«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الشبكات أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي... والسعودية أمام تحدي الجاهزية

رئيسها التنفيذي: المؤسسات مطالبة بالموازنة بين سرعة التحرك وحماية الثقة والأمن

الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)
الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)
TT

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الشبكات أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي... والسعودية أمام تحدي الجاهزية

الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)
الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)

في لاس فيغاس، قدّمت شركة «سيسكو» خلال حدثها السنوي «سيسكو لايف 2026» الذكاء الاصطناعي بوصفه اختباراً جديداً للبنية التحتية، لا مجرد موجة برمجية أو تطبيقات أكثر ذكاء. الرسالة الأساسية في الحدث كانت أنه مع انتقال المؤسسات من روبوتات المحادثة إلى وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ المهام، تصبح الشبكات والأمن والمراقبة والهوية والمرونة الرقمية جزءاً واحداً من معادلة التشغيل.

هذه الفكرة حضرت بقوة في الكلمة الرئيسية للرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز، الذي عاد إلى تاريخ الشركة مع الشبكات ليشرح أن قوة أي ثورة تقنية لا تكتمل إلا عندما تتصل عناصرها ببعضها. وقال إن النماذج، ووحدات معالجة الرسوميات والتطبيقات والوكلاء كلها عناصر مهمة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما ترتبط عبر شبكة قادرة على دعمها وتأمينها. وأشار إلى أن حركة الشبكات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع دخول الروبوتات والتصنيع والذكاء الاصطناعي الفيزيائي إلى بيئات التشغيل.

منصة واحدة لتشغيل البنية والدفاع عنها

أبرز إعلانات «سيسكو لايف 2026» كان إطلاق «Cisco Cloud Control» وهي منصة موحدة لإدارة ومراقبة وتأمين البنية التحتية التقنية، صُممت كي يعمل من خلالها البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي في البيئة نفسها وبالاعتماد على البيانات التشغيلية نفسها.

تقول «سيسكو» إن المنصة تجمع الشبكات والأمن والحوسبة والمراقبة والتعاون ضمن واجهة واحدة، وتتيح للمستخدمين بناء تطبيقات ووكلاء باستخدام اللغة الطبيعية، مع ربطها بمنظومة من الأدوات الخارجية. وتصف الشركة المنصة بأنها الأساس التشغيلي لرؤيتها المعروفة باسم «Agentic Ops» أي تشغيل البنية التحتية بمساعدة وكلاء قادرين على رصد المشكلات، وتحليل أسبابها، واقتراح المعالجة، واختبار التغييرات قبل تنفيذها، ثم التأكد من عودة تجربة المستخدم إلى وضعها الطبيعي.

وأفاد جيتو باتيل، رئيس «سيسكو» ومدير المنتجات فيها، بأن «وكلاء الذكاء الاصطناعي يفكرون ويتصرفون باستمرار بسرعة البرمجيات، وهذا يغير كل شيء في طريقة توسيع وإدارة والدفاع عن البنية التحتية الحيوية». وتابع أن المنصة تمثل «مركز قيادة للذكاء الاصطناعي الوكيلي»، حيث تعمل الفرق البشرية ووكلاء الذكاء الاصطناعي في البيئة نفسها وبالمعلومات نفسها، مع بقاء البشر في موقع التحكم.

الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز (سيسكو)

السعودية والجاهزية الصعبة

في رد عن سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن أكبر فجوة جاهزية تواجه المؤسسات السعودية مع انتقالها إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وعن الدور الذي تريد «سيسكو» لعبه في سد هذه الفجوة، من الاتصال الآمن والمراقبة إلى الهوية والحوكمة والمهارات، قال تشاك روبنز الرئيس التنفيذي للشركة: «إن التحدي لا يقتصر على السعودية وحدها، بل يرتبط بمحاولة كل مؤسسة الموازنة بين الرغبة في التحرك بسرعة وبين الحفاظ على وضع أمني موثوق».

وأوضح أن المؤسسات تحاول فهم «الخط الدقيق» بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، وبين التعامل مع قضايا الثقة والأمن التي يعرف الجميع أنها موجودة.

وحول الأمر نفسه، أجاب جيتو باتيل أن فجوة الجاهزية في أسواق مثل الشرق الأوسط لا تتعلق فقط بالقرار الاستراتيجي بتبني الذكاء الاصطناعي، بل بتعقيد بناء البنية التحتية نفسها. فهذه المشروعات، كما أوضح، تحتاج إلى وقت لأن كل مرحلة فيها تحمل مستوى من التعقيد، من تأمين الطاقة، والحصول على التصاريح، وتجهيز البنية المعمارية المناسبة، إلى إدارة حركة البيانات والسعة داخل مراكز البيانات حتى لا تتعرض البنية لضغط يفوق قدرتها. كما تدخل المتطلبات التنظيمية الحكومية ضمن هذه المعادلة، مما يجعل بناء مشروعات الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق عملية معقدة وليست مجرد شراء تقنية جاهزة.

لكن باتيل أشار في المقابل إلى أن وتيرة الحركة في الشرق الأوسط أصبحت أسرع مما كان يتوقع قبل سنوات قليلة، لافتاً إلى وجود «زخم كبير» في المنطقة، وإلى أن قيادات «سيسكو» زارتها عدة مرات وتعتزم العودة إليها خلال الأشهر المقبلة، في إشارة إلى استمرار العمل مع أسواقها.

جيتو باتيل رئيس «سيسكو» ومدير المنتجات (سيسكو)

أما ليز سينتوني، نائبة الرئيس التنفيذي ورئيسة تجربة العملاء في «سيسكو» فربطت خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» فجوة الجاهزية بجانبين أساسيين. الأول أن المؤسسات لم تعد تستطيع النظر إلى أجهزة البنية التحتية كأصول تشغيلية عادية، لأن هذه الأجهزة أصبحت في قلب جيل جديد من الهجمات. لذلك، لا يكفي امتلاك التقنية، بل يجب تغيير نموذج التشغيل الداخلي، خصوصاً في طريقة التعامل مع الثغرات والتحديثات الأمنية. فدورات التصحيح التي كانت تستغرق أياماً أو أشهراً لم تعد مناسبة، وقد تحتاج المؤسسات إلى الانتقال نحو استجابة تُقاس بالساعات، وربما بالدقائق.

أما الجانب الثاني، فهو الجاهزية الكمية، حيث أشارت إلى مخاطر هجمات «احصد الآن وفك التشفير لاحقاً»، حيث قد تُجمع بيانات مشفرة اليوم على أمل فكها مستقبلاً مع تطور الحوسبة الكمية. ولفتت إلى أن كثيراً من المؤسسات قد لا تدرك أصلاً مستوى تعرضها لهذا النوع من المخاطر، وقد تُفاجأ بنتائج تقييمات الجاهزية الكمية عندما تكتشف مواضع الضعف في بنيتها الحالية.

غوردون تومسون رئيس «سيسكو» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (الشرق الأوسط)

الشبكة لم تعد خلفية تقنية

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش الحدث، قال غوردون تومسون، رئيس «سيسكو» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، إن التغيير الأكبر في الانتقال من روبوتات المحادثة إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي هو ازدياد الاعتماد على الشبكة أكثر من أي وقت سابق.

وأوضح أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد لا يكونون في الموقع نفسه، وقد يعملون من أجهزة مكتبية أو حواسيب صغيرة أو داخل مراكز بيانات أو عبر بيئات سحابية متعددة، ما يجعل قدرة الشبكة على الأداء والموثوقية والأمن عاملاً حاسماً في تحقيق العائد من الذكاء الاصطناعي. وذكر تومسون: «الذكاء الاصطناعي يحرك العالم، لكن (سيسكو) تحرك الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى أن الشبكة تصبح الطبقة التي تربط النماذج والوكلاء والأنظمة والمستخدمين.

الانتقال من روبوتات المحادثة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي يعني أن الأنظمة لم تعد تجيب فقط بل بدأت تنفذ المهام (سيسكو)

وأردف غوردون أن وحدات معالجة الرسوميات مهمة، لكنها تحتاج إلى شبكة تربطها، وغالباً ما تكون هذه الشبكة مبنية على تقنيات «سيسكو» أو على «الإيثرنت». وبهذا المعنى، لا يرى تومسون أن الشبكة مجرد طبقة تقنية صامتة، بل أساس لتشغيل الذكاء الاصطناعي نفسه، سواء داخل السعودية أو خارجها.

وبالنسبة إلى الفجوات التي تعرقل تبني الذكاء الاصطناعي الوكيلي، فرّق تومسون بين البنية التحتية والثقة والبيانات، لكنه رأى أن الاختلافات بين أوروبا والخليج وأفريقيا قد لا تكون جغرافية بقدر ما هي مرتبطة بالقطاعات. فالجهات الحكومية والبنوك وشركات الاتصالات والقطاعات الصناعية قد تتعامل مع الثقة والحوكمة والأمن بدرجات مختلفة. لكنه قال إن ما يراه في الشرق الأوسط والسعودية هو إدراك متزايد لأهمية البيانات، واستثمار واضح في تقنيات المراقبة وفهم ما يحدث داخل البيئات الرقمية.

هذه النقطة تنقل النقاش من «هل نملك البيانات؟» إلى «هل نستطيع استخدامها لتشغيل الذكاء الاصطناعي بأمان؟». فالمؤسسات قد تمتلك كميات ضخمة من البيانات، لكنها تحتاج إلى ربطها بسياق تشغيلي، وإلى معرفة ما يحدث عبر الشبكات والتطبيقات والأجهزة والوكلاء.

«سيسكو» ترى أن نجاح الذكاء الاصطناعي الوكيلي يتطلب ربط الشبكات والأمن والمراقبة والهوية في منظومة واحدة (سيسكو)

الأمن بوصفه طبقة داخل البنية

تعكس إعلانات «سيسكو» في لاس فيغاس قناعة واضحة بأن الأمن لم يعد طبقة تُضاف بعد بناء البنية، بل يجب أن يكون جزءاً منها منذ البداية. فالمنصة الجديدة تجمع بيانات من الشبكات والأمن والمراقبة والتعاون، وتتيح للبشر والوكلاء العمل على السياق نفسه.

وتعلن الشركة توسيع «Live Protect» لحماية منتجاتها من الثغرات الجديدة أثناء التشغيل، من دون إعادة تشغيل أو ترقية أو نافذة صيانة.

وبحسب «سيسكو»، فإن هذا التوجُّه يرتبط بانهيار الفترة الزمنية بين اكتشاف الثغرة واستغلالها من أسابيع إلى دقائق. كما تؤكد الشركة أن الدفاع التفاعلي لم يعد كافياً في بيئة يمكن أن تتسارع فيها الهجمات بمساعدة نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة.

وتشمل الإعلانات أيضاً «Hybrid Mesh Firewall» لتوسيع الحماية عبر الشبكات والتطبيقات و«جدران الحماية» من «سيسكو» وأطراف ثالثة، بهدف تقليص نطاق الضرر عند وقوع حادث. أما فيما يتعلق بالوكلاء، فتتحدث «سيسكو» عن حماية الوكلاء من العالم الخارجي، وحماية موارد المؤسسة من الوكلاء أنفسهم، من خلال أدوات مثل «AI Defense» و«Zero Trust for agents» و«Agentic SOC».

وشرح غوردون تومسون أن «سيسكو» لا تتحدث فقط عن تقديم الذكاء الاصطناعي، بل عن تقديم «ذكاء اصطناعي آمن».

واعتبر أن الأمر يقوم على تعريف السياسة، ثم إنفاذها، ثم القدرة على التخفيف من أثر أي تعرض أو مشكلة عند حدوثها. وأضاف أن هذا ما تجلبه «سيسكو» إلى الطاولة اعتماداً على قدرتها على التقاط البيانات واستخدامها لمعالجة تحديات العملاء.

البيانات وحدها لا تكفي لتشغيل الذكاء الاصطناعي بل الأهم فهمها وربطها بسياق تشغيلي يمكن التحرك بناءً عليه (سيسكو)

هل هي قضية مجالس إدارة؟

أحد التحولات اللافتة في لغة «سيسكو» هذا العام هو نقل الشبكة من خانة البنية غير المرئية إلى خانة المخاطر الاستراتيجية. فخلال لقائه مع «الشرق الأوسط»، لفت تومسون إلى أن البنية التحتية لكل شركة أصبحت اليوم بنية رقمية، وأن مجالس الإدارة بدأت تدرك أن «الأشياء التي تربط كل شيء» باتت مهمة وحيوية لاستمرارية الأعمال.

وتابع أن المسألة المركزية التي يجب أن تفكر فيها مجالس الإدارة هي المرونة الرقمية، موضحاً أن شراء «سيسكو» لشركة «سبلانك» جاء في سياق استخدام البيانات بفاعلية أكبر لدعم هذه المرونة. وقال إن الحديث مع مجلس إدارة قبل 12 أو 18 شهراً عن أهمية الشبكة ربما لم يكن سيحظى بالاهتمام نفسه، أما اليوم فأي مجلس إدارة يدرك أهمية الشبكة وضرورة حمايتها وتحديثها ورفع موثوقيتها.

هذه النقطة تقود مباشرة إلى السعودية والخليج، حيث تتحول الخدمات الحكومية والطاقة والنقل والمدن الذكية والخدمات الصحية والمالية إلى منظومات رقمية مترابطة. في هذه البيئات، لا يصبح انقطاع الشبكة مشكلة تقنية داخل غرفة الخوادم، بل مسألة استمرارية خدمة وثقة وتشغيل.

مع صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي تتحول الشبكات من مسألة تقنية إلى قضية استراتيجية على مستوى مجالس الإدارة (سيسكو)

من كثرة البيانات إلى القدرة على القرار

تضع «سيسكو» المراقبة والبيانات في قلب خطابها الجديد حيث لا يقدم «Cisco Cloud Control» فقط رؤية موحدة، بل تعتمد على «cross-domain telemetry» أي جمع البيانات التشغيلية من الشبكات والأمن والتطبيقات والمستخدمين والوكلاء، وربطها بسياق واحد. والهدف أن يعمل البشر والوكلاء على المعلومات نفسها، لمعالجة قضايا مثل زمن التشغيل، وسلوك الوكلاء، وكلفة الرموز أو «tokenomics».

في الأسواق الخليجية، لا يبدو هذا النقاش نظرياً، حيث إن المؤسسات الكبيرة في السعودية، خصوصاً في القطاعات المنظمة، تحتاج إلى ربط السرعة بالتحكم. وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يدخلون قريباً إلى عمليات خدمة العملاء والأمن وإدارة الشبكات وتحليل البيانات وسلاسل الإمداد والبرمجة والعمليات الداخلية. لكن السؤال ليس فقط ماذا يستطيع الوكيل فعله، بل من سمح له؟ وبأي صلاحية؟ وتحت أي سياسة؟ وكيف يمكن معرفة ما فعله لاحقاً؟

لهذا شدد تومسون على أن نهج «الثقة الصفرية» (Zero Trust) يصبح أساسياً، قائلاً إن كل شيء يبدأ من ذلك، ثم تُبنى فوقها الهوية والصلاحيات، بحيث لا يحصل أي مستخدم أو وكيل على وصول إلا من خلال الامتيازات والشهادات المطلوبة.

الأمن لم يعد طبقة تُضاف بعد بناء البنية التحتية بل أصبح جزءاً من التصميم منذ البداية (سيسكو)

الأمن الكمي: تهديد الغد يدخل جدول اليوم

خصصت «سيسكو» جزءاً من إعلاناتها في المؤتمر لمسار ما بعد الحوسبة الكمية، مشيرة إلى هجمات «احصد الآن وفك التشفير لاحقاً»، حيث تُجمع بيانات مشفرة اليوم على أمل فكها مستقبلاً مع تطور القدرات الكمية. وقالت الشركة إنها تلتزم بتمكين قدرات اتصالات آمنة كمياً عبر غالبية محفظتها الأساسية بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2026، مع إطلاق سلاسل جديدة من أجهزة الراوتر والسويتشات والجدران النارية مزودة بميزة «quantum-safe secure boot»، إضافة إلى «Quantum Ready Assessments» عبر «Cisco IQ» لتحديد الأصول الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر.

هذا لا يعني أن كل مؤسسة تحتاج إلى تغيير بنيتها فوراً، لكنه يعكس تغيراً في طريقة التفكير. فالمؤسسات التي تبني اليوم بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في قطاعات طويلة العمر مثل الطاقة والحكومة والاتصالات والمال، لا يمكنها فصل قراراتها الحالية عن مخاطر ستظهر خلال سنوات. لذلك تصبح الجاهزية الكمية جزءاً من مفهوم أوسع للمرونة الرقمية.

الشبكات لم تعد مجرد خلفية تقنية صامتة بل أصبحت أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات (سيسكو)

الشرق الأوسط بين السرعة والسيادة

في الشرق الأوسط، تتقاطع ثلاثة عوامل تجعل رسالة «سيسكو» أكثر ارتباطاً بالمنطقة، هي سرعة الاستثمار وحساسية البيانات والحاجة إلى السيادة. السعودية، تحديداً، تتحرك من مرحلة الإعلان عن الاستراتيجيات إلى مرحلة بناء البنية وتشغيلها وربطها بالقطاعات. لكن هذا التحول يطرح أسئلة حول أين تُشغّل البيانات، ومن يملك حق الوصول، وكيف تُراقب الوكلاء، وما النموذج المناسب بين السحابة، والبنية المحلية، والبيئات الهجينة.

لم يرَ تومسون خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن الفروق بين الشرق الأوسط وأوروبا دائماً جغرافية، لكنه أقر بأن الأولويات قد تختلف. فالمنطقة تتحرك بسرعة، وتملك طموحاً واضحاً، لكن ذلك يزيد أهمية التحكم والمرونة والأمن. ومن هنا تصبح السيادة أكثر من مسألة مكان تخزين البيانات، بل إنها ترتبط أيضاً بالتحكم في البنية، وخيارات التشغيل، والقدرة على التعافي، والثقة في سلسلة الدعم.

السيادة الرقمية لم تعد مرتبطة بمكان البيانات فقط بل بالتحكم في البنية والقدرة على التعافي وإدارة المخاطر (سيسكو)

اختبار المرحلة المقبلة

ما خرج من مؤتمر «سيسكو لايف 2026» هو محاولة لإعادة تعريف موقع الشبكة في عصر الذكاء الاصطناعي. لم تعد الشبكة خلفية صامتة، ولا مجرد طبقة نقل. الشركة تقول إن الشبكة تصبح المكان الذي تمر عبره قرارات الوكلاء، وتُفرض فيه السياسات، وتُلتقط منه البيانات، وتُقاس فيه المرونة.

بالنسبة إلى السعودية والخليج، تحمل هذه الرؤية دلالة واضحة. فالمرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لن تُقاس فقط بحجم مراكز البيانات أو عدد وحدات المعالجة أو سرعة إطلاق الخدمات، بل بقدرة المؤسسات على تشغيل هذه المنظومة بأمان وثقة ومرونة. فكلما تحولت أنظمة الذكاء الاصطناعي من الإجابة إلى الفعل، أصبحت البنية التي تربطها وتحميها وتراقبها جزءاً من القرار الاستراتيجي، لا مجرد تفصيل تقني.


مقالات ذات صلة

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

خاص يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي ضوابط جديدة للصلاحيات والمساءلة والمراقبة مع ضرورة تتبع القرارات واختبار آليات الإيقاف قبل التشغيل الفعلي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

جاء المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المنعقد حالياً بالرياض، في وقت يتصاعد فيه الجدل العالمي حول سرعة تطوير هذه التقنية.

عبير حمدي (الرياض)
خاص تدفع متطلبات السيادة على البيانات والامتثال قطاعات منظمة إلى تبني نماذج ذكاء اصطناعي هجينة وخاصة وفق طبيعة المعلومات والأحمال (أدوبي)

خاص المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية يرفع أهمية المعلومات الموثوقة والحوكمة والسيادة على البيانات لتحويل الاستثمار إلى قيمة مؤسسية.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا الحرفان «AI» (اختصاراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي) على شاشة حاسوب محمول (أ.ف.ب) p-circle

ما هو الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يثير مخاوف؟

كيف بدأت قصة الذكاء الاصطناعي وما استخداماته؟ ولماذا تتزايد المخاوف بشأنه؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» بيل غيتس (أ.ب) p-circle

بيل غيتس يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي... ويدعو الحكومات للعمل معاً

قال بيل غيتس إنه ليست هناك حكومة في العالم مستعدة للتغييرات التي سيجلبها الذكاء الاصطناعي على المجتمع، محذراً من المخاطر المستقبلية.

«الشرق الأوسط» (لندن )

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
TT

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

قبل أن تسمح المؤسسة لأول وكيل ذكاء اصطناعي باتخاذ إجراء داخل أنظمتها الفعلية، ينبغي أن تتمكن من الإجابة عن أربعة أسئلة عملية؛ من يتحمل مسؤولية سلوكه؟ ما الذي يُسمح له بالوصول إليه؟ هل يمكن إعادة بناء كل قرار اتخذه لاحقاً؟ وهل توجد وسيلة مجرّبة لإيقافه إذا انحرف عن المهمة؟

تصبح هذه المتطلبات، بحسب نيبو فارغيز، المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (FTI Consulting)، أكثر إلحاحاً مع انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم الإجابات والتوصيات إلى نشر وكلاء قادرين على الوصول إلى الأنظمة واستدعاء الأدوات وتنفيذ الإجراءات بأنفسهم.

تتزامن هذه النقاشات مع انطلاق النسخة الرابعة من «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض، الاثنين، الذي يستمر حتى 17 سبتمبر (أيلول). ويجمع المنتدى مسؤولين وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وممثلين عن منظمات دولية وقطاعات حكومية وخاصة، لبحث حوكمة الذكاء الاصطناعي وكيفية تحويل المبادئ الأخلاقية إلى سياسات وضوابط عملية تواكب تسارع استخدام الأنظمة الأكثر استقلالية.

ويشرح فارغيز أن المشكلة لا تكمن في أن الوكيل مجرد «مستخدم آلي» جديد يحتاج إلى حساب دخول آخر. فأنظمة الهوية والصلاحيات التقليدية صُممت أساساً للتعامل مع شخص بشري أو برنامج يتصرف بطريقة متوقعة ومتكررة. أما وكيل الذكاء الاصطناعي فيتصرف بالنيابة عن شخص، لكنه يستطيع أيضاً تحديد خطوته التالية بصورة ديناميكية، ما يجعل نمط سلوكه أقل قابلية للتوقع مسبقاً.

نيبو فارغيز المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (الشركة)

الصلاحيات الواسعة تتحول إلى نقطة ضعف

يضع هذا الاختلاف مسألة الصلاحيات في قلب المشكلة الأمنية. ويحذر فارغيز من التعامل مع الوكيل كما لو كان حساب خدمة تقليدياً يحمل مجموعة ثابتة من الصلاحيات ويدخل إلى أنظمة معروفة سلفاً.

فالوكيل قد يستدعي سلسلة من الأدوات والأنظمة أثناء محاولته إنجاز هدف معين، فيما يؤثر السياق الذي جمعه في بداية المهمة على القرارات التي يتخذها لاحقاً. ولهذا يرى أن الضوابط الموضوعة للبرمجيات التقليدية لن تكون كافية وحدها لإدارة المخاطر الجديدة.

ويطرح بديلاً يقوم على مبدأ «أقل قدر من الصلاحيات»، بحيث يحصل الوكيل على ما يحتاج إليه فقط لإنجاز المهمة المحددة، على أن تتغير صلاحياته عندما تتغير المهمة. ويشير إلى أن أحد الأخطاء الشائعة يتمثل في منح الوكيل منذ البداية كامل مجموعة الصلاحيات التي قد يحتاج إليها مستقبلاً، بدلاً من الحد الأدنى اللازم للعمل الحالي.

وتتزايد حساسية هذه المسألة مع ضغوط إثبات العائد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فكلما زادت البيانات والأنظمة التي يستطيع الوكيل الوصول إليها، بدا أكثر قدرة على إنجاز المهام؛ إلا أن الصلاحيات ذاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر إذا تعرض الوكيل للتلاعب أو الاختراق.

ويضرب فارغيز مثالاً بوكيل يمتلك صلاحية الكتابة في قواعد بيانات حساسة أو الوصول إلى مفاتيح أنظمة، إذ يستطيع تنفيذ إجراءات واسعة النطاق قبل أن يلاحظ أحد ما يحدث. وينوه أن تكون كل صلاحية ممنوحة قراراً متعمداً يرتبط بمالك محدد داخل المؤسسة.

هوية صحيحة... وفعل ضار

لا يكفي التحقق من أن الوكيل الذي نفذ الإجراء يحمل هوية صحيحة حيث إن المهاجم لا يحتاج في بعض السيناريوهات إلى انتحال هوية الوكيل أصلاً، إذ يمكنه التأثير في سلوكه بواسطة تعليمات خبيثة مخفية داخل محتوى يبدو موثوقاً، لتخرج النتيجة في سجلات المؤسسة وكأنها عملية مشروعة نفّذها وكيل مخول.

ولهذا يدعو فارغيز إلى تحليل مصدر الفعل وتوقيته والبيانات التي وصل إليها الوكيل، ومدى توافقها مع المهمة الموكلة إليه. ويشير إلى أن عملية مشروعة وأخرى خبيثة قد تبدوان متطابقتين عند النظر إلى سجل الوصول وحده، بينما تظهر الفروق عند جمع السياق والسلوك والنية المحيطة بالفعل. كما يدعو فرق الأمن إلى اختبار الوكلاء بالطريقة نفسها التي قد يستخدمها المهاجم، من خلال إدخال تعليمات خبيثة بصورة متعمدة ومراقبة ما إذا كانت أنظمة الرصد ستكتشفها أم ستسمح بمرورها باعتبارها نشاطاً طبيعياً.

تصبح مراقبة سلوك الوكلاء واكتشاف الانحرافات آلياً أكثر أهمية مع زيادة سرعة وعدد العمليات التي ينفذونها.

عندما تصبح سرعة الآلة مشكلة أمنية

يرى فارغيز أن الاعتماد على محلل بشري يراجع السجلات بعد وقوع الحدث لم يعد نموذجاً عملياً في مثل هذه البيئات. ويلفت أن الحل هو بناء خط أساس للسلوك الطبيعي لكل وكيل يشمل حجم النشاط وتسلسله وتوقيته والأدوات التي يستخدمها، ثم اكتشاف الانحرافات آلياً. فإذا بدأ وكيل مالي، على سبيل المثال، في الاستعلام عن أنظمة الموارد البشرية، أو شرع وكيل اعتاد العمل خلال ساعات الدوام في تنفيذ عمليات عند الثالثة صباحاً، فهذه إشارات تستحق التحقيق حتى لو كانت كل عملية منفردة تبدو مسموحاً بها تقنياً.

متى يجب أن يتدخل الإنسان؟

على الرغم من الاتجاه نحو زيادة الاستقلالية، لا يرى فارغيز أن كل قرار يجب أن يُترك للوكيل. ويفيد بأن العمليات التي يصعب التراجع عنها أو التي يمكن أن تسبب ضرراً كبيراً عند الخطأ ينبغي أن تبقى مرتبطة بموافقة بشرية، خصوصاً عندما تتعلق ببيانات العملاء، أو التزامات مالية، أو تغييرات في الوضع الأمني للمؤسسة، مثل تعديل الصلاحيات أو تعطيل الضوابط الأمنية.

ويتجاوز الإيقاف مجرد الضغط على زر يعطل الوكيل، إذ ينبغي حفظ حالته عند التعليق لفهم ما فعله، إلى جانب تحديد الإجراءات التي بدأ تنفيذها بالفعل قبل الإيقاف وما إذا كان بالإمكان التراجع عنها. كما يوصي بأن تُختبر آلية التعليق بواسطة أشخاص لم يشاركوا في تطوير الوكيل نفسه.

لا يكفي التحقق من الهوية وحده لأن التلاعب قد يحدث عبر تعليمات خبيثة داخل محتوى يبدو موثوقاً (رويترز)

سجل يعيد بناء القرار كاملاً

مع الوكلاء المستقلين، لا يكفي تسجيل النتيجة النهائية، بل يجب حفظ المعلومات الكافية لإعادة بناء القرار بالكامل بدءاً من التعليمات التي بدأت العملية، ومن أصدرها، والبيانات والأدوات التي استخدمها الوكيل، وصولاً إلى الصلاحيات التي نُفذت تحتها كل خطوة، والنتيجة النهائية.

ويشير فارغيز إلى أن بعض منصات الوكلاء بدأت بالفعل بتخصيص هوية وسجل دخول وتاريخ تدقيق لكل وكيل، مع إمكانية ربط الإجراء بالشخص أو القالب الذي يقف خلفه. لكن هذه القدرات ما زالت مرتبطة بالمنصات الفردية، ولا يوجد حتى الآن معيار واسع التبني لتسجيل هذه المعلومات ومشاركتها بصورة متسقة بين الأنظمة المختلفة.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يعمل عدة وكلاء معاً، إذ قد لا يظهر الخلل عند تقييم كل واحد منها منفرداً، بل في عمليات التسليم والتفاعل بينها. ولذلك، يعدّ فارغيز أن اختبارات المحاكاة والهجوم أكثر فاعلية من مراجعة السياسات وحدها في اكتشاف المخاطر الكامنة بين الوكلاء.

الشرق الأوسط أمام فرصة للبناء منذ البداية

يرى فارغيز أن وتيرة نشر الذكاء الاصطناعي تتسارع، مشيراً إلى خطط في الإمارات للانتقال بخدمات حكومية نحو الذكاء الاصطناعي المستقل خلال العامين المقبلين، وإلى توجه مركز دبي المالي العالمي نحو بناء مركز مالي «مولود للذكاء الاصطناعي» بحلول 2027، إلى جانب زخم مماثل في السعودية ضمن «رؤية 2030».

ويعتبر أن سرعة التبني في المنطقة لا تعني بالضرورة أن الحوكمة يجب أن تأتي لاحقاً، بل قد تمنح المؤسسات فرصة لبناء ضوابط الهوية والمراقبة والأمن منذ البداية، قبل أن يصبح الوكلاء جزءاً واسع الانتشار من البنية التشغيلية.

ولهذا يعود فارغيز إلى أربعة شروط قبل السماح لأي وكيل بالعمل فعلياً؛ يجب أن يكون مسؤولاً تنفيذياً معروفاً يمتلك سلطة إيقافه، وله صلاحيات مصممة وفق احتياجات المهمة، وسجلات كافية لإعادة بناء كل فعل، وآلية تعليق جرى اختبارها بصورة مستقلة.

ويؤكد فارغيز أن الاختبار الحقيقي لهذه الضوابط لا يكون على الورق، بل عندما تتعرض لمحاولة إساءة استخدام متعمدة، وأن المؤسسات بحاجة إلى الانتقال من مراجعة وكلائها نظرياً إلى اختبارهم تحت ظروف تحاكي هجوماً حقيقياً قبل منحهم القدرة على التصرف داخل الأنظمة الإنتاجية.


«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)

أفاد تحديث من «أمازون ويب سيرفيسز» اطلعت عليه وكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، بأن الخدمة غير قادرة على استعادة الوصول إلى منشأة الحوسبة السحابية التابعة لها في البحرين وإلى إحدى مناطق استضافة البيانات الثلاث في الإمارات، وذلك عقب أضرار لحقت بها خلال حرب إيران.

وذكرت وحدة الحوسبة السحابية التابعة لـ«أمازون» أن الأضرار في البحرين شملت عدداً مما يُعرف بمناطق التوافر، وهي تجمعات تضم مركز بيانات واحداً أو أكثر في المنطقة الجغرافية نفسها.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في التحديث الذي كانت «رويترز» أول من نشر عنه: «امتدت الأضرار التي لحقت ببنيتنا التحتية إلى مناطق توافر عدة، وتجاوزت ما صُممت خدماتنا الإقليمية وخدماتنا متعددة مناطق التوافر لتحمله». وأضافت أنها تساعد عملاءها في البحرين على استئناف عملياتهم في مناطق أخرى.

وأشارت «أمازون ويب سيرفيسز» إلى أنها لم تتمكن في الإمارات من استعادة الوصول إلى موارد وبيانات مستضافة بصورة حصرية في منطقة توافر واحدة تعرف باسم إم إي سي 1- إيه. زد 2. وأضافت أنها تواصل العمل على استعادة الموارد في الإمارات ككل وفي منطقتي التوافر الأخريين المتضررتين.

بدأت الاضطرابات في مارس (آذار) عقب هجمات أميركية وإسرائيلية على إيران ردت عليها طهران بضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية. وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في ذلك الوقت، إن منشأتين تابعتين لها في الإمارات تعرّضتا لضربات مباشرة، بينما ألحق هجوم بطائرة مسيّرة قرب إحدى منشآتها في البحرين أضراراً مادية ببنيتها التحتية. ونقلت «رويترز» عن مصدر مطّلع في ذلك الوقت قوله إن الانقطاعات في خدمات «أمازون ويب سيرفيسز» أثّرت في بعض العمليات المصرفية.

وذكرت «رويترز»، الأسبوع الماضي، أن الإمارات تعدّل خططاً لمشروع كبير لمركز بيانات للذكاء الاصطناعي عقب الهجمات الإيرانية، بما في ذلك بحث توزيع المنشآت واستخدام بنية تحتية تحت الأرض ومقاومة للانفجارات.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في تحديث اليوم إنه بعد تضرر أول منطقة توافر في البحرين في مارس، بدأت الشركة توصي العملاء بنقل أحمال العمل إلى مناطق أخرى. وأضافت أن معظمهم فعلوا ذلك قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة عقب تعطل منطقة توافر ثانية في أبريل (نيسان).

وأضافت أنها دعمت منذ ذلك الحين العملاء في إعادة تأسيس عملياتهم في مناطق بديلة، باستخدام النسخ الاحتياطية في حالة توافرها أو تطبيق حلول بديلة للحد من تأثير البيانات التي يتعذر الوصول إليها.

وقالت الشركة إنها قيّمت البنية التحتية المتضررة، واستنفدت كل الخيارات لاستعادة البيانات والموارد التي لم تُنقل قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة.

وذكرت أنها لا تزال ملتزمة بدعم العملاء في البلدين.

وقالت الشركة إنها تعمل في الإمارات على استبدال البنية التحتية المتضررة، وإنها ستقدم تحديثاً بشأن استعادة الخدمات في الأشهر المقبلة، وأضافت أنها ستقدم أيضاً تحديثاً آخر في أوائل 2027 بشأن العمليات في البحرين.

وقالت الشركة إنها أبلغت السلطات المعنية في البلدين، وتواصل العمل معها.


حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك… من سيحتفظ بوظيفته في 2030؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
TT

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك… من سيحتفظ بوظيفته في 2030؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟

تخيّل صباحاً عادياً في عام 2030. يصل الطبيب إلى عيادته، والمهندس إلى مكتبه، والمحاسب إلى شركته، والمبرمج إلى حاسوبه... لكنّ «زميلاً» جديداً سبقهم جميعاً إلى العمل: نظام ذكاء اصطناعي قرأ الملفات، وحلّل البيانات، وأعدّ التقارير، وربما أنجز خلال دقائق مهام كانت تحتاج سابقاً إلى ساعات.

عندها لن يكون السؤال: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: أي جزء من وظائفنا سيبقى لنا؟ ومن سيحصل على الثروة التي يصنعها؟

هذا السؤال أصبح موضوعاً للبحث العلمي؛ ففي 2 يونيو (حزيران) 2026 نشرت دورية «Annual Review of Economics» دراسة بعنوان «النمو الاقتصادي في ظل الذكاء الاصطناعي التحويلي» (Economic Growth Under Transformative AI) للباحثين فيليب تراميل، من مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد، وأنطون كورينيك، من جامعة فيرجينيا والمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER). وتطرح الدراسة مفارقة قد تحدد اقتصاد العقد المقبل: إذا استطاع الذكاء الاصطناعي إنجاز جزء كبير من العمل المعرفي بدلاً من البشر، فقد ترتفع الإنتاجية والنمو بصورة هائلة، من دون أن ترتفع أجور البشر بالنسبة نفسها. وبعبارة أبسط: قد يصبح الاقتصاد أغنى... من دون أن يصبح العامل أغنى بالقدر نفسه.

3 طرق إلى عام 2030

في سبتمبر (أيلول) 2026، أطلق «معهد أنثروبيك» (Anthropic Institute) النسخة الأولى من «مستكشف السيناريوهات الاقتصادية» (Econ Scenario Explorer)، استناداً إلى تقرير «السيناريوهات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التحويلي» (Economic Scenarios for Transformative AI)، للباحث أنطون كورينيك وزملائه.

ولا يتنبأ النموذج بما سيحدث؛ بل يسأل سؤالاً علمياً: كيف يمكن أن يبدو الاقتصاد الأميركي عام 2030 إذا تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعات مختلفة؟

وجاءت الإجابة في 3 سيناريوهات:

* في السيناريو «المتواضع»، يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية، لكن تأثيره يبقى شبيهاً بثورة الإنترنت: واسعاً، لكنه تدريجي وقابل للاستيعاب. ويصل الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في النموذج إلى نحو 34.1 تريليون دولار بأسعار 2025.

* أما السيناريو «الجوهري»، فيفترض أن يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على أداء نصف العمل المعرفي بحلول 2030. عندها يرتفع الناتج إلى نحو 36.3 تريليون دولار؛ أي أعلى بنحو 8.3 في المائة من اقتصاد مماثل من دون التأثير المفترض للذكاء الاصطناعي.

3 طرق إلى 2030... أي مستقبل ينتظر الإنسان؟

* لكن السيناريو «المتطرف» يرسم عالماً مختلفاً جذرياً: أنظمة تتفوق على البشر في معظم المهام المعرفية، وتنجز غالبية تلك الأعمال بصورة مستقلة. وفي هذه الحالة الافتراضية، قد يصل النمو الاقتصادي إلى نحو 15 في المائة سنوياً، ويرتفع الناتج إلى 44.4 تريليون دولار عام 2030.

إنها أرقام تبدو للوهلة الأولى خبراً رائعاً: إنتاجية أعلى واقتصاد أكبر بكثير. لكنها تقود إلى السؤال الأكثر أهمية في الدراسة: إذا أصبح الاقتصاد أغنى بفضل الذكاء الاصطناعي، فمن سيحصل على هذه الثروة؟... الإنسان أم الآلة ومن يملكها؟

حين تكبر الكعكة وتصغر حصة العامل

هنا تكتسب الدراسة المنشورة في «Annual Review of Economics» أهميتها؛ فتراميل وكورينيك يخلصان إلى أن إسناد جزء كبير من العمل والإنتاج إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي بدلاً من البشر يمكن، في بعض النماذج الاقتصادية، أن يسرّع النمو بصورة غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه يخفض حصة العمل البشري من الدخل. أما الأجور، فقد ترتفع أو تنخفض تبعاً لطبيعة التطور التقني والموارد وعوامل اقتصادية أخرى. وهنا تكمن المفارقة: ازدهار الاقتصاد لا يعني بالضرورة ازدهار أجور البشر.

وتجسد سيناريوهات «Anthropic» هذه الفكرة رقمياً؛ ففي السيناريو المتطرف، تنخفض أجور العاملين في الوظائف المعرفية بأكثر من 10 في المائة بحلول 2030. والأكثر إثارة أن حصة العمل من الناتج، التي تبلغ نحو 59.4 في المائة في السيناريو المتواضع، تهبط إلى 45.2 في المائة في السيناريو المتطرف، بينما ترتفع حصة رأس المال إلى 54.8 في المائة؛ أي إن الاقتصاد قد ينتج ثروة أكبر بكثير، لكن نصيب العامل البشري النسبي منها يصبح أصغر. وهنا يظهر سؤال يتجاوز الاقتصاد إلى المجتمع نفسه: إذا كانت الخوارزميات ستنتج جزءاً متزايداً من الثروة، فمن سيمتلك هذه الثروة؟ وكيف ستوزع مكاسبها؟

هل بدأت الوظائف تتأثر فعلاً؟

لكن، هل بدأت هذه السيناريوهات تظهر في سوق العمل اليوم؟ في 5 مارس (آذار) 2026، نشر الباحثان مكسيم ماسينكوف وبيتر ماكروري من فريق «Anthropic»، دراسة بعنوان «تأثيرات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل: مقياس جديد وأدلة أولية» (Labor Market Impacts of AI: A New Measure and Early Evidence). وابتكر الباحثان مقياساً يجمع بين ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه نظرياً، وما يُستخدم فعلياً منه في أماكن العمل.

وجاءت النتيجة أكثر تعقيداً من الحديث عن «اختفاء الوظائف»، فلم يجد الباحثان حتى ذلك التاريخ ارتفاعاً واضحاً ومنتظماً في البطالة بالمهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي. لكنهما رصدا إشارة مبكرة تستحق الانتباه: توظيف الشباب قد يكون بدأ يتباطأ في بعض هذه المهن.

وكشفت الدراسة أيضاً فجوة مهمة؛ فما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي إنجازه تقنياً أكبر بكثير مما تستخدمه المؤسسات فعلياً اليوم. وقد تكون هذه الفجوة هي الأهم: إنها النافذة الزمنية المتاحة أمام العالم للاستعداد قبل أن تتحول القدرة التقنية إلى واقع يومي في سوق العمل.

الوظيفة لا تختفي... بل تتغير

لكن الحديث عن اختفاء «الوظائف» قد يكون مضللاً؛ فالطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والمحامي لا يقوم أي منهم بمهمة واحدة، بل بعشرات المهام. بعضها يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه بدلاً من الإنسان، وبعضها يعزز فيه قدراته، بينما يظل جزء منها محتاجاً إلى الحكم البشري والخبرة والمسؤولية المهنية.

في الرعاية الصحية، مثلاً، يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيص السجل الطبي، وتحليل البيانات، والمساعدة في فرز المرضى. لكنه يجعل مهمة بشرية أخرى أكثر أهمية: مراجعة قرار الخوارزمية ومعرفة متى ينبغي الاعتراض عليه.

لذلك ربما لا يكون الأكثر أماناً في سوق العمل عام 2030، هو من يعمل في مهنة بعيدة عن الذكاء الاصطناعي، بل من يعرف ماذا يسلّم إليه، وماذا يحتفظ به لنفسه، ومتى لا يثق بإجابته.

من سيدفع الضرائب إذا تراجع العمل؟

يطرح التحول سؤالاً أبعد من الوظائف والأجور: ماذا سيحدث للدولة إذا أصبحت نسبة متزايدة من الثروة تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي ورأس المال، بدلاً من عمل البشر؟

في فبراير (شباط) 2026، نشر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER) دراسة للباحثين أنطون كورينيك ولي لوكوود بعنوان «المالية العامة في عصر الذكاء الاصطناعي: مدخل تمهيدي» (Public Finance in the Age of AI: A Primer). وناقشت الدراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التحويلي أن يضعف تدريجياً مصدرين أساسيين تعتمد عليهما النظم الضريبية الحديثة: دخل العمل والاستهلاك البشري.

وهنا يتجاوز السؤال مستقبل الطبيب أو المحاسب أو المبرمج: إذا أنتجت الآلات جزءاً متزايداً من الثروة، فمن سيدفع الضرائب؟ وكيف ستوزع الدول مكاسب هذه الثورة بين أفراد المجتمع؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

العالم العربي وسباق وظائف المستقبل... هل نحن مستعدون؟

هذه الدراسات والنماذج بُنيت أساساً على الاقتصاد الأميركي، ولذلك لا يمكن نقل أرقامها حرفياً إلى السعودية أو الاقتصادات العربية. لكن الأسئلة التي تطرحها تهم منطقة تستثمر بسرعة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي واقتصاد المعرفة.

فهل نقيس نجاح الذكاء الاصطناعي بعدد المهام التي يستطيع إنجازها بدلاً من البشر؟ أم بعدد الوظائف الجديدة والأفضل التي يساعد في خلقها؟ والسؤال يبدأ من الجامعات: هل نستمر في إعداد الطالب لمهنة ثابتة؟ أم نعدّه لعالم تتغير فيه المهنة نفسها؟ وهذا يعني تعزيز قدرات يصعب الاستغناء عنها: التفكير النقدي، والحكم المهني، والإبداع، والتواصل الإنساني، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي ومراجعة قراراته.

فالاستعداد لسوق عمل 2030 ينبغي أن يبدأ قبل الوصول إليه؛ لأن إعداد الإنسان للتحول أسهل من محاولة إنقاذ وظيفته بعد أن يكون التحول قد حدث.

الإنسان والذكاء الاصطناعي... من يعرف متى يقول «لا»؟

الإنسان الذي يعرف متى يقول «لا»

لا تقول هذه الدراسات إن عام 2030 سيكون عالماً بلا وظائف، ولا إن السيناريو الأكثر تطرفاً سيتحقق. لكنها تكشف أن مستقبل العمل لم يعد مجرد قضية تكنولوجية؛ بل أصبح سؤالاً علمياً واقتصادياً وإنسانياً.

وحين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلنا، لن تكون أثمن مهارات الإنسان أن ينافس الآلة في سرعة القراءة أو الحساب أو تحليل البيانات؛ بل أن يمتلك ما لا ينبغي أن نتخلى عنه بسهولة: فهم السياق، والحكم البشري، وتحمل المسؤولية، والقدرة على الشك عندما ينبغي الشك.

فربما لن يكون السؤال في 2030: من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي؟

بل: من يعرف متى يثق به؟... ومتى يقول له «لا»؟