم.

عندما فحص العلماء خلايا مأخوذة من مرضى «رنح فريدرايخ» وجدوا أن الجين «FXN» يتموضع بشكل غير طبيعي عند أطراف النواة، وهي منطقة ترتبط عادة بإسكات الجينات. وعند تقليل نشاط بروتين كوهيسين داخل هذه الخلايا تحرك الجين بعيداً عن الحافة، وعاد إلى مناطق أكثر نشاطاً داخل النواة. والأهم من ذلك أن مستويات بروتين فراتاكسين ارتفعت بشكل ملحوظ رغم أن الطفرة الوراثية الأصلية بقيت موجودة دون تغيير.

وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الطفرة الجينية نفسها بل أيضاً في المكان الذي يحتله الجين داخل النواة.

نحو جيل جديد من العلاجات

ورغم أن هذه النتائج لا تُمثل علاجاً جاهزاً للمرض فإنها تقدم مفهوماً جديداً قد يغير طريقة التفكير في الأمراض الوراثية، فبدلاً من التركيز حصراً على إصلاح الجينات المعطوبة قد يصبح بالإمكان مستقبلاً إعادة تنظيم الحمض النووي داخل النواة، بحيث تستعيد الجينات نشاطها الطبيعي.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية «هندسة الجينوم ثلاثية الأبعاد»، وهو مجال ناشئ يدرس كيفية ترتيب الحمض النووي داخل الخلايا، وتأثير ذلك في الصحة والمرض.

ومع تزايد الأدلة على أن موقع الجين قد يكون عاملاً حاسماً في عمله، يعتقد العلماء أن فهم هذه البنية الخفية قد يقود إلى استراتيجيات علاجية جديدة ليس فقط لمرض «رنح فريدرايخ» بل لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية والعصبية التي ما زالت تفتقر إلى علاجات فعالة. وهكذا، فأحياناً لا يكون الحل في تغيير الجين نفسه، بل في منحه المكان المناسب ليعمل من جديد.