يوسي كوهين: أطلقتُ خطة «التهجير المؤقت» للغزيين... والسيسي أسقطها

«الشرق الأوسط» تنشر قراءة موسعة في كتاب رئيس الموساد السابق «بالأحابيل تصنع لك حرباً» (الأخيرة)

غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

يوسي كوهين: أطلقتُ خطة «التهجير المؤقت» للغزيين... والسيسي أسقطها

غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)

يكشف المدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، يوسي كوهين، في كتابه «بالأحابيل تصنع لك حرباً»، الصادر أخيراً، أنه هو صاحب خطة تهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة خلال الحرب الحالية، لكنه يزعم أن فكرته لا تتعلق بتهجير دائم، بل «مؤقت». يتحدث كوهين، في الجزء الأخير من القراءة المطولة التي أجرتها «الشرق الأوسط» في كتابه، عن أساليب عمل «الموساد» وطرق تجنيد العملاء، مشيراً إلى أنه لعب في إطار عمله الاستخباراتي دور «خبير آثار» في لبنان، و«تاجر شاي» في السودان.

يحمل كتاب كوهين عنوان: «بالأحابيل تصنع لك حرباً» بنسخته الصادرة باللغة العبرية، بينما اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل «الموساد» والحرب السرية».

ترحيل الغزيين... «تهجير مؤقت»

قوافل النزوح من شمال غزة يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

يكشف يوسي كوهين أنه كان صاحب خطة ترحيل نحو مليون ونصف المليون فلسطيني من غزة إلى سيناء المصرية، رداً على هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023. يقول إن خطته كانت تقضي بأن «تكون هذه الهجرة مؤقتة»، موضحاً أن الكابنيت الإسرائيلي وافق على الخطة، وعلى تكليفه بإقناع دول عربية بها، باعتبار أنها تهدف إلى خفض عدد الإصابات بين المدنيين.

وبالفعل، سافر كوهين، كما يقول، إلى عواصم عربية، لكنه وجد أن العرب يخشون أن يتحوّل الترحيل «المؤقت» إلى ترحيل أبدي. فقال لهم إنه مستعد لجلب ضمانات دولية بأن تكون الهجرة مؤقتة. وأقام اتصالات بهذا الشأن مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان والصين والهند، لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حسم الأمر، ورفض الخطة بشكل قاطع.

وعندها كان هناك اقتراح أن يتولى كوهين نفسه مهمة رئيس فريق التفاوض حول صفقة تبادل أسرى، لكن رفاقه من قادة الأجهزة الأمنية في إسرائيل أجهضوا الخطة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترمب مع المشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الصورة من صفحة المتحدث باسم الرئاسة على «فيسبوك»)

الغرور... فشل الدعاية الإسرائيلية

يكرر يوسي كوهين، في كتابه، عدة مرات ضرورة أن يتمتع القادة الإسرائيليون بصفة التواضع، لكنه في الوقت نفسه يبدو كأنه يقوم بتكرار أخطاء الغرور. فعلى سبيل المثال، يستغرب كيف يقف كثيرون في العالم ضد إسرائيل بسبب حربها ضد قطاع غزة، وكيف ينشرون الأفلام الواردة من القطاع بكميات كبيرة.

وبدل أن ينتقد كوهين الأعمال الوحشية التي طالت الغزيين، وأودت بحياة عشرات الآلاف منهم بحجة ضرب «حماس»، يرى أن المشكلة هنا تكمن في فشل الدعاية الإسرائيلية، معتبراً أن حكومة بلاده لا تكرس ما يكفي من الجهد لإظهار الحقائق، وتسويق مواقف إسرائيل. في المقابل، يتجاهل أن اللوبي الإسرائيلي في العالم يتمتع بنفوذ هائل في الإعلام الأجنبي، كما أنه يتجاهل أن يهوداً كثيرين انضموا إلى حملات الاحتجاج على تصرفات إسرائيل.

يذهب كوهين أبعد من ذلك للقول إن القادة الإسرائيليين يبتعدون عن الشعب، ويفتقرون للأحاسيس الإنسانية، والرحمة إزاء المواطنين الإسرائيليين، ولذلك لا يشعرون بآلامهم بشكل كافٍ، وبالتالي لا يعرفون كيف يعكسون للرأي العام العالمي، وحتى المحلي، حقيقة المعاناة التي يعيشها الناس. وهذا يجعل العالم، برأيه، عرضة لتأثير «حماس» ودعايتها.

ويقول إنه رغم العمليات الوحشية التي تعرض لها سكان بلدات غلاف غزة الإسرائيلية، الذين عُرفوا بأنهم أنصار سلام، وبينها الاغتصاب الجماعي، وقطع الرؤوس، والتمثيل بالجثث، وإحراق الأطفال، راح العالم يطالب إسرائيل بوقف الحرب. ومعلوم أن إسرائيل تؤكد أن مقاتلي «حماس» قاموا بهذه الأفعال خلال عملية «طوفان الأقصى»، لكن الحركة تنفي ذلك.

أطفال يأكلون داخل خيمة في مدرسة تؤوي نازحين في حي الرمال بمدينة غزة يوم 5 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

يعرض كوهين، في هذا الإطار، شكل الدعاية التي يجب على إسرائيل أن تتبناها. يقدّم تصريحات القائد في «حماس»، خالد مشعل، مثالاً لذلك، فقد قال إنه يرفض حل الدولتين، ويريد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين من النهر إلى البحر. يؤكد كوهين، هنا، أنه لا يمكن إقامة السلام مع من لا يعترف بحقك في الوجود. لكنه يتجاهل بالطبع أن القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعترفت بإسرائيل في اتفاقات أوسلو وتطالب بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على مساحة 22 في المائة من فلسطين، هي أيضاً تتعرض لتنكيل إسرائيل التي تعمل كل ما في وسعها حتى تضعفها، وتقصيها.

محمد علي كلاي

يقول كوهين إنه معجب بالملاكم الراحل محمد علي كلاي، الذي كان يقول إن النصر أو الهزيمة يتحققان بعيداً عن أنظار الجمهور، أي قبل أن يعتلي حلبة الملاكمة: «عندما أكون في مرحلة التدريب، أو أسافر بالسيارة، قبل أن أبدأ الرقص على الحلبة بكثير». يقول كوهين: «كنت صبياً يتخيل نفسه وكيلاً يتجسس بعيون صقر، وبخبث الثعلب، وبقدرة النمر على الوثوب. وعندما يقوم بالمهمة، يتمتع بصبر القناص، وعفوية الساحر، ويواجه حظوظ القيام بمهمات في بيروت، وغزة، والخرطوم، وغيرها».

غلاف الكتاب بنسخته العبرية

ويتحدث عن ضرورة أن يحرص رجل «الموساد» على التفوّق أمام مقابليه. ويروي كيف تقلّد شخصية «خبير آثار» في بعلبك اللبنانية، وشخصية «هاوي جمع أكياس شاي» أمام تاجر شاي لبناني في السودان. ويكشف عن أساليب عمل المخابرات الإسرائيلية في تجنيد عملاء، ليتبين أنها نفس الأساليب القديمة جداً التي استخدمت منذ بداية الجاسوسية قبل آلاف السنين، من خلال التفتيش عن نقاط الضعف الإنساني، واستغلال السلوكيات الشاذة، والبحث عن المصالح، وتضارب المصالح، والدوافع (مالية، آيديولوجية، جنسية، غراميات، كراهية وحسد، وغيرها).

ويقول، مبرراً هذه الأساليب: «يجب أن يعرف الهدف أن لديه الكثير الذي سيخسره إذا لم يتعاون، وهكذا يتم الإيقاع به في أحابيل المخابرات الإسرائيلية. وفي أحيان كثيرة، عندما يكون الهدف ضابطاً كبيراً في الجيش السوري، أو عالم ذرة إيرانياً، أنت توقعه في أحابيلك لدرجة أن يقوم بعمل يمكن وصفه بالخيانة. فعندما يقع بالشرك، تستغله حتى آخر لحظة، لأنك تهدد بكشف خيانته».

طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على مساعدات غذائية في خان يونس مع استمرار المجاعة وموجات النزوح في غزة خلال شهر سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

والأحابيل هي أهم شعار يستخدمه «الموساد»: «بالأحابيل تصنع لك حرباً»، وهو الذي اختاره كوهين اسماً لكتابه باللغة العبرية (اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل الموساد والحرب السرية»). ويقول إن مثله الأعلى هو كالان، بطل مسلسل «كالان» البريطاني. وقد أصبح اسم «كالان» أحد أسماء التغطية التي استخدمها في عملياته.

إسرائيل في العالم

يقول كوهين إن «الموساد» يتابع التطورات في كل مكان يؤثر على إسرائيل مباشرة، أو بشكل غير مباشر. يهتم بشكل عميق بالتطورات في إيران ولبنان وسوريا والعراق واليمن، والتنظيمات المسلحة التابعة. ولكنه يرى أن هناك خطراً ماحقاً بالبشرية جمعاء يجب أن يأخذ الحيّز اللازم من الاهتمام لدى المخابرات، وهو أزمة المناخ، مشيراً إلى أنه شخصياً اهتم -ولا يزال يهتم- به حتى بعد ترك منصبه.

لكن قضية التعاون الدولي في موضوع المخابرات تعتبر أهم مشروع لـ«الموساد». ويروي كيف قام بتطوير العلاقات مع المخابرات في جميع أنحاء العالم. ويقول إن ذلك بدأ عندما قام تنظيم «داعش» بتنظيم عمليات إرهاب في بلجيكا، في سنة 2016. ففي نفس اليوم الذي تم فيه الهجوم الإرهابي، تلقى كوهين إنذاراً ساخناً عن العمليات. لكن الإنذار جاء متأخراً. إلا أنه لم يمنعه من الاتصال بنظيره البلجيكي وإبلاغه. وأعطاه مزيداً من المعلومات التي ساعدت في التحقيق. ثم قام في السنة نفسها بإبلاغ أستراليا بخطة لتفجير طائرة مدنية تعمل على خط أبوظبي-سيدني. وبفضل «الموساد» مُنعت العملية، وتم كشف الخلية مع أسلحتها ومواد التفجير الجاهزة.

يعدد كوهين دولاً كثيرة «مدينة» لـ«الموساد» بالكشف عن عمليات وخلايا إرهاب، ويقتبس عدداً من زملائه في قيادة المخابرات الألمانية والبريطانية والفرنسية والألمانية الذين قالوا له إن شعوبهم مدينة لإسرائيل بفضل ما كشفه «الموساد» عن خلايا إرهابية. ويقول إن إسرائيل أيضاً استفادت من تلك المخابرات.

ولا تخرج تركيا عن هذه القاعدة، التي رغم العلاقات السيئة معها فإن كوهين لم يتردد في إبلاغها بما يعرف عن خلايا إرهابية على أراضيها. يقول: «في صيف 2018، ساعدت إسرائيل تركيا على كشف معلومات عن خلايا إرهابية نفذت 16 هجوماً، رغم العلاقات السيئة بين البلدين». واهتم كوهين بالتأكيد على أن قائد المخابرات التركية في ذلك الوقت كان هاكان فيدان، وزير الخارجية الحالي.

«القائد القوي هو الذي يقدّم تنازلات»

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهين الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو في 7 ديسمبر 2015 (غيتي)

من الواضح أن كوهين يحاول في الكتاب أن يقدم صورة جيدة عن «الموساد»، لكنه أبرز نفسه أكثر من أي شخص آخر في فصوله، وهذا أمر مفهوم كون الكتاب يتناول مسيرته هو. سيقول منتقدون إن هدف كوهين واضح، وهو أن يصل إلى منصب رئيس الحكومة. فقد حاول أن يرد على كل سؤال يمكن أن يخطر ببال الإسرائيليين وغير الإسرائيليين، حتى يقنعهم بأنه أفضل من يصلح لهذا المنصب، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. يمشي بين بحر من النقاط، كي يرضي جميع الأطراف، لكن الأهم أنه يقتبس أقوال المعجبين به، وبينهم يهود وعرب ويمينيون ويساريون ومتدينون وعلمانيون، إسرائيليون، وأجانب.

ولأولئك الذين يريدون أن تعيش إسرائيل في حرب أبدية، يقول إنه «بعد حرب أكتوبر 1973 لم يكن أحد ليصدق أنه بعد خمس سنوات فقط تم توقيع اتفاق سلام تاريخي مع مصر». ويؤكد: «القائد القوي هو الذي يقدّم تنازلات». ويشير إلى أنه بكى عند التوقيع على الاتفاق الإبراهيمي بين إسرائيل ودول عربية. وهو يمتدح القادة العرب الذين التقاهم وأظهروا رغبة حقيقية بالسلام. لكن السلام، بحسب ما يرى، يكون فقط بعد إظهار القوة.


مقالات ذات صلة

تقرير: إسرائيل أبلغت أميركا بمخطط إيراني جديد لاغتيال ترمب

شؤون إقليمية جانب من موكب جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في مدينة قم... وتظهر لافتة بين الحضور تدعو لقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

تقرير: إسرائيل أبلغت أميركا بمخطط إيراني جديد لاغتيال ترمب

أفاد مصدران مطّلعان شبكة «سي إن إن» بأن إسرائيل تبادلت معلومات استخباراتية مع الولايات المتحدة تفيد بأن إيران وضعت مؤخراً خطة جديدة لاغتيال الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الجديد لـ«الموساد» الإسرائيلي رومان غوفمان (يسار) يتسلم شارة رمزية في مراسم تسلمه رئاسة الجهاز من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وبحضور الرئيس المنتهية ولايته ديفيد برنياع (إكس)

هزة في «الموساد» بعد إقالة قائد العمليات في إيران

يشهد «الموساد» هزة كبيرة بعد قرار رئيسه الجديد رومان غوفمان إقالة نائبه المعروف باللقب «أ»، ما أثار مخاوف من خلل في عمل الجهاز، خصوصاً على الجبهة الإيرانية.

نظير مجلي (تل ابيب)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (نيويورك تايمز)

إسرائيل تتجسس على مفاوضي ترمب مع إيران

أثارت تقارير استخباراتية أميركية حديثة مخاوف بشأن قيام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالتنصّت على المفاوضين الأميركيين العاملين على اتفاق سلام مع إيران.

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الجديد لـ«الموساد» الإسرائيلي رومان غوفمان (يسار) يتسلم شارة رمزية في مراسم تسلمه رئاسة الجهاز من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وبحضور الرئيس المنتهية ولايته ديفيد برنياع (إكس) p-circle 02:31

نتنياهو يسلم غوفمان رئاسة «الموساد» ويشدد على محاربة إيران

شدد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال حفل تنصيب رئيس الموساد الجديد رومان غوفمان، على مواصلة محاربة إيران، معتبراً أن «مصير النظام الإيراني الزوال».

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية رجل دين إيراني يسير بجوار لافتة معادية لإسرائيل والولايات المتحدة كُتب عليها باللغة الفارسية «زئير الأسد أم صرير الفأر؟!» معلقة على مبنى حكومي في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)

إيران تعدم خبيراً إلكترونياً بتهمة التجسس لحساب «الموساد»

أعدمت السلطات الإيرانية، الأربعاء، رجلاً في أوائل الثلاثينات من عمره بعد إدانته أمام «محكمة الثورة» بالتجسس لصالح إسرائيل ليكون السادس الذي يُعدم بالتهمة نفسها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

وساطة تُعيد واشنطن وطهران إلى الحوار

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)
TT

وساطة تُعيد واشنطن وطهران إلى الحوار

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة وافقت على إجراء محادثات مع إيران بعد أن طلبت طهران، عبر الوسطاء، مواصلة المفاوضات، لكنه أضاف أن وقف إطلاق النار المتفق عليه بين البلدين في يونيو (‌حزيران) قد «انتهى».

وكتب ترمب على ‌منصة «تروث سوشيال» قائلاً: «طلبت منا جمهورية إيران الإسلامية مواصلة المحادثات، ووافقنا على ذلك، لكن الولايات المتحدة أبلغتها، بعبارات لا لبس فيها، بأن وقف إطلاق النار قد انتهى». وذكر موقع «أكسيوس» الأميركي أن باكستان وقطر ودولاً إقليمية أخرى توسطت في اللحظات الأخيرة لتهدئة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وإحياء المفاوضات، وفقاً لمصدرين من الدول الوسيطة. وقال أحدهما إن «جهوداً دبلوماسية مكثفة نجحت أولاً في التوصل إلى الاتفاق مع الجانبين على خفض التصعيد، ومن ثم تحديد موعد لجولة أخرى من المفاوضات بين الطرفين».

وذكر مصدر إقليمي أن الوسطاء يعتقدون أن الهجمات الإيرانية الأخيرة في هرمز كانت من تدبير عناصر داخل النظام الإيراني تُعارض «مذكرة التفاهم»، وتسعى إلى تقويضها.


وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ب)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ب)

أورد ‌موقع ​وزارة ‌الخزانة ⁠الأميركية، ​الجمعة، ⁠أن ⁠الولايات ‌المتحدة ‌أصدرت ​عقوبات ‌جديدة ‌متعلقة بإيران.

وجاء على موقع الوزارة أن عقوبات فُرضت على رجل الأعمال الإيراني علي أنصاري، المتهم بإدارة شبكة مالية عالمية تخدم المرشد مجتبى خامنئي، وعدداً من كبار مسؤولي النظام و«الحرس الثوري».

وقالت الوزارة إن أنصاري أنشأ منظومة واسعة «لاختلاس الأموال العامة وتحويلها إلى استثمارات وعقارات في الخارج؛ ما مكّنه من تكوين إمبراطورية مالية في دول عدة (...) عبر شركات واجهة وحسابات مصرفية معقدة».

واتهمت واشنطن أنصاري باستغلال منصبه السابق مالكاً ومديراً لبنك آينده، الذي أُغلق عام 2025، للحصول على قروض بمليارات الدولارات لصالح شركاته الخاصة، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني، في وقت كانت فيه الأموال تُستخدم لتوسيع استثمارات خارجية قالت الوزارة إنها تصب في مصلحة مجتبى خامنئي ودائرة من كبار مسؤولي النظام.

وشملت العقوبات أيضاً شركة «سمارت غلوبال»، المسجلة في سانت كيتس ونيفيس، والتي تقول وزارة الخزانة إنها تُستخدم لإدارة جزء من هذه الأصول والاستثمارات.

كما استهدفت العقوبات 3 شركات صرافة إيرانية، قالت واشنطن إنها تنقل مليارات الدولارات سنوياً لصالح مصارف إيرانية خاضعة للعقوبات، مستخدمةً شركات وهمية لإخفاء هوية المستفيدين من المعاملات المالية.

وأكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن بلاده ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة «لعزل المرشد الأعلى الإيراني وكبار مسؤولي النظام عن النظام المالي العالمي»، مشدداً على أن الأصول المستهدفة «ستُحفظ لصالح الشعب الإيراني».

وبموجب العقوبات، تُجمَّد جميع الأصول التابعة للأشخاص والكيانات المدرجة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أميركية، كما يُحظر على الأشخاص والمؤسسات الأميركية إجراء أي تعاملات مالية معهم، مع إمكان فرض عقوبات ثانوية على المؤسسات الأجنبية التي تواصل التعامل معهم.


كيف أصبح غياب مجتبى خامنئي عبئاً على السلطة في إيران؟

صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

كيف أصبح غياب مجتبى خامنئي عبئاً على السلطة في إيران؟

صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

لا يزال مكان المرشد الجديد مجتبى خامنئي لغزاً يحير الإيرانيين وبقية العالم منذ تعيينه في المنصب بعد أسبوع من الهجوم الذي أودى بحياة والده في نهاية فبراير (شباط).

كان مجتبى غائباً تماماً، ولم ​يشارك في المراسم الرئيسية لتشييع جنازة والده المرشد علي خامنئي، ولا حتى برسالة مكتوبة. ويطلق هذا الوضع العنان للتكهنات بشأن خططه لإيران في هذه الفترة المضطربة من تاريخ الجمهورية منذ قيام الثورة قبل 47 عاماً.

وقالت مصادر رفيعة المستوى إن مجتبى، الذي تولى منصبه بدعم من «الحرس الثوري» القوي، تعرض لتشوهات في الوجه وإصابات أخرى جراء الهجوم. وتذكر المصادر أنه يتخذ القرارات، لكنه ليس في حالة صحية جيدة تمكنه من الظهور علناً. والآن، بعد تجدد الأعمال القتالية مع الولايات المتحدة هذا الأسبوع، أصبح دوره وحالته الصحية مصدر قلق بالغ ومتزايد.

وقال تقي (47 عاماً)، وهو صاحب متجر في أصفهان طلب عدم نشر اسم عائلته: «أتفهم أنه، من الناحية الأمنية، يجب ألا يظهر علناً. لكن البلاد تمر بوقت عصيب جداً». وأضاف: «هناك حاجة إلى أن يظهر الزعيم الأعلى. حتى ولو كان مصاباً، الناس بحاجة إلى أن يروا أن هناك قائداً، وأنه يدير ‌البلاد».

آخرون ‌يمثّلون الأسرة

أبرزت تفاصيل مراسم الدفن، التي أُجريت أمس (الخميس) وأدى خلالها أبناء خامنئي الثلاثة الآخرون ​الصلاة ‌على ⁠جثمان والدهم ​الراحل ⁠أمام نعشه، المكانة المهمة للعلاقات الأسرية بين قيادات البلاد.

ولا يُنظر إلى أشقاء مجتبى الثلاثة على أنهم لاعبون سياسيون مهمون في إيران، أو حتى من المتوقع أن يصبحوا كذلك، رغم أنهم كلهم باتوا من كبار رجال الدين. لكن علي الخميني، حفيد مؤسس الثورة الإيرانية في عام 1979، تحدث نيابة عن مجتبى في مراسم العزاء اليوم (الجمعة)، وهو ما يعطي إشارة إلى الطريقة التي تُستخدم بها هذه الروابط العائلية للتأكيد على استمرار النظام الديني.

وكانت هناك تكهنات بأن مجتبى سيظهر أخيراً، إن لم يكن شخصياً، فربما عن طريق رسالة مسجلة أو حتى بصور جديدة، عند دفن والده. وأرجعت مصادر رفيعة المستوى في إيران سبب عدم ظهور أي صورة جديدة أو تسجيل صوتي لمجتبى منذ تعيينه في الثامن من مارس (آذار) إلى اعتبارات صحية وأمنية.

مشاركون في تشييع المرشد الراحل علي خامنئي في مشهد يرفعون صورة المرشد الحالي مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)

وتعد ⁠الأخطار الأمنية كبيرة بالنظر إلى اغتيال والده في أول يوم من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ‌على إيران وسط جهود دبلوماسية كانت تُبذل لحل الصراع بين الدول الثلاث.

وبصفته رمزاً سياسياً ‌ودينياً وثورياً يتمتع بالسلطة المطلقة في إيران، فلا بد أن يظهر بمظهر يوحي بقدرات ​جسدية أكبر مما تسمح به حالته الصحية في مرحلة التعافي الحالية.

وجاءت آخر ‌تصريحات رسمية بشأن حالته من الرئيس مسعود بزشكيان الذي قال في مايو (أيار) إنه التقى الزعيم الأعلى، وإن حالته تتحسن.

ومن غير ‌الواضح إلى متى يمكن لزعيم دولة دينية أن يظل بعيداً عن الأنظار حتى وإن كان «الحرس الثوري» يسيطر بقبضة من حديد على البلاد في الوقت الحالي على ما يبدو.

وقال علي أنصاري أستاذ التاريخ الحديث بجامعة سانت أندروز في اسكوتلندا: «كيف يمكن أن يكون هناك انتقال للحكم بطريقة مثيرة للإعجاب مع غياب الخليفة (الذي سيشغل المنصب خلفاً للزعيم الراحل)؟ ستكون هذه مشكلة بالنسبة لهم حتى ولو تمكنوا من تجاوز الأمر في الوقت الحالي. فهذا الوضع لن يستمر على المدى الطويل».

علاقات ‌وثيقة مع «الحرس الثوري»

بدأ الغياب يثير قلق الإيرانيين؛ إذ عبّر أكثر من 20 شخصاً اتصلت بهم «رويترز» خلال الأسابيع القليلة الماضية عن قلقهم إزاء هذا الأمر في محادثات حول السياسة الإيرانية.

وقال محمد ⁠رضا (51 عاماً) الذي يعمل مدرّساً في ⁠طهران: «سيؤدي غياب الزعيم الأعلى، الآن بعد انتهاء الحرب، إلى تزايد حالة الضبابية والفوضى في البلاد، لا سيما بعد دفن الزعيم الراحل».

صورة مجتبى خامنئي على العلم الإيراني في مدينة مشهد (أ.ف.ب)

ويختلف دور الزعيم الأعلى عن دور معظم رؤساء الدول الآخرين؛ إذ تعترف الآيديولوجيا الرسمية الإيرانية بمن يشغل هذا المنصب باعتباره «الوليّ الفقيه».

ولم يتضح كيف سيكون الوضع بالنسبة لمجتبى خامنئي؛ فقد كان الزعيم الأول، المرشد المؤسس الخميني، الأبَ الروحي للثورة وزعيمها، بشخصيته الكاريزمية، وكان أعلى علماء الدين مكانة في إيران، واكتسب بمكانته الرفيعة وهيبته طاعة لا جدال فيها.

أما خليفته، علي خامنئي، فكان رئيساً للبلاد عندما عُيّن في منصب «المرشد الأعلى»، لكنه لم يُنظر إليه قَطّ على أنه شخصية دينية رفيعة المستوى على وجه الخصوص، وكان يفتقر في البداية إلى سلطة الخميني.

ومع ذلك، فخلال 37 عاماً أمضاها في المنصب، تفوق في المناورة على منافسيه، وبمساعدة وثيقة من «الحرس الثوري» فرض سلطته المطلقة على كل جوانب الحياة السياسية تقريباً في البلاد.

ويفتقر مجتبى خامنئي إلى المؤهلات الدينية. وعلى خلاف والده، لم يكن شخصية سياسية تستمد قوتها من ذاتها. وبدلاً من ذلك، كان يدير المكتب المترامي الأطراف لوالده وشبكة علاقاته في أنحاء البلاد، وأقام علاقات وثيقة مع «الحرس الثوري».

ولا ​تزال آراؤه وسلطته وقدراته مجهولة، لكن من المرجح، فيما يبدو، أن ​يظل «الحرس الثوري» عنصراً محورياً في أسلوب حكمه.

ومع استمرار إيران في الحرب على الرغم من الهدنة المتقطعة، واستمرار خنق اقتصادها بسبب العقوبات، ووقوع موجات أخرى من الاضطرابات الجماهيرية مثل تلك التي قمعتها السلطات بوسائل العنف في يناير (كانون الثاني)؛ يبقى مجتبى خامنئي، زعيم البلاد، لغزاً محيراً.