أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، السبت، أنه رفع القيد الذي حصر مدى صواريخه الباليستية في ألفي كيلومتر، في خطوة قد توسّع، نظرياً على الأقل، نطاق التهديد الصاروخي الإيراني إلى ما وراء الشرق الأوسط.
وقال المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي، في مؤتمر صحافي بطهران، رداً على سؤال عن القيود على مدى الصواريخ: «لقد رُفع هذا القيد بالنسبة إلينا».
ولم يقل محبي إن كانت إيران تملك صواريخ يتجاوز مداها هذا الحد، ولم يحدد المدى الجديد أو الصواريخ التي يشملها القرار، واكتفى بالقول إن إيران ستُظهر «هذه القدرات عملياً» بدلاً من الإدلاء بتصريحات.
وصدر الإعلان بعد أيام من نشر بيان منسوب إلى المرشد مجتبى خامنئي، يأمر القادة العسكريين بالرد على «أي نوع ومستوى من التهديد» الأميركي أو الإسرائيلي بشكل «فوري وفعال ومن دون قيود جغرافية»، وبتحديث «بنك الأهداف» ليشمل الأصول «المادية وغير المادية» للبلدين.
وكان رئيس الأركان علي عبد اللهي قد قال، الأسبوع الماضي، إن الأجهزة العسكرية ترصد تحركات العدو واستعداداته «بكل الطاقة الاستخباراتية» وتُحدّث بنك الأهداف، وإن الرد «لن تكون له قيود جغرافية».
وقال المتحدث باسم الجيش محمد أكرمي نيا، إن الهجمات الإيرانية لن تقتصر على الشرق الأوسط إذا اندلعت حرب جديدة، وإن المنشآت والقوات والمصالح الأميركية ستكون أهدافاً محتملة «في أي نقطة تكون في المتناول».
ويوازن الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ أسابيع، استئناف الضربات الواسعة على إيران، بينما يحاول وسطاء قطريون وباكستانيون منع تجدد الحرب.
سقف سياسي
لم يكن سقف الألفي كيلومتر قيداً تقنياً بقدر ما كان قراراً سياسياً؛ فقد قال المرشد السابق علي خامنئي، الذي قُتل في الضربات الأولى للحرب الحالية، إنه حدده بنفسه رغم اعتراض بعض القادة العسكريين.
وفي فبراير (شباط) 2023، قال قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده، إن السقف قائم «احتراماً للأوروبيين». وبعد أيام، قال قائد «الحرس» حينها حسين سلامي، إن إيران تستطيع زيادة مدى صواريخها، داعياً الأوروبيين إلى الحذر. وقُتل الاثنان في الضربات الأولى لحرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.
وفي فبراير 2025، قال خامنئي الأب: «وضعنا من قبل حداً لدقة صواريخنا، لكننا نشعر الآن بأن هذا الحد لم يعد كافياً. يجب أن نمضي قدماً». وتحدث عن الدقة لا عن المدى، لكن عبارته أثارت حينها تساؤلات عما إذا كان يمنح ضوءاً أخضر لتجاوز السقف.

وفي أغسطس (آب) 2025، قال النائب أمير حياة مقدم، وهو جنرال في «الحرس الثوري»، إن جميع الدول الأوروبية باتت في مرمى الصواريخ الإيرانية.
ويغطي مدى الألفي كيلومتر، انطلاقاً من الأراضي الإيرانية، الشرق الأوسط بأكمله وأجزاء من اليونان والبلقان. وقدمت إيران هذا السقف على أنه يتيح لـ«الحرس الثوري» ضرب كل أهدافه تقريباً في المنطقة من دون تهديد أوروبا.
ويتطلب استهداف أوروبا الغربية زيادة مدى الصواريخ الإيرانية. أما الهدف العسكري الأوضح خارج دائرة الألفي كيلومتر، فهو قاعدة «دييغو غارسيا» في المحيط الهندي.
وبذلك يزيل إعلان محبي قيداً سياسياً معلناً، لكنه لا يثبت أن صواريخ أبعد مدى دخلت الخدمة، أو أن إيران اختبرت بنجاح منظومات قادرة على إصابة أهداف أبعد.
بين القدرة والادعاء
لا تتوفر معلومات عن امتلاك إيران صواريخ يتجاوز مداها ألفي كيلومتر. لكنّ مسؤولين أميركيين قالوا إن تقنيات برنامج الفضاء الإيراني يمكن تطويعها لبناء صواريخ باليستية عابرة للقارات.
ويرى خبراء أن إيران قادرة على تجاوز الألفي كيلومتر، لأن خفض وزن الرأس الحربي يزيد المدى. ويرجّحون أن يكون صاروخ «خرمشهر»، الذي كُشف عنه عام 2017، المرشح الأبرز لذلك؛ إذ يُقدَّر مداه بثلاثة آلاف كيلومتر إذا زُوّد بمركبة عودة إلى الغلاف الجوي تزن 750 كيلوغراماً. لكن هذا تقدير تقني، لا دليل على اختبار ناجح.
وفي مارس (آذار) الماضي، أعلنت بريطانيا أن إيران حاولت من دون نجاح استهداف القاعدة البريطانية - الأميركية المشتركة في «دييغو غارسيا»، على بعد نحو 4 آلاف كيلومتر من أراضيها؛ أي ضعف السقف المعلن. ووصفت لندن الهجوم بأنه «متهور»، ونفى مسؤول إيراني واحد على الأقل وقوعه.
وتباينت الروايات حينها في توصيف السلاح. وتحدثت تقارير غربية عن صاروخين باليستيين متوسطي المدى، سقط أحدهما في أثناء الطيران وأسقطت سفينة أميركية الآخر.
لكن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، قال إن إيران أطلقت صاروخاً عابراً للقارات من مرحلتين بمدى 4 آلاف كيلومتر، وإن مداه يضع برلين وباريس وروما «ضمن نطاق التهديد المباشر».

وقال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، إن إيران أظهرت قدرتها على إطلاق صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أجزاء كبيرة من أوروبا، وإنها أخفت جزءاً من تطوير قدرة صواريخها على العودة إلى الغلاف الجوي داخل برنامجها الفضائي.
وكان تقييم مجتمع الاستخبارات الأميركي لعام 2022، قد خلص إلى أن تطوير مركبات إطلاق الأقمار الاصطناعية «يقصّر الجدول الزمني» لإيران نحو صاروخ عابر للقارات، لتشابه التقنيات. ويركز خبراء غربيون على المحركات العاملة بالوقود الصلب وتعدد المراحل وأنظمة التوجيه.
وطالما حملت عمليات الإطلاق الفضائية الإيرانية دلالة عسكرية، لكنها لا تثبت امتلاك صاروخ عابر للقارات. لكن «رويترز» نقلت، في فبراير الماضي، عن مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية الأميركية، أن إيران لا تزال بعيدة سنوات عن صاروخ يضرب الأراضي الأميركية بصورة موثوقة.
أما أوروبا فأقرب. وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في مقابلة جديدة مع المعلق الإسرائيلي أمير تسرفاتي، إن القدرات الصاروخية الإيرانية المتنامية تمثل تهديداً مباشراً لمدن أوروبية كبرى، من بينها لندن وباريس.
ويذهب نواب ووسائل إعلام في طهران أبعد من ذلك؛ فقد زعم النائب كامران غضنفري أن إيران صنعت «منذ مدة» صواريخ عابرة للقارات يمكنها بلوغ أوروبا والولايات المتحدة.
وزعم النائب محمد صالح جوكار أن إيران اختبرت صواريخ قادرة على استهداف أوروبا. وكان النائب محسن زنكنه قد زعم في سبتمبر (أيلول) 2025، أن إيران اختبرت بنجاح صاروخاً عابراً للقارات.
وكتبت صحيفة «كيهان»، التي يشرف عليها ممثل المرشد، أن الصواريخ الإيرانية قادرة على ضرب قواعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) على بعد من 4 إلى 5 آلاف كيلومتر.
خرائط وأهداف
تجاوزت التهديدات الإيرانية الحديث عن المدى إلى تسمية الأهداف. وكتبت «كيهان» أن نطاق الأهداف قد يمتد إلى «قلب أوروبا»، وأن مصالح الولايات المتحدة و«الناتو» في إيطاليا وبريطانيا ورومانيا وقبرص واليونان قد تُستهدف إذا استؤنفت الحرب.
ونشرت صحيفة «همشهري»، التابعة لبلدية طهران، خريطة للقواعد الأميركية في أوروبا بوصفها أهدافاً محتملة، وزعمت أن بلوغ الصواريخ دول أوروبا الشرقية «اختُبر» من قبل.
وقال موقع «نادي الصحافيين الشباب»، التابع للتلفزيون الرسمي، إن قواعد «المعتدين في أي نقطة من العالم» دخلت قائمة الأهداف، مشيراً إلى 128 قاعدة ومنشأة أميركية في 51 دولة.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأسبق والنائب منوشهر متكي، إن الحرب المقبلة «لن تكون حرباً إقليمية»، وإنها «ستصل إلى أوروبا» إذا هوجمت إيران، وسمّى ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والبرتغال.
وقال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان أحمد بخشايش أردستاني، في تصريح صحافي: «إذا استخدمت أميركا قواعدها في أوروبا، بما فيها إيطاليا وألمانيا، فستُطلق الصواريخ الإيرانية نحو أوروبا». وأضاف: «لم نفعل ذلك في الحربين السابقتين، لكننا هذه المرة لن نترك مساعدة أوروبا لأميركا في الهجوم على إيران من دون ثمن».
وقال نائب رئيس لجنة المادة 90 في البرلمان حسين علي حاجي دليغاني، إن مدى الصواريخ في أي رد إيراني «سيشمل أوروبا»، وإن ذلك سيدفع سعر النفط إلى ما فوق 150 دولاراً، حسبما نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».
وفي الأثناء، نشرت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، مقطعاً مولداً بالذكاء الاصطناعي، تظهر فيه شخصية مقنّعة تمثّل المتحدث باسم مقر «عمليات هيئة الأركان»، وتخاطب الأوروبيين: «لستم أعداءنا؛ لكن كل من يساعد أميركا - في أي نقطة من أوروبا - في إيذاء نسائنا وأطفالنا، عدونا وسنعاقبه».

وعرض المقطع قائمة بأهداف عسكرية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ودعا الأوروبيين إلى طرد «اللصوص» من بلدانهم.
والأسبوع الماضي، علّق طلاب من «الباسيج الطلابي» في جامعة طهران، لافتة على سور السفارة الألمانية في طهران، كُتب عليها: «أوروبا تدفع ثمن دعم إسرائيل»، بحسب وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري».
وصنّفت «الخارجية» الإيرانية، الأسبوع الماضي، جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (إم آي 6) «جماعة معادية»، والبحرية وسلاح الجو الملكيين «منظمتين إرهابيتين»، رداً على ما وصفته بمشاركة بريطانيا في الحرب عبر تقديم قواعدها.
وكتب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، في رسالة إلى الأوروبيين: «عندما كنتم تهللون لجرائم الحرب، ألم تتوقعوا أن تطالكم تبعاتها؟ الحرب والإرهاب لهما ثمن؛ والآن جاء دوركم لتدفعوه».
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قد قال إن ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب كلّف أوروبا أكثر من 100 مليار يورو.
ورد وزير الخارجية عباس عراقجي بأن هذا الرقم «لا شيء» مقارنة بـ«الضربة المهيبة» التي ستوجهها القوات المسلحة الإيرانية لمن يجرؤ على إيذاء الإيرانيين، وحذر من أنه «لن تكون هناك خطوط حمراء» إذا تكررت الهجمات.
حسابات الردع
حذرت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية من الخلط بين 3 مسائل: المطالبة بصواريخ أطول مدى، وامتلاك القدرة التقنية على صنعها، واتخاذ قرار رسمي بتغيير السياسة الصاروخية.
وقدمت وكالة «إرنا» الرسمية التوجيهات الأخيرة بوصفها امتداداً لمسار تصاعدي، بدأ بالضربة الإيرانية على قاعدة عين الأسد في العراق عام 2020، ومر بالهجومين المباشرين على إسرائيل في أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) 2024.
وتوقف تحليل نشرته «تسنيم»، الأحد، عند معضلة تركيا، العضو في «الناتو» والجارة لإيران، مشيراً إلى أن صاروخاً باليستياً منسوباً إلى إيران اعتُرض في مارس الماضي وهو في طريقه نحو الأجواء التركية، وأن الأمين العام للحلف قال حينها إن تفعيل المادة الخامسة غير مطروح.

وقال رئيس «معهد أبحاث العلوم الأساسية» محمد جواد لاريجاني، في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي مساء السبت، إن السلاح النووي «لا يمكن استخدامه ضد الناس، لكن يمكن استخدامه تكتيكياً ضد قاعدة عسكرية للعدو».
ودعا إلى مراجعة جدوى بقاء إيران في معاهدة حظر الانتشار النووي، ولا تعني تصريحاته أن طهران غيّرت عقيدتها الرسمية. وتقول طهران إن برنامجها النووي سلمي.
وكانت آلية «سناب باك» قد أعادت في سبتمبر (أيلول) 2025، فرض قيود الأمم المتحدة على أنشطة الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية.
ولا تزال العواصم الأوروبية تراهن على الدبلوماسية. وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، إن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي. وقال وزير الدفاع البريطاني إن الأولوية «يجب أن تكون لخفض التصعيد والدبلوماسية».





