يوسي كوهين: أطلقتُ خطة «التهجير المؤقت» للغزيين... والسيسي أسقطها

«الشرق الأوسط» تنشر قراءة موسعة في كتاب رئيس الموساد السابق «بالأحابيل تصنع لك حرباً» (الأخيرة)

غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

يوسي كوهين: أطلقتُ خطة «التهجير المؤقت» للغزيين... والسيسي أسقطها

غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)

يكشف المدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، يوسي كوهين، في كتابه «بالأحابيل تصنع لك حرباً»، الصادر أخيراً، أنه هو صاحب خطة تهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة خلال الحرب الحالية، لكنه يزعم أن فكرته لا تتعلق بتهجير دائم، بل «مؤقت». يتحدث كوهين، في الجزء الأخير من القراءة المطولة التي أجرتها «الشرق الأوسط» في كتابه، عن أساليب عمل «الموساد» وطرق تجنيد العملاء، مشيراً إلى أنه لعب في إطار عمله الاستخباراتي دور «خبير آثار» في لبنان، و«تاجر شاي» في السودان.

يحمل كتاب كوهين عنوان: «بالأحابيل تصنع لك حرباً» بنسخته الصادرة باللغة العبرية، بينما اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل «الموساد» والحرب السرية».

ترحيل الغزيين... «تهجير مؤقت»

قوافل النزوح من شمال غزة يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

يكشف يوسي كوهين أنه كان صاحب خطة ترحيل نحو مليون ونصف المليون فلسطيني من غزة إلى سيناء المصرية، رداً على هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023. يقول إن خطته كانت تقضي بأن «تكون هذه الهجرة مؤقتة»، موضحاً أن الكابنيت الإسرائيلي وافق على الخطة، وعلى تكليفه بإقناع دول عربية بها، باعتبار أنها تهدف إلى خفض عدد الإصابات بين المدنيين.

وبالفعل، سافر كوهين، كما يقول، إلى عواصم عربية، لكنه وجد أن العرب يخشون أن يتحوّل الترحيل «المؤقت» إلى ترحيل أبدي. فقال لهم إنه مستعد لجلب ضمانات دولية بأن تكون الهجرة مؤقتة. وأقام اتصالات بهذا الشأن مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان والصين والهند، لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حسم الأمر، ورفض الخطة بشكل قاطع.

وعندها كان هناك اقتراح أن يتولى كوهين نفسه مهمة رئيس فريق التفاوض حول صفقة تبادل أسرى، لكن رفاقه من قادة الأجهزة الأمنية في إسرائيل أجهضوا الخطة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترمب مع المشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الصورة من صفحة المتحدث باسم الرئاسة على «فيسبوك»)

الغرور... فشل الدعاية الإسرائيلية

يكرر يوسي كوهين، في كتابه، عدة مرات ضرورة أن يتمتع القادة الإسرائيليون بصفة التواضع، لكنه في الوقت نفسه يبدو كأنه يقوم بتكرار أخطاء الغرور. فعلى سبيل المثال، يستغرب كيف يقف كثيرون في العالم ضد إسرائيل بسبب حربها ضد قطاع غزة، وكيف ينشرون الأفلام الواردة من القطاع بكميات كبيرة.

وبدل أن ينتقد كوهين الأعمال الوحشية التي طالت الغزيين، وأودت بحياة عشرات الآلاف منهم بحجة ضرب «حماس»، يرى أن المشكلة هنا تكمن في فشل الدعاية الإسرائيلية، معتبراً أن حكومة بلاده لا تكرس ما يكفي من الجهد لإظهار الحقائق، وتسويق مواقف إسرائيل. في المقابل، يتجاهل أن اللوبي الإسرائيلي في العالم يتمتع بنفوذ هائل في الإعلام الأجنبي، كما أنه يتجاهل أن يهوداً كثيرين انضموا إلى حملات الاحتجاج على تصرفات إسرائيل.

يذهب كوهين أبعد من ذلك للقول إن القادة الإسرائيليين يبتعدون عن الشعب، ويفتقرون للأحاسيس الإنسانية، والرحمة إزاء المواطنين الإسرائيليين، ولذلك لا يشعرون بآلامهم بشكل كافٍ، وبالتالي لا يعرفون كيف يعكسون للرأي العام العالمي، وحتى المحلي، حقيقة المعاناة التي يعيشها الناس. وهذا يجعل العالم، برأيه، عرضة لتأثير «حماس» ودعايتها.

ويقول إنه رغم العمليات الوحشية التي تعرض لها سكان بلدات غلاف غزة الإسرائيلية، الذين عُرفوا بأنهم أنصار سلام، وبينها الاغتصاب الجماعي، وقطع الرؤوس، والتمثيل بالجثث، وإحراق الأطفال، راح العالم يطالب إسرائيل بوقف الحرب. ومعلوم أن إسرائيل تؤكد أن مقاتلي «حماس» قاموا بهذه الأفعال خلال عملية «طوفان الأقصى»، لكن الحركة تنفي ذلك.

أطفال يأكلون داخل خيمة في مدرسة تؤوي نازحين في حي الرمال بمدينة غزة يوم 5 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

يعرض كوهين، في هذا الإطار، شكل الدعاية التي يجب على إسرائيل أن تتبناها. يقدّم تصريحات القائد في «حماس»، خالد مشعل، مثالاً لذلك، فقد قال إنه يرفض حل الدولتين، ويريد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين من النهر إلى البحر. يؤكد كوهين، هنا، أنه لا يمكن إقامة السلام مع من لا يعترف بحقك في الوجود. لكنه يتجاهل بالطبع أن القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعترفت بإسرائيل في اتفاقات أوسلو وتطالب بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على مساحة 22 في المائة من فلسطين، هي أيضاً تتعرض لتنكيل إسرائيل التي تعمل كل ما في وسعها حتى تضعفها، وتقصيها.

محمد علي كلاي

يقول كوهين إنه معجب بالملاكم الراحل محمد علي كلاي، الذي كان يقول إن النصر أو الهزيمة يتحققان بعيداً عن أنظار الجمهور، أي قبل أن يعتلي حلبة الملاكمة: «عندما أكون في مرحلة التدريب، أو أسافر بالسيارة، قبل أن أبدأ الرقص على الحلبة بكثير». يقول كوهين: «كنت صبياً يتخيل نفسه وكيلاً يتجسس بعيون صقر، وبخبث الثعلب، وبقدرة النمر على الوثوب. وعندما يقوم بالمهمة، يتمتع بصبر القناص، وعفوية الساحر، ويواجه حظوظ القيام بمهمات في بيروت، وغزة، والخرطوم، وغيرها».

غلاف الكتاب بنسخته العبرية

ويتحدث عن ضرورة أن يحرص رجل «الموساد» على التفوّق أمام مقابليه. ويروي كيف تقلّد شخصية «خبير آثار» في بعلبك اللبنانية، وشخصية «هاوي جمع أكياس شاي» أمام تاجر شاي لبناني في السودان. ويكشف عن أساليب عمل المخابرات الإسرائيلية في تجنيد عملاء، ليتبين أنها نفس الأساليب القديمة جداً التي استخدمت منذ بداية الجاسوسية قبل آلاف السنين، من خلال التفتيش عن نقاط الضعف الإنساني، واستغلال السلوكيات الشاذة، والبحث عن المصالح، وتضارب المصالح، والدوافع (مالية، آيديولوجية، جنسية، غراميات، كراهية وحسد، وغيرها).

ويقول، مبرراً هذه الأساليب: «يجب أن يعرف الهدف أن لديه الكثير الذي سيخسره إذا لم يتعاون، وهكذا يتم الإيقاع به في أحابيل المخابرات الإسرائيلية. وفي أحيان كثيرة، عندما يكون الهدف ضابطاً كبيراً في الجيش السوري، أو عالم ذرة إيرانياً، أنت توقعه في أحابيلك لدرجة أن يقوم بعمل يمكن وصفه بالخيانة. فعندما يقع بالشرك، تستغله حتى آخر لحظة، لأنك تهدد بكشف خيانته».

طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على مساعدات غذائية في خان يونس مع استمرار المجاعة وموجات النزوح في غزة خلال شهر سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

والأحابيل هي أهم شعار يستخدمه «الموساد»: «بالأحابيل تصنع لك حرباً»، وهو الذي اختاره كوهين اسماً لكتابه باللغة العبرية (اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل الموساد والحرب السرية»). ويقول إن مثله الأعلى هو كالان، بطل مسلسل «كالان» البريطاني. وقد أصبح اسم «كالان» أحد أسماء التغطية التي استخدمها في عملياته.

إسرائيل في العالم

يقول كوهين إن «الموساد» يتابع التطورات في كل مكان يؤثر على إسرائيل مباشرة، أو بشكل غير مباشر. يهتم بشكل عميق بالتطورات في إيران ولبنان وسوريا والعراق واليمن، والتنظيمات المسلحة التابعة. ولكنه يرى أن هناك خطراً ماحقاً بالبشرية جمعاء يجب أن يأخذ الحيّز اللازم من الاهتمام لدى المخابرات، وهو أزمة المناخ، مشيراً إلى أنه شخصياً اهتم -ولا يزال يهتم- به حتى بعد ترك منصبه.

لكن قضية التعاون الدولي في موضوع المخابرات تعتبر أهم مشروع لـ«الموساد». ويروي كيف قام بتطوير العلاقات مع المخابرات في جميع أنحاء العالم. ويقول إن ذلك بدأ عندما قام تنظيم «داعش» بتنظيم عمليات إرهاب في بلجيكا، في سنة 2016. ففي نفس اليوم الذي تم فيه الهجوم الإرهابي، تلقى كوهين إنذاراً ساخناً عن العمليات. لكن الإنذار جاء متأخراً. إلا أنه لم يمنعه من الاتصال بنظيره البلجيكي وإبلاغه. وأعطاه مزيداً من المعلومات التي ساعدت في التحقيق. ثم قام في السنة نفسها بإبلاغ أستراليا بخطة لتفجير طائرة مدنية تعمل على خط أبوظبي-سيدني. وبفضل «الموساد» مُنعت العملية، وتم كشف الخلية مع أسلحتها ومواد التفجير الجاهزة.

يعدد كوهين دولاً كثيرة «مدينة» لـ«الموساد» بالكشف عن عمليات وخلايا إرهاب، ويقتبس عدداً من زملائه في قيادة المخابرات الألمانية والبريطانية والفرنسية والألمانية الذين قالوا له إن شعوبهم مدينة لإسرائيل بفضل ما كشفه «الموساد» عن خلايا إرهابية. ويقول إن إسرائيل أيضاً استفادت من تلك المخابرات.

ولا تخرج تركيا عن هذه القاعدة، التي رغم العلاقات السيئة معها فإن كوهين لم يتردد في إبلاغها بما يعرف عن خلايا إرهابية على أراضيها. يقول: «في صيف 2018، ساعدت إسرائيل تركيا على كشف معلومات عن خلايا إرهابية نفذت 16 هجوماً، رغم العلاقات السيئة بين البلدين». واهتم كوهين بالتأكيد على أن قائد المخابرات التركية في ذلك الوقت كان هاكان فيدان، وزير الخارجية الحالي.

«القائد القوي هو الذي يقدّم تنازلات»

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهين الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو في 7 ديسمبر 2015 (غيتي)

من الواضح أن كوهين يحاول في الكتاب أن يقدم صورة جيدة عن «الموساد»، لكنه أبرز نفسه أكثر من أي شخص آخر في فصوله، وهذا أمر مفهوم كون الكتاب يتناول مسيرته هو. سيقول منتقدون إن هدف كوهين واضح، وهو أن يصل إلى منصب رئيس الحكومة. فقد حاول أن يرد على كل سؤال يمكن أن يخطر ببال الإسرائيليين وغير الإسرائيليين، حتى يقنعهم بأنه أفضل من يصلح لهذا المنصب، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. يمشي بين بحر من النقاط، كي يرضي جميع الأطراف، لكن الأهم أنه يقتبس أقوال المعجبين به، وبينهم يهود وعرب ويمينيون ويساريون ومتدينون وعلمانيون، إسرائيليون، وأجانب.

ولأولئك الذين يريدون أن تعيش إسرائيل في حرب أبدية، يقول إنه «بعد حرب أكتوبر 1973 لم يكن أحد ليصدق أنه بعد خمس سنوات فقط تم توقيع اتفاق سلام تاريخي مع مصر». ويؤكد: «القائد القوي هو الذي يقدّم تنازلات». ويشير إلى أنه بكى عند التوقيع على الاتفاق الإبراهيمي بين إسرائيل ودول عربية. وهو يمتدح القادة العرب الذين التقاهم وأظهروا رغبة حقيقية بالسلام. لكن السلام، بحسب ما يرى، يكون فقط بعد إظهار القوة.


مقالات ذات صلة

براك: إسرائيل سعت لاختبار تركيا بـ«لعبة خطيرة» عبر قصفها مطار «أبو الظهور»

شؤون إقليمية قصفت إسرائيل مطار «أبو الظهور» العسكري في شمال غربي سوريا بزعم الاستعداد لنشر قوات تركيا في قاعدة جوية بداخله (رويترز)

براك: إسرائيل سعت لاختبار تركيا بـ«لعبة خطيرة» عبر قصفها مطار «أبو الظهور»

رجّح السفير الأميركي في أنقرة، المبعوث الرئاسي توم برّاك، احتمال أن تكون إسرائيل أرادت اختبار تركيا بالهجوم على مطار أبو الظهور العسكري في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (د.ب.أ) p-circle

تقرير: رئيس «الموساد» ووزير الخارجية السوري بحثا الوجود العسكري التركي

قالت ثلاثة مصادر مطلعة إن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي أجرى مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري الأسبوع الماضي، ناقشا خلالها الوجود العسكري التركي في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس الجديد لـ«الموساد» الإسرائيلي رومان غوفمان (يسار) يتسلم شارة رمزية في مراسم تسلمه رئاسة الجهاز من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وبحضور الرئيس المنتهية ولايته ديفيد برنياع (إكس)

إقالة مسؤولين بارزين بـ«الموساد» فشلا في إسقاط النظام الإيراني

قرار إقالة مسؤولين بارزين في «الموساد»، بحجة مسؤوليتهما عن فشل خطة إسقاط النظام الإيراني، يقف خلفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

نظير مجلي (تل أبيب )
شؤون إقليمية رجل يحمل صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي خلال مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي في طهران (أ.ب) p-circle

تقرير: «الموساد» و«سي آي إيه» يعوّلان على الاستخبارات البشرية لتعقب مجتبى خامنئي

أفاد تقرير صحافي بأن جهاز «الموساد» ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية يقودان عملية مشتركة لتعقب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة أرشيفية لرومان غوفمان رئيس الموساد (رويترز)

مصادر: رئيس الموساد عقد محادثات في واشنطن بشأن حرب إيران

نقل موقع «أكسيوس»، الأربعاء، عن مصدرين مطلعين لم يسمهما، أن رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) توجّه إلى واشنطن قبل أسبوعين لمناقشة مسألة حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
TT

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)

​قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، صباح ال​يوم ‌(السبت)، ⁠إن ​ربان ناقلة نفط ⁠خام أفاد بتعرضها لضربة بمقذوف ⁠غير ‌معروف على ‌بعد ​أربعة أميال ‌بحرية ‌من شرق سلطنة عمان.

وذكرت الهيئة ‌أن جميع أفراد الطاقم ⁠بخير، ⁠وأنه لم يتم الإبلاغ عن أي أثر بيئي في الوقت ​الراهن.


واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة، في حين تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن إلى استهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً في الفترة الأخيرة إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية الشهر المقبل أو ربما قبلها. كما حثّ ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع مَن يتعامل في إيران». في المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز؛ ما أدى إلى نشوب حريق في السفينة. وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيَّرة و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز».

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، في حين تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول).


استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، بينما تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن لاستهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي، مراراً في الفترة الأخيرة، إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية، الشهر المقبل، أو ربما قبلها، كما حث ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع من يتعامل في إيران».

وفي المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول في أثناء عبورها مضيق هرمز. وتعرّضت الناقلة، يوم الجمعة، لهجوم في أثناء خروجها من مضيق هرمز؛ ما تسبب في حريق على متنها أُخمد لاحقاً لتواصل رحلتها، وفق ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وقالت الهيئة إن الربّان أفاد بتعرّض الناقلة «لضربة بمقذوف غير محدد في أثناء إبحارها خارجة من المضيق؛ ما أدى إلى نشوب حريق صغير، وانقطاع التيار الكهربائي على متنها». وأوضحت الهيئة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الحريق أُخمد، والسفينة تواصل رحلتها». وأوضحت الهيئة أن الناقلة، التي لم تفصح عن اسمها أو العلم الذي ترفعه، واصلت رحلتها بعد السيطرة على الحريق.

وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة، و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، بينما تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول) الماضي.

تكثيف العقوبات الأميركية

وبالتوازي مع التهديدات العسكرية، وسّعت واشنطن نطاق ضغوطها الاقتصادية على طهران، بإعلان وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، فرض عقوبات جديدة على قطاعي السكك الحديدية والسيارات في إيران، إلى جانب شركات وموردين أجانب يتعاملون معهما، في أحدث خطوات حملة تستهدف تقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة الإيرانية.

وتندرج العقوبات ضمن عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أعلنتها وزارة الخزانة في 24 أغسطس (آب) الماضي، بهدف حرمان طهران من الإيرادات التي تقول واشنطن إنها تُستخدم في تمويل الحرب، وتطوير الصواريخ، وتنفيذ الهجمات الإلكترونية، ودعم «الحرس الثوري» الإيراني.

وتستهدف الإجراءات الجديدة قطاعات اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران، في ظل الحصار البحري الأميركي الذي أدى إلى تعطيل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، ودفع طهران إلى زيادة اعتمادها على شبكات النقل البرية لنقل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية وسلع أخرى.

وشملت العقوبات شركتي «إيران خودرو» و«سايبا» لصناعة السيارات، اللتين قالت وزارة الخزانة إنهما تستحوذان على أكثر من 90 في المائة من سوق السيارات المحلية، فضلاً عن شركة السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للدولة، وشركة «قطارات رجا» لنقل الركاب، وشركة «راه آهن حمل ونقل»، التي وصفتها الوزارة بأنها من كبرى شركات شحن البضائع الخاصة في البلاد.

كما طالت العقوبات شركات أجنبية في إندونيسيا وتركيا، تتهمها واشنطن بتزويد قطاع السيارات الإيراني بالإمدادات اللازمة لاستمرار نشاطه.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الإجراءات الجديدة «تستهدف بصورة مباشرة الجهات التي تساعد إيران»، وتمهد الطريق أمام الولايات المتحدة وشركائها لاستنزاف إيرادات النظام الإيراني بصورة نهائية.

وتعكس العقوبات توجهاً أميركياً نحو توسيع نطاق الحصار الاقتصادي، بحيث لا يقتصر على تعطيل الصادرات البحرية، بل يمتد إلى شبكات النقل والتجارة والإمداد داخل إيران وخارجها.

لكن هذه الاستراتيجية تثير مخاوف من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للإيرانيين، في ظل اتساع نطاق القطاعات المستهدفة وتأثيرها المحتمل على النشاط الاقتصادي، وفرص العمل وتكاليف النقل والإنتاج.

منصة «إيه 7» الروسية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

وفي إطار مساعيها لتضييق الخناق على شبكات التمويل التي تتهمها بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، فرضت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة على منصة «إيه 7» الروسية للتحويلات المالية، متهمة إياها بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، وإخفاء مدفوعات تخص قطاعات وأفراداً خاضعين للعقوبات.

وقالت الوزارة، الخميس، إنها تحظر التعاملات مع المنصة ووكلائها، ووصفتها بأنها «منظمة إجرامية كبيرة عابرة للحدود»، مشيرة إلى أن الإجراءات الجديدة توسّع نطاق العقوبات السابقة لتشمل الشبكة المرتبطة بها بالكامل.

وتأسست «إيه 7»، عام 2024، على يد بنك «بي إس بي» الروسي، الذي يركز على قطاع الدفاع، وسرعان ما أصبحت من أبرز الجهات العاملة في سوق المدفوعات الدولية في روسيا، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تطوير أنظمة مالية بديلة عن المنظومة الغربية، بالاعتماد على وسائل تشمل العملات المشفرة والذهب والعملات غير الغربية، وبالتعاون مع شركاء تجاريين رئيسيين، من بينهم الصين والهند.

ورفضت المنصة، في بيان صدر، الجمعة، الاتهامات الأميركية، نافية أي صلات لها بإيران أو منظمات إرهابية، ومؤكدة أنها توفر خدمات تسوية المدفوعات للسوق الروسية، التي قالت إنها تخضع لإجراءات تقييدية غير قانونية، وأضافت أنها تقدم خدماتها لدعم عمليات الاستيراد والتصدير المشروعة، المتعلقة بالسلع الاستهلاكية والمواد الأولية.

في المقابل، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المنصة أنشأت شبكة عالمية من الشركات التابعة بهدف إخفاء المدفوعات المرتبطة بقطاعات وأشخاص خاضعين للعقوبات، وإظهارها على أنها معاملات تجارية اعتيادية، مضيفة أن إيران و«الحرس الثوري» استفادا من هذه الشبكة.

مقترح عراقجي

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وفي موازاة التصعيد العسكري والاقتصادي، برزت مؤشرات على تحرك دبلوماسي إيراني لاحتواء الضغوط؛ إذ أفادت مصادر مطلعة لوكالة «بلومبرغ» بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اقترح، خلال لقاءاته في نيويورك، السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب، مقابل تخفيف العقوبات الأميركية.

وبحسب المصادر، فإن المقترح قد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران، ورغبتها في التوصل إلى تفاهم يخفف وطأة العقوبات، وإن لم يقدم عراقجي، خلال لقاءاته، تفاصيل موسعة بشأن الوضع الاقتصادي الإيراني، أو طبيعة التنازلات التي قد تكون بلاده مستعدة لتقديمها.

ويأتي المقترح في وقت لا تزال فيه الملفات النووية والعقوبات والأمن الإقليمي تشكل أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، وسط شكوك أميركية بشأن فرص التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار.

وبينما تواصل واشنطن الجمع بين التهديد باستخدام القوة، وتشديد العقوبات، تسعى طهران إلى إظهار استعدادها للمواجهة العسكرية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاهمات دبلوماسية قد تتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية، غير أن استمرار استهداف السفن في مضيق هرمز، وتباعد مواقف الطرفين بشأن الملفات الأمنية والنووية، يبقيان احتمالات التصعيد قائمة، ويجعلان المسار الذي ستتخذه المواجهة مرهوناً بمدى استعداد الجانبين لتقديم تنازلات تحول دون تجدد العمليات العسكرية.