ما تأثير الذكاء الاصطناعي على العملات الرقمية؟

شهد مجالا التكنولوجيا والعملات الرقمية تطورات سريعة في السنوات الأخيرة كان من أبرزها صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شهد مجالا التكنولوجيا والعملات الرقمية تطورات سريعة في السنوات الأخيرة كان من أبرزها صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

ما تأثير الذكاء الاصطناعي على العملات الرقمية؟

شهد مجالا التكنولوجيا والعملات الرقمية تطورات سريعة في السنوات الأخيرة كان من أبرزها صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شهد مجالا التكنولوجيا والعملات الرقمية تطورات سريعة في السنوات الأخيرة كان من أبرزها صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي (رويترز)

شهد مجالا التكنولوجيا والعملات الرقمية تطورات سريعة في السنوات الأخيرة، وكان من أبرزها صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي مع إمكانية استخدامه في هذين المجالين. هذا التقاطع بين الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية أثار اهتمام الخبراء والمستثمرين، إذ يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه ربما يكون «الثورة القادمة في عالم العملات الرقمية».

في الوقت نفسه، يتساءل البعض عمَّا إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي ستجعل الاستثمار في العملات المُشفَّرة أكثر ذكاءً وسهولة، أم أنها قد تؤدي إلى زيادة التقلبات والتلاعب في الأسواق، وفق مجلة «فوربس» الأميركية.

فيما يلي نستعرض تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العملات الرقمية من خلال ثلاث زوايا: كيفية استخدامه في تحليل السوق، والتحديات التي تواجه دمجه مع هذا المجال، وأخيراً مدى قدرته على التنبؤ بأسعار العملات الرقمية بدقة.

كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل سوق العملات الرقمية؟

تعزيز القدرة على فهم سوق العملات الرقمية واتخاذ القرارات

يُسهم الذكاء الاصطناعي اليوم في تعزيز قدرة المحللين والمستثمرين على فهم سوق العملات الرقمية واتخاذ القرارات بشكل أسرع وأكثر دقة. تستخدم منصات التداول خوارزميات ذكاء اصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قصير، مما يسمح بتنفيذ عمليات التداول الآلي بسرعة تفوق بكثير قدرة البشر، حسب منصة «كوينبيس»، (Coinbase)، الأميركية لتداول الأصول الرقمية.

يُسهم الذكاء الاصطناعي اليوم في تعزيز قدرة المحللين والمستثمرين على فهم سوق العملات الرقمية (رويترز)

تنفيذ آلاف الصفقات بسرعة

على سبيل المثال، بفضل التداول الخوارزمي algorithm (تداول آليّ ذكيّ) المدعوم بالذكاء الاصطناعي يمكن تنفيذ آلاف الصفقات في الثانية الواحدة استناداً إلى استراتيجيات مبرمجة مسبقاً، وهذا مهم بشكل خاص في سوق العملات الرقمية التي تشهد تغيرات سعرية سريعة وحادة.

رصد أنماط خفية في تحركات الأسعار

وبالإضافة إلى السرعة، يتميّز الذكاء الاصطناعي بقدرته على التعمّق في تحليل السوق. حيث يمكنه رصد أنماط خفية في تحركات الأسعار لا يستطيع الإنسان ملاحظتها بسهولة، وذلك عبر تحليل بيانات تاريخية ضخمة. بناءً على هذه الأنماط، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تقديم توقعات أو تنبؤات بشأن اتجاهات الأسعار المحتملة، حسب تقرير منصة «كوينبيس».

يتميّز الذكاء الاصطناعي بقدرته على التعمّق في تحليل السوق (رويترز)

«تحليل المشاعر» لقراءة المزاج العام للسوق

كما تُستخدم تقنيات «تحليل المشاعر» لقراءة مزاج السوق العام من خلال تتبّع الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لمعرفة ما إذا كان المزاج السائد للمستثمرين يتجه نحو التفاؤل أم الخوف، مما يساعد في توقع تحركات الأسعار.

يُذكر أن تقنيات «تحليل المشاعر» هي نوع من تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم لفهم المزاج العام أو الرأي العام من خلال تحليل النصوص التي يكتبها الناس لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي.

توسع استخدام الذكاء الاصطناعي من المؤسسات إلى الأفراد

لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في سوق العملات الرقمية مقتصراً على المؤسسات المالية الكبرى فحسب، بل امتد إلى المستثمرين الأفراد أيضاً. فقد بات البعض يستعين بمساعدات ذكاء اصطناعي مثل نماذج المحادثة، مثل «شات جي بي تي»، للحصول على تحليلات مبسّطة وفورية للسوق. على سبيل المثال، يمكن لهذه النماذج تلخيص الأخبار الاقتصادية أو تفسير رسوم بيانية معقدة بلغة بسيطة، وحتى ابتكار استراتيجيات تداول مبدئية بناءً على معطيات سوقية معيّنة، حسب موقع «كوينتيلغراف»، (Cointelegraph)، الدولي المتخصّص في تغطية أخبار العملات الرقمية.

ويشير خبراء إلى أن دور هذه الأدوات هو دعم قرارات المستثمر وليس استبدال العقل البشري كلياً، تماماً كما عززت البرامج الحاسوبية فيما مضى عمل جيل من المحللين الماليين دون أن تلغي دورهم.

لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في سوق العملات الرقمية مقتصراً على المؤسسات المالية الكبرى فحسب بل امتد إلى المستثمرين الأفراد أيضاً (أ.ف.ب)

ما التحديات التي تواجه دمج الذكاء الاصطناعي مع العملات الرقمية؟

على الرغم من الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في عالم العملات الرقمية، هناك جملة من التحديات تعترض طريق الدمج الكامل بين التقنيتين.

التعقيد التقني لدمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي

أول هذه التحديات هي التعقيد التقني؛ فدمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي مع أنظمة قائمة على تقنية سلسلة الكتل (البلوكتشين) ليس أمراً سهلاً.

وسلسلة الكتل أو «بلوك تشين» (Blockchain) هي تقنية رقمية مبتكرة تُستخدم لتخزين البيانات بطريقة آمنة، شفافة، ولا مركزية، وهي تشكّل البنية التحتية الأساسية للعملات الرقمية مثل بتكوين وإيثيريوم.

موارد حاسوبية كبيرة

كذلك، يتطلب تشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي موارد حاسوبية هائلة، وفي المقابل تعاني شبكات العملات الرقمية أحياناً من محدودية في السرعة والاستيعاب، وهذا يعني أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية قد يجعل تنفيذ المعاملات أبطأ أو أكثر تكلفة، خصوصاً عندما يزداد عدد المستخدمين، وفقاً لموقع «كوينتيلغراف».

غياب الشفافية والثقة

تحدٍّ آخر أمام دمج الذكاء الاصطناعي مع العملات الرقمية، هو مدى تحقيق الشفافية والثقة. فكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تعمل كصندوق أسود، حيث يصعب فهم الآلية الداخلية التي تتخذ بها القرارات.

في المقابل، تعتمد ثقة المستخدمين في عالم العملات الرقمية على الشفافية وإمكانية التحقق. فإذا قدّم نظام ذكاء اصطناعي توصية استثمارية أو توقعاً سعرياً دون شرح واضح للأسباب، قد يتردد المستثمرون في الأخذ به، لأنّ عدم قدرة المستخدمين على فهم كيفية توصل الذكاء الاصطناعي إلى قراراته قد يولّد مخاوف ويثني البعض عن استخدامه.

تحديات دمج الإطار التنظيمي للذكاء الاصطناعي بسوق العملات الرقمية

من جهة أخرى، يظل الإطار التنظيمي لدمج الذكاء الاصطناعي بالعملات الرقمية تحدياً مهماً؛ فكل من هاتين التقنيّتين حديثتا العهد وسريعتا التطور، وهذا يعني أن القوانين واللوائح التنظيمية لا تواكب سرعة التطوّر التقني.

هذا الفراغ أو الغموض القانوني يزيد من صعوبة دمج الذكاء الاصطناعي مع منصات التداول أو المشاريع القائمة على البلوكتشين، خوفاً من مخالفة أنظمة تنظيمية حالية أو مستقبلية، حسب «كوينتيلغراف».

يتطلب تشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي موارد حاسوبية هائلة (رويترز)

جودة البيانات والتوقعات

ولا يمكن إغفال تحديات متعلقة بجودة البيانات والتوقعات. تعتمد دقة مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي على جودة البيانات التي تُدرَّب عليها؛ فإذا كانت البيانات تاريخية منحازة أو غير كاملة، ستنعكس العيوب على القرارات والتنبؤات. في سوق شديدة التقلب كسوق العملات المشفرة، قد يصعب على الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأحداث غير المتوقعة أو الصدمات المفاجئة مثل تغييرات تشريعية أو تصريحات مؤثرة من شخصيات بارزة. وفي الواقع، يشدد الخبراء على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد ترتكب أخطاء فادحة إذا استندت إلى بيانات أو نماذج فيها عيوب، مما قد يسبب خسائر مالية جسيمة، فضلاً عن أن غياب الشفافية في قرارات هذه الأنظمة قد يقوّض ثقة المستثمرين ويفسح المجال للتلاعب بالسوق.

لذا فإن دمج الذكاء الاصطناعي بشكل آمن وفعال في عالم العملات الرقمية يتطلب معالجة هذه التحديات التقنية والأخلاقية والتنظيمية بعناية.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بأسعار العملات الرقمية بدقة؟

يتطلع الكثيرون إلى إجابة هذا السؤال المحوري: هل بوسع الذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بحركة أسعار البتكوين أو غيرها من العملات الرقمية بدقة عالية وبشكل موثوق؟

لقد حقق الباحثون بالفعل بعض النجاحات المحدودة في هذا المجال. على سبيل المثال، إن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) -وهو معهد أميركي ينشر آخر ما توصلت إليه الأبحاث العلمية والتقنية- تمكّن قبل نحو عقد من الزمن من تطوير خوارزمية تعلُّم آلة تتوقع أسعار بتكوين على مدار ثوانٍ، ونجح فريق العمل عبرها في مضاعفة استثماراته خلال فترة خمسين يوماً فقط.

مثل هذه النتائج أظهرت إمكانات واعدة لاستخدام النماذج الرياضية والتعلم الآلي في التداول الآلي لتحقيق أرباح سريعة.

هل بوسع الذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بحركة أسعار البتكوين أو غيرها من العملات الرقمية بدقة عالية؟ (رويترز)

صعوبة التنبؤ الدقيق

إلا أن خبراء الذكاء الاصطناعي والمال يؤكدون أن هذه الحالات تظل استثنائية، ولا تعني قدرة عامة على التنبؤ الدقيق. كما يقول أحد خبراء شركة «غوغل» في مجال الذكاء الاصطناعي: «يمكنك دائماً تحليل البيانات التاريخية، لكنك لن تستطيع أبداً التنبؤ بالمستقبل بدقة تامة. حاول المحللون لسنوات، ولا يوجد أحد يستطيع توقع الأسعار بشكل صحيح دائماً»، حسبما أفاد به موقع «كريبتو نيوز»، وهو موقع إخباري دولي يغطّي أحدث تطورات سوق العملات الرقمية.

احتمالات وليست ضمانات لتطور الأسعار

الواقع أن الذكاء الاصطناعي يبرع في رصد الاتجاهات والأنماط المحتملة اعتماداً على المعطيات الحالية، لكنه يفتقر إلى قدرة الإدراك الشامل لكل العوامل المؤثرة الخارجة عن البيانات، مثل التطورات السياسية أو النفسية للمستثمرين. لذلك، فإن أي توقعات يصدرها تبقى في إطار الاحتمالات، وليست ضماناً أكيداً. حتى النماذج اللغوية الذكية مثل «شات جي بي تي» تعترف بأنها لا تمتلك دقة آنية في التنبؤ بالأسعار، وأن ما تُقدّمه من توقعات ليست إلا سيناريوهات افتراضية للاسترشاد بها لا أكثر، وفقاً لموقع «كوينتيلغراف».

وبناءً على ذلك، يبقى الذكاء الاصطناعي أداةً مفيدةً لاستشراف الاتجاهات في سوق العملات الرقمية، لكنه لا يضمن تنبؤاً دقيقاً بالأسعار المستقبلية.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صورة تظهر شعار «غروك» (رويترز)

والدة أحد أطفال ماسك تقاضي شركته للذكاء الاصطناعي

رفعت والدة أحد أطفال إيلون ماسك دعوى قضائية ضد شركة الذكاء الاصطناعي الخاصة به.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
TT

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)

نقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) صاروخها العملاق «إس إل إس»، الذي من المفترض أن يحمل روّاد فضاء إلى مدار القمر في أوّل مهمّة منذ أكثر من 50 سنة، إلى منصّة إطلاق لإجراء تجارب تمهيداً لرحلة «أرتيميس 2».

واستغرقت العمليّة، أمس (السبت)، نحو 12 ساعة، وتعدّ من الخطوات الأخيرة المتبقّية قبل إقلاع المهمّة المرتقب بين مطلع فبراير (شباط) وأواخر أبريل (نيسان).

ونقل الصاروخ الضخم الأبيض والبرتقالي فجراً من مبنى تركيب القطع في اتجاه مجمّع إطلاق الصواريخ «39 بي» في مركز كيندي الفضائي في فلوريدا حيث وصل عصراً، ومن المرتقب أن يخضع لسلسلة من الفحوص.

إن كانت النتائج مرضية، فسيكون في وسع الصاروخ الإقلاع بدءاً من السادس من فبراير، حسب التقديرات الأوّلية لـ«ناسا»، في مهمّة هي الأولى منذ «أبولو» في 1972 تحمل أربعة روّاد، ثلاثة أميركيين وكندي، إلى مدار القمر.

وقال جون هانيكات المشرف على برنامج الصاروخ خلال مؤتمر صحافي، الجمعة: «نحن بصدد كتابة التاريخ»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كيندي الفضائي (أ.ف.ب)

«جعل المستحيل ممكناً»

حضر الروّاد الأربعة، وهم ريد وايزمن وكريستينا هاموك كوك وفيكتور غلوفر وجيريمي هانسن، عمليّة نقل الصاروخ، السبت.

ومع كبسولة «أوريون» التي سيتمركز فيها الروّاد، يبلغ طول الصاروخ 98 متراً، أي أنّه أعلى من تمثال الحرّية، لكنه أقصر بقليل من صاروخ «ساتورن 5» الذي نقل مهمّات «أبولو» المأهولة إلى القمر والممتدّ على 110 أمتار.

وقال الرائد الكندي جيريمي هانسن في تصريحات للإعلام: «أنا متحمّس جدّاً. وفي خلال أسابيع قليلة، ستشهدون على تحليق أربعة أشخاص في مدار القمر. وإن كنّا قادرين على أمر مماثل اليوم، فتخيّلوا ما سيكون في وسعنا فعله غداً». وصرّح زميله فيكتور غلوفر: «نبذل ما في وسعنا لجعل المستحيل ممكناً».

ومن المفترض أن تمتدّ هذه المهمّة نحو عشرة أيّام يدور خلالها الطاقم حول القمر، تمهيداً للرحلة المقبلة التي ستشكّل العودة المنتظرة للبشر إلى سطح القمر بهدف إقامة وجود دائم هذه المرّة.

صاروخ أرتميس العملاق «إس إل إس» التابع لشركة «ناسا» في مركز كيندي الفضائي (أ.ف.ب)

لكن هذه المهمّة تشكّل في ذاتها سابقة على مستويات عدّة. فهي أوّل رحلة إلى مدار القمر تشارك فيها امرأة ورائد غير أبيض وآخر غير أميركي.

«سباق ثان إلى الفضاء»

وقبل الانطلاق، يتحقّق مهندسو «ناسا» من أمن الصاروخ ومتانته. ومن المفترض إجراء سلسلة من الفحوص قبل تدريب عام على عملية محاكاة.

وأطلقت مهمّة «أرتيميس 1» غير المأهولة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بعد عدّة تأجيلات ومحاولتين سابقتين غير ناجحتين.

ويهدف برنامج «أرتيميس» الذي كشف عنه النقاب خلال الولاية الأولى لدونالد ترمب إلى إقامة وجود بشري دائم على القمر في نهاية المطاف، والتمهيد لرحلات مقبلة نحو المريخ، لكنه تعرض لتأخيرات كثيرة في السنوات الأخيرة، غير أن «ناسا» أحدثت مفاجأة في أواخر 2025 مع إعلانها عن احتمال إطلاق «أرتيميس 2» في «مطلع فبراير» بدلاً من أبريل.

وقد يعزى تقريب الموعد إلى ضغوط من إدارة ترمب الطامعة بكسب «سباق ثان إلى الفضاء» ضدّ بكين بعد ذاك الذي تواجهت فيه الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي إبّان الحرب الباردة.

وبات محور المنافسة اليوم إرسال البشر إلى القمر بحلول 2030 وإقامة قاعدة على سطحه. ومن المرتقب أن يتمّ تأجيل مهمّة «أرتيميس 3» المحدّد موعدها راهناً في منتصف 2027. ويشير خبراء الملاحة الفضائية إلى أن جهاز الهبوط على القمر الذي طوّرته شركة «سبايس إكس»، التابعة لإيلون ماسك، غير جاهز بعد، ما يؤشّر إلى أن الصين قد تسحب البساط من تحت قدمي الولايات المتحدة.


«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.