معدلات ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال تتضاعف خلال 20 عاماً

السمنة في مرحلة الطفولة تُعدّ من أهم عوامل الخطر لارتفاع معدلات ضغط الدم بين الأطفال (بكساباي)
السمنة في مرحلة الطفولة تُعدّ من أهم عوامل الخطر لارتفاع معدلات ضغط الدم بين الأطفال (بكساباي)
TT

معدلات ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال تتضاعف خلال 20 عاماً

السمنة في مرحلة الطفولة تُعدّ من أهم عوامل الخطر لارتفاع معدلات ضغط الدم بين الأطفال (بكساباي)
السمنة في مرحلة الطفولة تُعدّ من أهم عوامل الخطر لارتفاع معدلات ضغط الدم بين الأطفال (بكساباي)

ارتفعت معدلات ارتفاع ضغط الدم عالمياً لدى الأطفال والمراهقين إلى نحو الضعف منذ عام 2000؛ ما يعرّض مزيداً من الصغار لخطر تدهور صحتهم لاحقاً في الحياة.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، قالت الدكتورة بيجي سونغ، الباحث في كلية الصحة العامة بجامعة تشجيانغ للطب في الصين: «في عام 2000، كان نحو 3.4 في المائة من الصبيان و3 في المائة من الفتيات يعانون ارتفاع ضغط الدم. وبحلول عام 2020 ارتفعت هذه النسب إلى 6.5 في المائة و5.8 في المائة على التوالي».

ويتعدّ سونغ أحد مؤلفي الدراسة التي نُشرت الأربعاء في مجلة «The Lancet Child & Adolescent Health» والتي عرضت هذه النتائج.

وأشار الدكتور مينغيو تشانغ، الأستاذ المساعد في كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بيث إسرائيل ديكونيس — والذي لم يشارك في الدراسة — إلى أن الأطفال الذين يعانون ارتفاع ضغط الدم قد يكونون معرّضين لاحقاً لخطر أكبر للإصابة بأمراض القلب، وهي السبب الأول للوفاة في الولايات المتحدة.

وقالت سونغ: «الخبر الجيد هو أن هذا عامل خطر قابل للتغيير. فمع تحسين إجراءات الفحص، والكشف المبكر، ومزيد من التركيز على الوقاية — خصوصاً ما يتعلق بالحفاظ على وزن صحي وتغذية سليمة — يمكننا التدخّل قبل ظهور المضاعفات».

معالجة ارتفاع الضغط لدى الأطفال ممكنة

ويرجّح الباحثون أن يعود ارتفاع معدلات ضغط الدم بين الأطفال إلى عوامل متعدّدة. وقال سونغ إن السمنة في مرحلة الطفولة تُعدّ من أهم عوامل الخطر؛ لأنها ترتبط باضطرابات مثل مقاومة الإنسولين، والالتهابات، وضعف وظيفة الأوعية الدموية.

وأشارت سونغ إلى أن العوامل الغذائية، مثل الاستهلاك المرتفع للصوديوم وتناول الأغذية فائقة المعالجة، قد تسهم أيضاً في زيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، إلى جانب سوء جودة النوم، والضغط النفسي، والاستعداد الجيني.

وأضافت أن كثيراً من الأطفال اليوم يبذلون نشاطاً بدنياً أقل مقارنة بالأجيال السابقة، ويقضون وقتاً أطول في أنشطة خمولية مثل استخدام الشاشات؛ وهو ما قد يزيد من المخاطر.

وقال تشانغ: «بدأنا ندرك أيضاً أن عوامل أخرى، بينها الملوّثات البيئية، قد تسهم في ذلك».

وكان تشانغ المؤلف الرئيسي في دراسة سابقة أظهرت وجود صلة بين التعرّض قبل الولادة لمواد كيميائية تُعرف باسم «PFAS» — وهي فئة تضم نحو 15 ألف مركّب صناعي يرتبط بعضها بالسرطان واضطرابات الغدد ومشكلات النمو لدى الأطفال — وبين الإصابة بارتفاع ضغط الدم في الطفولة.

وتُعرف مواد PFAS باسم «المواد الكيميائية الأبدية»؛ لأنها لا تتحلّل بالكامل في البيئة.

قالت سونغ إن أهم ما يجب أن تستخلصه العائلات من هذه النتائج هو عدم افتراض أن ارتفاع ضغط الدم مشكلة تخصّ البالغين فقط.

وإذا كان الأهل قلقين بشأن خطر إصابة أطفالهم بالسمنة أو ارتفاع الضغط، فإن الضغط النفسي، واللوم، والقيود الصارمة ليست الأساليب الأنسب.

وبدلاً من ذلك، تنصح اختصاصية التغذية للأطفال في ماساتشوستس جيل كاسل بالتركيز على تعزيز السلوكيات الصحية بطريقة إيجابية ومبهجة.

قالت كاسل: «الهدف من ركن التغذية هو تبنّي المرونة في التعامل مع الطعام، والتركيز على الأطعمة ذات القيمة الغذائية العالية... وفي الوقت نفسه السماح بوجود أطعمة أقلّ فائدة ضمن النظام الغذائي، بطريقة يمكن الاستمتاع بها بالكامل وبمرونة».

وأشارت إلى أنه يُفضّل إعطاء الأولوية لتناول الوجبات معاً كعائلة، وتجنّب وَسم الأطعمة بأنها «جيدة» أو «سيئة».

وأضافت: «إجبار الأطفال على إنهاء طبقهم أو مكافأتهم بالحلوى قد ينجحان في اللحظة نفسها، لكنهّما لا يساعدان في ترسيخ الثقة بالنفس أو بناء علاقة سليمة وبديهية مع الطعام مع مرور الوقت».

فرط الضغط المقنّع لدى الأطفال

لم يقتصر الباحثون في الدراسة على تتبّع المعدلات داخل الولايات المتحدة فقط، بل حلّلوا بيانات 96 دراسة أُجريت في 21 دولة.

أشار فريق الدراسة إلى أهمية التمييز بين قراءات ضغط الدم داخل عيادة الطبيب وخارجها؛ إذ قد يكون ضغط بعض الأطفال طبيعياً في المنزل بينما يرتفع عند قياسه في العيادة، في حين قد يُظهر آخرون قراءة منخفضة في العيادة مقارنة بمستواهم الحقيقي.

ومن خلال دمج بيانات القياسات المنزلية وقياسات الزيارات الطبية، تمكن الباحثون — حسب تشانغ — من رصد حالات «ارتفاع الضغط المقنّع»، أي الحالات التي لا تُكتشف خلال زيارة الطبيب. ووفقاً للبيانات، كان هذا النوع الأكثر شيوعاً بين الأطفال.

وقال تشانغ: «أهمية ذلك أنه يعني أن كثيراً من الأطفال المصابين فعلياً بارتفاع ضغط الدم قد لا تُشخّص حالاتهم إذا اعتمدنا فقط على قياسات العيادة».

وأضافت سونغ أن النتائج تشير إلى أن قراءة واحدة لا تكفي؛ ما يستدعي تطوير حلول قابلة للتطبيق على نطاق واسع لتحسين مراقبة وعلاج ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال حول العالم.


مقالات ذات صلة

تعرف على أفضل توقيت للمشي لخفض ضغط الدم

صحتك المشي المنتظم قد يكون أحد أكثر الحلول سهولة لمواجهة ارتفاع ضغط الدم (أرشيفية - رويترز)

تعرف على أفضل توقيت للمشي لخفض ضغط الدم

في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بضغط الدم حول العالم، يواصل الباحثون البحث عن وسائل بسيطة وفعالة للمساعدة في السيطرة على هذا «القاتل الصامت».

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تؤدي الكلى دوراً أساسياً في تصفية الدم من الفضلات والسوائل الزائدة (أرشيفية - رويترز)

ما العلاقة بين ارتفاع ضغط الدم وضعف الكلى؟

قد تبدو «الكلى» و«القلب» عضوَين يؤديان وظيفتين مختلفتين تماماً، لكنهما في الواقع يرتبطان ارتباطاً وثيقاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك البقوليات ومنتجات الصويا تحتوي على مجموعة من العناصر المفيدة أبرزها الألياف الغذائية (بيكسلز)

دراسة: تناول البقوليات وفول الصويا يومياً قد يخفض خطر ارتفاع ضغط الدم

وسط تزايد الاهتمام بالأنظمة الغذائية الداعمة لصحة القلب، يبحث كثيرون عن خيارات غذائية بسيطة يمكن إدراجها في وجباتهم اليومية وتُحدث فرقاً حقيقياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تساعد أنواع شاي كالزنجبيل والنعناع وجذر الهندباء على تهدئة الأمعاء ودعم عملية الهضم الصحية (بيكساباي)

6 أنواع من الشاي تساعد على تهدئة الأمعاء وتحسين الهضم

لا يقتصر دور كوب الشاي الدافئ على مساعدتك على الاسترخاء فحسب، بل إن بعض أنواعه، كالزنجبيل والنعناع وجذر الهندباء، قد تُساعد أيضاً على تهدئة الأمعاء ودعم الهضم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعدّ الكرياتين من أكثر المكمّلات الغذائية شيوعاً بين الرياضيين ولاعبي كمال الأجسام نظراً لدوره في تعزيز الأداء البدني وزيادة القوة العضلية (بيكسلز)

الكرياتين وضغط الدم... فوائد محتملة ومخاطر تستدعي الحذر

تشير الدراسات إلى أن الكرياتين قد يؤثر بشكل طفيف على ضغط الدم بين انخفاض محدود أو ارتفاع محتمل، ويُعد آمناً غالباً بجرعات معتدلة للأصحاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
TT

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)

يُنصح بعدم الإفراط في تناول الأطعمة عالية الصوديوم، مثل الوجبات السريعة والمعلَّبات؛ لأنه قد يزيد العبء على وظائف الكلى، وكذلك يفضَّل التقليل من البروتين الحيواني بكثرة، خاصة اللحوم الحمراء، والمشروبات الغازية، والأطعمة الغنية بالبوتاسيوم أو الفوسفور بكميات زائدة مثل الموز والبطاطا ومنتجات الألبان.

ووفقاً لوزارة الصحة السعودية، فإن المكمّلات العشبية ليست آمنة في حالة مرضى الكلى، كما أن بعض الفيتامينات يمكن أن تضرّ مرضى الكلى أيضاً، لذلك يجب استشارة الطبيب قبل تناول أي نوع منها.

الحد من الصوديوم

وتنصح الوزارة بالحد من الصوديوم، فمع مُضِي الوقت يفقد مريض الكلى تدريجيّاً القدرة على تحقيق التوازن بين المياه والصوديوم بالجسم؛ لذلك يساعد الحد من الصوديوم على خفض ضغط الدم وتقليل احتباس السوائل بالجسم، وهو أمر شائع مع مرضى الكلى.

ويجب التركيز على الطعام الطازج والمطهو بالمنزل، وتناول كميات صغيرة من طعام المطاعم والأطعمة المعلَّبة؛ لأنها غالباً ما تحتوي على كثير من الصوديوم واختيار منتجات الغذاء التي تحتوي على نسبة صوديوم أقل من 5 في المائة على مُلصَقها الغذائي.

كذلك يجب استبدال تعزيز النكهات بالأعشاب والتوابل والخردل والخل، بالملح، وفي غضون أسبوع أو أسبوعين سيعتاد المريض ذلك.

وتجنب بدائل الملح ما لم يُوصِ اختصاصي التغذية بإمكانية ذلك؛ حيث يحتوي كثير منها على نسبة عالية جداً من البوتاسيوم، والذي قد يحتاج المريض إلى الحد منه.

الكلى تؤثر على أعضاء أخرى في الجسم (جامعة وايل كورنيل)

التقليل من البوتاسيوم والفوسفور والبروتين

ولفتت الوزارة إلى أنه اعتماداً على مرحلة مرض الكلى، قد يحتاج المريض أيضاً إلى تقليل البوتاسيوم والفوسفور والبروتين في نظامه الغذائي، فالفوسفور معدن من معادن الجسم الذي يعمل على تقوية العظام وإبقاء عدد من أجزاء الجسم بصحة جيدة، لكن لا يستطيع جسمُ مريض الكلى التخلص من الكمية الزائدة منه؛ مما يؤدي إلى ضعف العظام وإلحاق الضرر بالأوعية الدموية والعين والقلب.

ويجب على مريض الكلى الحد منه، ويوجد الفوسفور في اللحوم، ومنتجات الألبان، والفاصوليا، والمكسرات، والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، والمشروبات الغازية الداكنة، كما أنه يضاف إلى كثير من الأطعمة المعلَّبة.

والمستوى المناسب من البوتاسيوم يحافظ على عمل الأعصاب والعضلات بشكل جيد، لكن مع مرض الكلى المزمن، يمكن أن يتراكم كثير من البوتاسيوم في الدم ويسبب مشاكل خطيرة في القلب.

ويحتوي البرتقال والبطاطس والطماطم والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة وعدد من الأطعمة الأخرى على نسبة عالية من البوتاسيوم، لكن يحتوي التفاح والجزر والخبز الأبيض على نسبة أقل من البوتاسيوم.

ويجب تناول الكمية المناسبة من البروتين؛ لأن كمية البروتين الزائدة تؤدي إلى زيادة كمية الجهد المبذول من الكلى للتخلص منه وتزيد من سوء حالة مريض الكلى المزمن.


تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء
TT

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

وفقاً لدراسة حديثة، عرضت ضمن الفعاليات العلمية لـ«أسبوع أمراض الجهاز الهضمي DDW 2026» المنعقد الشهر الماضي، قد يُلحق التوتر النفسي المزمن وتناول وجبة طعام في وقت متأخر من الليل، حتى لو كانت وجبة طعام خفيفة، ضرراً كبيراً بصحة الجهاز الهضمي ويسبب اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء (اختلال ميكروبيوم الأمعاء). كما كشف هذا البحث أيضاً عن العلاقة بين تناول الطعام في وقت متأخر من الليل والتوتر المزمن.

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء Dysbiosis قد يشمل نقصاً في تنوع البكتيريا المعوية، أو زيادة في البكتيريا الضارة، أو نقصاً في البكتيريا النافعة. وقد يُسبب ألماً في البطن، وانتفاخاً، وغثياناً، وتغيرات في عادات التبرز.

ويعتبر أسبوع أمراض الجهاز الهضمي المؤتمر العالمي الأبرز في مجال أمراض الجهاز الهضمي والكبد وجراحة الجهاز الهضمي، وقد عُقد في شيكاغو، إلينوي، في الولايات المتحدة، وعبر الإنترنت في الفترة من 2 إلى 5 مايو (أيار) 2026، ويتم بالتعاون بين الجمعية الأميركية لدراسة أمراض الكبد (AASLD)، ومعهد الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي (AGA)، والجمعية الأميركية لتنظير الجهاز الهضمي (ASGE)، وجمعية جراحة الجهاز الهضمي (SSAT).

ولكن هل إن تأخر وقت تناول الطعام بالليل، أم التوتر النفسي الذي يدفعنار إلى ذلك، هو ما يجعل تناول الوجبات ليلاً، حتى لو كانت خفيفة، غير صحي؟

وفق نتائج هذا البحث، اتضح أنه قد يكون مزيجاً من الاثنين، ما قد يؤثر لا على وزننا فقط، بل أيضاً على صحة أمعائنا، بما في ذلك ميكروبيوم الأمعاء. وأشارت الدراسة، التي أجرتها الدكتورة هاريكا داديجيري، من كلية الطب بجامعة نيويورك، إلى أن توقيت تناول الطعام قد يكون بأهمية نوعية مكوناته نفسها.

وفي التفاصيل، استخدم الباحثون الأميركيون مجموعتي بيانات رئيسيتين، هما المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية NHANES ومشروع الأمعاء الأميركي American Gut Project. وحدد فريق البحث «محور التغذية الزمنية - الإجهاد» Chrononutrition - Stress Axis الذي يقيس كيفية تأثير مستويات الإجهاد على أنماطنا الغذائية وتوقيتها.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون الطعام في وقت متأخر من الليل أكثر عرضة بنسبة 39.3 في المائة للإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء، مثل الإمساك أو الإسهال؛ وذلك مقارنة بنسبة 23.2 في المائة لدى الأشخاص ذوي مستويات الإجهاد النفسي المنخفضة الذين يتناولون الطعام في أوقاتهم المعتادة (قبل 9 مساءً).

كما كان الأفراد الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل Late - Night Snackers، والذين عرّفهم الباحثون بأنهم يستهلكون أكثر من 25 في المائة من كمية كالورى سعراتهم الحرارية اليومية بعد الساعة 9 مساءً، أكثر عرضة للإصابة بمشاكل في الأمعاء بمقدار 1.7 إلى 2.5 مرة.كما أن ارتفاع مستويات الإجهاد الفسيولوجي (المعروف بالحمل التراكمي Allostatic Load) يزيد بشكل مستقل من خطر الإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء. وعندما يقترن ذلك بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، ينتج عنه تأثير سلبي أكبر.

التوتر وتأخير الوجبات

وتشير هذه النتائج إلى أن توقيت الوجبات يمكن أن يغير كيفية تأثير الإجهاد على التواصل بين الدماغ والأمعاء.

وقد يسأل أحدنا، ماذا لو كنت أتناول ليلاً وجبات طعام خفيفة بنوعية وحجم ومكونات صحية؟ تشير نتائج الدراسة إلى أنه حتى عندما لا يستهلك الناس بالضرورة أطعمة غير صحية أو مصنعة، فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل قد يُخلّ بعملية الهضم والساعة البيولوجية للجسم Natural Internal Clock، أو إيقاعها اليومي Circadian Rhythm الذي يستمر 24 ساعة. وكانت أبحاث سابقة قد أظهرت أن اضطراب الإيقاع اليومي (بغض النظر عن السبب) مرتبط بأمراض مزمنة مثل الخرف وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. وقالت الدكتورة داديجيري: «هذه دراسة تُعزز الأبحاث الجارية حول محور التغذية الزمنية وتناول الطعام في أوقات محددة».

ولتوضيح الآثار السلبية للتوتر التنفسي على بكتيريا الأمعاء، أظهر الباحثون في دراستهم حصول انخفاض مُخلّ في تنوع بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص الذين يتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل ويعانون من مستويات عالية من التوتر. وهو ما أثبته الباحثون باستخدام مؤشر شانون Shannon Index لقياس تنوع الميكروبات. وهذا هو الأمر الذي يُقدم دليلاً على أن عادات نمط الحياة قد تُخلّ بالتوازن بين الأمعاء والدماغ. (مؤشر شانون هو مقياس رياضي يستخدم في علم البيئة ونظرية المعلومات لتحديد تنوع أو عدم القدرة على التنبؤ بالنظام. يأخذ في الاعتبار أيضاً الوفرة النسبية لكل فئة في ظل المتوسط الهندسي المرجح).

من جانبها، علقت ميشيل روثنشتاين، اختصاصية التغذية الإكلينيكية المعتمدة في مجال أمراض القلب الوقائية بأنه «رغم أن النتائج لم تكن مفاجئة، فإنها وجدت أن من المثير للاهتمام كيف أن الجمع بين التوتر الشديد وتناول الطعام في وقت متأخر من الليل يُضاعف من تأثيراته على صحة الأمعاء». وقالت إن «الإجهاد الشديد وحده يزيد من احتمالية حدوث اضطرابات في حركة الأمعاء بنسبة 32 في المائة تقريباً، ولكن عندما يقترن بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، يرتفع الخطر إلى زيادة تتراوح بين 1.7 و2.5 ضعف، مما يعزز أهمية التوافق مع الساعة البيولوجية للفرد والاعتراف بمحور الأمعاء والدماغ».

آثار صحية سلبية للأكل بعد 9 مساءً

يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة". ويضيفون:" قد ينجم الجوع الليلي عن:

-عدم تناول كمية كافية من الطعام خلال النهار

-ممارسة الرياضة المسائية (زيادة احتياجات الطاقة)

-عوامل عاطفية (الملل، الوحدة، التوتر)

-التعود على تناول الوجبات الخفيفة بشكل متكرر

-انخفاض تناول الألياف أو البروتين أو الدهون خلال النهار

-حالات صحية تؤثر على تنظيم الجوع".

والواقع أن تناول الطعام بعد الساعة التاسعة مساءً يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم، ما يُبطئ عملية الأيض خلال الليل. ولذا فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل بانتظام قد يُسبب العديد من الآثار الصحية المحددة:

1.زيادة الوزن وتغيرات في عملية الأيض. وذلك من خلال العوامل التالية:

-اضطراب عملية الأيض: وتُشير الساعة البيولوجية للجسم إلى أن عملية الأيض تبلغ ذروتها في الصباح وتتباطأ في الليل. والطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يُهضم بشكل أقل كفاءة، ويزداد احتمال تخزينه على شكل دهون.

-تغيرات هرمونية: تناول الطعام في وقت متأخر يزيد من الشعور بالجوع في اليوم التالي، وقد يُؤثر سلبًا على الهرمونات المنظمة للشهية.

-ارتفاع خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي: وتربط الدراسات بين تناول الطعام في وقت متأخر (مثل العشاء في الساعة التاسعة مساءً) وزيادة مؤشر كتلة الجسم، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وزيادة خطر الإصابة بمتلازمة التمثيل الغذائي.

2.مشاكل الجهاز الهضمي. يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة. ولكن تناول الطعام خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل النوم قد يحفز إفراز الحمض في المعدة. وقد يؤدي الاستلقاء بعد الأكل مباشرة إلى صعود الحمض إلى المريء وحصول الارتجاع المعدي المريئي GERD، مما يسبب الشعور بعدم الراحة والتهيج".

ونظرًا لأن الجهاز الهضمي يُبطئ من وتيرة حركته بشكل طبيعي أثناء النوم، فإن الطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يبقى في المعدة لفترة أطول، ما قد يُفاقم الأعراض لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة القولون العصبي IBS.

3.ارتفاعات سكر الدم. قد يؤدي تناول الطعام عندما يكون الجسم مُهيأً بيولوجيًا للراحة، إلى مقاومة الأنسولين وارتفاع مستويات الغلوكوز والأنسولين خلال الليل. ومع مرور الوقت، قد يزيد تناول الطعام بشكل مُزمن في وقت متأخر من الليل من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. ويقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" إذا كنت مصابًا بداء السكري، يمكن أن يساعد مزيج متوازن من البروتين والألياف والدهون الصحية في الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم".

4.اضطرابات النوم. هضم وجبة دسمة - خاصةً الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون - يُنشّط الجسم وقد يُؤثر على تدني جودة النوم ودورة النوم. وقد يؤدي ذلك إلى نومٍ خفيف، واستيقاظٍ متكرر، وتأخر إفراز هرمونات النوم مثل الميلاتونين.

متى يجب التوقف عن تناول الطعام ليلاً؟

لطالما كان الوقت الأمثل للتوقف عن تناول الطعام خلال اليوم موضع نقاش طبي وغير طبي.

وبالعموم، تؤثر عوامل عديدة على وقت توقف الشخص عن تناول الطعام، مثل الشهية، والعادات، والثقافة، وجداول العمل، والتفضيلات الشخصية، والظروف الاجتماعية.

وقد بحثت دراسات حديثة في توقيت تناول الوجبات وتأثيره على الصحة. ولكنها خلُصت إلى أنه لا يوجد وقت محدد للتوقف عن الأكل ليلاً. ولكنها في نفس الوقت طرحت تأثير الساعة البيولوجية للجسم، التي تعمل على مدار 24 ساعة، في تحديد الشخص أفضل وقت لتناوله الطعام خلال فترة اليوم الكامل، ومتى عليه أن يتوقف، وذلك من خلال تأثيرها على الشعور بالجوع، وامتصاص العناصر الغذائية، وحساسية الأنسولين، والتمثيل الغذائي.

ولذا فإن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم هو الخيار الأمثل.

وللمواءمة مع ساعتك البيولوجية، يُنصح بتناول الطعام خلال فترة لا تتجاوز 8 إلى 12 ساعة يومياً، أي خلال ساعات النهار. وقد يؤدي تناول الطعام خارج هذه الفترة إلى معالجة جسمك للسعرات الحرارية بكفاءة أقل، ما قد يساهم في زيادة الوزن، لأن تناول الطعام على مدار أكثر من 12 ساعة يومياً قد يزيد من خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.

ولكن تجدر ملاحظة أن الصيام المتقطع Intermittent Fasting ، أي تناول الطعام خلال فترة زمنية محددة (غالبًا من 8 إلى 12 ساعة) في أي وقت من اليوم، يختلف قليلًا عن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم. ذلك أن العديد من أنظمة الصيام المتقطع تقترح تخطي وجبة الإفطار وتناول معظم الوجبات في وقت لاحق من اليوم.

وكانت عدة دراسات اكلينيكية قد وجدت أن تخطي وجبة الإفطار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمتلازمة التمثيل الغذائي لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و74 عامًا. وتشير دراسات أخرى إلى أن تناول وجبة إفطار أكبر ووجبة عشاء أصغر قد يؤدي إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم، وتقليل نسبة الدهون في الجسم، وخفض مستوى الجوع.

ولذا قد يساهم تقليص فترة تناول الطعام لتكون في فترة 12 ساعة أو أقل، تبدأ من الصباح، في الحد من تناول الوجبات الخفيفة غير الواعية، وبالتالي خفض إجمالي السعرات الحرارية المتناولة ومنع زيادة الوزن.

* استشارية في الباطنية


كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟
TT

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

أظهرت دراسة نفسية حديثة باحثين في جامعة لينجنان (Lingnan University) في الصين، ونُشرت للمرة الأولى في النصف الثاني من شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، في النسخة الإلكترونية من مجلة الطب النفسي للأطفال والتنمية البشرية (Child Psychiatry & Human Development)، أن تغذية الشعور بالذنب والحرمان العاطفي، يزيدان من احتمالية ظهور أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.

قام الباحثون بدراسة استقصائية على مرحلتين بين عامي 2020 و2021؛ حيث تتبعوا 742 طالباً وطالبة، في المرحلة الإعدادية (من الصف السابع إلى الصف الثامن) في مدرستين حكوميتين. وكان الفاصل الزمني بين فترتَي جمع البيانات عاماً كاملاً، وكانت نسبة الإناث المشاركات 52 في المائة، وكان متوسط سن الطلاب نحو 13 عاماً.

تم سؤال الطلاب المشاركين عن تصوراتهم لأساليب التربية التي يتبعها آباؤهم، ومدى رضاهم عن هذه الأساليب. وقام الباحثون أيضاً بسؤال الطلاب عن تقييمهم لردود أفعالهم تجاه الأساليب المختلفة، وأعراض الاكتئاب، وسلوكيات إيذاء الذات.

4 أنماط من التربية

بناءً على البيانات التي تم جمعها من الطلاب، حدد الفريق البحثي 4 أنماط متميزة لأساليب التربية.

• النمط الأول يسمى «النمط الداعم»، وينتمي له ما يقرب من 44 في المائة من الآباء، وهذا النمط تميز باحترام آراء الأبناء، ومنحهم الاستقلالية الكافية، بالإضافة إلى قلة استخدامهم للرقابة النفسية.

• النمط الثاني يسمى «النمط المختلط المعتدل»، وينتمي له ما يزيد على 33 في المائة من الحالات. وهذا النمط تميز بالتأرجح بين التفهم والتشدد؛ حيث أظهر الآباء أسلوباً تربوياً غير متسق ومحير في الوقت نفسه، ما صعَّب على المراهقين توقع ردود أفعالهم.

• النمط الثالث وهو «النمط المسيطر»، وينتمي له أكثر من 17 في المائة من الآباء. وهذا النمط تميز بمطالبة الآباء للأبناء بالطاعة المطلقة، وسمحوا لهم بأقل قدر من الاستقلالية الشخصية، ولجأوا بشكل متكرر إلى أساليب السيطرة النفسية، مثل تغذية الشعور بالذنب أو الحرمان العاطفي، للضغط على أبنائهم.

• النمط الرابع والأخير، وهو «النمط المختلط المرتفع»، وينتمي له نحو 6 في المائة فقط من الآباء. وهذا النمط تميز بالتلاعب النفسي من قبل الآباء؛ حيث قدموا دعماً سطحياً واستخدموا في الوقت نفسه أساليب السيطرة النفسية، تحت ستار مصلحة الطفل، بطريقة النمط المسيطر نفسها.

وأظهرت نتائج البحث أن استخدام الآباء طرق السيطرة النفسية على أبنائهم -مثل إجبارهم على الطاعة من خلال التلاعب بمشاعر الذنب أو الحرمان العاطفي- يُعد نوعاً من الابتزاز العاطفي، يمكن أن يضعف من قدرة المراهق على تنظيم عواطفه، ما يؤدي بدوره إلى ظهور أعراض الاكتئاب، ويزيد من خطر إيذاء النفس؛ خصوصاً في الفتيات.

وقال الباحثون إن تأثير أنماط التربية على المراهقين يختلف بين الذكور والإناث، نتيجة لكثير من العوامل، مثل العوامل البيولوجية والهرمونية والتنشئة الاجتماعية، بالإضافة للتكوين النفسي لكل جنس. وعلى سبيل المثال، تميل الفتيات إلى اجترار المشاعر السلبية، ما يضخم تأثير السيطرة النفسية الأبوية على صحتهن النفسية، وفي المقابل يميل الذكور إلى إلقاء اللوم على الآخرين، ما يؤدي إلى تخفيف حدة الألم النفسي عليهم.

الاكتئاب وإيذاء النفس

أوضحت الدراسة أن نمط التربية الداعم الذي يحترم استقلالية الطفل، ويقدر التواصل العاطفي، يقلل من خطر حدوث الاكتئاب وإيذاء النفس لدى الأطفال. وفي المقابل أظهرت الأنماط الثلاثة المتعلقة بالسيطرة النفسية، وخصوصاً مجموعة السيطرة الكاملة، ارتباطاً وثيقاً بإيذاء النفس غير الانتحاري بعد عام من الدراسة. ويعتبر إيذاء الجسد -من دون غرض التخلص من الحياة- عملاً لمجرد الشعور بالألم كنوع من الإحساس بالذنب.

وكان نمط التربية المختلطة من الأنماط السيئة للغاية على نفسية المراهقين؛ لأن الإشارات المتضاربة للدعم السطحي، المقترن بالسيطرة النفسية الشديدة، تركتهم في حالة من التشتت الشديد، أكثر سوءاً من النمط المسيطر بشكل واضح، ما انعكس بالسلب على نفسيتهم.

ومن المعروف أن السيطرة النفسية الأبوية، تتسبب في حدوث خلل عاطفي للمراهقين، وهو ما يظهر في سلوكياتهم بعد ذلك، مثل الاندفاعية، والمبالغة في ردود الأفعال، وصعوبة التعامل مع المشاعر السلبية؛ حيث يمهد وجود هذا الخلل العاطفي فترات طويلة لحدوث أعراض الاكتئاب وما يتبعها من إيذاء النفس، وهو ما ظهر واضحاً بشكل خاص بين الإناث المشاركات في الدراسة.

ونصحت الدراسة الآباء بضرورة تحقيق التوازن في تربية المراهقين، بين وضع الحدود والاستقلالية المناسبة والدعم العاطفي. ومن خلال تخفيف السيطرة النفسية عليهم، يمكن للآباء مساعدة أبنائهم على تطوير مهارات تنظيم الانفعالات العاطفية المختلفة.

وأكد الباحثون أن هذه الدراسة تُعد شديدة الأهمية في المجتمعات المتقدمة، التي تتميز بتنافسية كبيرة في الدراسة والعمل؛ لأن الآباء في هذه المجتمعات في الأغلب تكون لديهم طموحات عالية جداً لأبنائهم، وبالتالي يضطرون إلى ممارسة السيطرة النفسية عليهم، كشكل من أشكال الرعاية والمسؤولية، لحثهم على التقدم العلمي والتركيز على العمل.

ونتيجة لهذه القناعات يتصرف الآباء بنوع من القسوة، متخيلين أن هذه التصرفات لصالح الأبناء، ما يؤدي إلى حدوث ضغوط نفسية على الأبناء بشكل غير مقصود. وبدلاً من تحقيق النتائج التعليمية المرجوة، في الأغلب تتسبب هذه التصرفات في حدوث ضرر بالغ للصحة النفسية للطفل، وشعوره بقيمته الذاتية، وتؤثر بالسلب على علاقته بوالديه.

واقترح الباحثون أن تقوم الجهات الصحية بعمل مسح لأسر الطلاب، يمكن من خلاله معرفة أساليب التربية المختلفة، وتحديد المراهقين المعرضين لخطر إيذاء الذات غير الانتحاري والاكتئاب، وتعليمهم كيفية إدارة المشاعر ودعم الصحة النفسية.

* استشاري طب الأطفال