توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تزامناً مع حشد عسكري على الحدود بين أديس أبابا وأسمرة

عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما، منذ اندلاع المعارك مع «جبهة تحرير تيغراي» قبل نحو 3 أسابيع، واتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم «الجبهة»، في أكبر تصعيد منذ الحرب السابقة بين البلدين في (1998 - 2000).

ودعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى خفض التصعيد، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وهي خطوة يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط مهمة لكبح التصعيد وتداعياته على القرن الأفريقي، تبعاً لامتلاك واشنطن أدوات تمكنها من الضغط على الطرفين.

تدخل أميركي

وشدد روبيو، خلال الاتصال مع آبي أحمد، على أن «كل دول القرن الأفريقي يجب أن تحترم سيادة جيرانها، وسلامة أراضيها، وأن تتجنب التوغلات عبر الحدود»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، مساء الأربعاء.

كما أكد أن «المنطقة لا تحتمل مزيداً من النزاعات، وأن الحل المستدام الوحيد للتوترات الداخلية والخارجية يتحقق من خلال الحوار، والتواصل، وعلى النحو المتفق عليه في إطار السلام بين إثيوبيا وإريتريا لعام 2018».

ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، أن «اتصال روبيو برئيس الوزراء آبي أحمد يعكس إدراك واشنطن لخطورة التصعيد، خاصة أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية، لكنها تواجه تحدياً يتمثل في محدودية نفوذها المباشر على أسمرة، وتعقيدات الصراع في تيغراي».

وأكد أن «نجاح واشنطن لن يُقاس بمجرد الاتصالات الدبلوماسية، بل بقدرتها على تحويلها إلى تفاهمات أمنية ملموسة تعالج المخاوف المتبادلة، وتمنع تحول أزمة تيغراي والخلاف حول البحر الأحمر إلى حرب جديدة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله».

وتتوقع الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن يستجيب آبي أحمد لطلب واشنطن بالتهدئة، «خاصة أنه لديه مصلحة في توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع الولايات المتحدة، لا سيما في ظل استمرار معاناة إثيوبيا من نقص النقد الأجنبي، وأعباء الديون، والتضخم، والتبعات المالية للصراعات الداخلية الممتدة».

وتعتقد تسوكرمان أن لدى الرئيس الإريتري، آسياس أفورقي «دوافع أقل بكثير للاستجابة للضغوط الاقتصادية الأميركية، مقارنة بآبي أحمد»، مؤكدة، أن إريتريا «تحملت عقوداً من العقوبات، وتظل فرص التأثير الأميركي عليها عبر الحوافز الاقتصادية التقليدية محدودة، لكن يمكن لروبيو استكشاف إمكانية تقديم ضمانات دبلوماسية بشأن سيادة إريتريا، والعمل على تحسين العلاقات الثنائية تدريجياً، مع إبقاء أي مناقشات تتعلق بالعقوبات ضمن الأطر القانونية القائمة».

ترقب على الحدود

ويأتي ذلك التحذير الأميركي وسط تقدم للقوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفائها باتجاه بلدة قريبة من الحدود مع إريتريا، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» الأربعاء عن مصدرين، لافتة إلى أن ذلك يعزز المخاوف من اندلاع حرب إقليمية.

وقال أحد أفراد القوات الموالية للحكومة للوكالة: «إن قوات الدفاع تسيطر على قرى قريبة من بلدة زالامبيسا القريبة من حدود البلدين»، مضيفاً: «لم تعبر أي قوات إثيوبية إلى إريتريا».

وأفاد أحد سكان زالامبيسا بأن «الجيش الإثيوبي وصل إلى مسافة تبعد نحو خمسة كيلومترات جنوبي البلدة، فيما يتمركز الجيش الإريتري عند أطرافها الشمالية»، مؤكداً أن «الوضع يثير قلقاً عميقاً بين السكان الذين يخشون أن تتحول البلدة إلى ساحة معركة».

وصرح وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل بأن الأنباء التي تحدثت عن عبور قوات إثيوبية للحدود «لا يمكن الوثوق بها».

دورية راجلة للشرطة الفيدرالية الإثيوبية في أحد شوارع مدينة ميكيلي (أ.ف.ب)

وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي» التي أطلقت هجوماً واسع النطاق على القوات الحكومية في 23 سبتمبر (أيلول)، قبل أن تنسحب من أكثر من منطقة، وسط ترقب ومخاوف من تجدد الحرب الأهلية التي أودت بحياة مئات الآلاف بين عامي 2020 و2022.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات بالكامل هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

فيما تتهم إريتريا إثيوبيا، وهي دولة غير ساحلية، بالتخطيط لاستغلال النزاع ذريعة لغزو أراضيها، والسيطرة على «ميناء عصب» الواقع على البحر الأحمر.

ووسط تلك التطورات، يعتقد موسى شيخو أن «الحشود العسكرية على الحدود الإثيوبية الإريترية تمثل انتقالاً للأزمة من التوتر السياسي إلى مرحلة الردع المتبادل، في ظل التحولات الميدانية الأخيرة في تيغراي. ويرتبط تعزيز الانتشار العسكري بتأمين الحدود، وحماية السيادة الوطنية، بينما تنظر أسمرة إلى هذه التحركات باعتبارها تهديداً محتملاً لأمنها».

وحذر من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن في الحشود ذاتها، بل في احتمال سوء التقدير العسكري، الذي قد يحول احتكاكاً حدودياً محدوداً إلى مواجهة يصعب احتواؤها».

وتقف المنطقة بحسب شيخو «أمام ثلاثة احتمالات تتضمن تهدئة برعاية دولية، أو استمرار الردع العسكري المتبادل، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع».


مقالات ذات صلة

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

شمال افريقيا السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

تحركات إسرائيلية للتموضع في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي مع تسليم أول سفير أوراق اعتماده في هرغيسا، في خطوة تعزز حضور تل أبيب بالقرن الأفريقي

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في مدينة أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية، التوتر مع دول الجوار.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي السفير الإسرائيلي يقدم أوراق اعتماده في «أرض الصومال» (مكتب رئاسة إقليم «أرض الصومال»)

رفض عربي لـ«التوغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»

قوبل إعلان إسرائيل عن تقديم أوراق اعتماد سفير لها لدى إقليم «أرض الصومال» الانفصالي برفض عربي، حيث عبَّرت الجامعة العربية ومصر عن رفضهما تلك الخطوة.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا جنود من الاتحاد الأفريقي يقفون إلى جانب مركباتهم المدرعة بالقرب من نقطة تفتيش في مقديشو بالصومال يوم 7 فبراير 2017 (أ.ب)

أوغندا تعلن بدء سحب قواتها من الصومال

أعلنت أوغندا أنها بدأت سحب قواتها من الصومال في إطار عملية سحب تدريجي ستُنهي انتشاراً استمر نحو عقدين كان يهدف إلى مساعدة مقديشو في محاربة تمرد حركة «الشباب».

«الشرق الأوسط» (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس») p-circle 02:12

صفقة السلاح الإثيوبية-الروسية... كيف تتغير حسابات القوة بـ«القرن الأفريقي»؟

في 28 أكتوبر قال آبي أحمد خلال زيارة لموسكو لحضور قمة روسية-أفريقية إن إثيوبيا تسلّمت الدفعة الأولى المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع.

محمد محمود (القاهرة )

8 قتلى بإطلاق نار بمنطقة ريفية في غرب تركيا

فريق من القوات الخاصة التابعة للدرك التركي في محافظة يالوفا بتركيا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
فريق من القوات الخاصة التابعة للدرك التركي في محافظة يالوفا بتركيا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

8 قتلى بإطلاق نار بمنطقة ريفية في غرب تركيا

فريق من القوات الخاصة التابعة للدرك التركي في محافظة يالوفا بتركيا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
فريق من القوات الخاصة التابعة للدرك التركي في محافظة يالوفا بتركيا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

أفاد مسؤولون محليون بأن ثمانية أشخاص قُتلوا بالرصاص في ثلاث قرى تقع في غرب وسط تركيا الخميس، فيما تنفّذ عملية بحث واسعة عن مطلق النار.

وقال مكتب محافظ أفيون قره حصار: «للأسف، قُتل ثمانية من مواطنينا وأصيب شخص آخر بجروح خطيرة جراء هجمات مسلحة وقعت في محافظتنا»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقع الحادث عصر الخميس في منطقة ريفية بالقرب من أفيون قره حصار، البلدة الواقعة في منتصف الطريق بين العاصمة أنقرة ومدينة إزمير الساحلية.

وذكرت «وكالة أنباء الأناضول» الحكومية أنه تم العثور على امرأتين مصابتين بطلقات نارية على طريق في قرية يوكاري تاندير. وسرعان ما فارقتا الحياة رغم نقلهما إلى المستشفى.

وأضافت الوكالة أنه تم العثور على ثلاث جثث أخرى في قرية كيير التي تبعد نصف ساعة بالسيارة في الاتجاه الشمالي الشرقي، وعلى ثلاث إضافية في قرية أيازيني غير البعيدة.

وأشارت إلى وجود شخص تاسع في المستشفى بعد إصابته بجروح بالغة.

وأظهرت لقطات غير واضحة مصدرها كاميرات مراقبة وبثتها وسائل إعلام تركية، رجلاً يرتدي سترة سوداء وسروالاً أبيض ويضع نظارات، حاملاً بندقية وواقفاً بجوار حافلة حمراء صغيرة.

وذكرت قناة «إن تي في» الخاصة أن الشرطة عثرت لاحقاً على المركبة الحمراء عالقة في الوحل على مشارف مدينة إسكي شهير الجامعية، التي تقع على بعد نحو مائة كلم شمالاً، مرجّحة أن يكون المشتبه به تركها وفرّ سيراً.

وأفادت وكالة أنباء «دي إتش إيه» بأن المحققين يعملون على تحديد أي صلة محتملة بين هذه الواقعة وحادث سابق وقع في وسط مدينة أفيون قره حصار، حيث تعرّضت امرأة كانت داخل سيارتها لإطلاق نار من مسلح، ما أسفر عن إصابتها بجروح خطيرة.


إيران تدرس «مقترحات ملموسة» بشأن برنامجها النووي

إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهِضة لأميركا قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهِضة لأميركا قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
TT

إيران تدرس «مقترحات ملموسة» بشأن برنامجها النووي

إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهِضة لأميركا قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهِضة لأميركا قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

تدرس إيران مجموعة مقترحات قدّمها وسطاء بشأن مستقبل برنامجها النووي، في خطوة قد تكسر جمود المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز»، عن خمسة مسؤولين اطلعوا على المفاوضات.

ووصف المسؤولون البنود قيد الدرس بأنها «مقترحات ملموسة»، ولم يكشفوا تفاصيلها. ومِن بين المسؤولين أميركي وإيرانيان، وتحدّثوا جميعاً، بشرط عدم كشف هوياتهم بسبب حساسية المحادثات.

وقال المسؤولون إن عودة طهران إلى البحث في الملف النووي، بعد أسابيع من رفض أي تنازل، تشير إلى أن الوساطة التي تقودها قطر لمنع العودة إلى حرب شاملة حققت قدراً من النجاح.

ونقلت الصحيفة عن اثنين منهم أن إيران والولايات المتحدة كانتا، حتى صباح الخميس، تُراجعان أحدث اقتراحات الوسطاء لسدّ الفجوات المتبقية. ولم تردَّ «الخارجية» الإيرانية فوراً على طلب للتعليق.

ثلاث عواصم

ووفق المسؤولين، كثّفت قطر اتصالاتها مع إيران، خلال الأسبوع الماضي، وشاركت في جولتين من المحادثات في طهران، واستضافت جولة ثالثة في الدوحة.

وقال اثنان منهم إن مسؤولين قطريين أجروا أيضاً محادثات مع مسؤولين إيرانيين في أرمينيا.

ودفع تصاعدُ الخطاب الحربي من الجانبين، في الأسابيع الأخيرة، الوسطاء القطريين إلى محاولة التوصل لاتفاق في اللحظة الأخيرة، وفق الصحيفة.

كانت واشنطن وطهران قد اتفقتا، في يونيو (حزيران) الماضي، على وقف لإطلاق النار، كان يفترض أن يمهد لمحادثات نووية ولإعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران فعلياً في بداية الحرب. لكن الاتفاق انهار، وتلَتْه أشهر من الاشتباكات المتقطعة قبل أن يستقر النزاع في جمود متوتر، وفقاً للصحيفة.

رضائي يتفاوض سراً

وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد ألمح، في كلمة مُتَلفزة، السبت، إلى أن بلاده لن تخوض محادثات نووية قبل قبول واشنطن مطالبها.

وتشمل هذه المطالب الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات عن النفط الإيراني، وإنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية.

غير أن رضائي أبدى في المحادثات غير المعلَنة انفتاحاً أكبر على بحث الملف النووي، وفق المسؤولين الإيرانيين والمسؤول الأميركي.

ويفاوض رضائي القطريين إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وفق الصحيفة.

صورة نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من لقاء سابق لمحسن رضائي وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران

وقال ثلاثة من المسؤولين إن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس برز داعماً رئيسياً للمساعي القطرية لتفادي التصعيد العسكري.

ونقلت الصحيفة أن فانس بعث، الشهر الماضي، رسالة إلى رضائي يقترح فيها محادثات سلام مباشرة تشمل البرنامج النووي.

وقال رضائي إن الرسالة أظهرت تغيراً في نبرة واشنطن، ووصف ذلك بأنه دليل على «قوة الأمة الإيرانية وانتصارها».

وكان فانس، قبل الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، أواخر فبراير (شباط) الماضي، من أشدّ المعارضين لحرب شاملة داخل الدائرة المقرَّبة من ترمب. وحذَّر حينها من فوضى إقليمية وأعداد كبيرة من الضحايا، وفقاً للصحيفة.

وقال فانس، الاثنين، إن تقدماً تحقَّق مع الإيرانيين، مشيراً إلى أن أمام ترمب خيارات «عسكرية» و«غير عسكرية». وأضاف: «الرئيس وأنا نشعر بتفاؤل كبير إزاء فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية».

أهداف جاهزة

ويبقى مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب من أبرز نقاط الخلاف. ويطالب ترمب طهران بالتخلي عن المخزون الذي يسميه «الغبار النووي».

ويرفض المسؤولون الإيرانيون نقل اليورانيوم إلى خارج البلاد. وبحثت طهران، في جولات سابقة، تخفيف نسبة تخصيبه على أراضيها تحت إشراف مفتشين دوليين، وفق الصحيفة.

وقدّرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقريرٍ صدر هذا العام، أن إيران كانت تملك في يونيو 2025 نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب. ويقول خبراء إن هذه الكمية تكفي لصنع عدد محدود من القنابل النووية.

وتقول طهران إن برنامجها سِلميّ، بينما يتهمها ترمب بالسعي إلى امتلاك قنبلة.

وتجرى الاتصالات بينما يدرس ترمب وإسرائيل شن هجوم واسع على إيران. وقال مسؤولون في البنتاغون وقادة عسكريون، الأربعاء، إن آلافاً من أفراد القوات الجوية والبحرية الأميركية جاهزون لاستئناف العمليات القتالية الكبرى، بأمرٍ من ترمب. وينتشر هؤلاء على أكثر من عشر سفن وفي قواعد بالشرق الأوسط والولايات المتحدة، وفقاً للصحيفة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأعدَّ الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لعملية قصيرة ومكثّفة. ومن المرجح أن تشمل أهدافها البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية وترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وفق مسؤولين تحدثوا شرط عدم كشف هوياتهم.

ويتأرجح ترمب بين التهديد بالعودة إلى حرب شاملة وإبداء رغبته في منح الدبلوماسية فرصة. وقال، الأربعاء، إن تقييم فانس بأن الحرب سبب هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية «صحيح إلى حد كبير»، لكنه دافع عن قراره مهاجمة إيران.

وتراجعت أسعار النفط بحدة بعد إعلان نتائج الانتخابات. ورأى بعض المراقبين أن النتائج قد تشجع ترمب على إنهاء الحرب.

وحذّر قادة إيرانيون من توسيع نطاق الأهداف إذا تعرضت بلادهم لهجوم جديد.

ويدور نقاش بين كبار المسؤولين ورجال الدين في إيران بشأن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تحظر تطوير سلاح نووي، وفق «نيويورك تايمز».


قراءة فرنسية في وضع «اللاحرب واللاسلم» بين أميركا وإيران

متظاهر يحمل لافتة الخميس في باريس عليها شعار عليها صور للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو مع كتابة تقول «إنهم يستعدون للحرب» وذلك خلال مظاهرة في باريس في إطار يوم إضراب واحتجاجات على مستوى البلاد (رويترز)
متظاهر يحمل لافتة الخميس في باريس عليها شعار عليها صور للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو مع كتابة تقول «إنهم يستعدون للحرب» وذلك خلال مظاهرة في باريس في إطار يوم إضراب واحتجاجات على مستوى البلاد (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في وضع «اللاحرب واللاسلم» بين أميركا وإيران

متظاهر يحمل لافتة الخميس في باريس عليها شعار عليها صور للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو مع كتابة تقول «إنهم يستعدون للحرب» وذلك خلال مظاهرة في باريس في إطار يوم إضراب واحتجاجات على مستوى البلاد (رويترز)
متظاهر يحمل لافتة الخميس في باريس عليها شعار عليها صور للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو مع كتابة تقول «إنهم يستعدون للحرب» وذلك خلال مظاهرة في باريس في إطار يوم إضراب واحتجاجات على مستوى البلاد (رويترز)

تلزم باريس جانب الحذر لجهة استقراء التبعات التي ترتبها هزيمة الرئيس الأميركي في الانتخابات النصفية على ملف الحرب مع إيران. ولأن دونالد ترمب دأب على مفاجأة العواصم الأوروبية، ومنها باريس، بقراراته الخاصة، إن بالنسبة لأوكرانيا أو بالنسبة لإيران، فإن الدبلوماسية الفرنسية ترفض الخوض في «قراءة المستقبل».

وتعي باريس، كما غيرها من العواصم، أن ترمب خرج ضعيفاً من المنافسة الانتخابية. لكن ما لا تعرفه يتناول خططه المستقبلية، علماً بأنه اعترف شخصياً بأن الحرب على إيران شكّلت أحد أسباب هزيمة حزبه «الجمهوري». وثمة من يرجح في العاصمة الفرنسية أن المحيطين بترمب، وربما هو شخصياً، لا يعلمون ما يخبئه المستقبل بالنسبة لهذه الحرب.

بيد أن باريس لا تنفض يدها من الملف الإيراني، والدليل على ذلك الجولة الموسعة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخراً، والتي قادته إلى خمس من ست دول خليجية. فبالإضافة إلى مسعاه إلى توفير الإمدادات اللازمة لبلاده من النفط والغاز ومشتقاته، خصوصاً لفترة الخريف والشتاء، فإن الملف الرئيسي الذي بحثه مع قادة الدول الست تمحور حول كيفية الخروج مما تسميه باريس «حالة اللاحرب واللاسلم» التي تسود المنطقة منذ عدة أشهر.

كذلك تتوقف المصادر الفرنسية عند انخراط بلادها في المنطقة عسكرياً، من غير أن يعني ذلك أنها طرف في الحرب ضد إيران، كون التزامها دفاعياً محضاً.

تنطلق القراءة الفرنسية من مبدأ أنه من الضروري أن يوضع البرنامج النووي الإيراني تحت الرقابة، وأن تتوقف إيران عن ممارساتها التي تنسف الاستقرار في المنطقة الخليجية، وأن يتاح الإبحار الحر في المياه الخليجية ومضيق هرمز وباب المندب... وتعتبر القراءة المذكورة أن ما سبق أهداف عامة مشتركة، ومن غير توافرها لن يعم الأمن والاستقرار المنطقة.

لكن الخلاف الأوروبي - الأميركي يدور حول الوسائل التي تضمن تحقيق هذه الأهداف. وتقول باريس إن لها وللأوروبيين رؤية مشتركة، وقد عمدت فرنسا وبريطانيا إلى إطلاق مهمة أوروبية لضمان المرور الآمن في مضيق هرمز، كما أن الأوروبيين يعملون في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لحماية البواخر منذ عام 2024.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرياض 22 أكتوبر 2026 (واس)

التنبيه من حالة «اللاحرب واللاسلم»

من المنظور الفرنسي، يبدو خطر العودة إلى الحرب قائماً. وتعي باريس أن بعضهم قد ينظر إلى هذا الاحتمال على أنه «فرصة» يتعين اقتناصها، رغم التطورات الأميركية الداخلية الأخيرة، من أجل الإطاحة بالنظام الإيراني، وهو ما يدفع به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وكما أن باريس والعديد من الدول الأوروبية نأت بنفسها عن الحرب على إيران منذ انطلاقتها في فبراير (شباط) الماضي، فإنها تنأى بنفسها مجدداً عن العودة إلى الحرب، كما أنها تعتبر أن تحقيق الهدف الأخير (إسقاط النظام) «لن يحصل».

وبحسب المقاربة الفرنسية، فإن الضربات العسكرية ضد إيران منحت القوة للنظام لأنه بقي واقفاً على رجليه، وعززت التفاف العناصر الأكثر راديكالية حوله، ولم تتمكن من حل معضلة البرنامج النووي.

كذلك، فإن بقاء الوضع في الخليج على حاله يعني عملياً البقاء فيما يمكن تسميته «المنطقة الرمادية»، أي «اللاحرب واللاسلم»، وصعوبة العودة إلى وضع طبيعي؛ أي البقاء في حال من انعدام الأمن والاستقرار لفترات طويلة. ونتيجة كل ذلك ستكون بالغة الإضرار بإمدادات النفط والغاز، وبالتالي بالاقتصاد الإقليمي والعالمي.

وتحذر باريس من أن تواصل هذه الحالة تترتب عليه تبعات سياسية وأخرى اقتصادية. فمن الناحية السياسية، تحذر من التهديدات التي قد تطاول العراق وسعيه لحصر السلاح بأيدي الدولة، ومن تواصل الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان، ما يوفر لـ«حزب الله» «بالون أوكسجين» والحجة لرفض تسليم سلاحه.

صورة لمضيق هرمز التقطت من الجانب العماني للمشرق في 3 نوفمبر (رويترز)

وتنبه باريس إلى أن عودة الحرب ستعني أن إيران ستستهدف مجدداً بضرباتها الدول الخليجية التي ستتضرر مجدداً، وإيران لا تخفي ذلك، وتعبر عنه علناً وتهدد بتوسيع دائرة ضرباتها.

أما التبعات الاقتصادية فواضحة، وأولها تواصل تهديد إمدادات الغاز والنفط ومشتقاته وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، فضلاً عن الإضرار باقتصادات الدول الخليجية المصدرة للطاقة. وعلى سبيل المثال، ترى باريس أن الأزمة تحرم دولة مثل قطر من 75 في المائة من صادراتها من الغاز، والاقتصادات الخليجية الأخرى متضررة.

تبدو باريس متأكدة من أن إيران لن تخضع للمطالب الأميركية، خصوصاً أن نظامها يقدّر أنه ربح الحرب ضد واشنطن. وبأي حال، فإن إيران، وفق باريس، تبدو مستعدة لاستخدام كل الوسائل المتوافرة لديها لتجنب تهديد نظامها.

وهذا يتوافق مع الأداء الإيراني المعروف: إذا انفتحت على العالم الخارجي، فإن ثروتها ستزيد ومعها قدرتها على المقاومة. أما عندما ينغلق النظام على نفسه، فإنه يضاعف قدراته وممارساته القمعية.

ماكرون خلال زيارته الدوحة والمنامة وأبوظبي الشهر الماضي (رويترز)

الحرب لن تفضي إلى حل

الثابت في القراءة الفرنسية أن سلوك طريق الحرب لن يفضي إلى حل، وبالتالي ترى أن الحل يمكن أن يكمن في الذهاب إلى ما تسميه «مفاوضات صلبة ومتشددة» مع الجانب الإيراني بشأن الملفات العالقة كافة.

ولفرنسا، كما لبريطانيا وألمانيا، تجربة طويلة في التفاوض حول ملف طهران النووي تعود إلى عام 2003، ولعب الثلاثي الأوروبي دوراً مهماً أفضى إلى اتفاقية 2015 بين إيران ومجموعة «5+1».

وخلال جولته الخليجية، تباحث ماكرون مع القادة الخليجيين بشكل معمق بشأن ما تريده هذه الدول وحول ما يمكن التفاوض بشأنه مع طهران. وقال ماكرون خلال لقاءاته إن باريس مستعدة لـ«مواكبتهم» على هذا الطريق.

كما أن الجانب الفرنسي بدا متحمساً للاجتماع «الثماني» الذي استضافته إسطنبول في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، وضم وزراء الثلاثي الأوروبي وإيطاليا من جهة، وأطراف «حلف مكة» ومصر من جهة أخرى، وتبعته زيارة لممثلي «حلف مكة» إلى طهران.

والهدف الأول والرئيسي لاجتماع إسطنبول منع عودة الحرب من خلال خفض التصعيد العسكري، وإطلاق حوار وتفاوض مع إيران على أسس قوية، والبحث عن حلول متفاوض حولها، وإعادة حرية الملاحة إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب... وتوافق المجتمعون على الالتقاء بشكل دوري، أما اجتماع طهران فاستهدف فتح قناة اتصال مباشرة مع إيران.

الدخان ينبعث من الناقلة «رئتي» عقب استهدافها في خليج عمان في 30 أكتوبر (رويترز)

ما سبق يعكس رغبة فرنسية - أوروبية في العودة إلى الملف الإيراني الذي أرادت إدارة الرئيس ترمب الهيمنة عليه بالاشتراك مع حليفها الإسرائيلي. وترى باريس، ومعها شريكاتها الأوروبيات، أن لها مصالح في الخليج ويتعين عليها إسماع صوتها والدفاع عنها. والحال أن قرار السلم والحرب ليس بيد باريس ولا بيد الأوروبيين، وإنما موجود في واشنطن.

وثمة من يراهن على أن ترمب بعد هزيمته سيكون مختلفاً عن ترمب ما قبلها، بمعنى أنه سيكون ميالاً للتفاهم مع الأوروبيين، وأنه قد يصبح أكثر تقبلاً للاستماع إلى ما يعملون من أجله، سواء أكان في أوكرانيا أو في إيران.

بالمقابل، يرى آخرون العكس تماماً، ودليلهم على ذلك تصريحاته ليل الثلاثاء - الأربعاء، حيث استعاد أدبياته الحربية السابقة. من المخطئ ومن المصيب؟ لا جواب اليوم، والجواب في قادم الأيام.