هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

«مطرقة منتصف الليل» أظهرت ضعف طهران أمام الضربات الاستباقية

TT

هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ)
لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ)

مثّل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) نقطة تحول فارقة في مشهد الأمن الإقليمي؛ فلم تقتصر تداعياته على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل امتدت لتطال جوهر معادلات الردع الإيرانية.

لم يكن ردع إيران كتلة صلبة؛ فقد تشعبت معادلاته لعقود بين رهانٍ على وكلاء يخوضون «حرب الظل» مع إسرائيل، وبرنامجٍ عسكري متنامٍ ارتكز إلى الصواريخ الباليستية التي أثارت هواجس الغرب من اقتراب طهران من العتبة النووية. غير أن تداعيات الحرب التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر أزاحت الستار عن هشاشة غير متوقعة ونقاط ضعف بنيوية في تلك المنظومة، بعدما ارتطمت بوقائع ميدانية وتحولات جيواستراتيجية مفصلية قلبت الموازين.

كسر قواعد حرب الظلّ

منذ بداية الألفية الجديدة، نسجت طهران شبكة من الوكلاء والحلفاء الإقليميين، مثل «حزب الله» في لبنان وفصائل عراقية وحركة «أنصار الله» الحوثية في اليمن، لتؤمّن لنفسها عمقاً استراتيجياً يمكّنها من تهديد خصومها دون مواجهة مباشرة.

في الواقع، ألغت تداعيات هجوم السابع من أكتوبر هامش المناورة الذي أتاح لطهران، لسنوات طويلة، التحكم في إيقاع التصعيد مع إسرائيل، وأجبرتها على الانخراط في مواجهة مباشرة انطلقت من أراضيها نفسها.

هكذا انتقل الصراع الإيراني من «حرب الظل» إلى معادلة «وحدة الساحات»، ومن استراتيجية الإنكار والردع غير المعلن إلى مرحلة الحرب العلنية والردع المصرح به.

أعلام إيرانية ترفرف بينما تتصاعد النيران والدخان من هجوم إسرائيلي على مستودع شاران للنفط (رويترز)

دخلت الجماعات المسلحة التي تربطها صلات وثيقة مع طهران الحرب واحدة تلو الأخرى، في الأسابيع الأولى. ورغم تحاشي الأخيرة الانخراط المباشر وإظهار القدرة على إنكار التدخل في قرارات تلك الجماعات، لكنها دخلت تدريجياً على خط الحرب في غزة.

وفي مقابلة حديثة، قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل بقائي إنه سافر في يوم بدء العلميات إلى بيروت، حيث وجد أمين عام «حزب الله» اللبناني حسن نصر الله عاكفاً على التخطيط للمراحل التالية بعد الهجوم، حسب روايته.

مع تركيز النيران الإسرائيلية على خط إمداد «الحرس الثوري» في سوريا، وصلت المواجهة مع الخط الأول من الردع الإيراني ذروتها عندما قصفت إسرائيل اجتماعاً لكبار قادة «الحرس الثوري» في سوريا ولبنان بمقر القنصلية الإيرانية في دمشق. وعلى أثرها تبادلت إيران وإسرائيل لأول مرة النيران مباشرة في شهر أبريل (نيسان) العام الماضي. هدأ التوتر الإيراني - الإسرائيلي لنحو ثلاثة أشهر بعد تحطم مروحية الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، وما فرضه التطور من انتخابات رئاسية مبكرة في إيران وانتخاب مسعود بزشيكان المدعوم من الإصلاحيين.

عاد التوتر الإيراني – الإسرائيلي إلى ذروته مجدداً في اليوم الأول لتسلم بزشكيان مهامه، عقب اغتيال رئيس حركة «حماس» إسماعيل هنية، لتتبدد سريعاً إشارات الانفتاح التي حاولت طهران تمريرها إلى الغرب عبر انتخاب رئيس إصلاحي، مع تزايد التوقعات حينها بعودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبيت الأبيض. وتمكنت الحكومة الوليدة من كبح الرد الإيراني وتأجيله خلال الشهرين الأولين من تسلّمها السلطة التنفيذية، غير أن حسابات التهدئة لم تصمد طويلاً.

صورة مركبة للرئيس الأميركي وللمرشد الإيراني (أ.ف.ب)

قُوضت سياسة «التريث» الإيرانية تحت وطأة الضغوط الميدانية وتكثيف الضربات الإسرائيلية في ساحات نفوذها، ولا سيما استهداف «حزب الله» وأمينه العام حسن نصر الله، إضافةً إلى مقتل عباس نيلفروشان، ثاني أبرز القادة العسكريين الإيرانيين الذين يقتلون خارج البلاد في الحرب.

في مطلع أكتوبر الماضي، شنت طهران هجوماً ثانياً على إسرائيل انطلاقاً من أراضيها، قبل أيام من حلول الذكرى الأولى لـ«طوفان الأقصى». وبعد ثلاثة أسابيع، ردّت إسرائيل بسلسلة ضربات استهدفت منشآتٍ حسّاسة مرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني، وأدت إلى تدمير كامل لمنظومة الدفاع الجوي من طراز «إس - 300» إضافةً إلى أنظمة رادار ودفاعات جوية أخرى.

ورغم إصرار طهران على إنكار حجم الخسائر التي خلفها الهجوم الإسرائيلي الثاني، فإن الضربات أثارت جدلاً واسعاً داخل إيران حول إمكان ذهاب إسرائيل أبعد من ذلك، واحتمال استهدافها البنية التحتية الاستراتيجية، ولا سيّما البرنامج النووي، فضلاً عن التساؤل عن أوراق الردع المتبقية لدى طهران لمواجهة أي هجمات جديدة.

تغيّر الحسابات الإسرائيلية والأميركية

بعد تبادل الضربتين مع إسرائيل، أدت التلميحات الإيرانية إلى احتمال تغيير مسار البرنامج النووي، والتوجه إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل، إلى تسخين القلق الدولي من برنامج طهران، خصوصاً في ظل تعثر التعاون المتكرر من خمس سنوات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومع عودته إلى البيت الأبيض، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إطلاق نسخة ثانية من سياسة «الضغوط القصوى» التي تبناها في ولايته الأولى؛ بهدف دفع إيران إلى اتفاقٍ شامل يعالج ملفها النووي وأنشطتها الإقليمية ويقيد برنامج الصواريخ الباليستية. وحينها أمر المرشد الإيراني علي خامنئي بمواصلة تطوير البرنامج الصاروخي، دون السقف المحدد لمدى الصواريخ ألفي كيلومتر.

قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ بموقع غارة إيرانية استهدفت تل أبيب في إسرائيل 22 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وقد بعث ترمب رسالةً مباشرة إلى خامنئي، وردت طهران عبر وسطاء، لتُفضي عملية تبادل الرسائل إلى خمس جولات تفاوض غير مباشر، في ظل مهلة حددها ترمب لطهران من أجل إبرام اتفاق لا تتجاوز شهرين. ولوح ترمب بخيار عسكري تكون إسرائيل جزءاً منه.

وأصرت واشنطن على وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني، وخصوصاً تجريد طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، الذي باتت طهران تستخدمه ورقةَ ردعٍ ضد القوى الغربية، وهو الموضوع الذي أثاره وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في شهادة أمام الكونغرس.

بموازاة تعثر المسار الدبلوماسي بسبب رفض طهران الشرط الأميركي بوقف برنامج التخصيب، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً أدان طهران بعدم الامتثال لمعاهدة حظر الانتشار؛ الأمر الذي فتح الباب أمام إحالة ملفها لمجلس الأمن.

لكن إسرائيل لم تكن تنتظر هذا المسار لعرقلة الطموحات النووية الإيرانية، بل باغتت إيران بهجوم قاسٍ في 13 يونيو (حزيران) أدى إلى مقتل قادة الصف الأول من هيئة الأركان المسلحة وكبار قادة «الحرس الثوري»، بما في ذلك الفريق الذي شكل النواة الأساسية لتطوير برنامج الصواريخ والطائرات المسيَّرة، إضافة إلى علماء ومسؤولين في البرنامج النووي، وكادت تقتل كبار المسؤولين الإيرانيين عندما استهدفت اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي.

جاء الهجوم الإسرائيلي بعد أشهر من عجز طهران عن تعويض ما خسرته من منظومات الدفاع الجوي والرادار، مع سيطرة واضحة لإسرائيل على أجواء إيران. ولكن السيطرة الإسرائيلية الجوية لم تكن تامة؛ إذ لجأت طهران إلى الترسانة الصاروخية الباليستية للرد على الهجمات. في الواقع كانت الصواريخ الباليستية، ورقة الردع الوحيدة بيد طهران في الحرب الأخيرة، في ظل خروج الوكلاء مثل «حزب الله» من المعادلات الميدانية.

حصيلة، الحرب الـ12 يوماً، أثارت تساؤلات جدية حول قدرات الردع الإيرانية، رغم السردية الرسمية التي تصر على أن البلاد خرجت أكثر «اقتدار وتماسكاً» سياسياً وعسكرياً، وأن قوتها الصاروخية أحدثت أضراراً «استراتيجية» للبنية التحتية الإسرائيلية؛ ما أجبر تل أبيب على قبول وقف إطلاق النار «من موقع الضعف».

القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)

لكن الضربات الإسرائيلية التي انضمت إليها الولايات المتحدة باستهداف المنشآت النووية الإيرانية في عملية «مطرقة منتصف الليل»، أحدثت شرخاً في منظومة الردع الإيرانية، فمن جهة أظهرت إخفاق طهران في تطوير دفاعاتها الجوية وزيادة قدرات الرد السريع لمواجهة الضربات الاستباقية، والأهم من ذلك، دخلت دورة تخصيب اليورانيوم الإيراني حالة من الجمود، مع إصرار الولايات المتحدة على إنهائها بالكامل.

دخل البرنامج النووي حالة من الغموض، بعد الحرب. ترفض طهران وصول المفتشين الدوليين منذ ذلك الحين رغم الضغوط الغربية التي انتهت بإعادة العقوبات الأممية على طهران. الحفاظ على الغموض النووي، يشكل عنصراً رادعاً؛ إذ إنه قد يرفع تكلفة أي هجوم محتمل ضد إيران، في ظل الدعوات الداخلية في إيران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار.

ترميم الردع

لا يزال البرنامج الصاروخي يحتل الصدارة في معادلات الردع الإيرانية. كشف مسؤولون إيرانيون كبار عن أن طهران تعرضت لضغوط غربية مؤخراً لتقليص نطاق مدى صواريخها إلى نحو 400 كيلومتر. وقد لمح مسؤول عسكري إيراني إلى إمكانية رفع مدى الصواريخ الباليستية إلى أكثر من ألفي كيلومتر.

وكانت طهران قد أرسلت إشارات عدة من اهتمامها بتطوير صواريخ عابرة للقارات تحت غطاء برنامجها للصواريخ الفضائية. وهدَّد أكثر من قيادي في «الحرس الثوري» الدول الأوروبية، من أنها باتت في نطاق الصواريخ الإيرانية.

تظل درجة متانة القدرات الصناعية للصواريخ الباليستية في إيران موضع تساؤل، في ضوء الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت أغلب القواعد الصاروخية المعروفة؛ ما اضطر «الحرس الثوري» إلى تعديل نمط الإطلاق والانتقال إلى استخدام منصّات متنقلة. ورغم أن الجهات المرتبطة بالبرنامج الصاروخي قد تواصل نشاطها، فإن «الحرس الثوري» في حاجة إلى فترة قد تمتد لسنوات لاستعادة جاهزيته، خصوصاً بعد خسارته كوادر محورية في وحدات تطوير الصواريخ والطائرات المسيَّرة.

ومن شأن إعادة العقوبات الأممية، بموجب آلية العودة السريعة «سناب باك» وتشديد الحظر على السلاح الإيراني وكذلك الآثار الاقتصادية للعقوبات، أن تزيد من معاناة طهران في ترميم دفاعاتها المتضررة.

إلى جانب العوامل الرئيسية الثلاثة في قدرات الردع الإيرانية التقليدية، تعول طهران على الصراع الذي تخوضه عبر الفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي بوصفها مكونات مستقبلية للردع.

تصاعد الدخان بعد هجوم إسرائيلي استهدف مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في طهران 16 يونيو (رويترز)

يسود في طهران شعور بأن ميزان القوى الإقليمي بدأ يميل لصالحها، مدفوعاً بتنامي الانتقادات الإقليمية والدولية لاستمرار الحرب الإسرائيلية في غزة. ويمثل توسيع إيران لتحالفاتها الإقليمية والدولية عنصراً أساسياً في بنية ردعها الاستراتيجي؛ إذ يوفر دعماً سياسياً وتكنولوجياً، ويزيد العمق اللوجيستي، ويسهم في تقليص العزلة المفروضة عليها، بينما ترفع هذه الشراكات تكلفة أي هجوم محتمل، بما يعزز مفهوم الردع الشامل متعدد المسارات.

تبدو عودة معادلة الردع الإيرانية إلى وضعها السابق لما قبل أكتوبر 2023 أمراً غير محتمل؛ فالتنافس المتصاعد بين طهران وتل أبيب يعيد رسم خطوط الاشتباك، ويجعل خيارات التصعيد أو التسوية رهينة التوازنات الإقليمية والدولية. ويمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية: ترميم الردع بالوكالة، أو سباق تسلح وتصعيد مباشر، أو ضغوط دولية تفضي إلى اتفاق نووي – صاروخي جديد.


مقالات ذات صلة

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

تحليل إخباري أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

في «حماس» ثمة اعتقاد بأن انتقاد هجوم 7 أكتوبر هو «حالة فردية» ولا يمثل إجماعاً داخلها، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت الحركة أجرت أي مراجعات أو تقبل بأي معارضة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

خاص لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر 2023.

نذير رضا (بيروت)
خاص عناصر من سلاح الجو الأردني يسقطون رزم المساعدات من طائرة نقل فوق غزة (رويترز)

خاص بين الإغاثة والدبلوماسية... الأردن يطوي عامين من القفز فوق الجمر

منذ بداية الحرب، سعى الأردن لتقديم جهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والضرورية للمدنيين في غزة، وصعَّد لهجته الدبلوماسية، محذراً من المساس بالوضع في الضفة والقدس.

محمد الرواشدة (عمَّان)
خاص شخص يحمل العلمين المصري والفلسطيني على شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالقرب من معبر رفح (رويترز)

خاص مصر و«حرب غزة»… موازنة تعقيدات الداخل والخارج

بينما تعيش غزة على وقع القصف، واصلت القاهرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية لمنع ما تعتبره «خطراً وجودياً»، وهو تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتصفية القضية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تعترف المصادر الفرنسية بأن الزيارة السريعة التي أجراها وزير الخارجية، جان نويل بارو، إلى لبنان وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أنها لم تكن «مفيدة». فالساعات القليلة التي أمضاها بارو في البلدين وفرت له الفرصة لتوجيه مجموعة من الرسائل للسلطات اللبنانية والإسرائيلية خصوصاً أنه ذهب إلى المنطقة للترويج لخطة غرضها دفع الطرفين، رغم الحرب القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل، للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو المبدأ الذي قبله الجانب اللبناني وكان يطالب به الجانب الإسرائيلي منذ شهور.

الوزير بارو يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر قبل اجتماعهما الجمعة (رويترز)

وفي هذا الخصوص، تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية»، مضيفة أن بارو أوصل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها بأن هناك «فرصة تاريخية يتعين اقتناصها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وهذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، وفرت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة ليعيد تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة؛ بما فيها اللوجيستية عن طريق استضافة المفاوضات. ويبدو أن الزيارة كسرت الجليد بين باريس وتل أبيب؛ مما تؤشر إليه اللهجة الفرنسية «المعتدلة» إزاء إسرائيل.

وجود مساحة للتفاوض ولكن...

بيد أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا يبدو أن الطريق إليها سالكة؛ أقله في الوقت الحاضر، ومن غير حدوث تطورات تتيح الوصول إليها. ففرنسا نفسها، وفق تحليل مصادرها، تعرف أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن ثمة «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي... فـ«حزب الله» يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل، وحرب إسرائيل وإيران. وفي الجانب الآخر، ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار وترفض أن يكون شرطاً لخوض غمار المحادثات المباشرة.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل تريد استنساخ ما حدث في غزة لجهة «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان الجمعة. وخلاصة باريس أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال: متى يمكن أن يحين؟ فإن الطرف الفرنسي يربطه بالتطورات الخاصة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي أقرتها السلطات اللبنانية بالنسبة إلى «حزب الله»، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. في المقابل، وبانتظار تطورات لن تأتي قريباً، فإن باريس تريد من إسرائيل أمراً رئيسياً؛ هو الامتناع عن اجتياح أرضي واسع النطاق لجنوب لبنان.

تسوّق فرنسا، في هذا السياق، لمجموعة من الحجج؛ لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعدّ خطأً كبيراً. وأول نتائجه أنه يوفر لـ«حزب الله» شرعية جديدة تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي» ستساعده على استعادة كل شعبيته داخل بيئته. فضلاً عن ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستترتب عليها نتائج إنسانية كارثية؛ وهي واقعة فعلياً قبل أن تنطلق عملية كهذه؛ بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلاصة باريس أن إسرائيل سوف ترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدثه، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إن لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية؛ مما يعيد الأمر إلى المربع الأول؛ أي المفاوضات والحل السياسي.

التنسيق مع الجانب الأميركي

رغم أن باريس تَعدّ أن «الشروط غير متوافرة من أجل إطلاق المفاوضات» المباشرة، فإن مصادرها ترى، في المقابل، أن ثمة إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

بيد أن الأمور تتعقد عند الاستفهام عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية؛ المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعدّ أحد عناصر المصاعب الرئيسية الحائلة دون التقدم على درب المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وحرب إسرائيل ضد «حزب الله» جزء منها، كما أن «حزب الله» هو امتداد لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبالتالي؛ فإن واشنطن ليست في وضع يخولها ممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبكلام آخر، تَعدّ باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده؛ باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ، وكان يعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تقول باريس إن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين. لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس (آذار) الحالي بالنسبة إلى منع الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفَّذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

خلاصة ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة عنوانه مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.


بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

ذكرت سفارة إيران لدى الهند في منشور على منصة «إكس» اليوم (السبت)، أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن هناك حاجة إلى «وقف فوري» لما وصفه بأنه عدوان أميركي إسرائيلي، من أجل إنهاء الحرب والصراع الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.

وتحدث بزشكيان هاتفياً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في وقت سابق اليوم.

وأبلغ بزشكيان مودي بضرورة وجود ضمانات لمنع تكرار مثل هذا «العدوان» في المستقبل. ودعا أيضاً الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى الاضطلاع بدور مستقل في وقف العدوان على إيران.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)

وذكرت السفارة الإيرانية لدى الهند أن بزشكيان قدم اقتراحاً لإطار عمل أمني إقليمي يضم دول غرب آسيا، من أجل ضمان السلام دون تدخل أجنبي. وذكر مودي في منشور منفصل على «إكس» في وقت سابق اليوم، أنه ندد بالهجمات على البنية التحتية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، خلال نقاشه مع بزشكيان.

وأكد مودي أهمية ضمان حماية حرية الملاحة، وبقاء الممرات الملاحية مفتوحة وآمنة.


إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

تدفع إسرائيل نحو مواصلة حربها مع إيران رغم تصاعد الضغوط الدولية لوقفها، في وقت تحذر فيه من أن أي إنهاء مبكر للعمليات قد يمنح طهران «انتصاراً فعلياً»، وفق مصدر إسرائيلي كبير، في صورة تعكس تناقضاً بين تسريع الهجمات والاستعداد لاحتمال قرار مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف القتال.

ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن المصدر أن إسرائيل ترصد ضغوطاً شديدة لإنهاء الحرب، ولا تستبعد أن يفعلها الرئيس ترمب في أي لحظة، «لكن إذا حدث ذلك فعلاً فسيخرج الإيرانيون منتصرين».

وجاء في تقرير للقناة الإسرائيلية أن تل أبيب تراقب ضغوط أطراف إقليمية لإنهاء الحرب في أعقاب الهجمات الإيرانية المتزايدة ضد بنى تحتية في المنطقة، بالتزامن مع توسع دائرة الاتصالات المباشرة مع البيت الأبيض لوقف إطلاق النار، فيما تدرس واشنطن الأمر.

وقال المصدر الإسرائيلي للقناة «12» إن «هذا السيناريو يمثل نقطة حرجة (...) إذا نجحت الضغوط في إنهاء الحرب، فسيخرج الإيرانيون منتصرين»، على حد تعبيره.

وتدرك إسرائيل أن الرئيس الأميركي قد يتخذ قراراً منفرداً بوقف العملية العسكرية، ما يدفعها للتأهب على المستوى العسكري إلى جانب تسريع وتيرة الهجمات لتعظيم الإنجازات.

وتعززت الشكوك في قيام ترمب «بأي شيء في هذه الحرب»، بعدما تنصل علناً من الهجوم الإسرائيلي على منشآت الغاز في إيران، رغم التنسيق معه مسبقاً وبشكل مباشر، كما تقول القناة «12».

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

«لا يفهمون ترمب تماماً»

مع ذلك، تأمل إسرائيل في أن الرئيس الأميركي لن يوقف العملية في الوقت الحالي، وأن يواصل جهوده لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام، خصوصاً بعد تصريحاته التي قال فيها إنه «قادر على إنهاء الحرب، لكنه لا يريد». وأضاف: «لا أريد وقف إطلاق نار مع إيران».

وعلق مصدر إسرائيلي بالقول إنها «علامة على تصميم ترمب على مواصلة الحرب وتحقيق الحسم».

ويوضح تقرير القناة «12» أنهم في إسرائيل «لا يفهمون ترمب تماماً، لذلك يحاولون تصعيد الهجوم»، مشيرة إلى «وضع هدف جديد للحرب يتمثل في الإطاحة بقدرات (الحرس الثوري) للسيطرة على إيران».

وقال مسؤول أمني كبير: «الجهد الرئيسي الآن هو إفشال سيطرة (الحرس الثوري)؛ لأن الانطباع بأن النظام الإيراني حصين هو صورة خاطئة، وقد تسفر الضربات القوية المستمرة عن تفتته».

وتعهد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بزيادة وتيرة الغارات على إيران بشكل كبير هذا الأسبوع.

وقال كاتس بعد اجتماع لتقييم الوضع الأمني مع كبار قادة الجيش وأجهزة الأمن في مقر وزارة الدفاع إن «وتيرة الضربات التي ستنفذها القوات الإسرائيلية والجيش الأميركي ضد نظام الإرهاب الإيراني والبنى التحتية التي يعتمد عليها ستزداد بشكل كبير هذا الأسبوع».

وأضاف كاتس في محاولة لتبديد الشكوك حول نية ترمب: «الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ستتواصل ولن نتوقف ما لم تتحقق كل أهداف الحرب».

وجاءت تصريحات كاتس قبل أن يزور روضة أطفال تعرضت لأضرار في ريشون لتسيون جنوب تل أبيب، وهناك عاد وقال إن القتال سيستمر.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن تصريحات كاتس تؤشر إلى أن القتال سيتواصل أيضاً أثناء عطلة عيد الفصح بداية الشهر القادم.

مع ذلك، ليس من الواضح بعد كيف تريد إسرائيل إحباط ما تصفه بـ«سيطرة الحرس الثوري» على إيران.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين قتلوا في الضربات الإسرائيلية يوم 28 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اغتيال المزيد...

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لموقع «واللا» إن الجيش حاول اغتيال المزيد من قادة النظام في إيران، من دون أن يتضح إلى أي حد نجح في ذلك، مشيرة إلى «هجمات واسعة النطاق نُفذت في إيران ليلة (السبت)، استهدفت شخصيات بارزة، بانتظار أن يجمع الجيش المعلومات الاستخباراتية».

وأضافت المصادر: «في حال نجاح هذه الهجمات، فستكون ضربة أخرى للنظام الإيراني وقدرته على تبني سياسات متطرفة ضد إسرائيل والولايات المتحدة والمواطنين الإيرانيين».

في هذا السياق، لا تزال إسرائيل تتعقب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، رغم التقارير المتواترة التي تلقي الكثير من الغموض حول مصيره، لكن ثمة تقييماً جديداً يفيد بأنه «على قيد الحياة وإصابته ليست خطيرة».

وقالت صحيفة «يديعوت» إن الإيرانيين لا يظهرون خامنئي علناً ولا ينشرون فيديوهات له، متبعين سياسة تضليل لتعزيز الغموض.

وقالت «يديعوت» إن افتراضاً سائداً في إسرائيل يزعم أن خامنئي لا يمارس مهامه ولا يصدر تعليمات لمرؤوسيه، وأن أعضاء في «الحرس الثوري» هم من يملأون هذا الفراغ، بعدما كانوا «يعاملون مجتبى خامنئي سابقاً كدمية في أيديهم»، حسب تعبير الصحيفة.