العقوبات الأممية تزيد من احتمال تجدد الاحتجاجات في إيران

المواطنون يعانون بشكل متزايد من ارتفاع الأسعار وتقلص الدخل

إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة في أحد شوارع طهران(رويترز)
إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة في أحد شوارع طهران(رويترز)
TT

العقوبات الأممية تزيد من احتمال تجدد الاحتجاجات في إيران

إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة في أحد شوارع طهران(رويترز)
إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة في أحد شوارع طهران(رويترز)

يحذر خبراء ومسؤولون إيرانيون من أن اقتصاد البلاد يواجه مزيجاً خطيراً من التضخم المفرط والركود العميق، في وقت يحاول الحكام ضبط الأوضاع الداخلية في ظل محدودية الخيارات المتاحة لهم بعد إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة.

ويأتي ذلك بعد انهيار المحادثات الهادفة إلى تقييد أنشطة إيران النووية المثيرة للجدل وبرنامجها للصواريخ الباليستية. ورغم الجمود، يؤكد الجانبان الإيراني والأميركي أن الحل الدبلوماسي لا يزال ممكناً، لكن المرشد علي خامنئي، صاحب كلمة الفضل في إيران، رفض عرض الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإبرام اتفاق جديد.

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار لــ«رويترز»، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، إن طهران تعتقد أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين وإسرائيل يشددون العقوبات بهدف تأجيج الاضطرابات الداخلية وتعريض وجود نظام الجمهورية الإسلامية للخطر.

وأوضح المسؤولون أنه منذ إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة في 28 سبتمبر (أيلول)، عقدت السلطات سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى في طهران لمناقشة سبل تفادي الانهيار الاقتصادي، والالتفاف على العقوبات، واحتواء الغضب الشعبي المتصاعد.

وأدت الفجوة الاقتصادية المتزايدة بين الإيرانيين العاديين من جهة، والنخبة الحاكمة من جهة أخرى، إلى تفاقم السخط الشعبي، في ظل سوء الإدارة الاقتصادية، وتسارع معدلات التضخم، واستشراء الفساد الذي لم تعد تخفيه حتى وسائل الإعلام الرسمية.

وقال أحد المسؤولين الثلاثة لـ«رويترز»: «المؤسسة الحاكمة تدرك أن الاحتجاجات أمر حتمي، إنها مسألة وقت فقط... الأزمة تتفاقم، بينما تتقلص خياراتنا».

لوحة مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

وتعتمد القيادة الإيرانية اليوم بشكل متزايد على ما تسميه «الاقتصاد المقاوم»، وهي استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز التعاون التجاري مع الصين وروسيا ودول الجوار.

وتؤكد موسكو وبكين دعم حق إيران في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وقد ندد البلدان بالضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي.

لكن محللين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية لحماية إيران، الدولة مترامية الأطراف التي يبلغ عدد سكانها نحو 92 مليون، من تداعيات الضربة الاقتصادية الجديدة.

وقال أُميد شكري، المحلل المتخصص في شؤون الطاقة والزميل الزائر البارز في جامعة جورج ميسون قرب واشنطن، إن تأثير عقوبات الأمم المتحدة سيكون قاسياً ومتعدد الأبعاد، إذ سيزيد من الاختلالات البنيوية والمالية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات طويلة.

وأضاف شكري أن «الحكومة الإيرانية تواجه صعوبات متزايدة في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، مشيراً إلى أن العقوبات تعطل النظام المصرفي، وتقيد التجارة، وتحد من صادرات النفط — مصدر الدخل الرئيسي للدولة — مما يؤدي إلى تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية».

شريان الحياة النفطي تحت التهديد

تجنبت إيران الانهيار الاقتصادي الكامل منذ عام 2018، حين أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في ولايته الأولى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم بين طهران وست قوى عالمية عام 2015، وأعاد فرض العقوبات الأميركية الصارمة.

لكن أحد المسؤولين الإيرانيين الثلاثة الذين تحدثوا إلى رويترز قال إن إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة الواسعة النطاق خلّفت صدمات اقتصادية أدت إلى إعاقة النمو، وتسريع وتيرة التضخم، وانهيار الريال الإيراني، مما يدفع الاقتصاد نحو دوامة ركود خطيرة.

وكان الاقتصاد الإيراني قد انكمش بشدة بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية عام 2018، قبل أن يشهد انتعاشاً محدوداً في عام 2020 بفضل زيادة صادرات النفط إلى الصين.

غير أن توقعات البنك الدولي الأخيرة تشير إلى تراجع الاقتصاد الإيراني بنسبة 1.7 في المائة في عام 2025 و2.8 في المائة في عام 2026، وهو انخفاض حاد عن توقعاته في أبريل (نيسان) الماضي التي رجحت نمواً طفيفاً قدره 0.7 في المائة، خلال العام المقبل.

ورغم أن طهران ما تزال تعتمد اعتماداً كبيراً على صادرات النفط إلى الصين — أكبر زبائنها وأحد القلة من الدول التي تواصل التعامل معها رغم سياسة «الضغوط القصوى» التي انتهجتها إدارة دونالد ترمب — فإن الشكوك تتزايد حول قدرة هذه التجارة على الاستمرار في ظل تشديد العقوبات الدولية.

ورغم أن إيران تبيع نفطها الخام بأسعار مخفضة، فإنه ما يزال يشكل مصدراً حيوياً للدخل، إذ ساهم قطاعا النفط والبتروكيماويات بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي عام 2024.

وبينما تؤكد السلطات الإيرانية علناً أن صادرات النفط إلى الصين ستتواصل، حذر أحد المسؤولين الإيرانيين من أن إعادة فرض العقوبات الدولية الأوسع قد تعرقل هذا التدفق الحيوي.

وقال شكري إنه في حال سعت الصين إلى تخفيف التوتر مع إدارة ترمب، فقد تتخذ موقفاً أكثر تشدداً تجاه النفط الإيراني، سواء عبر المطالبة بتخفيضات أكبر في الأسعار أو بوقف الواردات بالكامل.

وأوضح أن الكلفة على طهران ستكون مدمرة، مشيراً إلى أن كل دولار يُخصم من سعر برميل النفط يعني خسارة تُقدر بنحو نصف مليار دولار من العائدات السنوية.

وفي ظل هذه الضغوط، تراجع الريال الإيراني إلى نحو 1.115 مليون ريال مقابل الدولار بعد أن كان 920 ألفاً في أغسطس (آب)، ما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 40 في المائة، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.

ويفاقم انخفاض قيمة العملة واستمرار العقوبات التجارية من ارتفاع الأسعار وتآكل ثقة المستثمرين، ما يضع الاقتصاد الإيراني أمام دوامة من التدهور المالي والاجتماعي.

اتساع نطاق الصعوبات

لم يعد كثير من الإيرانيين قادرين على تجاوز الصعوبات المعيشية، إذ يسود شعور عام باليأس يمتد من أوساط المهنيين في المدن إلى تجار البازارات والمزارعين في الأرياف.

وقال علي رضا (43 عاماً) عبر الهاتف من العاصمة طهران: «إلى أي مدى يفترض أن نتحمل المزيد من الضغوط؟ إلى متى؟ أنا موظف حكومي، وأتقاضى 34 مليون تومان (عملة يستخدمها الإيرانيون) (نحو 300 دولار أميركي) شهرياً فقط». وكغيره، طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من انتقام السلطات.

وأضاف: «زوجتي بلا عمل. أغلقت شركة الاستيراد والتصدير التي كانت تعمل بها الشهر الماضي. براتبي فقط أنا وطفليّ، نحن نعاني حتى لدفع الإيجار ومصاريف المدرسة. ماذا عسانا أن نفعل؟».

رجال يتاجر بالعملات يعد أوراقاً نقدية من الريال الإيراني مع استمرار تراجع قيمته، في طهران (رويترز)

ويبلغ معدل التضخم الرسمي في إيران حوالي 40 في المائة على الرغم من أن بعض التقديرات تضعه عند أكثر من 50 في المائة. وأظهرت البيانات الرسمية في سبتمبر أيلول أن أسعار 10 سلع أساسية -من بينها اللحوم والأرز والدجاج- ارتفعت بنسبة 51 بالمئة في عام واحد.

كما ارتفعت تكاليف السكن والمرافق. ويصل سعر كيلو اللحم البقري الآن إلى 12 دولاراً، وهو سعر باهظ للغاية بالنسبة لكثير من الأسر.

احتدام الغضب الشعبي

وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن القيادة في طهران تشعر بقلق متزايد من أن يؤدي تفاقم الضائقة المعيشية إلى إشعال موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، مثل تلك التي اندلعت مراراً منذ عام 2017 بين شرائح الإيرانيين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط.

ويخشى كثير من الإيرانيين أن تدفعهم العقوبات الموسعة إلى ما بعد نقطة الانهيار الاقتصادي، ومن بينهم سيما (32 عاماً)، وهي عاملة في مصنع بمدينة شيراز وسط البلاد، تقول إن سنوات من الضغوط المعيشية أنهكتها وجعلت الحياة اليومية أكثر قسوة.

وقالت سيما «يقولون الآن إننا نواجه عقوبات جديدة مرة أخرى، لكننا نواجه بالفعل صعوبات لإعالة أطفالنا الثلاثة. فالأسعار ترتفع كل يوم ولا يمكننا حتى شراء اللحم لهم مرة واحدة في الشهر».

جانب من الاحتجاجات التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني في طهران سبتمبر 2022 (أرشيفية - رويترز)

ويخشى الكثيرون من أصحاب الأعمال من تفاقم العزلة الدولية والمزيد من الضربات الجوية الإسرائيلية إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في حل الأزمة النووية.

وقال مهدي، الذي يشحن الفاكهة إلى بلدان مجاورة: «مع الخوف المستمر من هجوم محتمل وعدم معرفة ما إذا كنت سأتمكن حتى من التصدير هذا الشهر أو الشهر المقبل، كيف يمكنني الحفاظ على استمرار تجارتي؟».


مقالات ذات صلة

إيران تمنع دبلوماسيَّيْن فرنسيين احتجزتهما من العودة إلى أراضيها

شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - وكالة إرنا الإيرانية)

إيران تمنع دبلوماسيَّيْن فرنسيين احتجزتهما من العودة إلى أراضيها

أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، أن الدبلوماسيَّيْن الفرنسيَّيْن اللذين احتُجزا لفترة وجيزة في يوليو قبل أن يغادرا البلاد، مُنعا من العودة إلى أراضيها.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يظل الهدف الأول لإدارته، مع استمرار الجمود في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

قالت إيران، الاثنين، إن فترة 60 يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة فقدت موضوعيتها من دون بدء المفاوضات، محمّلة واشنطن مسؤولية تعطيل المسار

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)

خطة إيران لتصعيد الحرب... صواريخ ومسيّرات وإعادة تشكيل القيادة العسكرية

بعد توقيع ترمب مذكرة تفاهم مع طهران، في منتصف يونيو الماضي، اجتمع قادة إيران المتشددون ووضعوا خطةً لإعادة تنظيم القوات الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رجل داخل مبنى متضرر بضربة في طهران خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران بعدسة المصورة يلدا معيري المحكوم عليها بالسجن 15 عاماً (رويترز)

البرلمان الإيراني يجرم المقابلات مع الإعلام «المعادي»

أقر البرلمان الإيراني، الأحد، مشروع قانون يجرّم إجراء المقابلات أو أي شكل من أشكال التواصل مع وسائل إعلام تعدّها السلطات «معادية».


إيران تمنع دبلوماسيَّيْن فرنسيين احتجزتهما من العودة إلى أراضيها

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - وكالة إرنا الإيرانية)
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - وكالة إرنا الإيرانية)
TT

إيران تمنع دبلوماسيَّيْن فرنسيين احتجزتهما من العودة إلى أراضيها

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - وكالة إرنا الإيرانية)
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - وكالة إرنا الإيرانية)

أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، أن الدبلوماسيَّيْن الفرنسيَّيْن اللذَيْن احتُجزا لفترة وجيزة في يوليو (تموز) قبل أن يغادرا البلاد، مُنعا من العودة إلى أراضيها.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي: «غادر الشخصان المعنيان إيران. ونحن أعلنّا رسمياً أيضاً منعهما من العودة إليها».

وفي 20 يوليو، ندّد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بإخضاع الدبلوماسيين لـ«عمل ترهيب بالغ الخطورة من جانب أجهزة الأمن الإيرانية»، مع تعرّض أحدهما «لاعتداء».

وقال إنهما اعتُقلا «لساعات عدة من دون سبب، وتم التحقيق معهما، وتعرّض أحدهما إلى اعتداء جسدي» قبل أن يتمكنا من العودة إلى السفارة.

وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو بعد انتهائه من الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

ونفت طهران الاعتداء على الدبلوماسي، مشيرة إلى أنّ الأجهزة الأمنية «استجوبت الدبلوماسيَّيْن لفترة وجيزة» بعد مشاركتهما في «اجتماع مع عدد من الأشخاص المطلوبين لدى السلطات».

وفي أواخر يوليو، استدعت إيران السفير الفرنسي لديها للاحتجاج على ما وصفته بـ«التدخل في شؤونها الداخلية»، مطالبة الحكومة الفرنسية بـ«وضع حد لهذه الممارسات».

وفي سياق متّصل، اتهمت وزارة الاستخبارات الإيرانية فرنسا، السبت، بتنفيذ «مشروع ضخم يهدف إلى ممارسة نفوذ» في إيران و«تهيئة الأرضية لاتخاذ فرنسا إجراءات ضد استقلال البلاد».

Your Premium trial has ended


الحرب تكلف إسرائيل 140 مليار دولار

إسرائيل ستنفق نحو 1.5 تريليون شيقل على الأمن في السنوات العشر المقبلة (رويترز)
إسرائيل ستنفق نحو 1.5 تريليون شيقل على الأمن في السنوات العشر المقبلة (رويترز)
TT

الحرب تكلف إسرائيل 140 مليار دولار

إسرائيل ستنفق نحو 1.5 تريليون شيقل على الأمن في السنوات العشر المقبلة (رويترز)
إسرائيل ستنفق نحو 1.5 تريليون شيقل على الأمن في السنوات العشر المقبلة (رويترز)

تشير تقديرات مهنية مستقلة في تل أبيب إلى أن تكلفة الحرب التي تخوضها إسرائيل منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بلغت حتى الآن نحو 420 مليار شيقل (140 مليار دولار)، متوقعة أن ترتفع قريباً إلى نصف تريليون شيقل (167 مليار دولار)، ويستمر تأثيرها على الاقتصاد الإسرائيلي لسنوات طويلة مقبلة. وقالت صحيفة «ذي ماركر» الاقتصادية، التابعة لصحيفة «هآرتس» العبرية، التي أجرت الدراسة، إن «المصيبة هي أن هذا الثمن الباهظ وغير المسبوق، الذي دفعناه لكي نجلب الأمن، لم يحقق لنا أي أمن».

«لو حصلنا على أمن كافٍ»

ونقلت الصحيفة عن مسؤول اقتصادي إسرائيلي كبير سابق قوله: «لو حصلنا على أمن كافٍ، لما كانت هناك ضرورة لمضاعفة ميزانية الأمن في العقد المقبل».

الدين القومي لإسرائيل ارتفع بسبب الحرب بمقدار 400 مليار شيقل (أرشيفية - رويترز)

وذكرت الصحيفة، في تقريرها، أن الدين القومي لإسرائيل ارتفع بسبب الحرب بمقدار 400 مليار شيقل، وستكون هناك ضرورة لتمويل هذا الإنفاق العسكري الذي سيرتفع بمئات أخرى من مليارات الشواقل في السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل «التبذير في استخدام السلاح والذخيرة وفي الاعتماد المبالغ فيه وغير المألوف على قوات الاحتياط».

لكن مصادر تمويل ذلك ليست واضحة في هذه الأثناء.

ونقلت الصحيفة عن ضابط كبير سابق قوله إن «الحرب طالت كثيراً، وكان بالإمكان تحقيق النتائج نفسها، ونتائج أفضل أيضاً، في حرب أقصر، لو كان المستوى السياسي مهتماً بتسويات سياسية».

وحسب التقرير، فإن «إسرائيل ستنفق نحو 1.5 تريليون شيقل على الأمن في السنوات العشر المقبلة» (الدولار يساوي 3 شواقل تقريباً).

واقتبست ما جاء في وثيقة أعدها المدير العام لوزارة الأمن أمير برعام، أن إسرائيل تستعد لـ«عقد شديد الصعوبات» من الناحية الأمنية، وذلك في الوقت الذي يبدو فيه أن المساعدات الأمنية الأميركية السنوية، بمبلغ 3.8 مليار دولار، قد تتوقف كلياً بدءاً من عام 2029.

نتنياهو في مرتفعات جبل الشيخ (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء في التقرير أنه في الفترات الاعتيادية كان حجم قوات الاحتياط في الجيش 6 آلاف جندي، وخلال أيام بعد نشوب الحرب جرى استدعاء 220 ألف جندي احتياط، وهذا استوجب رصد موارد مالية سريعة لتمويل الطعام والرواتب وترتيبات النوم لهذه القوات، «لكن لم يحاول أحد إجراء حسابات اقتصادية طوال الحرب، والمال لم يكن اعتباراً، وجنود الاحتياط خدموا فترات طويلة حتى عندما لم تكن هناك ضرورة لذلك، أو عندما كان بالإمكان البحث عن حلول أقل تكلفة».

وأشار الضابط الكبير إلى أن «الجيش وجد نفسه غير مستعد لاستيعاب العدد الهائل من جنود الاحتياط، وإحدى الفرق العسكرية التي شاركت في الحرب في غزة لم تكن مؤهلة قط لدخول قطاع غزة، ولم يتوفر عتاد ملائم بحوزة الجنود».

«اعملوا ولا تنشغلوا بالمال»

ولفتت إلى أن المدير العام لوزارة الأمن في حينه ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي، إيال زامير، وجها رسالة إلى الضباط بأن «اعملوا ولا تنشغلوا بالمال»، فيما قال رئيس الحكومة نتنياهو، الذي كان لا يزال مذهولاً من الإخفاق الأمني الذي أدى إلى هجوم «حماس» ومن العدد الكبير للقتلى الإسرائيليين ومن إخلاء نحو 200 ألف إسرائيلي من بيوتهم وبلداتهم، إنه «يتوفر مال للجميع، وتعليماتي واضحة، وهي فتح الحنفيات وضخ المال إلى أي أحد يحتاج إليه».

متظاهر يضع قناعاً يشبه نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب الخميس (أ.ب)

وكان الاعتقاد في بداية التوغل العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أن الحرب ستستمر ثلاثة أشهر على الأقل، في حين أن مخزون الذخائر في الجيش كان لحروب أقصر مدة، وقال ضابط سابق في هيئة الأركان العامة إنه «فعلياً، كان بحوزتنا مخزون ذخائر أقل من المطلوب لحروب قصيرة، فيما الاستهلاك الفعلي ضعف ما هو مخطط»، حسبما نقلت عنه الصحيفة.

رفع الضرائب

وبعد أن تبين أن الحرب طويلة وأنها امتدت إلى جبهات أخرى بعيدة، بينها إيران واليمن، بدأ المسؤولون في وزارة المالية اتخاذ قرارات بهدف تمويل الحرب، وفي مقدمتها رفع الضرائب بمبلغ 35 مليار شيقل في عام 2025، وذلك بعد أن خفّضت شركات التصنيف الائتماني الدولية الثلاث، «موديز» و«ستاندرد آند بورز» و«فيتش»، تصنيف إسرائيل، وتحسباً من أنه من دون رفع الضرائب سينخفض التدريج الائتماني بشكل أكبر، وسيؤدي إلى أزمة مالية شديدة.

ويُتوقع أن يجري رفع الضرائب بشكل أكبر بعد الانتخابات المقبلة (بعد 75 يوماً).

قرارات وأسئلة

ولفتت الصحيفة إلى أن مجموعة قرارات اقتصادية وأمنية متوقعة سيتم إقرارها كلها بعد الانتخابات إلى جانب مسائل أخرى، وبينها: زيادة ميزانية الأمن، واستمرار استدعاء قوات الاحتياط».

وختمت التقرير متسائلة: هل صمود الأسواق المالية الإسرائيلية والاقتصاد سيبقى مرتفعاً في ظل ميزانيات أمن هائلة وتقليص المساعدات الأميركية؟ ومن سيسدد تكلفة الحرب في الواقع الذي أوجدته؟».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
TT

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، تأكيد أولوية منع إيران من امتلاك سلاح نووي في الصراع الدائر، مع استمرار جمود الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «الهدف الأول هو، وسيظل دائماً، ألا تمتلك إيران، بأي طريقة أو شكل، سلاحاً نووياً».

ولا تزال المفاوضات في حالة جمود قبل انتهاء المهلة، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على تمديد وشيك، مع ربط أي تقدم باستعداد إيران للعودة إلى التفاوض والتوصل إلى اتفاق.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا تدخلت عُمان في ترتيبات مضيق هرمز على نحو يتعارض مع الموقف الأميركي.

وأكد ترمب أن إدارته أقامت قناة اتصال مباشرة مع «الحرس الثوري»، قائلاً عن قادته: «إنهم لاعبون جيدون في البوكر، لكنهم يموتون».

وأضاف أنه لا يضع جدولاً زمنياً لإنهاء الحرب، قائلاً: «ليس لدي جدول زمني. لست في عجلة من أمري».ونفى المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي وجود أي اتصالات خلفية مع مسؤولين أميركيين. ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس» عنه قوله: «لا تجري أي محادثات بين مسؤولي الحرس والأميركيين»، معتبراً أن حديث ترمب عن ذلك «أوهام وخيالات ناجمة عن الهزيمة والعجز في الحرب».

وأضاف محبي أن «الحرس الثوري» يمثل «ذراع قوة الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية ولسانها، ويتحدث في الميدان»، قائلاً إن الملفات الدبلوماسية «تقع ضمن اختصاص قطاعات أخرى».

وفي وقت سابق، نفى المتحدث باسم «الخارجية الإيرانية» إسماعيل بقائي، الاثنين، تقارير عن وجود قناة اتصال غير رسمية بين واشنطن و«الحرس الثوري» عبر إقليم كردستان العراق، كما وصف الحديث عن اجتماع سري إيراني-أميركي في أربيل بأنه «مختلق بالكامل».

وكان موقع «أكسيوس» قد أفاد، الأحد، بأن إدارة ترمب استعانت برئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في مايو (أيار) للتواصل مع قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي لإبرام اتفاق.

ووفق «أكسيوس»، أبلغ وحيدي بارزاني خلال اتصال آمن أن قيادة «الحرس الثوري» تدعم الفريق المفاوض وتفضل حل الأزمة عبر المفاوضات. وطرح الجانب الأميركي لاحقاً عقد اجتماع سري في أربيل، لكنه لم يُعقد.

وتراوحت أهداف إدارة ترمب خلال الحرب بين مطالبة إيران بالاستسلام الكامل، وإنهاء دعمها للجماعات الحليفة، وصولاً إلى طرح تغيير النظام. لكن نائب الرئيس جي دي فانس وضع أخيراً استقرار تدفقات النفط والغاز من المنطقة في صدارة الأولويات، قائلاً إن «الهدف الأول» هو إبقاء أسعار الطاقة منخفضة للأميركيين.

وكانت المذكرة، التي وقعت بوساطة باكستانية وقطرية، قد حددت مهلة 60 يوماً قابلة للتمديد للتفاوض على تسوية أوسع تشمل وقف الحرب والبرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. وأعلنت طهران في 15 يوليو (تموز) أنها لا تعد نفسها ملزمة ببنودها، بعد إعادة واشنطن فرض الحصار البحري واستئناف الضربات.