إردوغان ينبذها وبوتين يمنعها... قادة قالوا لا للسيجارة فماذا عن الشعب؟

يتصدّر الأردن ولبنان ومصر قائمة المدخّنين في العالم العربي (بيكساباي)
يتصدّر الأردن ولبنان ومصر قائمة المدخّنين في العالم العربي (بيكساباي)
TT

إردوغان ينبذها وبوتين يمنعها... قادة قالوا لا للسيجارة فماذا عن الشعب؟

يتصدّر الأردن ولبنان ومصر قائمة المدخّنين في العالم العربي (بيكساباي)
يتصدّر الأردن ولبنان ومصر قائمة المدخّنين في العالم العربي (بيكساباي)

يتصدّر أهل الأردن ولبنان ومصر سباق المدخّنين في العالم العربي؛ فوفق أحدث أرقام «منظّمة الصحة العالمية»، تتراوح نسبة المدخّنين في لبنان ما بين 34 و46 في المائة يتنوّعون ما بين مدخّني السجائر والنرجيلة. أما في الأردن فتتجاوز نسبة المدخّنين البالغين 41 في المائة؛ أي ما يكاد يقارب نصف الشعب الأردني. وفي مصر تبلغ النسبة 34 في المائة.

وعلى الرغم من تراجع أعداد المدخّنين حول العالم بنسبة 26 في المائة خلال السنوات الأخيرة، بسبب حملات التوعية وارتفاع أسعار منتجات التبغ، فإنّ استهلاك السيجارة في بعض بلدان العالم العربي لم يتأثّر.

ضاعفت النرجيلة أو الشيشة من مستوى التدخين في العالم العربي (بكسلز)

غيمة النيكوتين الصيني

لا تقتصر الحال هذه على المنطقة العربية؛ بل تنسحب على دولٍ أخرى. لكن مهما بلغت غمامة الدخان كثافةً فوق أي بلد، فهي لن تنافس تلك التي تخيّم فوق الصين. ثلثُ مدخّني هذا الكوكب صينيّون ويبلغ عددُهم 300 مليون.

وفق إحدى المنظّمات غير الحكوميّة الصينية، تبلغ مبيعات التبغ السنوية في البلاد 2.4 تريليون سيجارة. وليس مرَدّ ذلك أنّ الصين من بين أكثر البلاد اتّساعاً وكثافةً سكّانية؛ بل تتحكّم عوامل عدّة في الإدمان الكثيف على التدخين. تذكر «نيويورك تايمز» أنّ سعر الدخان زهيد في الصين، كما أنّ إشارات التحذير من أضراره الصحية غائبة عن العلبة، مثلُها مثل الضوابط في الأماكن العامة. أما أبرز ما تضيء عليه الصحيفة الأميركية في تحقيقها، فهو أنّ الدولة تحتكر قطاع التبغ، وإلى خزينتها يذهب نصف عائدات كل سيجارة تُباع في الصين.

تبلغ مبيعات التبغ السنوية في الصين 2.4 تريليون سيجارة (أ.ف.ب)

إلا أنّ المفارقة تكمن في قيادة الرئيس الصيني شخصياً الحملة المضادّة للتدخين. يُحكى علناً أنّ شي جينبينغ أقلع في سن الأربعين عن عادته التي اكتسبها في الصِّغَر، للتأقلم حينها مع الاكتئاب الناجم عن النفي إلى الريف خلال الثورة الثقافية. لكن رغم حصوله على ثناء «منظّمة الصحة العالمية»، يشير بعض التقارير الاستخبارية إلى أنه ما زال يدخّن سراً.

أوباما علكَ حتى الشفاء

إذا كان شي ما زال متردّداً في الخفاء وحاسماً في العلن، فإنّ سواه من قادةٍ عالميين اتّخذوا قراراً نهائياً لا رجعة عنه. في طليعة هؤلاء الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي تحدّث مراراً عن معاناته مع الإدمان على التدخين، وعن معركته الطويلة للإقلاع عنه.

في سن الـ50 وبعد سنتَين على تولّيه سدّة الرئاسة الأميركية عام 2009، أعلن أطبّاء أوباما أنه تعافى كلياً من إدمانه الذي بدأ خلال سنوات المراهقة. وقد اعتمد في رحلة التعافي على العلكة البديلة للنيكوتين وعلى مساندة عائلته وفريقه.

أوباما موقعاً على قانون منع التدخين ومكافحة التبغ في البيت الأبيض عام 2009 (أ.ب.)

لولا والسيجارة... موتٌ فحياة

يُسَجَّل للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إنجازٌ كبير في الإقلاع عن التدخين، وذلك بعد 50 سنة أمضاها برفقة السيجارة.

كان على ناقوس الخطر الصحيّ أن يدقّ، ليتأكّد دا سيلفا من أنّ جسده قد تضرّر بقوّة بسبب التبغ. في يناير (كانون الثاني) 2010، تعرّض الرجل لارتفاعٍ حاد في ضغط الدم اضطرّه إلى المكوث في المستشفى، وإلغاء مشاركته في منتدى الاقتصاد العالمي. وإثر ذلك، قرّر دا سيلفا الإقلاع نهائياً عن التدخين معتمداً على إرادته حصراً، ورافضاً اللجوء إلى اللصقات أو إلى علكة النيكوتين.

وفي 2011، شُخّص لولا بإصابته بورمٍ خبيث في الحلق، وهو سرطان يُعزى جزئياً إلى تاريخه الطويل في التدخين، إلا أنه تعافى منه تماماً.

الرئيسان البرازيلي لولا دا سيلفا والصيني شي جينبينغ تركا السيجارة بعد سنوات من التدخين (أ.ب)

إردوغان شرطيّ التدخين

في صدارة كارهي السيجارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. هو لم يدخّن في حياته بل يعدّها عادةً محرّمة، كما أنه دأب على قيادة حملاتٍ رسمية لمكافحة التدخين في بلاده. وقد ذهب إردوغان في تطرّفه حيال السيجارة، إلى درجة إقناع زوّاره من رؤساء ووزراء وصحافيين، بضرورة الإقلاع عن التدخين. وتنسحب تلك العادة كذلك على مَن يلقاهم في الشارع من مواطنين أو حتى باعة جوّالين؛ إذ ينتزع منهم علبة السجائر، ويطلب منهم كتابة تعهّد عليها والتوقيع بأن يقلعوا نهائياً عن عادتهم.

إردوغان ينتزع علبة السجائر من وزير خارجية بلغاريا عام 2016 مقنعاً إياه بالإقلاع عن التدخين (وكالات)

بوتين... ممنوع التدخين

من روّاد مناهضة التدخين كذلك، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. تتحدّث معلومات غير مؤكّدة عن أنه جرّبها خلال سنواته الأولى في جهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي)، إلّا أنه نبذَها على الفور.

ومن المعروف عن بوتين أنه يمنع التدخين في حضوره؛ هو الداعي إلى نمط حياة صحي على مستويَي الغذاء والرياضة. ولا تقتصر مناهضته التدخين على محيطه وحياته الخاصة؛ بل حرصَ على سنّ قوانين شاملة عام 2013، تحظر التدخين بالأماكن العامة في روسيا، وتقيّد تسويق السجائر في البلاد.

لكن يبقى أن يُعرَف ما إذا كان بوتين يسمح لحليفه وصديقه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالتدخين في حضوره، لا سيما أن السيجارة تكاد لا تفارق يد الأخير.

هل يقنع بوتين صديقه كيم بالإقلاع عن التدخين؟ (أ.ب)

نصائح للإقلاع عن التدخين

مَن يريدون أن يحذوا حذو أوباما ودا سيلفا وإنقاذ صحتهم قبل فوات الأوان، ثمة خطوات بسيطة يمكن أن تساعدهم في التخلّص من عادة التدخين.

* اعتماد العلاج البديل المناسب

للعلاج طويل الأمد، يمكن استخدام لصقات النيكوتين. أما للعلاج قصير الأمد، فبالإمكان اعتماد علكة النيكوتين أو أقراص المص أو بخاخات الأنف. وكل تلك الوسائل تحتوي على كميات قليلة من النيكوتين للمساعدة في التخلّص تدريجياً من عادة التدخين.

* تجنّب المحفّزات

تترسّخ المشاعر التي يحسّها المرء والأفعال التي يقوم بها خلال استخدام النيكوتين في دماغه مع مرور الوقت. لذلك يجب التنبّه إلى الأفكار والحالات التي تحفّز على التدخين، كأن يخرج الموظّف في استراحة مع زملائه خلال الدوام. عند الوعي بتلك المحفّزات، يصبح من الأسهل التحكّم بالرغبة في إشعال سيجارة.

عندما يزداد الوعي بمحفّزات التدخين يصبح من الأسهل التحكّم في الإدمان على النيكوتين (بكسلز)

* إلهاء النفس والفم

غالباً ما تكون الرغبة في النيكوتين عابرة ولا تتجاوز بضع دقائق. وكي تعبر الرغبة من دون الرضوخ لها، يُنصَح بإلهاء النفس بواسطة نشاطٍ سريعٍ ومحبوب، كحلّ شبكة كلمات متقاطعة مثلاً، أو الخروج في جولة سير سريعة، أو التحدّث إلى صديق. من الممكن كذلك إلهاء الفم بشيءٍ سوى السيجارة، كعلكة خالية من السكّر، أو مكسّرات نيئة، أو حتى كوب من الماء.

* الاعتناء بالجسد والنفس

قد يترافق الإقلاع عن التدخين مع شعورٍ بالغضب والتوتّر، لذلك يُنصح بممارسة الرياضة أو المشي بانتظام، تزامناً مع محاولة التخلّص من السيجارة، فهذا يسهم كذلك في التخلّص من الرغبة في التدخين.

أما الأشخاص الذين يرون في السيجارة أو النرجيلة وسيلة للتخفيف من التوتّر، فبإمكانهم اللجوء إلى أساليب أخرى للاسترخاء؛ مثل تمارين التنفّس، واليوغا، والتدليك، والاستماع إلى موسيقى هادئة.


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر التدخين على البشرة؟

صحتك التدخين قد يسرع شيخوخة البشرة (بيكسلز)

كيف يؤثر التدخين على البشرة؟

لا يقتصر ضرر التدخين على الرئتين والقلب، بل تترك منتجات التبغ آثاراً واضحة على البشرة، قد تظهر تدريجياً في صورة تجاعيد أعمق، وبهتان، وتفاوت في لون الجلد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)

سرطان الرئة لا يرتبط بالتدخين فقط... طفرة جينية نادرة ترفع احتمالات الإصابة بالمرض

كشفت دراسة علمية حديثة عن طفرة جينية نادرة قد تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة بشكل كبير، حتى لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا السجائر مطلقًا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك 2.7 مليار شخص تعرضوا للتدخين السلبي عام 2023 (رويترز)

التدخين السلبي يتسبب في وفاة 1.7 مليون شخص حول العالم خلال عام

تعرض أكثر من 2.7 مليار شخص من بينهم أطفال للتدخين السلبي على مستوى العالم، ما تسبب في نحو 1.7 مليون وفاة عام 2023، وفقاً لدراسة جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس )
صحتك ترتبط مجموعة من العادات اليومية الصحية بفرص أفضل للتمتع بحياة أطول وشيخوخة أكثر صحة ونشاطاً (بيكسلز)

عادات يمكنك تبنّيها الآن لحياة أطول وأكثر صحة

يساعد تبنّي عادات صحية، تشمل الغذاء النباتي والنشاط البدني والنوم المنتظم وتجنب التدخين والتوتر والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، على دعم حياة أطول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين أثبتت فاعليتها في المساعدة على الإقلاع عن التدخين (رويترز)

السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد تسهِّل الإقلاع عن التدخين

أظهرت دراسة واسعة النطاق أن الإقلاع عن التدخين عبر استخدام السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين، يحقق نسبة نجاح أعلى من الطرق الأخرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
TT

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

أعادت مشاهد غناء أطفال كوريين أغنية «فيها حاجة حلوة» باللغة العربية، واستحضار رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أسماء رموز فنية مصرية، خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى البلدين، النقاش حول دور «القوة الناعمة» المصرية في تعزيز علاقات مصر بالدول الآسيوية، ومدى قدرتها على استثمار رصيدها الثقافي والتاريخي وتطوير أدوات حضورها الثقافي المعاصر.

وفي العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم، وذلك خلال مراسم الاستقبال الرسمية التي أُقيمت في القصر الرئاسي الكوري، الخميس الماضي، بحضور الرئيس الكوري لي جاي ميونغ.

وقدّم الأطفال الأغنية باللهجة المصرية، في مشهد تفاعل معه الرئيس السيسي بالتصفيق، كما صافح عدداً منهم. وجاءت الفقرة الغنائية ضمن مراسم استقبال رسمية شملت عزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف، قبل انطلاق مباحثات تناولت سبل تعزيز التعاون بين البلدين.

وفي ماليزيا، اتخذ حضور القوة الناعمة المصرية صورة مختلفة خلال زيارة السيسي، التي تضمنت لقاءات مع الملك السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم، السبت، إذ استحضر الأخير رموزاً مصرية خلال حديثه عن معرفة الماليزيين بمصر وتاريخها، من توت عنخ آمون والفراعنة، وجمال عبد الناصر إلى أم كلثوم، قبل أن يمازح ضيفه بالإشارة إلى الفنانة سامية جمال.

وأعادت الإشارة إلى سامية جمال، التي رحلت عام 1994، التذكير بعصر ازدهار السينما المصرية، حين تجاوزت شهرة نجومها حدود العالم العربي، ومن بينهم سامية جمال، التي جمعت بين التمثيل والرقص والاستعراض، وشاركت في أعمال سينمائية عالمية، وقدمت عروضاً خارج مصر.

وامتدت الجولة إلى إندونيسيا؛ حيث وصل السيسي إلى جاكرتا، السبت، في زيارة رسمية تضمنت لقاءً مع الرئيس برابوو سوبيانتو في قصر «ميرديكا» الرئاسي، ومباحثات بشأن تعزيز الشراكة بين البلدين. وتكتسب المحطة الإندونيسية خصوصية ثقافية، بالنظر إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، والدور الذي لعبه الأزهر الشريف في التواصل مع المجتمع الإندونيسي على مدى عقود.

ويرى الكاتب والناقد المصري سيد محمود أن «الوعي بأهمية الدبلوماسية الثقافية، أو ما يُعرف بالقوة الناعمة، أصبح ركيزة أساسية في العلاقات الدولية»، مشيراً إلى أن مصر امتلكت أدوات لتعزيز مكانتها الثقافية منذ العصر الملكي، قبل أن يستثمر فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقوة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن «القوة الناعمة» أو «القوة الذكية» لا ينفصل عن الثقافة والفنون، بل يمتد كذلك إلى المؤسسات الدينية والتعليمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي «ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مؤسسة دينية فحسب، وإنما من أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية»، لافتاً إلى ارتفاع أعداد الطلاب الوافدين من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا لدراسة العلوم الشرعية في مصر.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث الثقافي الدكتور أحمد إبراهيم الشريف أن «المشاهد التي صاحبت الجولة الآسيوية تكشف عن قدرة الفنون على صناعة حضور لمصر في وجدان شعوب بعيدة»، عادّاً أن «غناء الأطفال الكوريين واستدعاء رئيس الوزراء الماليزي أسماء، مثل أم كلثوم وسامية جمال، يعكسان تأثيراً ثقافياً تراكم عبر عقود».

وذكر الشريف لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقات المصرية الآسيوية اكتسبت زخماً خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، خصوصاً مع مؤتمر «باندونغ» عام 1955، بالتوازي مع انتشار السينما والأغنية المصرية، وأسماء مثل إسماعيل ياسين وأم كلثوم، ما جعل الثقافة جزءاً من معرفة هذه الشعوب بمصر، إلى جانب حضورها السياسي والحضاري.

ويرى أن «التحرك المصري نحو آسيا اليوم يتيح فرصة لتعزيز العلاقات القائمة، واستثمار الرصيد الثقافي عبر الترجمة والسينما والموسيقى والتبادل الثقافي، بما يسمح بتقديم مصر المعاصرة إلى جانب تاريخها الطويل».

ويستشهد الناقد المصري سيد محمود بما رصده خلال تجوله المتكرر في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، من «تزايد ملحوظ في أعداد الطلاب القادمين من إندونيسيا وماليزيا وجنوب شرق آسيا خلال السنوات العشر الأخيرة»، لكنه يتساءل عن «مدى انخراط هؤلاء الطلاب في المجتمع المصري، وتعرّفهم إلى ثقافته المعاصرة خارج نطاق دراستهم الدينية وتجمعاتهم الخاصة».

ويلفت محمود إلى أن المشكلة تكمن في «وقوفنا عند الماضي، وعدم قدرتنا على تجديد حضورنا الثقافي»، مشدداً على أن «الدبلوماسية الثقافية عمل في الاتجاهين، وليس في اتجاه واحد»، ومنتقداً الاكتفاء بالتأثير في الآخرين من دون اهتمام مماثل بالتعرف إلى ثقافاتهم.

ويؤكد أن تطوير «القوة الناعمة» المصرية يتطلب تجاوز الحنين إلى الماضي، وبناء علاقات ثقافية تقوم على المعرفة المتبادلة والانفتاح، بما يُعزز قدرة مصر على التأثير الثقافي خارج حدودها.


«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
TT

«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)

في وقت يتزايد فيه الاهتمام البريطاني «بنسيج بايو» الشهير، تسعى بلدة «هايهام فيريرز» الصغيرة، في مقاطعة نورثهامبتونشير بوسط إنجلترا، إلى جذب الأنظار نحو تحفتها الفنية الخاصة، التي توثق تاريخها ومعالمها المعمارية بخيوط التطريز وقطع القماش، حسب «بي بي سي» البريطانية..

ويحمل العمل اسم «مابستري» (Mapestry)، ويبلغ طوله 1.5 متر، وقد صُنع من مواد معاد تدويرها، بمبادرة من فاي كاديك، معلمة الفنون المتقاعدة، وبمشاركة مجموعة من صديقاتها يُطلقن على أنفسهن اسم «فتيات المواد» (The Material Girls). واستغرق إنجازه ثلاث سنوات، بدأت عام 2009.

وتقول ليز بارنات، رئيسة الشراكة السياحية والمجتمعية في البلدة، إن العمل يمثل وسيلة مبتكرة للتعريف بتاريخ هايهام فيريرز، مضيفة: «قلنا للجميع: هذا هو نسيج بايو الخاص بنا. إنها طريقة رائعة للترويج لبلدتنا وإبراز كيفية إنتاج هذا العمل».

وتوضح بارنات أن القائمين على الترويج السياحي تحركوا سريعاً بعدما علموا بأن نسيج بايو سيُعرض في لندن، أملاً في الاستفادة من الاهتمام الذي يحظى به هذا العمل التاريخي.

ويستعرض «مابستري» عدداً من أبرز معالم البلدة، من بينها كنيسة سانت ماري، ودار بيد، وساحة السوق، و«بيلجيوم هاوس»، وكلية تشيتشيلي، وحانة غريفين، في لوحة تجمع بين الحرف اليدوية والذاكرة المحلية.

وجاءت فكرة العمل من أمينة المكتبة لين كيرنوت، قبل أن تتولى كاديك تصميمه وتحديد تفاصيله وتوزيع عناصره. وعُرض للمرة الأولى في مكتبة البلدة، ثم نُقل إلى مدرسة هنري تشيتشيلي الابتدائية، حيث تعرض للتآكل بفعل الاستخدام والعوامل الجوية، ما دفع مجلس البلدة إلى استعادته.

وأشرفت كاديك على ترميمه في عملية استغرقت ستة أشهر، قبل نقله إلى كنيسة هوب الميثودية، التي وفرت مساحةً مناسبةً لعرضه في بهو المدخل. ووُضع العمل داخل إطار، وكُشف عنه للجمهور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وقال متحدث باسم مجلس البلدة إن «مابستري» يحتفي بتاريخ هايهام فيريرز عبر الأقمشة والخيوط والتطريز، مشيراً إلى أن إنجاز هذه التحفة الفنية تطلب سنوات من العمل وآلاف الغرز.

وهكذا، تقدم البلدة روايتها الخاصة للتاريخ، لا عبر الكلمات وحدها، بل من خلال نسيج فني يحول معالمها القديمة إلى حكاية تنبض بالألوان والخيوط.


ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
TT

ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)

كشفت دراسة أميركية أن ركوب الخيل ضمن برامج علاجية منظَّمة قد يساعد في تخفيف فرط النشاط وتحسين السلوك وتنظيم المشاعر لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحُّد، خصوصاً الذين يعانون اضطرابات نفسية مصاحبة.

وأوضح الباحثون من جامعة كولورادو أنشوتز أن النتائج تفتح المجال أمام الاستفادة من الأنشطة المرتبطة بالخيول بوصفها وسيلة داعمة للعلاجات التقليدية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية (Pediatrics).

واضطراب طيف التوحُّد هو اضطراب في النمو العصبي يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد يصاحبه تكرار بعض السلوكيات ومحدودية الاهتمامات، إلى جانب اختلافات في الاستجابة للمؤثرات الحسية، مثل الأصوات والضوء واللمس. وتظهر علاماته عادة خلال السنوات الأولى من الطفولة، وتختلف أعراضه وشدتها من شخص لآخر. ورغم عدم وجود علاج نهائي للتوحُّد، فإن التدخل المبكر والبرامج التعليمية والسلوكية والعلاجات الداعمة قد تساعد الأطفال على تطوير مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي وتحسين جودة حياتهم.

وهدفت الدراسة إلى التحقق من نتائج أبحاث سابقة أظهرت فوائد لبرامج ركوب الخيل العلاجي، استمرت بين 8 و10 أسابيع، لدى الأطفال المصابين بالتوحد، إلى جانب معرفة ما إذا كانت الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول تحقق فوائد مماثلة دون الحاجة إلى ركوبها أو التفاعل المباشر معها.

وشملت الدراسة أطفالاً مصابين بالتوحد واضطرابات نفسية مصاحبة، قُسموا إلى 3 مجموعات؛ شاركت الأولى في جلسات ركوب الخيل، بينما مارست الثانية أنشطة تعليمية داخل مركز للفروسية باستخدام حصان محشو بالحجم الطبيعي، دون احتكاك مباشر بالخيول، في حين وُضعت المجموعة الثالثة على قائمة انتظار للمقارنة.

وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين شاركوا في جلسات ركوب الخيل حققوا تحسناً أكبر بشكل ملحوظ في أعراض فرط النشاط، مقارنة بالمجموعتين الأخريين.

فوائد سلوكية

كما سجل المشاركون في مجموعتي ركوب الخيل والأنشطة التعليمية المرتبطة بها تحسُّناً في جوانب سلوكية وعاطفية متعددة، شملت انخفاض التهيُّج، وتحسن القدرة على تنظيم المشاعر والتفاعل الاجتماعي، مقارنة بالأطفال الذين لم يشاركوا في أي من البرنامجين.

وأشارت النتائج إلى أن الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول قد توفر فوائد سلوكية وعاطفية للأطفال الذين لا يستطيعون ركوب الخيل أو لا يشعرون بالاستعداد لذلك، حتى دون التفاعل المباشر معها، وإن كان تأثيرها في تخفيف فرط النشاط أقل من ركوب الخيل نفسه.

وقالت روبن غابرييلز، أستاذة الطب النفسي في جامعة كولورادو أنشوتز الباحثة الرئيسية للدراسة، إن تجربة ركوب الخيل تنطوي على جوانب مميزة تجعلها مفيدة بصورة خاصَّة للأطفال الذين يعانون فرط النشاط.

وأضافت، عبر موقع الجامعة، أن العلاج بمساعدة الخيول قد يمثل وسيلة فعالة لتعزيز العلاجات الحالية للأطفال المصابين بالتوحُّد وفرط النشاط، وربما يوفر بديلاً لبعض العلاجات الدوائية التقليدية التي قد تسبب آثاراً جانبية غير مرغوبة، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد دوره العلاجي.

وأوضحت غابرييلز أن الخيول تتميز باستجابتها للغة الجسد وتفاعلها مع البشر دون إصدار أحكام، مما يتيح للأطفال فرصاً لممارسة مهارات التواصل وتنظيم المشاعر في بيئة مختلفة عن العيادات التقليدية.

وأكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن ركوب الخيل سيكون مفيداً لجميع الأطفال المصابين بالتوحُّد، لكنها تقدِّم أدلة إضافية على إمكانية الاستفادة من الأنشطة المنظمة المرتبطة بالخيول ضمن نهج علاجي متكامل للتعامل مع التحديات السلوكية والعاطفية.