اتهام شقيق رئيس «الشاباك» وآخرين بـ«مساعدة العدو» في غزة

النيابة قالت إن المتهمين هرّبوا بضائع إلى القطاع ما ساعد «حماس» على البقاء

TT

اتهام شقيق رئيس «الشاباك» وآخرين بـ«مساعدة العدو» في غزة

صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)
صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

وجّهت النيابة العامة الإسرائيلية، الأربعاء، تهمة «مساعدة العدو» في زمن الحرب، إلى 12 إسرائيلياً، بينهم جنود، فيما ينتظر توجيه التهمة ذاتها، الخميس، إلى بتسلئيل زيني، شقيق رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، دافيد زيني.

وتتعلق الاتهامات التي تم الكشف عنها في يوليو (تموز) من العام الماضي، بما تصفه السلطات بـ«تهريب البضائع إلى قطاع غزة».

وأشار مكتب المدعي العام في لوائح الاتهام إلى أن «تصرفات المتورطين قد درّت على حركة (حماس) ملايين الشواقل (العملة الإسرائيلية) منذ بداية الحرب، ما ساعدها على البقاء».

فلسطينيون يتسوقون وسط الدمار الناجم عن الحرب في خان يونس بجنوب قطاع غزة فبراير الماضي (د.ب.أ)

ونشرت النيابة العامة أسماء المتهمين، فيما قال جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) والشرطة، حول الأسماء ولوائح الاتهام، إنه «في إطار التحقيقات مع المتورطين، وبعضهم من جنود الاحتياط، ظهرت معلومات كثيرة حول منظمات تُهرّب البضائع والمعدات إلى قطاع غزة».

وجاء في البيان أنه تم الكشف عن أن «عشرات الإسرائيليين يشاركون في عمليات التهريب هذه، متجاهلين مساهمتها المباشرة في تقوية المنظمات الإرهابية. وتُشكّل عمليات التهريب تهديداً خطيراً لأمن إسرائيل، وتُسهم في بقاء (حركة حماس) وحكمها».

وذكرت لائحة الاتهام أن البضائع المهربة إلى القطاع شملت علب سجائر، وهواتف آيفون، وبطاريات، وكابلات اتصالات، وقطع غيار سيارات، وغيرها من المواد التي تُقدر قيمتها بملايين الشواقل.

طفلة فلسطينية تبيع ألواح شوكولاتة في سوق بخان يونس جنوب قطاع غزة يناير الماضي (أ.ب)

وبدأت القصة في صيف عام 2025، عندما كانت الحرب في قطاع غزة لا تزال مستمرة، وكانت المنطقة قد أُعلنت منطقة عسكرية مغلقة، ولا يُسمح بالدخول إليها إلا للضرورات العملياتية فقط، وذلك بموافقة المسؤولين الأمنيين، وأثناء فترة وقف إطلاق النار، جرى تهريب البضائع إلى القطاع.

وجاء في لائحة الاتهام أنه «في ظل الواقع الأمني ​​الذي نشأ في غزة، كان التحكم في البضائع الواردة ذا أهمية قصوى لـ(حماس)، وشملت جهودها في هذا الصدد السيطرة على البضائع الواردة إلى غزة، فضلاً عن فرض ضرائب عليها بطرق مختلفة، وذلك في إطار مساعيها للحفاظ على بقائها واستعادة سيطرتها وسلطتها».

منهجية التهريب

ووفق ما نُشر، فقد عمل الجنود والمهربون بطريقة منهجية ومتطورة، مستغلين نقاط الضعف في المعابر والنشاط العسكري في المنطقة، ومقدمين في الوقت نفسه ادعاءات كاذبة حول أنهم يدخلون إلى قطاع غزة كجزء من نشاط أمني مشروع.

وفي المراحل الأولية، تم التنسيق بشأن نوع البضائع وتكلفتها، وبعد الحصول على البضائع المطلوبة، قام المتورطون بتسليم البضائع إلى نقطة التقاء، ثم نُقلت لإعادة تغليفها وتمويهها، ثم حُمّلت ونُقلت على طول مسار مُحدد مسبقاً. وقد تم ذلك، من بين أمور أخرى، تحت تمويه المشاركين من خلال ارتداء ملابس عسكرية وإظهار نشاط مرتبط بالجيش الإسرائيلي.

وبعد عبور الحدود، وُضعت البضائع في نقطة تسليم متفق عليها داخل قطاع غزة.

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة يناير 2024 (رويترز)

وشملت العملية تنسيقاً مع المسؤول عن نقل البضائع إلى القطاع ومهربين في غزة والسلطات هناك.

ما دور شقيق رئيس «الشاباك»؟

ذكرت لائحة الاتهام أن أحد المتورطين، وهو مناحيم أبو تبول، عرض رشوة على الجنديّين بتسلئيل زيني (شقيق رئيس الشاباك) وأفييل بن دافيد، اللذين كانا يخدمان آنذاك في قوات الاحتياط وكانا مخولين بإدخال قوافل من المعدات إلى قطاع غزة، واقترح عليهما القيام بعمليات التهريب مقابل حصة من الأرباح.

وفي إحدى المرات، نقل مناحيم سجائر إلى سيارة بتسلئيل زيني، ومن هناك قام بتسلئيل وأفييل بنقل البضائع إلى قطاع غزة.

وحظرت إسرائيل دخول السجائر ومنتجات التبغ الأخرى إلى غزة خلال الحرب، حيث أفاد مسؤولون بأن هذه المنتجات، عند تهريبها، تُباع بأسعار باهظة في السوق السوداء وتفرض عليها «حماس» ضرائب باهظة.

صورة بتسلئيل زيني شقيق رئيس الشاباك (وسائل إعلام إسرائيلية)

وعلّق مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي على هذه القضية في الأيام الأخيرة. وقال أحد الضباط في هذا الشأن: «إن تهريب السجائر بهذا الحجم قد يُصبح فيما بعد منصةً لتهريب الأسلحة والتخريب. يُحظر إدخال السجائر ومنتجات التبغ إلى قطاع غزة. لأن توزيع السجائر ومنتجات التبغ في القطاع يدرّ مبالغ طائلة لخزينة (حماس)، ما يُتيح لها تمويل رواتب عناصرها وشراء معدات لإعادة تأهيلهم».

ويُعدّ زيني، وهو جندي احتياطي يخدم في وحدة احتياطية بالجيش كُلفت بهدم مبانٍ في قطاع غزة، واحداً من بين آخرين تم اعتقالهم للاشتباه في استغلالهم مناصبهم في الجيش لتهريب مواد ممنوعة، من إسرائيل إلى القطاع، وقد أتاح له منصبه الوصول إلى الشاحنات التي تنقل البضائع إلى القطاع.

كيف تم الوصول للقضية؟

وظلّت عمليات التهريب مستمرة حتى نهاية العام الماضي، عندما تم كشف المسألة بعدما رصد جنود على ما يُسمى بالخط الأصفر، الذي يفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل و«حماس» في غزة، شاحنة مشبوهة في المنطقة، وكشف تفتيش الشاحنة أنها كانت تحمل، من بين أشياء أخرى، طائرات مسيّرة ثقيلة، وعشرات الهواتف، وبطاريات، ومبيدات حشرية، وكابلات كهربائية، فأبلغ الجنود عن المشكلة، وعلى إثرها فتحت الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) تحقيقاً أسفر عن تحديد هوية 25 مشتبهاً به.

وبحسب «القناة 12»، فإنه أثناء استجواب زيني، ادّعى أنه لا يعلم شيئاً عن التهريب، وأنه كان يتفقد الشاحنات الداخلة إلى غزة فقط، إلا أن مصدراً مطلعاً على التحقيق صرّح للقناة بأن مشتبهين آخرين أبلغوا المحققين أن زيني كان على دراية تامة بما يجري، وأنه سمح باستمرار التهريب مقابل المال.

خيام منصوبة بين مواقع مدمَّرة في جباليا شمال غزة ويعرض فيها بائعون بعض البضائع في مايو الماضي (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام: «كان المتهمون على علم بأن البضائع المهربة يمكن أن تصل إلى (حماس)، وأنها تساعد في تعزيز قوتها، وتمويل أنشطتها. وقد ارتكب المتهمون، إلى جانب آخرين، الأفعال المفصلة في لائحة الاتهام بدافع المال، مع علمهم بأنهم بذلك يتحايلون على القيود التي فرضتها دولة إسرائيل على دخول البضائع إلى غزة كجزء من المجهود الحربي، وعلى الرغم من الضرر الأمني ​​الواضح الناجم عن أفعالهم».

وورد اسم شقيق رئيس الشاباك في القضية، وتم وضعه تحت المجهر. وفيما علت أصوات تطالب بإقالة زيني من منصبه، قالت عائلته إن القضية جزء من مؤامرة للإطاحة به من منصبه.

وصرّح الحاخام يوسف زيني، والد دافيد زيني، لموقع «واينت»، بأن «الأمر برمته مفبرك». ويهدف إلى تدمير ابنه، الذي يُعدّ أول رئيس لجهاز الشاباك بخلفية حريدية.

وتطرق رئيس الأركان السابق، غادي أيزنكوت، إلى تورط شقيق رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) في قضية التهريب إلى غزة. وقال إنه لا ينبغي لزيني أن يستقيل من منصبه نتيجة لذلك.


مقالات ذات صلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا  معبر رفح بين قطاع غزة ومصر (د.ب.أ)

إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر

أُعيد فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، اليوم (الخميس)، وذلك لأول مرة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مساعدات لما لا يقل عن 410 آلاف طفل وعائلاتهم في السودان وأفغانستان واليمن عالقة في الشرق الأوسط (رويترز)

منظمة: الحرب تعرقل وصول مساعدات لأكثر من 400 ألف طفل

أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» (سيف ذا تشيلدرن) الأربعاء بأن النزاع في الشرق الأوسط يعرقل طرق الإمداد الرئيسية للمساعدات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«قوة استقرار غزة» في مأزق عقب تأجيل إندونيسي للانتشار المحتمل

قررت جاكرتا إرجاء نشر قواتها في قطاع غزة ضمن قوات الاستقرار الدولية، بعد حديث إسرائيلي عن أنها سوف تنتشر في مايو المقبل.

محمد محمود (القاهرة )
يوميات الشرق تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) كان استجابة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب «القضاء على القيادة الإيرانية»، وأن النظام في طهران «يبحث عن قادة جدد»، جازماً بأن «التأثير على إيران سيكون سيئا وسننتهي من ذلك قريبا».

وشدد على أنه لن ينشر قوات في ايران و«لن أرسل جنودا إلى أي مكان».

وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «ألا يهاجم حقول الطاقة».


وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
TT

وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)

عدَّ الوزير الإسرائيلي زئيف إلكين، الخميس، أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران هي «نعمة كبيرة» للدولة العبرية.

وقال إلكين، العضو في حزب الليكود لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «ينبغي ألا يتمحور النقاش حول متى ستنتهي (الحرب)، بل حول كيف لنا أن نطيل أمدها ونفاقم الأضرار».

وأضاف الوزير المعني بشؤون الهجرة والاستيعاب في تصريحات للإذاعة العسكرية: «كلّ يوم من الحملة هو نعمة كبيرة لدولة إسرائيل».

وإلكين عضو أيضاً في المجلس الأمني المصغّر المكلّف إعطاء الضوء الأخضر لعمليات عسكرية واسعة النطاق.

وشنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران في 28 فبراير (شباط) أشعلت الحرب في الشرق الأوسط.

والخميس، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إنه لا يوجد «إطار زمني» لإنهاء الحرب على إيران. وصرّح لوسائل الإعلام بأن «القرار النهائي بيد الرئيس لنقول: (لقد حققنا ما نحتاج إليه)».


استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع انتقال الضربات الأميركية - الإسرائيلية إلى منشآت الغاز والنفط الإيرانية، ثم ردّ طهران عبر استهداف مرافق طاقة في دول الجوار وتهديد منشآت أخرى في الخليج العربي، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الهدف المعلن في بداياتها، أي تدمير القدرات العسكرية والنووية والصاروخية الإيرانية.

فاستهداف حقل «بارس الجنوبي»، وما تلاه من ضربات إيرانية على رأس لفان، نقل الصراع من حرب على أدوات القوة إلى حرب على ركائز الدولة والاقتصاد والطاقة.

ومع تخطي خام برنت 118 دولاراً للبرميل، وازدياد المخاوف من تعطّل إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج العربي، لم تعد الحرب إيرانية - إسرائيلية، أو أميركية - إيرانية فقط، بل غدت أزمة إقليمية - دولية مفتوحة على أسواق الطاقة والتضخم والسياسة الداخلية الأميركية، خصوصاً بعد طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار من الكونغرس، بما يعكس استعداداً لمواجهة قد لا تكون قصيرة.

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)

استهداف الشرايين

التحول الأهم في هذه المرحلة ليس اتساع بنك الأهداف فقط، بل طبيعة الأهداف نفسها. فحين تُستهدف منشآت الغاز والطاقة، فإن المقصود لم يعد حصراً تقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل ضرب قدرتها على الاستمرار كدولة قادرة على إدارة نفسها من الداخل.

فقطاع الطاقة في إيران ليس مجرد مصدر دخل، بل عنصر حيوي لتشغيل الكهرباء والوقود والصناعة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي في بلد يعاني أصلاً ضغوطاً اقتصادية حادة. لهذا تبدو الضربات الأخيرة أقرب إلى محاولة تقليص قابلية النظام على الاحتمال، لا مجرد إضعاف أدواته القتالية.

هذا التحول يفسر أيضاً ازدياد الحديث عن أن الحرب دخلت طور «خلخلة النظام»، لا «ردع إيران» فقط. فاستهداف منشآت الطاقة ترافق مع استمرار تصفية شخصيات أمنية وقيادية رفيعة، بما يوحي بأن الضغط يتجه إلى تفكيك بنية الحكم الأمنية - العسكرية تدريجياً. لكن الفارق بين إضعاف النظام وكسره يبقى كبيراً. فالتقارير الأميركية الأخيرة تشير إلى أن القيادة الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، إلا أن النظام لا يزال قائماً، فيما يزداد نفوذ «الحرس الثوري» داخله بدلاً من ظهور مؤشرات واضحة إلى انهيار قريب. وهذا يعني أن الحرب قد تنجح في إضعاف الدولة من دون أن تنتج سريعاً بديلاً سياسياً مستقراً.

طائرات عسكرية أميركية تظهر على سطح أكبر حاملة طائرات في العالم وسط الحرب على إيران (أ.ف.ب)

لا تفاوض بل تفكيك النظام

في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تمضيان في حملتهما الجوية لتفكيك النظام في إيران»، وأنهما «تبدوان على المسار الصحيح» رغم اتساع الجغرافيا الإيرانية، وكثرة الأهداف، وتعقيد بنية النظام.

أهمية هذا التقدير أنه يلتقط ما توحي به الوقائع الميدانية: الحرب لم تعد محصورة في شلّ قدرة إيران على الضرب، بل باتت أقرب إلى عملية استنزاف عميقة للبنية التي يقوم عليها الحكم نفسه.

ويضيف نديمي أنه لا يعتقد أن واشنطن أو تل أبيب تفكران حالياً في التفاوض مع النظام، «خصوصاً وهما تقتلان قادته». وهذه نقطة مفصلية، لأنها تعني أن التصعيد القائم لا يُستخدم، في هذه المرحلة، كمجرد ورقة ضغط للوصول إلى تسوية سريعة، بل يبدو مساراً قائماً بذاته لتغيير ميزان القوة داخل إيران.

ومع أنه لا يستبعد اتصالات محدودة مع بعض العناصر داخل النظام، لكنه يعتبر أن ذلك لن يغيّر الصورة العامة. أي أن أي قنوات خلفية محتملة لا تعني أن باب التسوية السياسية فُتح، بل إن المعركة لا تزال تُدار بمنطق الضغط المتصاعد، لا بمنطق التسوية القريبة. وخطورة ذلك أن الحرب كلما تقدمت على هذا النحو أصبحت أكثر تكلفة وأقل قابلية للضبط.

طهران ترفع التكلفة

في المقابل، تبدو إيران واعية أنها لا تستطيع كسر التفوق الجوي الأميركي - الإسرائيلي عسكرياً، لذلك تراهن على سلاح آخر: تعميم التكلفة الاقتصادية. وهذا ما ينسجم تماماً مع تقدير نديمي بأن النظام، وخصوصاً «الحرس الثوري»، يركز على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وفي الوقت نفسه على «فرض تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة ودول الخليج» تكون موجعة بما يكفي لإجبار واشنطن، وإسرائيل تبعاً لها، على وقف الحملة.

من هنا يمكن فهم الردّ الإيراني على منشآت الطاقة في قطر، ليس بوصفه انتقامياً فقط، بل جزءاً من استراتيجية أوسع؛ إذا ضُربت طاقة إيران، فإن طاقة العالم لن تبقى بمنأى عن النار.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة هذه المعادلة، مع إعلان قطر وقوع أضرار واسعة في رأس لفان، وتعليق جزء من نشاط الغاز، وتزايد القلق من تعطل إمدادات تمثل حصة جوهرية من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هكذا تحاول طهران نقل المعركة من السماء والميدان إلى السوق العالمية، أملاً في أن تُنتج صدمة الأسعار ضغوطاً على الولايات المتحدة وحلفائها، تفعل ما لا تفعله الصواريخ وحدها.

جنود وطائرات تابعة للبحرية الأميركية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (رويترز)

تباين أميركي إسرائيلي

ورغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن هذه المرحلة تكشف أيضاً فروقاً في حسابات النهاية. فإسرائيل تبدو أكثر استعداداً للذهاب بعيداً في استنزاف النظام الإيراني واغتيال قادته وتوسيع بنك الأهداف بما يهيئ لخلخلة داخلية طويلة المدى.

أما الولايات المتحدة، فمع أنها شريك كامل في الحرب، تبقى أكثر حساسية تجاه الفوضى النفطية، وأسعار البنزين، والتضخم، وردود الفعل الدولية، والانقسام السياسي داخل الكونغرس.

ولهذا يكتسب طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بأكثر من 200 مليار دولار دلالة تتجاوز الجانب المالي. فهو لا يعكس تكلفة الحرب الجارية فقط، بل يكشف أن المؤسسة العسكرية الأميركية تتصرف على أساس أن الحرب قد تطول، وأن استنزاف الذخائر والمخزونات الدقيقة صار مسألة استراتيجية. لكن هذا الطلب نفسه قد يتحول إلى اختبار سياسي صعب للرئيس دونالد ترمب، لأن الحرب التي دخلت طور الطاقة والأسواق لم تعد مجرد ملف أمني خارجي، بل بدأت تضغط مباشرة على الاقتصاد الأميركي وعلى السجال الداخلي بشأن جدوى الحرب وحدودها.

نهاية غامضة

المحصلة أن الحرب على إيران لم تعد، في شكلها الراهن، مجرد حملة لتدمير القدرات العسكرية، بل باتت أقرب إلى حرب على قدرة النظام نفسه على الاحتمال والاستمرار. غير أن الانتقال من إضعاف النظام إلى كسره أو إسقاطه ليس تفصيلاً عملياتياً، بل قفزة استراتيجية شديدة المخاطر. فالتقارير المتوافرة لا تشير بعد إلى انهيار وشيك، بل إلى نظام متضرر، لكنه لا يزال قائماً، وأكثر ميلاً إلى التشدد والاعتماد على «الحرس الثوري». وفي الوقت ذاته، فإن تحويل الطاقة إلى ساحة حرب يرفع التكلفة على الجميع: على إيران، وعلى الخليج، وعلى واشنطن، وعلى الاقتصاد العالمي. لذلك تبدو المشكلة الأساسية اليوم أن التصعيد قد يكون أسهل من الخروج منه. فكل ضربة إضافية قد تزيد الضغط على طهران، لكنها تزيد أيضاً احتمالات حرب أطول، وأسواق أكثر اضطراباً، ونهاية أكثر غموضاً من البداية.