القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة

مخاوف من أضرار المشروب الأعلى تناولاً بعد الماء وثاني أكبر سلعة عالمية بعد البترول

القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة
TT

القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة

القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة

بالرغم من أن «حبوب البن» الطبيعية خالية بالمطلق من أي كمية من الكولسترول، فإن العلاقة بين «مشروب القهوة» والكولسترول ليست بريئة «دائماً».

القهوة والكوليسترول

ولأن القهوة هي المشروب الأعلى تناولاً بعد الماء في كثير من مناطق العالم، وثاني أكبر سلعة متداولة عالمياً بعد البترول، فإن اهتمام الأوساط الطبية بالتأثيرات الصحية لمشروب القهوة هو بالفعل أمر مُتوقع ومُستحق.

ومما تطرحه أوساط البحث العلمي حول علاقة القهوة بالكولسترول هو احتمالات تسبب بعض المواد الكيميائية في مشروب القهوة باضطرابات معدلات كولسترول الدم، وخاصة التسبب بارتفاع الكولسترول الخفيف LDL (الضار).

ومن أهم تلك المواد الكيميائية مركبات الديتربين Diterpene، التي تُصنف كأقوى مركب لرفع الكوليسترول في النظام الغذائي البشري. وتفيد مصادر التغذية الإكلينيكية أن الكافيستول Cafestol والقاهويول Kahweol (من فئة مركبات الديتربين) مسؤولة عن أكثر من 80 في المائة من تأثير القهوة على الكولسترول في الدم، مع آلية لم يتم توضيحها علمياً بالكامل بعد.

وضمن عدد أغسطس (آب) الحالي من مجلة التغذية، والتمثيل الغذائي، وأمراض القلب والأوعية الدموية NMCD، تم عرض أول دراسة من نوعها لباحثين من السويد حول تأثيرات إعداد القهوة باستخدام «آلات تحضير القهوة ذاتية الخدمة» Self-Serve Coffee Machines، التي تستخدم الفلتر المعدني، على ارتفاع الكولسترول. وكانت بعنوان «تركيزات الكافيستول والقاهويول في آلات تحضير القهوة في مكان العمل مقارنة بطرق التحضير التقليدية». وفيها قارن الباحثون بين تركيز وجود هذه المواد الكيميائية في مشروب القهوة المُعد بأحد الطرق المختلفة (سيأتي ذكرها).

أنواع القهوة ومكوناتها

وللإحاطة بجوانب البحث العلمي حول هذا الأمر، دعونا نراجع النقاط المتسلسلة التالية:

1. ثمة نحو 140 نوعاً من أنواع أشجار حبوب البن، من بينها أنواعٌ قليلة (5 في الغالب) تُستخدم في صنع مشروبات القهوة. وهذه الأنواع المختلفة من حبوب البن، وفق اختلاف نوعية الشجرة والبيئة التي نمت فيها ودرجة ترويتها بالماء أثناء الزراعة ومدى الارتفاع عن سطح البحر، تختلف في مكوناتها الكيميائية قبل وبعد التحميص. وفي دراسة تم نشرها ضمن عدد 25 ديسمبر (كانون الأول) الماضي من مجلة التخمير Fermentation، أفاد الباحثون بالقول: «ووفقاً لتقرير (القهوة: الأسواق والتجارة العالمية) الصادر عن وزارة الزراعة الأميركية USDA، من المتوقع أن يبلغ إنتاج القهوة العالمي لعامي 2024/2025 نحو 176.2 مليون كيس، وأن تبلغ الصادرات العالمية 123.1 مليون كيس مع الإمدادات الإضافية، وأن يزيد الاستهلاك بمقدار 3.1 مليون كيس ليصل إلى 170.6 مليون كيس. وبالتالي، يمكن ملاحظة أن تطوير صناعة القهوة لديه القدرة على تقديم مساهمة مهمة في التنمية الاقتصادية المحلية».

2. تُعد القهوة لدى الأوساط الطبية، غذاءً يمتلك «وظائف صحية فائقة ومتنوعة»، وذلك نتيجة التأثيرات الإيجابية الصحية للمكونات الكيميائية فيها. وهذه المكونات نشطة بيولوجياً بشكل كبير كما تقترحه العديد من الدراسات العلمية. وبإمكانها المساهمة في تخفيف ارتفاع ضغط الدم، ومعالجة مرض السكري، وتعزيز الوظيفة الإدراكية، وتخفيف مرض ألزهايمر، وتخفيف القلق، وعلاج قصور القلب الاحتقاني، واختلال وظائف الكلى.

ويعتبر شرب القهوة يومياً جزءاً من نظام غذائي صحي. وتحديداً، الأشخاص الذين يشربون من 2 إلى 3 أكواب من القهوة يومياً أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب. وخطر الإصابة بالسكتة الدماغية أو الوفاة المرتبطة بأمراض القلب لديهم أقل، مقارنةً بمن لا يشربونها. ولذا يُعد شرب القهوة بانتظام يومياً آمناً لمرضى القلب والأوعية الدموية، ولا ينبغي تثبيط الأشخاص الذين يعانون من مشكلات قلبية حالية عن شرب القهوة.

المعالجة الإنتاجية

3. تمر حبوب البن بسلسلة من عمليات «المعالجة الإنتاجية»، من حين قطفها إلى إعداد مشروب القهوة. والمراحل الرئيسية في «المعالجة الإنتاجية» تشمل:

تخمير حبوب البن، تحميص حبوب البن، إعداد مشروب القهوة.

وخلال هذه المراحل تتغير المكونات الكيميائية في القهوة كثيراً، مما يُعزز ملاحظة اختلاف النكهة والطعم فيما بين حبوب القهوة الخضراء ومشروب القهوة البني اللون (بدرجات متفاوتة في غُمق اللون). وأظهرت الدراسات السابقة أن تكوين نكهات القهوة المعقدة هو نتيجة لتفاعل العديد من العوامل، مثل نوع القهوة والظروف البيئية للزراعة، وآلية القطف، وعملية التخمير، والتحميص، والتخزين، وما إلى ذلك. ولكن الأمر لا يقتصر على النكهة فقط، بل أيضاً التأثيرات الصحية المفيدة.

4. خلال تخمير Fermentation حبوب القهوة تتفاعل كائنات دقيقة مختلفة (فطريات، بكتيريا) مع مكونات حبوب البن الخضراء. والطرق الرئيسية للتخمير إما الطريقة الجافة، أو الرطبة، أو شبه الجافة. ووفقاً للتقارير العلمية، يتم خلالها تحسين جودة القهوة عبر تنشيط تفاعلات الأحماض العضوية والكحول والإسترات والكيتونات والألدهيدات ومركبات أخرى خلال التخمير. وبالتالي، تختلف مكونات القهوة بشكل كبير باختلاف طرق المعالجة الأولية. وعلى سبيل المثال، تكون السكريات منخفضة الوزن الجزيئي في طريقة المعالجة الرطبة أقل بكثير منها في المعالجة الجافة، بينما تكون أحماض الجلوتاميك والأسبارتيك أعلى.

5. ضمن دراسة بعنوان «تأثير التحميص على التركيب الكيميائي للقهوة» لباحثين من جامعة ساو باولو، تم نشرها في عدد 15 يونيو (حزيران) الماضي من مجلة «كيمياء الأغذية» Food Chemistry، قالوا: «تُغير أنماط التحميص التركيب الكيميائي لحبوب البن بشكل كبير. والآليات الكامنة وراء تطور رائحة ولون القهوة أثناء التحميص معقدة، وغير مفهومة تماماً، وتتضمن تفاعلات كيميائية مترابطة ومتعددة».

وخلال عملية التحميص تحصل بفعل «الحرارة» عدة تفاعلات كيميائية بين المواد الكيميائية داخل حبوب البن. ومنها تفاعل الكراميل Caramelization Reaction (بين سكريات وسكريات أخرى) وتفاعل ميلارد Maillard Reaction (بين سكريات وبروتينات). كما تتغير بعض المركبات الكيميائية إلى مركبات أخرى بنكهة وروائح عطرية مختلفة لم تكن من قبل في حبوب البن الخضراء. وتتأثر أيضاً تركيزات عدة مواد، مثل درجة الحموضة التي تخف مع زيادة التحميص، وكذلك تقل كمية الكافيين أيضاً مع ازدياد غُمق لون حبوب البن المُحمصّة. وتحديداً، كمية الكافيين في حبوب القهوة المُحمصّة الغامقة (التي يظهر زيت على سطحها) هي ربع كميتها في حبوب القهوة المُحمصة بدرجة باهتة (التي لا يظهر زيت على سطحها).

إعداد مشروب القهوة

6. هناك عدة طرق لإعداد مشروب القهوة. وكلها تعتمد على مزج مسحوق القهوة (باختلاف درجة التحميص واختلاف شدة الطحن والتفتيت) مع الماء بالحرارة، لاستخلاص مشروب يحتوي على خلاصة المركبات الكيميائية الموجودة في مسحوق القهوة. وصحيح أن كل طريقة تُضفي نكهةً فريدةً ورائحةً مميزةً لمشروب القهوة الساخن، ولكن الأهم أنها تتسبب إما بارتفاع أو انخفاض وجود عدد من المركبات الكيميائية في مشروب القهوة النهائي. وتشمل طرق إعداد القهوة:

- آلات تحضير القهوة التي تستخدم الفلتر الورقي: آلات القهوة بالتنقيط Drip Coffee

- آلات تحضير القهوة التي تستخدم الفلتر المعدني: قهوة الفرينش بريس French Press، آلات تحضير القهوة في مكان العمل Workplace Coffee Machines

- آلات تحضير القهوة التي تستخدم الفلتر المعدني مع الضغط الحراري: قهوة إسبريسو Espresso Coffee، قهوة المصفاة Percolate Coffee،

- قهوة الدلة أو الجزوة: إعداد القهوة بمزج مسحوق البن (إما بلون أشهب أو بني غامق) مع الماء البارد في وعاء. ثم تسخينه ببطء حتى تتكون رغوة، إما دون أن يغلي أو أن يغلي، مع ترسّب بقايا مطحون القهوة في القاع.

7. قال الباحثون السويديون في دراستهم الحديثة: «تختلف كمية الديتربينات الضارة، مثل الكافستول والقاهويول، اختلافاً كبيراً باختلاف الآلة وطريقة التخمير، وقد يُؤدّي مُكثرو شرب القهوة إلى رفع مستويات الكوليسترول الضار لديهم دون علمهم». وقال الدكتور ديفيد إيغمان، الباحث في جامعة أوبسالا بالسويد، الذي قاد الدراسة: «عملية الترشيح ضرورية لوجود هذه المواد التي ترفع الكوليسترول في القهوة. ومن الواضح أن ليس كل آلات القهوة قادرة على تصفيتها. لكن المشكلة تختلف باختلاف أنواع آلات القهوة، كما أظهرت التركيزات اختلافات كبيرة بمرور الوقت (دون إجراء عمليات التنظيف)».

وكشفت الدراسة السويدية الجديدة أن العديد من آلات القهوة الشائعة التي تستخدم الفلتر المعدني، لا تُفلتر المركبات المُسببة لارتفاع الكوليسترول الموجودة في القهوة، بل تُخلّف أحياناً مستويات أعلى حتى من تلك المُوجودة في الإسبريسو أو آلة الضغط الفرنسية.

احتمالات تسبّب بعض المواد الكيميائية في مشروب القهوة بارتفاع الكولسترول الخفيف الضار

تركيزات عالية ضارة

8. بالنسبة لمدى وجود مركبات «ديتيربين» قال الباحثون: «تحتوي معظم أنواع القهوة المُحضّرة في أماكن العمل على تركيزات ديتيربين أعلى من القهوة المُفلترة بالورق، ولكنها أقل من القهوة غير المُفلترة (القهوة التركية مثلاً). وقد يكون تناول قهوة غير مُفلترة بشكل كافٍ خلال ساعات العمل، عاملاً يتم إهمال التنبه لتأثيره على صحة القلب والأوعية الدموية، وذلك نظراً لتأثير مادة «ديتيربين» (السلبية) على تركيزات الكوليسترول في الدم».

وفي التفاصيل قال الباحثون: «بلغ متوسط تركيزات الكافيستول والقاهويول 176 ملغم/لتر لآلات التحضير الذاتي للقهوة، و12 ملغم/لتر للقهوة المنزلية المفلترة بالورق. واحتوت القهوة المغلية (مطحون البن مع الماء) على تركيزات عالية من الكافيستول والقاهويول، 939 ملغم/لتر، ولكن سكبها (في القدح) عبر مرشح قماشي (أو مُرشّح ليفي) قلل التركيزات إلى21 ملغم/لتر. وتحتوي أنواع أخرى من القهوة (الماكينة المرشحة، والماكينة الفرنسية) على مستويات متوسطة من الكافيستول (نحو 90 ملغم/لتر) والقاهويول (نحو 70 ملجم/لتر)، باستثناء بعض عينات الإسبر يسو ذات المستويات العالية (تصل إلى 2447 ملغم/لتر من الكافيستول)».

9. هذه الدراسة الحديثة تمثل جانباً مما تلاحظه أوساط البحث العلمي الطبي أن ثمة «احتمالات» لارتباط شرب القهوة بارتفاع معدلات الكولسترول في الدم عند «بعض الظروف» ومع «بعض الطرق»، ولا تزال تحاول استكشاف المزيد من التوضيحات حول هذا الأمر. وسبب استخدام عبارة «عند بعض الظروف ومع بعض الطرق» هو لوجود فرق «شاسع» في المكونات الكيميائية بين «حبوب البن» الطبيعية الخضراء وبين «مشروب القهوة» الذي يصلنا في قدح القهوة في صناعة أوجه مختلفة للعلاقة بين القهوة والكولسترول. وذلك لأن:

- ثمة فروق بين المكونات الكيميائية في الأنواع المختلفة من أنواع حبوب البن.

- ثمة عدة «ظروف» تمر بها حبوب البن خلال المراحل الإنتاجية لحبوب البن.

- ثمة عدة «ظروف» تمر بها حبوب البن خلال مراحل تحميص حبوب البن، ودرجة خشونة مطحون البن.

- ثمة عدة «طرق» مختلفة لتحضير مشروب القهوة من مطحون حبوب البن المحمصة.


مقالات ذات صلة

الرحلات البحرية والصحة... كيف تتجنب العدوى والمخاطر؟

صحتك السفينة السياحية «إم في هونديوس» التي تأثرت بتفشي فيروس «هانتا» (رويترز) p-circle

الرحلات البحرية والصحة... كيف تتجنب العدوى والمخاطر؟

تُعدّ الرحلات البحرية تجربة فريدة تجمع بين الترفيه والاسترخاء واستكشاف وجهات متعددة في رحلة واحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك النظام الغذائي الغني بالأسماك التي تحتوي على أحماض أوميغا-3 يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف (بيكسلز)

من «فيتامين ب» إلى الجنكة...هل يمكن حقاً تحسين الذاكرة بالمكملات الغذائية؟

تنتشر في الأسواق ووسائل الإعلان وعودٌ جذابة حول مكملات «تعزيز الدماغ»، مثل تحسين الذاكرة وزيادة التركيز ورفع القدرات الذهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض الأخطاء غير المقصودة من قبل الأهل قد تؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة (بيكسلز)

أطباء يحذّرون: 4 ممارسات يقوم بها الآباء قد تُقصّر عمر الأطفال

التربية ليست مجرد خبرة متوارثة عبر الأجيال، بل هي عملية معقّدة تتداخل فيها المعرفة العلمية مع العادات الاجتماعية والثقافية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك عدد من عبوات مشروبات الطاقة (أرشيفية - رويترز)

أطعمة ومشروبات قد تسبب لك الجفاف

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن ما تأكله وتشربه يلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على ترطيب جسمك، فالأطعمة الغنية بالصوديوم والسكر والكافيين يمكن أن تساهم في حدوث الجفاف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك الكولاجين يساعد الجلد على البقاء مشدوداً (بيكسلز)

أربعة تغيرات في الوجه قد تعني معاناة جسمك من نقص البروتين

إذا كان وجهك يبدو مؤخراً مختلفاً بعض الشيء عن مظهره المعتاد، وأصبح يبدو أكثر إرهاقاً أو جفافاً، أو أنحف من المعتاد، فقد يعني ذلك أنك تعاني من نقص البروتين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دواء جديد يوقف تقدُّم سرطان الكلى

علاج جديد يوقظ المناعة في مواجهة السرطان (جامعة وايل كورنيل)
علاج جديد يوقظ المناعة في مواجهة السرطان (جامعة وايل كورنيل)
TT

دواء جديد يوقف تقدُّم سرطان الكلى

علاج جديد يوقظ المناعة في مواجهة السرطان (جامعة وايل كورنيل)
علاج جديد يوقظ المناعة في مواجهة السرطان (جامعة وايل كورنيل)

أظهرت دراسة سريرية أميركية نتائج مُشجِّعة لدواء مناعي تجريبي جديد، قد يمثّل خطوة مهمّة في علاج سرطان الكلى المتقدِّم.

وأوضح باحثون من جامعة ييل أن الدواء الجديد نجح في تقليص الأورام وإيقاف تقدم المرض لدى عدد من المرضى. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «تقارير طبّ الخلية».

ويُعدّ سرطان الكلى المتقدّم مرحلة متطوّرة من المرض؛ إذ يمتدّ الورم خارج الكلية أو ينتشر إلى أعضاء أخرى، مثل الرئتين أو العظام أو الكبد. وفي هذه المرحلة يصبح العلاج أكثر تعقيداً، إذ لا تكون الجراحة وحدها كافية، ويعتمد الأطباء عادة على علاجات جهازية، مثل العلاج المناعي، للسيطرة على نمو المرض وإبطاء انتشاره.

واختبر الفريق نوعاً جديداً من العلاج المناعي على أكثر من 100 مريض مصابين بأنواع مختلفة من السرطان بين عامَي 2021 و2024، وكان معظمهم قد أُخضعوا لعلاجات متعدّدة من دون تحقيق استجابة فعّالة. وركزت الدراسة بشكل خاص على سرطان الخلايا الكلوية المتقدّم، وهو أكثر أنواع سرطان الكلى شيوعاً وعدوانية.

وشملت التجربة 22 مريضاً مصابين بهذا النوع من السرطان، وكانت أورامهم قد استمرَّت في التقدُّم رغم تلقّي العلاجات القياسية. وأظهرت النتائج أنّ الدواء أدى إلى شفاء كامل لدى مريض واحد، وإلى تقليص حجم الأورام لدى مريضَيْن آخرَيْن، فيما استقرّ المرض لدى 3 مرضى لمدّة طويلة، وصلت في إحدى الحالات إلى 25 شهراً.

ويعتمد العلاج المناعي على تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية، وإنما الأورام غالباً ما تتجنَّب الهجوم المناعي عبر استغلال ما يُعرف بـ«الفرامل المناعية»، وهي آليات طبيعية تمنع الجهاز المناعي من العمل بشكل مفرط قد يسبب التهابات أو أمراضاً مناعية.

وتعمل بعض العلاجات المناعية الحديثة على تعطيل هذه «الفرامل»، بما يسمح للخلايا المناعية بمهاجمة الورم بشكل أكثر فاعلية.

ويستهدف الدواء الجديد بروتيناً يُعرف باسم «إتش بي كيه 1»، وهو أحد العوامل التي تكبح نشاط الخلايا المناعية، بما في ذلك الخلايا التائية. ويوجد هذا البروتين داخل أنواع متعدّدة من الخلايا المناعية، ممّا يجعل استهدافه تحدياً علمياً معقّداً.

وأشار الباحثون إلى أنّ هذا التحدّي يعود إلى وجود البروتين داخل الخلية وليس على سطحها، بالإضافة إلى تشابه تركيبه مع بروتينات أخرى أساسية، ممّا صعّب تطوير دواء يستهدفه بدقة من دون التأثير في وظائف خليوية أخرى.

ومع ذلك، تمكّن الفريق من تطوير عقار قادر على الدخول إلى الخلايا المناعية وتعطيل بروتين «إتش بي كيه 1»، ممّا أسهم في استعادة الجهاز المناعي قدرته على مهاجمة الخلايا السرطانية.

وللتأكد من دقة الاستهداف، استخدم الباحثون عيّنات دم من المرضى لتطوير اختبار يقيس المؤشرات الحيوية المرتبطة بتثبيط البروتين، وأظهرت النتائج أنّ الدواء نجح بالفعل في تعطيله داخل الخلايا التائية.

وخلص الباحثون إلى أنّ هذه النتائج تمثّل خطوة مهمّة نحو تطوير علاجات مناعية أكثر فاعلية، قد تُسهم مستقبلاً في السيطرة على السرطان، وربما تحقيق معدلات شفاء أعلى لدى المرضى المصابين بأورام متقدّمة.


ضمادة ذكية تراقب جروح مرضى السكري وتحذّر من خطر البتر

ضمادة صغيرة قد تُنقذ قدماً من البتر (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
ضمادة صغيرة قد تُنقذ قدماً من البتر (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

ضمادة ذكية تراقب جروح مرضى السكري وتحذّر من خطر البتر

ضمادة صغيرة قد تُنقذ قدماً من البتر (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
ضمادة صغيرة قد تُنقذ قدماً من البتر (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

طوَّر باحثون من المعهد الكوري المتقدّم للعلوم والتكنولوجيا ضمادة ذكية مبتكرة قادرة على مراقبة جروح القدم السكري بشكل لحظي، من دون الحاجة إلى إجراءات مؤلمة.

وأوضحوا أن هذه التقنية قد تُسهم في الحدّ من المضاعفات الخطيرة التي قد تصل إلى بتر الأطراف لدى مرضى السكري. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «المواد الوظيفية المتقدّمة».

وتُعدّ قرح القدم السكري من أخطر المضاعفات المزمنة المرتبطة بمرض السكري، إذ تنشأ غالباً نتيجة ضعف تدفُّق الدم وتلف الأعصاب في القدمين، ما يقلّل من قدرة المريض على الإحساس بالجروح أو الالتهابات في مراحلها المبكرة. وقد تبدأ الحالة بجرح بسيط أو تقرح صغير، لكنه قد يتفاقم سريعاً بسبب بطء التئام الأنسجة وارتفاع خطر العدوى، وهو ما قد يؤدّي، في الحالات المتقدّمة، إلى تلف الأنسجة أو البتر إذا لم يجرَ التدخل الطبّي في الوقت المناسب.

وانطلاقاً من هذه المخاطر، عمل الباحثون على تطوير تقنية تتيح مراقبة الجروح بشكل مستمر ودقيق، ومن دون الحاجة إلى إجراءات جراحية أو فحوص مؤلمة.

وتجمع الضمادة الجديدة بين مستشعر بصري إلكتروني متطور وضمادة وظيفية تعتمد على ألياف نانوية فائقة الدقة، قادرة على قياس مؤشرات حيوية عدّة في وقت واحد، تشمل مستوى الغلوكوز ودرجة الحموضة ودرجة حرارة الجرح. ويتيح ذلك تحليل حالة الإصابة بشكل فوري عبر تطبيق على الهاتف الذكي.

واعتمد الفريق على تقنية متقدّمة لإنتاج الألياف النانوية المستخدمة في تصنيع الضمادة، إذ تتغيَّر ألوانها تلقائياً عند ارتفاع مستوى الغلوكوز أو حدوث تغيرات في درجة الحموضة، وهي مؤشرات ترتبط عادة بتفاقم قرح القدم السكري.

وأشار الباحثون إلى أن هذا التغير اللوني يتيح رصد العلامات التحذيرية بسهولة بالعين المجرّدة، ما يساعد على اكتشاف تدهور حالة الجرح مبكراً قبل وصوله إلى مراحل خطيرة، مثل تلف الأنسجة أو النخر، ومن دون الحاجة إلى سحب عيّنات دم أو إجراء فحوص جراحية.

ولتعزيز دقّة التشخيص، دمج الفريق داخل الرقعة الذكية نظاماً بصرياً إلكترونياً يتكون من صمام ثنائي باعث للضوء ومستشعر ضوئي يقيس انعكاس الضوء الناتج عن تغير لون الضمادة، ثم يحوّل هذه الإشارات إلى بيانات إلكترونية دقيقة.

وأظهرت النتائج أنّ هذه التقنية توفر بيانات أكثر استقراراً ودقة مقارنة بوسائل التصوير التقليدية المعتمدة على الكاميرات، إذ إنها أقل تأثراً بتغير الإضاءة المحيطة.

ومن أبرز مزايا هذا الابتكار أنه يعمل من دون بطارية، إذ يعتمد على تقنية الاتصال قريب المدى، فتحصل الرقعة على الطاقة لاسلكياً عند تقريب الهاتف الذكي منها، ثم تُرسل البيانات مباشرة إلى التطبيق المخصَّص. وبذلك يمكن للمرضى والأطباء متابعة حالة الجرح بشكل لحظي باستخدام الهاتف فقط.

ووفق الباحثين، فإنّ هذه التقنية تمتلك قيمة سريرية كبيرة، إذ تجمع بين المؤشرات البصرية السهلة والبيانات الإلكترونية الدقيقة، مع تقليل العبء الجسدي على المرضى. كما قد تُسهم في تحسين جودة حياة المصابين بالسكري عبر إتاحة مراقبة مستمرة للجروح دون الحاجة إلى تكرار وخز الإصبع أو سحب عيّنات الدم.


الرحلات البحرية والصحة... كيف تتجنب العدوى والمخاطر؟

السفينة السياحية «إم في هونديوس» التي تأثرت بتفشي فيروس «هانتا» (رويترز)
السفينة السياحية «إم في هونديوس» التي تأثرت بتفشي فيروس «هانتا» (رويترز)
TT

الرحلات البحرية والصحة... كيف تتجنب العدوى والمخاطر؟

السفينة السياحية «إم في هونديوس» التي تأثرت بتفشي فيروس «هانتا» (رويترز)
السفينة السياحية «إم في هونديوس» التي تأثرت بتفشي فيروس «هانتا» (رويترز)

تُعدّ الرحلات البحرية تجربة فريدة تجمع بين الترفيه والاسترخاء واستكشاف وجهات متعددة في رحلة واحدة. غير أن هذا النوع من السفر، رغم جاذبيته، يحمل مجموعة من التحديات الصحية المحتملة؛ أبرزها ارتفاع خطر انتقال العدوى والأمراض في البيئات المغلقة والمزدحمة. لذلك، فإن الاستعداد الصحي الجيد قبل الرحلة، والالتزام بعادات وقائية أثناءها، يُشكلان عنصرين أساسيين لضمان تجربة آمنة وممتعة بعيداً عن أي اضطرابات صحية.

ويصف الخبراء السفنَ السياحية بأنها «مدن عائمة»، إذ تضم آلاف الركاب من مختلف أنحاء العالم في مساحة مغلقة يتشاركون فيها الأسطح نفسها والهواء نفسه لفترات طويلة. وهذا النمط من التفاعل يزيد من احتمالات انتشار بعض الأمراض المعدية، مثل الإنفلونزا، و«كوفيد-19»، وفيروس الجهاز التنفسي المخلوي (RSV)، وفيروس «نورو»، إضافة إلى بكتيريا الليجيونيلا.

كما أعادت حالات تفشٍّ حديثة، من بينها انتشار فيروس «هانتا» على متن سفينة سياحية هولندية، تسليط الضوء على المخاطر الصحية المحتملة في هذا النوع من الرحلات. ولا تقتصر المخاطر على العدوى فقط، بل قد تشمل أيضاً دوار البحر، والجفاف، وحروق الشمس، وهي مشكلات شائعة يمكن أن تؤثر على راحة المسافرين.

ومع ذلك، يمكن تقليل هذه المخاطر بشكل كبير من خلال التحضير المسبق واتباع ممارسات صحية سليمة أثناء الرحلة، ما يتيح للمسافرين الاستمتاع بتجربتهم البحرية بأمان وطمأنينة، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

كيف تستعد لرحلة بحرية صحية؟

يبدأ التخطيط الصحي للرحلة البحرية قبل أسابيع، وأحياناً أشهر من موعد السفر، لضمان الجاهزية الكاملة، وتفادي أي مفاجآت صحية أثناء الرحلة.

الحصول على التطعيمات قبل 4 إلى 6 أسابيع من السفر

توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بمراجعة اختصاصي الرعاية الصحية قبل السفر بما لا يقل عن 4 إلى 6 أسابيع، للتأكد من استكمال جميع التطعيمات الضرورية.

قد تشمل هذه التطعيمات لقاح الإنفلونزا ولقاح «كوفيد-19»، في حين قد يحتاج بعض المسافرين الأكثر عرضة للمضاعفات إلى لقاح الفيروس المخلوي التنفسي (RSV). كما يمكن للطبيب تقديم توصيات إضافية مرتبطة بالوجهة أو طبيعة الرحلة، بما في ذلك أدوية وقائية حسب الحاجة.

ضبط جدول النوم قبل الرحلة

في كثير من الحالات، يتطلب الوصول إلى ميناء الانطلاق السفر جواً، ما قد يؤدي إلى اضطراب في الإيقاع اليومي للنوم، خاصة عند السفر عبر عدة مناطق زمنية. ويؤدي هذا الاضطراب، المعروف بـ«اضطراب الرحلات الجوية الطويلة»، إلى الشعور بالإرهاق، واضطرابات في الجهاز الهضمي، وصعوبة في النوم لعدة أيام.

ولتقليل هذه الآثار، يُنصح بتعديل مواعيد النوم تدريجياً قبل السفر بفترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام، بحيث يتأقلم الجسم مع التوقيت الزمني للوجهة.

تجهيز حقيبة صحية للسفر

من المهم إعداد حقيبة طبية شخصية قبل الصعود إلى السفينة، لأن بعض الأدوية على متنها قد تكون محدودة أو مرتفعة التكلفة. ومن أبرز المستلزمات الصحية:

- الأدوية الموصوفة في عبواتها الأصلية

- أدوية دوار البحر

- مسكنات الألم وخافضات الحرارة مثل إيبوبروفين

- مضادات الحموضة

- أدوية مضادة للإسهال

- مستلزمات إسعافات أولية مثل الضمادات اللاصقة

وفي حال المعاناة من دوار البحر بشكل متكرر، يمكن استشارة الطبيب بشأن اللصقات التي تُوضع خلف الأذن وتوفر فاعلية تمتد لعدة أيام.

اختيار المقصورة المناسبة

رغم أن الميزانية تلعب دوراً رئيسياً في اختيار المقصورة، فإن الموقع داخل السفينة قد يؤثر أيضاً على الراحة الصحية، فالمقصورات الواقعة في الطوابق السفلى أو في منتصف السفينة تكون عادةً أكثر استقراراً، ما قد يُخفف من أعراض دوار البحر لدى بعض المسافرين.

أهمية التأمين على السفر

على الرغم من أن التأمين على السفر ليس إلزامياً، فإنه يُعد خياراً عملياً وذكياً، خصوصاً في الرحلات البحرية. فتكاليف الرعاية الطبية على متن السفن قد تكون مرتفعة، وقد تتجاوز تكلفة الإجلاء الطبي الجوي في الحالات الطارئة 200 ألف دولار، ما يجعل التأمين وسيلة مهمة لتقليل المخاطر المالية والصحية.

عادات صحية أثناء الرحلة البحرية

بعد الاستعداد الجيد قبل السفر، تأتي أهمية الالتزام بالعادات الصحية اليومية على متن السفينة لضمان رحلة آمنة وخالية من المشكلات.

تنظيف الأسطح في المقصورة

يُنصح فور دخول المقصورة باستخدام مناديل مطهّرة لمسح الأسطح الأكثر استخداماً، مثل مقابض الأبواب، ومفاتيح الإضاءة، وأجهزة التحكم عن بُعد، إذ تُعد هذه المناطق بيئة شائعة لتجمع الجراثيم.

غسل اليدين بانتظام

تشير دراسة حديثة إلى أن واحداً فقط من كل 20 راكباً يلتزم بشكل صحيح بإجراءات نظافة اليدين على متن السفن السياحية، رغم أهميتها الكبيرة في الوقاية من العدوى.

وينصح الخبراء بغسل اليدين في الحالات التالية:

- قبل تناول الطعام

- بعد العودة إلى السفينة من الموانئ

- عند دخول المقصورة

- بعد لمس الأسطح كثيرة الاستخدام مثل المصاعد ودرابزين السلالم

ويُعتبر الصابون الخيار الأفضل مقارنة بمعقم اليدين، رغم أن المعقم يظل بديلاً مهماً عند عدم توفر الماء والصابون.

الحفاظ على تغذية متوازنة

رغم أجواء الإجازة التي تشجع على الإفراط في الطعام، فإن الاعتدال يظل ضرورياً لتجنب المشكلات الصحية. ويُنصح بما يلي:

- تجنب الإفراط في تناول الطعام من البوفيهات

- الابتعاد عن الأطعمة الدسمة والحارة إذا كنت تعاني من دوار البحر

- توخي الحذر عند تناول الطعام في الموانئ المحلية بسبب اختلاف معايير النظافة

شرب كميات كافية من الماء

الترطيب عنصر أساسي للحفاظ على الصحة خلال الرحلة، فشرب الماء يساعد على دعم جهاز المناعة، وتقليل الغثيان، وحماية البشرة من تأثيرات الشمس.

وتوفر معظم السفن الحديثة محطات مياه مخصصة، مع طلب استخدام الأكواب بدلاً من ملامسة زجاجة المياه مباشرة للفوهة، بهدف تقليل انتقال الجراثيم.

قائمة مستلزمات لرحلة بحرية صحية

- معقم يدين للاستخدام المتكرر

- مناديل مطهّرة للأسطح

- واقي شمس بعامل حماية لا يقل عن 15

- طارد حشرات، خاصة في المناطق الاستوائية

- كمامات «N95» أو «KN95» للأماكن المغلقة

- أحذية مريحة للمشي لمسافات طويلة

- زجاجة ماء قابلة لإعادة الاستخدام

- مروحة صغيرة محمولة لتحسين التهوية داخل المقصورة وتقليل الرطوبة