محمد طاهر: «مشاكل داخلية» يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني

المخرج المصري قال لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه خاض رهانات ناجحة بالمهرجانات

يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
TT

محمد طاهر: «مشاكل داخلية» يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني

يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)

قال المخرج المصري محمد طاهر إن فكرة فيلمه القصير «مشاكل داخلية 32B» ولدت في الأساس من ملاحظة اجتماعية دقيقة وعميقة، أكثر من كونها منطلقة من واقعة محددة بذاتها أو تجربة شخصية عابرة، موضحاً أن الكاتب والسيناريست هيثم دبور هو مَن صاغ هذه الفكرة، وكتب الفيلم ثم أرسل إليه النص.

وأضاف محمد طاهر لـ«الشرق الأوسط» أنه أحب السيناريو بشدة من القراءة الأولى، نظراً لاهتمامه في تلك الفترة بتقديم فيلم سينمائي يتمحور حول موقف يومي عابر وبسيط في ظاهره، لكنه يستطيع في الوقت ذاته أن يكشف عن طبقات عميقة وخافية في العلاقات الإنسانية المركبة.

ويعد «مشاكل داخلية 32B» أول فيلم مصري قصير يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان «تريبيكا» السينمائي الدولي بنيويورك، بعد رحلة حافلة بالنجاحات؛ بدأها في النسخة الماضية من مهرجان «قرطاج» السينمائي بتونس بالتتويج بالجائزة الكبرى «التانيت الذهبي».

ويُقدم الفيلم، الذي يجمع بين محمد ممدوح وهنا شيحة، قصة إنسانية مكثفة تدور حول أب منفصل عن زوجته، يحاول جاهداً الحفاظ على علاقة قريبة ودافئة مع ابنته المراهقة، لكنه يجد نفسه فجأة محاصراً وسط مواقف تربوية حرجة ومتقلبة، تصنع خطاً درامياً رفيعاً يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني الدافئ، مستنداً إلى بطولة متميزة للفنان محمد ممدوح.

طاهر بعد فوزه في «قرطاج» (إدارة المهرجان)

وأكد محمد طاهر أنه يفضل دائماً القصص التي عندما يشاهدها الجمهور يرى نفسه فيها بشكل مباشر، أو تجعل المشاهد يتذكر شخصاً يعرفه في حياته الواقعية مر بالتجربة ذاتها، لافتاً إلى أن هذه الأعمال تنطلق دائماً من تفاصيل صغيرة جداً، وتكاد تكون غير ملحوظة، إلا أنها تحمل طبقات إنسانية غنية، وتُسهم من خلال مواقف يومية عادية للغاية في تعرية شخصياتنا، وتوضيح حدودنا النفسية، ومواجهة مخاوفنا الدفينة.

وأشار إلى أن الفيلم يتناول مرحلة المراهقة من زاوية الأب أكثر من الابنة، وهي زاوية نادراً ما تحظى بالاهتمام الكافي في الأعمال الدرامية، فالأب في الفيلم ليس مجرد شخصية مسؤولة عن اتخاذ القرارات، بل إنسان يعيش حالة من الحيرة والارتباك، ويحاول أن يفهم ما يحدث حوله، فهو يعتقد في البداية أنه يؤدي دوره على أكمل وجه، لكنه يكتشف تدريجياً أن هناك فجوة حقيقية بينه وبين الابنة، وأن الحب وحده لا يكفي دائماً لضمان التواصل.

ويرى طاهر أن هذه الفجوة ترتبط أحياناً بما وصفه بـ«الكلام غير المَقول» داخل الأسرة، «مع تأجيل الكثير من الأسئلة والمشاعر على أمل أن تُحل من تلقاء نفسها، غير أن ما يبدو صمتاً مؤقتاً قد يتحول مع الوقت إلى مسافة حقيقية بين الآباء والأبناء. ومن هنا جاءت رغبته في استكشاف حالة الأب الداخلية، ليس بوصفها أزمة فردية، بل تجربة يمكن أن يجد كثيرون أنفسهم فيها».

وأكد طاهر أن الفيلم يحمل بعض الملامح المرتبطة بالسياق الثقافي العربي، لكنه فوجئ خلال عروضه الدولية بأن الجمهور في بلدان مختلفة تفاعل مع الحكاية بالقدر نفسه تقريباً، مشيراً إلى أن ردود الفعل التي تلقاها في نيويورك كانت من أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة له، إذ لاحظ أن الجمهور يضحك في المشاهد نفسها التي يضحك فيها الجمهور العربي، ويتفاعل مع المواقف ذاتها بالطريقة نفسها، في تجربة أكدت له أن المشاعر التي يناقشها الفيلم تتجاوز حدود المكان والثقافة.

محمد ممدوح في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وعن المزج بين الكوميديا والبُعد الإنساني، أوضح أن «التحدي الأكبر كان الحفاظ على حساسية الموضوع من دون الوقوع في الميلودراما أو السخرية»، مشيراً إلى أن «الكوميديا في الفيلم لا تأتي من الاستهزاء بالشخصيات أو بالموقف، ولكن من صدق الشخصيات نفسها وهي تُحاول التعامل بجدية مع ظرف غير مألوف، فكلما كانت ردود الأفعال حقيقية، وأكثر ارتباطاً بطبيعة الشخصيات، أصبح الموقف أكثر قدرة على توليد الضحك والتعاطف في الوقت نفسه»، على حد تعبيره.

وقال طاهر إن اختيار محمد ممدوح لتجسيد شخصية الأب جاء انطلاقاً من إيمانه بقدرته على التعبير عن مشاعر معقدة بأقل قدر ممكن من الحوار، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم يعتمد على الانفعالات الداخلية والتفاصيل الدقيقة في الأداء، وهو ما يجيده ممدوح بشكل لافت.

وأضاف أن «العمل بينهما شهد جلسات تحضير مطولة وبروفات عديدة، تضمنت نقاشات حول دوافع الشخصية وخلفياتها النفسية وطبيعة ردود أفعالها في مختلف المواقف»، لافتاً إلى أن ممدوح لم يتعامل مع الدور بصفته مؤدياً فقط، بل شارك في تطوير الشخصية من خلال خبرته وملاحظاته، خصوصاً أن تجربة الأبوة نفسها جعلته قريباً من المشاعر التي يمر بها البطل، وهو ما انعكس على أداء الشخصية، ومنحتها قدراً أكبر من العمق والصدق.

وأضاف أن من بين الأمور التي حرص عليها أيضاً ترك مساحة مفتوحة أمام المشاهد في نهاية الفيلم، فبالنسبة له لا تكمن أهمية الحكاية في معرفة ما حدث تحديداً، بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتعامل بها الأب مع ما يعتقد أنه حدث. ولذلك فضّل أن تظل النهاية قابلة لقراءات متعددة، بحيث يشارك المشاهد في استكمال أجزاء الحكاية، وإعادة تفسيرها من منظوره الخاص.

وأضاف طاهر أنه يعمل حالياً على تطوير مشروع فيلم روائي طويل، إلى جانب مشروع مسلسل، مؤكداً أن تجربة «مشاكل داخلية 32B» عزّزت قناعته بقوة الفيلم القصير وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع، وسيظل مساحة مهمة بالنسبة له للتجريب واكتشاف أفكار وأساليب جديدة.


مقالات ذات صلة

«الخبيث»... حين يتحوَّل الحب إلى وصاية

يوميات الشرق صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)

«الخبيث»... حين يتحوَّل الحب إلى وصاية

يكشف فيلم «الخبيث» عن كيف يمكن للخوف، حين يتخفَّى وراء الحب والإحساس بالمسؤولية، أن يتحوَّل إلى سلطة تسلب الآخرين حقهم في تقرير مصيرهم.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفيلم الحربي نُفِّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي (يوتيوب)

هل يحل الذكاء الاصطناعي أزمة إنتاج الأفلام الحربية في مصر؟

أجمل ما في الفن هو التواصل الإنساني، والحرب هي بطولة الإنسان

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق حصلت المخرجة على صور من داخل إيران (الشركة المنتجة)

راها شيرازي: وثَّقت ذاكرة نضال الإيرانيات في «حرب على النساء»

يستعيد فيلم «حرب على النساء» نضال 4 أجيال من الإيرانيات عبر شهادات 7 نساء، موثقاً جذور الحركة النسوية في إيران منذ عام 1906.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم «نصيب» يُعرض في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)

الكوميديا تزاحم الرومانسية في موسم الشتاء السينمائي بمصر

تستقبل دور العرض المصرية شتاءً سينمائياً حافلاً بأفلام الكوميديا، أبرزها «موسكو كايرو» و«نصيب» و«كريبتو» في ظاهرة يصفها ناقد فني بالجديدة على السينما المصرية.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

قال المخرج الأردني زيد أبو حمدان إن فيلم «بومة» ليس جريئاً، كما يصفه بعضهم؛ بل هو فيلم حقيقي وواقعي عن أشخاص يعيشون بيننا.

انتصار دردير (الجونة (مصر))

20 دولاراً في الساعة لتمشية كلب... لكنه لا ينبح!

روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

20 دولاراً في الساعة لتمشية كلب... لكنه لا ينبح!

روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إذا كنت تظن أن أسوأ ما قد يحدث أثناء تمشية كلب هو أن يتوقف فجأة لشمّ عمود إنارة، أو يقرر العودة إلى المنزل في الاتجاه المعاكس، فانتظرْ حتى تتعامل مع كلب آلي! هذا لا يحتاج إلى طعام، ولا يترك فضلاتٍ خلفه، لكنه قد يتوقف عن الحركة بسبب ارتفاع حرارة مُعداته، لتجد نفسك مضطراً لحمله والعودة به إلى المنزل... أو بالأحرى إلى الشركة!

هذه ليست نكتة عن مستقبل الروبوتات، بل وظيفة حقيقية أعلنت عنها شركة ناشئة في سان فرنسيسكو، تعرض 20 دولاراً في الساعة لمن يرغب في تمشية كلاب ميكانيكية في شوارع المدينة. والمطلوب؟ أربع إلى ست ساعات من التجوال، مع الاستعداد لحمل «الحيوان الأليف» إذا قرر فجأة أن يأخذ استراحة إجبارية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الإعلان، الذي نشرته شركة «دايمنشنال» (Dimensional) عبر «فيسبوك»، حُذف لاحقاً.

وتتخذ الشركة من حي «دوغباتش» (Dogpatch) في سان فرنسيسكو مقراً لها، في مصادفة لافتة تجعل اسم الحي يبدو كأنه اختير بشكل خاص لشركة ترسل كلاباً آلية للتجول في الشوارع.

لكنّ وراء هذه الوظيفة الغريبة هدفاً يتجاوز التسلية، فالشركة تعمل على تطوير أنظمة تشغيل تتيح دمج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات، بحيث تتمكن مستقبلاً من تنفيذ مهام واقعية؛ من نقل الصناديق الثقيلة، إلى المساعدة في المصانع ومواقع البناء.

ولتحقيق ذلك، تحتاج الروبوتات إلى تعلم كيفية التحرك في العالم الحقيقي، وتجاوز الأرصفة والعوائق، والتعامل مع المواقف غير المتوقعة. وهنا يأتي دور البشر الذين يرافقونها، ويوجهونها عند الضرورة، بينما تجمع الكاميرات وأجهزة الاستشعار بيانات تساعد على تحسين أدائها.

ويقول مؤسس الشركة، ستاش بوميختر، البالغ 26 عاماً، إن التجارب كشفت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل كفاءة من البشر في التحكم بالمُعدات، ما يجعل التدخل البشري ضرورياً في الوقت الراهن.

واللافت أن الشركة لا تصنع هذه الروبوتات بنفسها، بل اشترت أكثر من 100 كلب آلي، بينها نماذج صينية الصنع يبلغ سعر الواحد منها نحو ألفي دولار. وتختبر أداءها في ظروف مختلفة، تمهيداً لتطوير آلات أكثر استقلالية.

ولا تقتصر الاستخدامات على حمل الأشياء أو التجول في الشوارع، فقد بدأت كلاب آلية، بالفعل، العمل في دوريات أمنية داخل مجمع سكني بأتلانتا الأميركية، بينما يتولى شخص في الفلبين مراقبتها عن بُعد. أما بوميختر فيقول إنه برمج كلباً آلياً للقيام بدوريات ليلية في مقر شركته، وإرسال تنبيه إليه إذا رصد شخصاً بعد منتصف الليل.

روبوتات عسكرية تشارك في المناورات الكورية الجنوبية الأميركية المشتركة 19 أغسطس 2026 (رويترز)

غير أن دخول الروبوتات الحياة اليومية لا يثير الفضول وحده، فقد أثارت التجربة مخاوف لدى بعض الأشخاص من تحول هذه الآلات إلى أدوات للمراقبة، أو حتى أسلحة، ووصل الأمر إلى تلقي الشركة رسائل تهديد دفعتها إلى إبلاغ الشرطة.

وبينما تتطلع شركات التكنولوجيا إلى عالم تتولى فيه الروبوتات كثيراً من المهام البشرية، تكشف هذه الوظيفة مفارقة طريفة: فالآلة التي يُفترض أن تعمل باستقلالية، تحتاج، اليوم، إلى إنسان يرافقها، يراقب خطواتها، ويحملها إذا تعطلت.

وربما لن يكون السؤال في المستقبل: من سيمشي الكلب؟ بل من سيمشي مع من؟


«الخبيث»... حين يتحوَّل الحب إلى وصاية

صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)
صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)
TT

«الخبيث»... حين يتحوَّل الحب إلى وصاية

صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)
صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)

لا يكتفي الفيلم المصري القصير «الخبيث» بتخيُّل وباءٍ يفتك بالنساء، بل يتأمل ما يحدث حين يصبح الخوف عليهن مبرراً لاتخاذ القرارات نيابة عنهن. ففي القرية التي يصوغ عالمها المخرج جاد شاهين، تتقلص المسافة بين الرعاية والوصاية، وبين الرغبة في إنقاذ إنسان والاستعداد للتضحية به. وما يضفي شجناً على الحكاية أن العنف لا يصدر دائماً عن كراهية؛ فقد يمارسه شخص محب.

حصد الفيلم، الذي تبلغ مدته 14 دقيقة، جائزة «نجمة الجونة البرونزية» في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، التي اختُتمت مؤخراً.

ينطلق الفيلم من قرية تعيش على صيد الأسماك، ينتشر بين نسائها مرض غامض، ليضع شاباً أمام امتحان يتجاوز قدرته على مواجهة الوباء، ويدفعه إلى مساءلة تصوره للحب وحدود المسؤولية التي يمنحها لنفسه تجاه نساء أسرته.

تبدأ الإصابة بعلامة على الجسد، لكن آثارها سرعان ما تتجاوز الجسد نفسه؛ إذ تخضع النساء لفحوص متكررة، وتصبح شفاههن دليلاً يبحث عنه الحراس قبل اقتياد المصابات إلى مصير مجهول.

المخرج جاد شاهين (الشركة المنتجة)

وفيما يظل المرض عصيّاً على الفهم، تبدو إجراءات مواجهته محسومة. تضع هذه المفارقة القرية أمام سؤال يتردد خلف الحكاية: كيف يملك مجتمع كل هذه الثقة في العقاب، في حين لا يعرف حقيقة الخطر الذي يعاقب الناس بسببه؟

داخل البيت، يتخذ هذا المنطق صورة أكثر إيلاماً. فحين تمرض أخت «فتحي»، يقترح عليها أن تتجرع السم كي لا تقع في أيدي الحراس. لا يستطيع تخيل نجاتها، فينصرف إلى اختيار موت يراه أرحم. وهنا يكشف الفيلم كيف يمكن للخوف أن يحاصر التفكير قبل أن يحاصر الأجساد؛ إذ يتبنى «فتحي» حتمية المصير الذي يرفضه، ويختزل مسؤوليته في اختيار الطريقة التي يواجه بها هذا المصير، من دون أن ينتبه إلى أنه صار امتداداً للسلطة التي يخشاها.

قال المخرج المصري جاد شاهين لـ«الشرق الأوسط» إن اهتمامه انصب على اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على التمييز بين محبته للآخر ورغبته في امتلاكه، موضحاً أن «فتحي» يستمد اقتناعه بأفعاله من إحساسه بالمسؤولية. وكلما شعر بتراجع قدرته على حماية أسرته، تشبث أكثر بحق تقرير مصير أفرادها، حتى أصبح ما يراه أداءً لواجبه جزءاً من المحنة التي تعيشها النساء من حوله.

وأضاف أن بناء الشخصية اقتضى الاقتراب من منطقها، لأن اختزال «فتحي» في رجل قاسٍ كان سيُبعد الحكاية عن السؤال الذي يشغله. فهو يتصرف انطلاقاً من يقين أخلاقي، ويستند إلى أفكار مألوفة عن الرجولة والواجب. وأشار إلى أن معرفته بهذا النوع من التفكير، وملاحظته بعض ملامحه في نفسه أحياناً، جعلتا الشخصية مساحة للمراجعة الشخصية بقدر ما هي موضوع للفيلم.

وأوضح أن فكرة المشروع بدأت من صورة قطة تلتهم صغارها عندما تعجز عن حمايتهم من خطر تستشعره، لافتاً إلى أن ما ظل عالقاً في ذهنه هو احتمال اجتماع الحنان والتدمير في الفعل نفسه.

بنى المخرج الفيلم على أحداث مستمدة من الأساطير (الشركة المنتجة)

ومنذ بدء العمل على الفيلم عام 2023، أخذ شاهين يبحث عن صيغة إنسانية لهذا التناقض، من خلال شخصية رجل يصل به الحرص على أحبائه إلى الاعتقاد بأن إنهاء معاناتهم يبيح له التدخل في مصائرهم.

وعن اقترابه من الأسطورة، قال إنه يجد فيها وسيلة لإعادة النظر في أشياء قد يحجب الاعتياد غرابتها وقسوتها، موضحاً أن «نقل العلاقات المعروفة إلى عالم يتعذر تحديد زمنه يتيح تأملها من مسافة مختلفة».

وأضاف أنه أراد للقرية أن تحتفظ بملامح مكان يمكن تصديقه، من دون أن تُحصر حكايتها في بيئة مغلقة على ذاتها. وبعد معاينات طويلة، وجد في مدينة «البرلس» ما يستجيب لهذا التصور، إذ اجتمعت واقعية المكان مع إحساسه بأنه قابل للانتماء إلى أزمنة متعددة. وأشار إلى أن التصوير استغرق يومين، إلى جانب يوم ثالث لتصوير مشاهد مدينة الملاهي، التي بُني ديكورها خصيصاً للفيلم.

وقال شاهين إن هدوء العالم المحيط بالشخصيات يتصل بتصوره للكارثة، موضحاً أن تكرار مشاهدة صور الدمار قد يحولها إلى جزء من الحياة اليومية، ويضعف الإحساس بحجم المعاناة التي يعيشها أصحابها. ولهذا، بحث عن نهاية يُدرك أثرها من خلال ما تتركه في البشر، من استسلامهم وتبدل علاقاتهم وتضاؤل قدرتهم على الاختيار، فيما تظل السماء والبحر والبيت على هدوئها المعتاد، كأن شيئاً لا يحدث، رغم ما تعيشه الشخصيات من خوف وانهيار.


دراسة مقلقة: 77 % من الطيارين يغفون خلال الرحلات الجوية

الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)
الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)
TT

دراسة مقلقة: 77 % من الطيارين يغفون خلال الرحلات الجوية

الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)
الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)

كشف تقرير حديث عن أرقام مقلقة تتعلق بسلامة الطيران، بعدما أظهر أن نسبة كبيرة من الطيارين تعرضوا لنوبات نوم قصيرة خلال وجودهم في قمرة القيادة.

ووفقاً للرابطة الأوروبية لقمرات القيادة (ECA)، فإن أكثر من ثلاثة من كل أربعة طيارين غلبهم النوم في أثناء تشغيل الطائرات، حسبما نقلت صحيفة «نيويورك بوست».

وأظهرت الدراسة، التي صدرت هذا الأسبوع وشملت 7200 طيار، أن 76.8 في المائة من المشاركين تعرضوا للنعاس وغفوا في مقاعد القيادة مرة واحدة على الأقل خلال الأسابيع الأربعة السابقة للاستطلاع.

ووصف التقرير هذه الحالات بأنها «نوبات نوم خاطفة» (Microsleeps)، وهي، حسب تعريف «المؤسسة الوطنية للنوم» (National Sleep Foundation)، نوبات نوم قصيرة ولا إرادية تستمر لبضع ثوانٍ، وقد لا يدرك الشخص أنه غفا خلالها، مما يشكل خطراً كبيراً على سلامة من يقودون المركبات أو الطائرات.

وفي بعض الحالات، قد يبدو الشخص الذي يتعرض لهذه النوبات مستيقظاً، حتى إن كانت عيناه مفتوحتين، بينما يكون دماغه قد توقف مؤقتاً عن معالجة المعلومات.

وتوضح «المؤسسة الوطنية للنوم» أن نوبات النوم الخاطفة تُعد من الأعراض الشائعة للحرمان من النوم.

ويُعد الإرهاق أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات في أثناء الطيران، إذ أفاد 38.8 في المائة من الطيارين بأنهم لا يحصلون عادةً، أو لا يحصلون مطلقاً، على قسط كافٍ من الراحة، مما يؤدي إلى تراكم الإرهاق لديهم.

ولا تزال ثقافة الصمت وتحمل التعب رغم مخاطره سائدة داخل قمرات القيادة، إذ أظهرت النتائج أن 37.2 في المائة فقط من الطيارين يبلغون عن عدم قدرتهم على الطيران بسبب الإرهاق.

في المقابل، أقر 24.2 في المائة بأنهم لا يُبلغون عن شعورهم بالإرهاق، ويواصلون الطيران رغم التعب، بسبب خشيتهم التعرض لعقوبات أو ردود فعل سلبية من الإدارة.

وسلَّطت الدراسة الضوء أيضاً على مخاوف تتعلق بما تُعرف بـ«السلطة التقديرية لقائد الطائرة» (Commander’s Discretion)، وهي صلاحية ينص عليها القانون وتتيح لقائد الطائرة تمديد فترة واجب الطيران (Flight Duty Period)، أو تقليص مدة الراحة المطلوبة.

وأفاد 38.3 في المائة من المشاركين بأنهم لجأوا إلى استخدام هذه الصلاحية مرة واحدة على الأقل خلال الشهر الماضي، فيما ذكر 15.2 في المائة أنهم استخدموها مرتين أو أكثر.

كما أعرب نحو 69.1 في المائة من الطيارين عن قلقهم من مواجهة عواقب سلبية إذا رفضوا تمديد ساعات العمل.

وقال الكابتن كوين جورج، عضو مجلس إدارة جمعية الطيارين الأوروبيين، في بيان: «عندما يخشى الطيارون عواقب مهنية، لا يتم الإبلاغ عن الإرهاق، ويعود الخطر إلى قمرة القيادة. يجب على شركات الطيران والسلطات ضمان الإبلاغ غير العقابي والاستخدام السليم للصلاحيات التقديرية لقائد الطائرة».

وأشار جورج أيضاً إلى أن بعض شركات الطيران تمارس ضغوطاً على أطقم الطائرات لتمديد ساعات العمل وتعويض التأخيرات، بل وتعاقبهم في حال رفضوا تمديد فترات عملهم.

وأضاف: «لقد نبهنا سلطات الطيران مرات عديدة إلى هذه الضغوط، التي تضر بوضوح بهوامش السلامة لدينا، لكننا ما زلنا ننتظر اتخاذ إجراءات فعالة لوقفها».