القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة

مخاوف من أضرار المشروب الأعلى تناولاً بعد الماء وثاني أكبر سلعة عالمية بعد البترول

القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة
TT

القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة

القهوة والكولسترول... علاقة ربما ليست بريئة

بالرغم من أن «حبوب البن» الطبيعية خالية بالمطلق من أي كمية من الكولسترول، فإن العلاقة بين «مشروب القهوة» والكولسترول ليست بريئة «دائماً».

القهوة والكوليسترول

ولأن القهوة هي المشروب الأعلى تناولاً بعد الماء في كثير من مناطق العالم، وثاني أكبر سلعة متداولة عالمياً بعد البترول، فإن اهتمام الأوساط الطبية بالتأثيرات الصحية لمشروب القهوة هو بالفعل أمر مُتوقع ومُستحق.

ومما تطرحه أوساط البحث العلمي حول علاقة القهوة بالكولسترول هو احتمالات تسبب بعض المواد الكيميائية في مشروب القهوة باضطرابات معدلات كولسترول الدم، وخاصة التسبب بارتفاع الكولسترول الخفيف LDL (الضار).

ومن أهم تلك المواد الكيميائية مركبات الديتربين Diterpene، التي تُصنف كأقوى مركب لرفع الكوليسترول في النظام الغذائي البشري. وتفيد مصادر التغذية الإكلينيكية أن الكافيستول Cafestol والقاهويول Kahweol (من فئة مركبات الديتربين) مسؤولة عن أكثر من 80 في المائة من تأثير القهوة على الكولسترول في الدم، مع آلية لم يتم توضيحها علمياً بالكامل بعد.

وضمن عدد أغسطس (آب) الحالي من مجلة التغذية، والتمثيل الغذائي، وأمراض القلب والأوعية الدموية NMCD، تم عرض أول دراسة من نوعها لباحثين من السويد حول تأثيرات إعداد القهوة باستخدام «آلات تحضير القهوة ذاتية الخدمة» Self-Serve Coffee Machines، التي تستخدم الفلتر المعدني، على ارتفاع الكولسترول. وكانت بعنوان «تركيزات الكافيستول والقاهويول في آلات تحضير القهوة في مكان العمل مقارنة بطرق التحضير التقليدية». وفيها قارن الباحثون بين تركيز وجود هذه المواد الكيميائية في مشروب القهوة المُعد بأحد الطرق المختلفة (سيأتي ذكرها).

أنواع القهوة ومكوناتها

وللإحاطة بجوانب البحث العلمي حول هذا الأمر، دعونا نراجع النقاط المتسلسلة التالية:

1. ثمة نحو 140 نوعاً من أنواع أشجار حبوب البن، من بينها أنواعٌ قليلة (5 في الغالب) تُستخدم في صنع مشروبات القهوة. وهذه الأنواع المختلفة من حبوب البن، وفق اختلاف نوعية الشجرة والبيئة التي نمت فيها ودرجة ترويتها بالماء أثناء الزراعة ومدى الارتفاع عن سطح البحر، تختلف في مكوناتها الكيميائية قبل وبعد التحميص. وفي دراسة تم نشرها ضمن عدد 25 ديسمبر (كانون الأول) الماضي من مجلة التخمير Fermentation، أفاد الباحثون بالقول: «ووفقاً لتقرير (القهوة: الأسواق والتجارة العالمية) الصادر عن وزارة الزراعة الأميركية USDA، من المتوقع أن يبلغ إنتاج القهوة العالمي لعامي 2024/2025 نحو 176.2 مليون كيس، وأن تبلغ الصادرات العالمية 123.1 مليون كيس مع الإمدادات الإضافية، وأن يزيد الاستهلاك بمقدار 3.1 مليون كيس ليصل إلى 170.6 مليون كيس. وبالتالي، يمكن ملاحظة أن تطوير صناعة القهوة لديه القدرة على تقديم مساهمة مهمة في التنمية الاقتصادية المحلية».

2. تُعد القهوة لدى الأوساط الطبية، غذاءً يمتلك «وظائف صحية فائقة ومتنوعة»، وذلك نتيجة التأثيرات الإيجابية الصحية للمكونات الكيميائية فيها. وهذه المكونات نشطة بيولوجياً بشكل كبير كما تقترحه العديد من الدراسات العلمية. وبإمكانها المساهمة في تخفيف ارتفاع ضغط الدم، ومعالجة مرض السكري، وتعزيز الوظيفة الإدراكية، وتخفيف مرض ألزهايمر، وتخفيف القلق، وعلاج قصور القلب الاحتقاني، واختلال وظائف الكلى.

ويعتبر شرب القهوة يومياً جزءاً من نظام غذائي صحي. وتحديداً، الأشخاص الذين يشربون من 2 إلى 3 أكواب من القهوة يومياً أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب. وخطر الإصابة بالسكتة الدماغية أو الوفاة المرتبطة بأمراض القلب لديهم أقل، مقارنةً بمن لا يشربونها. ولذا يُعد شرب القهوة بانتظام يومياً آمناً لمرضى القلب والأوعية الدموية، ولا ينبغي تثبيط الأشخاص الذين يعانون من مشكلات قلبية حالية عن شرب القهوة.

المعالجة الإنتاجية

3. تمر حبوب البن بسلسلة من عمليات «المعالجة الإنتاجية»، من حين قطفها إلى إعداد مشروب القهوة. والمراحل الرئيسية في «المعالجة الإنتاجية» تشمل:

تخمير حبوب البن، تحميص حبوب البن، إعداد مشروب القهوة.

وخلال هذه المراحل تتغير المكونات الكيميائية في القهوة كثيراً، مما يُعزز ملاحظة اختلاف النكهة والطعم فيما بين حبوب القهوة الخضراء ومشروب القهوة البني اللون (بدرجات متفاوتة في غُمق اللون). وأظهرت الدراسات السابقة أن تكوين نكهات القهوة المعقدة هو نتيجة لتفاعل العديد من العوامل، مثل نوع القهوة والظروف البيئية للزراعة، وآلية القطف، وعملية التخمير، والتحميص، والتخزين، وما إلى ذلك. ولكن الأمر لا يقتصر على النكهة فقط، بل أيضاً التأثيرات الصحية المفيدة.

4. خلال تخمير Fermentation حبوب القهوة تتفاعل كائنات دقيقة مختلفة (فطريات، بكتيريا) مع مكونات حبوب البن الخضراء. والطرق الرئيسية للتخمير إما الطريقة الجافة، أو الرطبة، أو شبه الجافة. ووفقاً للتقارير العلمية، يتم خلالها تحسين جودة القهوة عبر تنشيط تفاعلات الأحماض العضوية والكحول والإسترات والكيتونات والألدهيدات ومركبات أخرى خلال التخمير. وبالتالي، تختلف مكونات القهوة بشكل كبير باختلاف طرق المعالجة الأولية. وعلى سبيل المثال، تكون السكريات منخفضة الوزن الجزيئي في طريقة المعالجة الرطبة أقل بكثير منها في المعالجة الجافة، بينما تكون أحماض الجلوتاميك والأسبارتيك أعلى.

5. ضمن دراسة بعنوان «تأثير التحميص على التركيب الكيميائي للقهوة» لباحثين من جامعة ساو باولو، تم نشرها في عدد 15 يونيو (حزيران) الماضي من مجلة «كيمياء الأغذية» Food Chemistry، قالوا: «تُغير أنماط التحميص التركيب الكيميائي لحبوب البن بشكل كبير. والآليات الكامنة وراء تطور رائحة ولون القهوة أثناء التحميص معقدة، وغير مفهومة تماماً، وتتضمن تفاعلات كيميائية مترابطة ومتعددة».

وخلال عملية التحميص تحصل بفعل «الحرارة» عدة تفاعلات كيميائية بين المواد الكيميائية داخل حبوب البن. ومنها تفاعل الكراميل Caramelization Reaction (بين سكريات وسكريات أخرى) وتفاعل ميلارد Maillard Reaction (بين سكريات وبروتينات). كما تتغير بعض المركبات الكيميائية إلى مركبات أخرى بنكهة وروائح عطرية مختلفة لم تكن من قبل في حبوب البن الخضراء. وتتأثر أيضاً تركيزات عدة مواد، مثل درجة الحموضة التي تخف مع زيادة التحميص، وكذلك تقل كمية الكافيين أيضاً مع ازدياد غُمق لون حبوب البن المُحمصّة. وتحديداً، كمية الكافيين في حبوب القهوة المُحمصّة الغامقة (التي يظهر زيت على سطحها) هي ربع كميتها في حبوب القهوة المُحمصة بدرجة باهتة (التي لا يظهر زيت على سطحها).

إعداد مشروب القهوة

6. هناك عدة طرق لإعداد مشروب القهوة. وكلها تعتمد على مزج مسحوق القهوة (باختلاف درجة التحميص واختلاف شدة الطحن والتفتيت) مع الماء بالحرارة، لاستخلاص مشروب يحتوي على خلاصة المركبات الكيميائية الموجودة في مسحوق القهوة. وصحيح أن كل طريقة تُضفي نكهةً فريدةً ورائحةً مميزةً لمشروب القهوة الساخن، ولكن الأهم أنها تتسبب إما بارتفاع أو انخفاض وجود عدد من المركبات الكيميائية في مشروب القهوة النهائي. وتشمل طرق إعداد القهوة:

- آلات تحضير القهوة التي تستخدم الفلتر الورقي: آلات القهوة بالتنقيط Drip Coffee

- آلات تحضير القهوة التي تستخدم الفلتر المعدني: قهوة الفرينش بريس French Press، آلات تحضير القهوة في مكان العمل Workplace Coffee Machines

- آلات تحضير القهوة التي تستخدم الفلتر المعدني مع الضغط الحراري: قهوة إسبريسو Espresso Coffee، قهوة المصفاة Percolate Coffee،

- قهوة الدلة أو الجزوة: إعداد القهوة بمزج مسحوق البن (إما بلون أشهب أو بني غامق) مع الماء البارد في وعاء. ثم تسخينه ببطء حتى تتكون رغوة، إما دون أن يغلي أو أن يغلي، مع ترسّب بقايا مطحون القهوة في القاع.

7. قال الباحثون السويديون في دراستهم الحديثة: «تختلف كمية الديتربينات الضارة، مثل الكافستول والقاهويول، اختلافاً كبيراً باختلاف الآلة وطريقة التخمير، وقد يُؤدّي مُكثرو شرب القهوة إلى رفع مستويات الكوليسترول الضار لديهم دون علمهم». وقال الدكتور ديفيد إيغمان، الباحث في جامعة أوبسالا بالسويد، الذي قاد الدراسة: «عملية الترشيح ضرورية لوجود هذه المواد التي ترفع الكوليسترول في القهوة. ومن الواضح أن ليس كل آلات القهوة قادرة على تصفيتها. لكن المشكلة تختلف باختلاف أنواع آلات القهوة، كما أظهرت التركيزات اختلافات كبيرة بمرور الوقت (دون إجراء عمليات التنظيف)».

وكشفت الدراسة السويدية الجديدة أن العديد من آلات القهوة الشائعة التي تستخدم الفلتر المعدني، لا تُفلتر المركبات المُسببة لارتفاع الكوليسترول الموجودة في القهوة، بل تُخلّف أحياناً مستويات أعلى حتى من تلك المُوجودة في الإسبريسو أو آلة الضغط الفرنسية.

احتمالات تسبّب بعض المواد الكيميائية في مشروب القهوة بارتفاع الكولسترول الخفيف الضار

تركيزات عالية ضارة

8. بالنسبة لمدى وجود مركبات «ديتيربين» قال الباحثون: «تحتوي معظم أنواع القهوة المُحضّرة في أماكن العمل على تركيزات ديتيربين أعلى من القهوة المُفلترة بالورق، ولكنها أقل من القهوة غير المُفلترة (القهوة التركية مثلاً). وقد يكون تناول قهوة غير مُفلترة بشكل كافٍ خلال ساعات العمل، عاملاً يتم إهمال التنبه لتأثيره على صحة القلب والأوعية الدموية، وذلك نظراً لتأثير مادة «ديتيربين» (السلبية) على تركيزات الكوليسترول في الدم».

وفي التفاصيل قال الباحثون: «بلغ متوسط تركيزات الكافيستول والقاهويول 176 ملغم/لتر لآلات التحضير الذاتي للقهوة، و12 ملغم/لتر للقهوة المنزلية المفلترة بالورق. واحتوت القهوة المغلية (مطحون البن مع الماء) على تركيزات عالية من الكافيستول والقاهويول، 939 ملغم/لتر، ولكن سكبها (في القدح) عبر مرشح قماشي (أو مُرشّح ليفي) قلل التركيزات إلى21 ملغم/لتر. وتحتوي أنواع أخرى من القهوة (الماكينة المرشحة، والماكينة الفرنسية) على مستويات متوسطة من الكافيستول (نحو 90 ملغم/لتر) والقاهويول (نحو 70 ملجم/لتر)، باستثناء بعض عينات الإسبر يسو ذات المستويات العالية (تصل إلى 2447 ملغم/لتر من الكافيستول)».

9. هذه الدراسة الحديثة تمثل جانباً مما تلاحظه أوساط البحث العلمي الطبي أن ثمة «احتمالات» لارتباط شرب القهوة بارتفاع معدلات الكولسترول في الدم عند «بعض الظروف» ومع «بعض الطرق»، ولا تزال تحاول استكشاف المزيد من التوضيحات حول هذا الأمر. وسبب استخدام عبارة «عند بعض الظروف ومع بعض الطرق» هو لوجود فرق «شاسع» في المكونات الكيميائية بين «حبوب البن» الطبيعية الخضراء وبين «مشروب القهوة» الذي يصلنا في قدح القهوة في صناعة أوجه مختلفة للعلاقة بين القهوة والكولسترول. وذلك لأن:

- ثمة فروق بين المكونات الكيميائية في الأنواع المختلفة من أنواع حبوب البن.

- ثمة عدة «ظروف» تمر بها حبوب البن خلال المراحل الإنتاجية لحبوب البن.

- ثمة عدة «ظروف» تمر بها حبوب البن خلال مراحل تحميص حبوب البن، ودرجة خشونة مطحون البن.

- ثمة عدة «طرق» مختلفة لتحضير مشروب القهوة من مطحون حبوب البن المحمصة.


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.