«السيادة الرقمية» تحت الاختبار... كيف تحافظ دول الخليج على السيطرة واستمرارية الخدمات عند الاضطرابات؟

«إف تي آي كونسلتنج» لـ«الشرق الأوسط»: «مصانع الذكاء الاصطناعي» يمكن أن تكون سيادية رغم اعتمادها على تقنيات أجنبية

السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)
السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)
TT

«السيادة الرقمية» تحت الاختبار... كيف تحافظ دول الخليج على السيطرة واستمرارية الخدمات عند الاضطرابات؟

السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)
السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)

مع توسع دول الخليج في بناء مراكز البيانات ومصانع الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال لا يتعلق بحجم القدرة الحوسبية فقط، بل بمن يملك السيطرة عليها إذا تعطّلت سلسلة التوريد أو تغيرت شروط المورد أو انقطعت مسارات الاتصال. ويضع خافيير ألفاريز، مدير تنفيذي ورئيس قسم التكنولوجيا في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا «إف تي آي كونسلتنج»، القدرة على الاحتفاظ بـ«حرية التصرف» في قلب مفهوم السيادة الرقمية، لافتاً إلى أن الاستقلال لا يعني بالضرورة التخلص من كل مورد خارجي، بل القدرة على مواصلة التشغيل واتخاذ القرار عند حدوث اضطراب.

ويفرّق ألفاريز، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، بين مفهومَي السيادة والمرونة اللذَيْن يرتبطان عادة في النقاش حول البنية التحتية الرقمية. فالسيادة تتعلق بمن يملك سلطة الوصول والإدارة والتدقيق والعزل، في حين ترتبط المرونة بقدرة الخدمة على الاستمرار عند انقطاع كابل أو وقوع هجوم سيبراني أو تعطل الطاقة أو أحد الموردين أو حتى فقدان موقع كامل. ويؤكد ألفاريز أن وجود أحدهما لا يضمن الآخر.

خافيير ألفاريز، مدير تنفيذي ورئيس قسم التكنولوجيا في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا «إف تي آي كونسلتنج» (الشركة)

توطين البيانات ليس مرادفاً للسيادة

وجود الخوادم ومراكز الحوسبة داخل الحدود الوطنية يمثّل جزءاً من الصورة، لكنه لا يحسم مسألة السيادة. ويوضح ألفاريز أن إقامة البيانات تحدد مكان وجودها مادياً، لكنها لا تحدد بالضرورة من يستطيع الوصول إليها أو إدارتها أو تعطيل الخدمة المرتبطة بها.

وقد يكون الخادم موجوداً في الرياض أو في مدينة أخرى، فيما تظل إدارته مرتبطة عن بُعد بمزود أجنبي أو خاضعة لولاية قضائية خارجية، كما قد يعتمد تشغيله على تراخيص احتكارية تجعل الانتقال إلى منصة أخرى معقداً.

ويشير ألفاريز إلى أنه ينبغي النظر إلى موقع البيانات، والولاية القضائية للمزود، ومن يملك حق الوصول التقني، ومدى قدرة المؤسسة على الاستمرار أو الخروج من علاقة الاعتماد على المزود. ويضيف أن السيادة الفعلية تتطلّب أيضاً احتفاظ العميل بمفاتيح التشفير، وتقييد صلاحيات المسؤولين الخارجيين، ورؤية أوضح لسلسلة التوريد، وإمكانية نقل أحمال العمل، ووجود كفاءات تشغيلية محلية. ويصرح بأن التوطين «يتحول إلى سيادة فقط عندما يستطيع العميل التشغيل والتدقيق والتبديل والاستعادة بصورة مستقلة».

عندما يتحول التوطين إلى نقطة ضعف

يمكن لقواعد التوطين الصارمة، إذا صُمّمت من دون تنويع حقيقي، أن تستبدل تركيز المخاطر داخل الدولة نفسها بالاعتماد الخارجي. فقد تبدو عدة مراكز بيانات مستقلة على الورق، في حين تعتمد جميعها على المنطقة الحضرية ذاتها، أو محطة كهرباء واحدة، أو مسار ألياف ضوئية مشترك، أو منصة تحكم سحابية واحدة، أو حتى فريق هندسي واحد. ويلفت ألفاريز إلى أن التنظيم يجب ألا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت المنشأة داخل الحدود، بل أن يختبر الفصل الجغرافي ومصادر الطاقة ومسارات الاتصال والموردين والفرق التشغيلية.

ويستشهد بكابل «Saudi Vision Cable» الذي يمتلك أربع نقاط إنزال على البحر الأحمر في جدة وينبع وضباء وحقل، باعتباره نموذجاً لقيمة توزيع نقاط الوصول بدلاً من الاعتماد على بوابة واحدة. ويصف الهدف المطلوب بأنه «تنوع سيادي»، بحيث تبقى أحمال العمل الحيوية تحت السيطرة الوطنية، لكنها موزعة على مواقع ومسارات مستقلة فعلياً.

«إف تي آي دلتا»: تركيز مراكز البيانات ومسارات الاتصال داخل منطقة واحدة قد يخلق نقطة فشل مشتركة رغم بقاء البنية التحتية داخل الحدود الوطنية (أدوبي)

حساسية البيانات

لا يعني تعزيز السيادة أن تبقى كل نسخة من كل معلومة داخل موقع واحد. ويقترح ألفاريز أن تعتمد دول مجلس التعاون نموذجاً متعدد المستويات عند تحديد كيفية تكرار البيانات وأحمال العمل خلال الأزمات.

فالأنظمة الدفاعية والمصنفة قد تتطلّب تشغيلاً محلياً معزولاً واحتفاظاً وطنياً حصرياً بمفاتيح التشفير، فيما يمكن للخدمات الحكومية والبيانات المنظمة أن تبقى تحت السيطرة المحلية مع وجود نسخ احتياطية مشفرة أو بيئات جاهزة للعمل في دولة خليجية معتمدة. أما البيانات الأقل حساسية فيمكن توزيعها عبر بنية متعددة المناطق.

ويشير إلى نموذج «ممرات الذكاء الاصطناعي الموثوقة» الذي يربط بيئة وطنية سيادية بقدرات خارجية معتمدة، مع الحفاظ على السيطرة على مفاتيح التشفير ومسارات الاتصال والمراقبة والحقوق القانونية وإجراءات الاستعادة. والهدف، وفق ألفاريز، هو أن تستطيع الحكومة تشغيل موقع بديل في أثناء الأزمة من دون الاضطرار إلى إعادة التفاوض على القواعد والسعة والترتيبات الأمنية بعد بدء تعطل الأنظمة.

سيادة «غير مطلقة»

مع استثمارات الخليج المتسارعة في مصانع الذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة عالية الأداء، يبرز سؤال حول مدى إمكانية وصف هذه المنشآت بأنها سيادية إذا كانت تعتمد على معالجات وذاكرة وبرمجيات ومكونات من موردين أجانب.

ويرى ألفاريز أن السيادة هنا يمكن أن تكون «جزئية ومهندسة» بدلاً من أن تكون مطلقة. ويشير إلى أن أياً من دول الخليج لا يستطيع اليوم توطين جميع حلقات سلسلة التكنولوجيا، من تقنيات التصنيع المتقدم للشرائح إلى الذاكرة عالية النطاق والمسرعات وكامل منظومة البرمجيات السحابية.

ويطرح تساؤلاً أكثر عملية: هل تستطيع جهة خارجية الوصول إلى حمل العمل أو تعطيله أو فرض شروط عليه من جانب واحد؟ فإذا كانت الإجابة مرتبطة بضوابط محلية قوية، مثل الاحتفاظ بمفاتيح التشفير والفصل الإداري والسعة المحجوزة والضمانات الخاصة بالبرمجيات وقطع الغيار والفرق المحلية وحقوق التدقيق ومسارات الانتقال؛ فيمكن تحقيق درجة أعلى من الاستقلال. ويقول: «مبنى مليء بوحدات معالجة الرسوميات يمثل قدرة حوسبية، لكنه يصبح بنية سيادية عندما تُدار تبعياته بصورة مقصودة».

خبراء: يمكن بناء مصانع ذكاء اصطناعي ذات سيادة جزئية رغم اعتمادها على تقنيات أجنبية إذا ظلت مفاتيح التحكم والعمليات والقدرة على الانتقال تحت السيطرة المحلية (أدوبي)

اتصال احتياطي

يستطيع الاتصال الفضائي الحفاظ على جزء مهم من الخدمات عند تعطل الألياف أو شبكات الهاتف المحمول، خصوصاً في رسائل الطوارئ ومراكز القيادة ومواقع الطاقة النائية والعمليات البحرية.

كما تزيد خدمات الاتصال المباشر بالأجهزة من القيمة العملية لهذا الخيار، لأنها تقلل الحاجة إلى أجهزة طرفية متخصصة. لكنها لا توفر بديلاً كاملاً لشبكة أرضية كثيفة.

فالسعة الفضائية مشتركة بين مناطق واسعة، والاستقبال داخل المباني محدود، كما أن المحطات والبوابات لا تزال تعتمد على الكهرباء، ويمكن أن يظهر ازدحام شديد خلال الأزمات واسعة النطاق.

ولهذا يركز ألفاريز على حجز سعات فضائية مسبقاً، وتحديد أولوية حركة البيانات الحيوية، وترتيب الطيف والتجوال قبل الأزمة، واختبار الانتقال إلى المسارات البديلة دورياً. ويصف الهدف بأنه تحقيق «تدهور تدريجي» للخدمة بدلاً من الانقطاع الكامل، بحيث تستمر اتصالات الطوارئ والقيادة الحكومية والمعاملات المالية الأساسية حتى إذا تراجع أداء الإنترنت الاستهلاكي.

الحوسبة الطرفية

يساعد توزيع الحوسبة على مواقع طرفية في إبقاء الموانئ والمستشفيات والمصانع وأنظمة السلامة العامة قيد التشغيل عند فقد الاتصال بالمركز الرئيسي، كما يقلل تأثير تعطل منصة سحابية واحدة. لكنه يضيف في المقابل مزيداً من المواقع المادية وإصدارات البرمجيات ونقاط الصيانة والحسابات التي يمكن إساءة استخدامها.

ويرى ألفاريز أن الحل يكمن في إدارة المواقع الطرفية بوصفها أسطولاً موحداً، باستخدام أجهزة معيارية، وجذور ثقة مادية، وهوية مبنية على «الثقة الصفرية»، والتحقق عن بعد، والإعدادات غير القابلة للتغيير، والتحديثات الآلية، مع القدرة على عزل أي عقدة من دون تعطيل بقية الخدمة. كما ينبغي أن تبقى أحمال العمل قابلة للنقل بين الحافة والسحابة الوطنية والقدرات الخارجية المعتمدة.

السيادة والمهارات المحلية

يفيد ألفاريز بأن الاعتماد التقني لا يقتصر على الأجهزة أو البرمجيات، بل يمتد إلى الأشخاص القادرين على تشغيل الأنظمة واستعادتها وقت الأزمة. ويدعو المؤسسات إلى التوقف عن التعامل مع نقل المعرفة بوصفها ملحقاً تدريبياً لعقود المشتريات، وأن تتضمن مشروعات السحابة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والشبكات أدواراً محلية محددة، وفرق تشغيل موازية، ووصولاً إلى الوثائق الفنية وإجراءات التشغيل، ومراحل للحصول على الشهادات، إلى جانب خفض تدريجي في نسبة الاعتماد على المتعاقدين. كما يقترح ربط جزء من مدفوعات المورد بقدرة الفرق المحلية على تشغيل الخدمة وتشخيص الأعطال واستعادتها من دون تدخل خارجي. ويشير إلى إمكانية بناء قدرات مشتركة خليجياً عبر ميادين سيبرانية إقليمية وفرق استجابة مشتركة ومراكز متخصصة في هندسة الكابلات البحرية وبنية الذكاء الاصطناعي وأمن السحابة.

تعتمد المرونة الرقمية على تطوير مهارات وفرق تشغيل محلية قادرة على إدارة الأنظمة واستعادتها خلال الأزمات دون الاعتماد الخارج (أدوبي)

الأمن السيبراني والمادي في غرفة واحدة

تحتاج حماية البنية التحتية الحرجة أيضاً إلى دمج الأحداث السيبرانية والمادية ضمن صورة تشغيلية موحدة. ويشرح ألفاريز أن سجلات الأنظمة وكاميرات المراقبة والتحكم بالدخول وأنظمة المباني وحساسات البيئة وجودة الطاقة وأحداث الشبكة يجب أن تصب في هيكل قيادة مشترك. وبذلك لا تتم معالجة بطاقة دخول مسروقة، أو خزانة مفتوحة، أو ارتفاع في حرارة التبريد، أو تسجيل دخول بصلاحيات مرتفعة كأربع حوادث منفصلة. ويشمل النموذج كذلك تقسيم شبكات تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية وشبكات العملاء، وإدارة وصول الموردين والصيانة عن بُعد، والحفاظ على وسائل اتصال خارج المسار الرئيسي وطرق تشغيل يدوية عند الحاجة.

البحر الأحمر و«هرمز» يكشفان عن مخاطر التركّز

يضع ألفاريز الكابلات البحرية في مقدمة المخاطر التشغيلية المباشرة على المنطقة. فقد أدى تضرر عدة كابلات في البحر الأحمر في أوائل 2024 إلى إعادة توجيه حركة البيانات عبر أنظمة بديلة، مما رفع زمن الاستجابة وخفض السعة المتاحة بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وفي الوقت نفسه، أظهرت التوترات المتكررة حول مضيق هرمز حجم التركّز الجغرافي في المنطقة، حيث تتقاطع بنية رقمية وطاقة ولوجستيات دولية ضمن نطاق جغرافي محدود. ويرى ألفاريز أن المشكلة الأكبر لا تتمثل في تقنية واحدة، بل في اجتماع عدة تبعيات حيوية داخل نقاط اختناق محدودة، في حين تمثل أشباه الموصلات المتقدمة والمنصات السحابية والبرمجيات مخاطر استراتيجية أطول أجلاً.

ثلاث أولويات للسنوات الخمس المقبلة

يحدد ألفاريز ثلاث مساحات استثمار رئيسية لدول الخليج خلال السنوات الخمس المقبلة. الأولى هي بناء عدة ممرات اتصال تجمع الكابلات البحرية والمسارات الأرضية والأقمار الاصطناعية، بحيث لا تستطيع نقطة اختناق واحدة عزل المنطقة. والثانية توزيع بنية الذكاء الاصطناعي والسحابة جغرافياً وربطها عبر «ممرات ذكاء اصطناعي موثوقة» تسمح بنقل أحمال العمل بين البيئات السيادية وقدرات الحوسبة الخارجية المعتمدة. أما الثالثة فتتعلق بالجاهزية التشغيلية، من مراكز قيادة تجمع الأمن السيبراني والمادي، إلى السعات الاحتياطية الاستراتيجية، وتمارين التعافي الإقليمية، والفرق الهندسية المتخصصة.

ويختصر ألفاريز المفهوم بالقول إن السيادة لا تعتمد على إزالة كل علاقة اعتماد خارجي، بل على الحفاظ على «حرية التصرف» عند وقوع الاضطراب، بحيث تبقى الدولة أو المؤسسة قادرة على تشغيل الخدمة ونقلها واستعادتها واتخاذ قراراتها الأساسية من دون فقدان السيطرة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

لأول مرة... «إنستغرام» تطلق «Edits» لتحرير الفيديو على أجهزة «ماك»

تكنولوجيا أطلقت «إنستغرام» تطبيق «Edits» لأجهزة «ماك» بعد استخدامه من 50 مليون شخص (ميتا)

لأول مرة... «إنستغرام» تطلق «Edits» لتحرير الفيديو على أجهزة «ماك»

أطلقت «إنستغرام» نسخة مجانية من «Edits» لأجهزة «ماك»، توفر أدوات تحرير متقدمة ونشراً مباشراً وتصدير فيديو بدقة 4K دون علامة مائية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعتمد الابتكار على هيكل خارجي مرن يساعد الغواصين على تحريك الساقين أثناء السباحة والمشي تحت الماء بجهد أقل (الجامعة)

بدلة روبوتية للسباحة تقلل استهلاك الغواصين للهواء بنحو 30 %

طوّر باحثون صينيون بدلة روبوتية مرنة تساعد الغواصين على الحركة بجهد أقل وأظهرت تجارب سابقة انخفاض استهلاك الهواء بنحو 30%.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق  ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

قضى المصوِّر بريندان لارسن ساعات طويلة في التقاط مئات الصور للسماء فوق أحد الجبال في نيوزيلندا.

«الشرق الأوسط» (ويلينغتون)
خاص يدعو خبير «إلوميو» إلى تقييم عدد الأنظمة المعرضة للاختراق ونطاق الحماية المطبقة وسرعة عزل الأجهزة والحسابات المخترقة دون تعطيل الأعمال (أدوبي)

خاص أسبوع على حادثة «بينانس»... هل المؤسسات المالية الخليجية مستعدة لاحتواء الاختراقات؟

بعد أسبوع من حادثة «بينانس»، تتزايد التساؤلات حول قدرة المؤسسات المالية الخليجية على احتواء الاختراقات وحماية الأنظمة الحساسة من المهاجمين.

نسيم رمضان (لندن)
إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لأول مرة... «إنستغرام» تطلق «Edits» لتحرير الفيديو على أجهزة «ماك»

أطلقت «إنستغرام» تطبيق «Edits» لأجهزة «ماك» بعد استخدامه من 50 مليون شخص (ميتا)
أطلقت «إنستغرام» تطبيق «Edits» لأجهزة «ماك» بعد استخدامه من 50 مليون شخص (ميتا)
TT

لأول مرة... «إنستغرام» تطلق «Edits» لتحرير الفيديو على أجهزة «ماك»

أطلقت «إنستغرام» تطبيق «Edits» لأجهزة «ماك» بعد استخدامه من 50 مليون شخص (ميتا)
أطلقت «إنستغرام» تطبيق «Edits» لأجهزة «ماك» بعد استخدامه من 50 مليون شخص (ميتا)

أعلنت «إنستغرام»، التابعة لشركة «ميتا»، إتاحة النسخة الأولى من تطبيق تحرير الفيديو (إيدتس) «Edits» على أجهزة الكمبيوتر العاملة بنظام «macOS»، بعدما استخدم التطبيق 50 مليون شخص خلال عام من إطلاقه على الهواتف المحمولة. وتتيح النسخة الجديدة أدوات أكثر تقدماً لتحرير المقاطع وإدارة المشروعات التي تتضمن عدداً كبيراً من العناصر، إلى جانب النشر المباشر على «إنستغرام» وتصدير الفيديو بدقة تصل إلى «4K» دون علامة مائية.

وقالت الشركة إن توسيع التطبيق إلى أجهزة الكمبيوتر يستهدف منشئي المحتوى الذين يحتاجون إلى مساحة عمل أكبر وتحكم أكثر دقة باستخدام لوحة المفاتيح والماوس، خصوصاً عند التعامل مع مشروعات متعددة المقاطع أو إجراء تعديلات تتطلب ضبطاً تفصيلياً للصوت والصورة. وتتوفر النسخة الجديدة مجاناً على أجهزة «ماك»، فيما تعتزم الشركة إصدار تحديثات أسبوعية لإضافة مزايا جديدة وتحسين الأدوات الحالية، وفقاً لملاحظات المستخدمين.

أدوات تحرير متقدمة

تقدم نسخة «Edits» المكتبية مساحة تحرير تعتمد على جدول زمني متعدد المسارات، يسمح بتنظيم مقاطع الفيديو والصوت والعناصر الأخرى داخل المشروع، والتحكم فيها بصورة منفصلة.

وتشمل الأدوات الجديدة الإطارات الأساسية (Keyframes)، التي تتيح إنشاء انتقالات وحركات ديناميكية من خلال تحديد التغييرات المطلوبة عند نقاط مختلفة من المقطع، إلى جانب عرض الموجات الصوتية للمساعدة على مزامنة عمليات التحرير مع الإيقاع الموسيقي.

كما يوفر التطبيق أدوات لتقسيم المقاطع وقصّها واقتطاع الأجزاء غير المطلوبة، فضلاً عن إمكانات متقدمة لتعديل الألوان، تشمل عجلات التحكم اللوني والمنحنيات وتحويلات «Log»، المستخدمة في معالجة المواد المصورة للحصول على مظهر لوني محدد.

ويمكن للمستخدمين استيراد جداول معالجة الألوان الخاصة بهم، المعروفة باسم «LUTs»، إلى جانب ملفات الخطوط، بما يتيح تخصيص أسلوب الإخراج البصري والحفاظ على هوية موحدة للمقاطع المنتجة.

وتستهدف هذه الإمكانات توسيع نطاق الاستخدام من إعداد المقاطع القصيرة على الهاتف إلى التعامل مع مشروعات أكثر تعقيداً على الكمبيوتر، دون الحاجة إلى الانتقال إلى برنامج تحرير آخر.

يوفر التطبيق جدولاً زمنياً متعدد المسارات وأدوات دقيقة للتحكم بالصوت والألوان (ميتا)

مكتبات صوتية وترجمة تلقائية

تحتفظ نسخة الكمبيوتر بعدد من الخصائص المتوفرة في تطبيق الهاتف، ومن بينها الوصول إلى مكتبات الموسيقى والمقاطع الصوتية المرخصة على «إنستغرام»، إلى جانب مئات المؤثرات الصوتية والبصرية.

وتوفر أيضاً ميزة إنشاء التعليقات النصية التلقائية للفيديو دون حدّ لعدد مرات الاستخدام، مع دعم لغات متعددة، بما يساعد منشئي المحتوى على إضافة النصوص المتزامنة مع الكلام المنطوق داخل المقاطع.

وأوضحت «إنستغرام» أن أنماط الصوت والنصوص التي حفظها المستخدمون سابقاً عبر تطبيق الهاتف ستكون متاحة للاستخدام في نسخة الكمبيوتر، لتسهيل إعداد المشروعات بالاعتماد على العناصر التي اعتادوا استخدامها. كما تسمح النسخة الجديدة بتخصيص اختصارات لوحة المفاتيح، سواء من خلال إعداد اختصارات جديدة أو نقل تلك المستخدمة في برامج تحرير أخرى، بهدف تسهيل الانتقال إلى بيئة العمل الجديدة.

النشر المباشر والتصدير

تتيح النسخة المكتبية نشر مقاطع الفيديو مباشرة على «إنستغرام»، دون الحاجة إلى تصديرها من الكمبيوتر ثم نقلها إلى الهاتف لإكمال عملية النشر. وتشمل خيارات النشر إضافة الإشارات إلى الحسابات الأخرى، وتحديد الموقع الجغرافي، واستخدام ميزة «ريلز التجريبية». كما يدعم التطبيق نسب عرض متعددة، بما فيها التنسيقات الأفقية والعمودية، لتناسب المواد المخصصة لمختلف المنصات والشاشات.

وتصل دقة التصدير إلى «4K» دون إضافة علامة مائية، ما يتيح مشاركة المقاطع على منصات أخرى أو استخدامها في مشروعات شخصية. وتأتي هذه الإمكانات ضمن توجه الشركة إلى جمع عمليات تحرير الفيديو وتجهيزه ونشره داخل بيئة واحدة، بدلاً من الاعتماد على أدوات منفصلة لكل مرحلة من مراحل الإنتاج.

يتيح نشر الفيديوهات على «إنستغرام» وتصديرها بدقة «4K» دون علامة مائية (ميتا)

دعم وكلاء الذكاء الاصطناعي

تتضمن نسخة الكمبيوتر خياراً لتمكين «بروتوكول سياق النموذج» (Model Context Protocol)، المعروف اختصاراً باسم «MCP»، من خلال إعدادات التطبيق. وأوضحت «إنستغرام» أن المستخدمين الذين يعتمدون على وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات تحرير الفيديو يمكنهم تفعيل هذا البروتوكول، دون تقديم تفاصيل إضافية عن الوكلاء المتوافقين مع التطبيق أو المهام التي يمكن تنفيذها من خلاله.

ويأتي الإعلان عن هذه الإمكانية ضمن مجموعة الأدوات والخيارات التي أضافتها الشركة إلى النسخة المكتبية، مع ترك تفاصيل استخدام البروتوكول ضمن مسارات العمل المختلفة دون توضيح في الإعلان الأول.

تطوير العمل بين الهاتف والكمبيوتر

رغم انتقال التطبيق إلى أجهزة الكمبيوتر، فإن إمكانية تحرير المشروع نفسه بصورة متواصلة بين الهاتف والكمبيوتر لا تزال قيد التطوير. وقالت «إنستغرام» إن منشئي المحتوى الذين شاركوا في اختبار النسخة المكتبية أبدوا اهتماماً بإمكانية الانتقال بين الجهازين دون انقطاع العمل على المشروع، مشيرة إلى أنها تعمل على توفير هذه الخاصية ضمن التحديثات المقبلة.

وأكدت الشركة استمرار تطوير نسخة الكمبيوتر من خلال تحديثات أسبوعية، على غرار النهج المتبع في تطبيق الهاتف المحمول، مع الاعتماد على ملاحظات المستخدمين لتحديد التحسينات والإضافات المستقبلية.

وتتوفر النسخة الأولى حالياً لأجهزة «macOS» عبر الموقع المخصص للتطبيق، فيما لم يتضمن الإعلان موعداً لإتاحة نسخة لنظام «ويندوز».


بدلة روبوتية للسباحة تقلل استهلاك الغواصين للهواء بنحو 30 %

يعتمد الابتكار على هيكل خارجي مرن يساعد الغواصين على تحريك الساقين أثناء السباحة والمشي تحت الماء بجهد أقل (الجامعة)
يعتمد الابتكار على هيكل خارجي مرن يساعد الغواصين على تحريك الساقين أثناء السباحة والمشي تحت الماء بجهد أقل (الجامعة)
TT

بدلة روبوتية للسباحة تقلل استهلاك الغواصين للهواء بنحو 30 %

يعتمد الابتكار على هيكل خارجي مرن يساعد الغواصين على تحريك الساقين أثناء السباحة والمشي تحت الماء بجهد أقل (الجامعة)
يعتمد الابتكار على هيكل خارجي مرن يساعد الغواصين على تحريك الساقين أثناء السباحة والمشي تحت الماء بجهد أقل (الجامعة)

طوّر باحثون صينيون بدلة روبوتية مرنة تُرتدى تحت الماء، تساعد الغواصين على تحريك أرجلهم بجهد أقل، وأظهرت تجارب بشرية سابقة باستخدامها انخفاضاً في حجم الهواء المتنفس في الدقيقة بنسب وصلت إلى نحو 30 في المائة. ويهدف هذا التطوير إلى تحسين كفاءة الحركة تحت الماء، حيث يواجه الغواصون مقاومة مستمرة من المياه، إلى جانب الأعباء البدنية المرتبطة بحمل أسطوانات التنفس والمُعدات الأخرى.

ويعمل على تطوير هذه التقنية فريق بحثي، بقيادة البروفيسور وو شينيو، من معهد شنتشن للتكنولوجيا المتقدمة، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم. وفي مقال علمي نُشر بدورية «ساينس روبوتيكس»، استعرض الباحثون نتائج أعمال سابقة في هذا المجال، إلى جانب التحديات الهندسية والاتجاهات المستقبلية لتطوير الهياكل الخارجية الروبوتية المخصصة للغوص.

انخفاض استهلاك الهواء

من أبرز الأنظمة التي طوّرها الباحثون بدلة تحمل اسم (بيكد) «PEAKED»، وهي هيكل خارجي مرن يُرتدى حول منطقة الوركين، ويوفر مساعدة ميكانيكية للساقين خلال الحركة تحت الماء.

وصُمم النظام لدعم حركتيْ ثني الورك ومدّه، بما يسمح بمساعدة الغواص في أكثر من نمط للحركة؛ مِن بينها ضربات الرجلين المتبادلة المستخدمة في السباحة، وحركة الرجلين المشابهة لسباحة الصدر، والمشي تحت الماء.

وأظهرت التجارب البشرية السابقة انخفاض حجم الهواء المتنفس في الدقيقة بنسبة 29.77 في المائة أثناء ضربات الرجلين المتبادلة، وبنسبة 25.70 في المائة خلال حركة الرجلين المشابهة لسباحة الصدر، في حين بلغ الانخفاض 18.35 في المائة أثناء المشي تحت الماء.

ويقيس هذا المؤشر إجمالي حجم الغاز الذي يتنفسه الشخص خلال دقيقة واحدة، ولذلك تعكس النتائج انخفاض متطلبات التنفس أثناء أداء الحركات المختبَرة، بفضل المساعدة التي يوفرها النظام الروبوتي لحركة الساقين.

وتبرز أهمية هذه النتائج في ارتباط الحركة تحت الماء بجهد بدني مستمر، خصوصاً عند استخدام الزعانف أو الانتقال لمسافات طويلة. ويهدف النظام إلى تخفيف جزء من هذا الجهد مع الإبقاء على قدرة الغواص على التحكم المباشر في حركته.

يراعي النظام مقاومة المياه وقوة الطفو ويوفر مساعدة ميكانيكية تتناسب مع أنماط الحركة المختلفة تحت الماء (الجامعة)

تصميم يناسب الحركة المائية

تختلف متطلبات تصميم الهياكل الخارجية المستخدمة تحت الماء عن نظيراتها المخصصة للمشي أو الجري على اليابسة. ففي حين تساعد أجهزة اليابسة غالباً على تحمل وزن الجسم ومقاومة الجاذبية، تقلّ هذه الحاجة داخل الماء نتيجة قوة الطفو، بينما تصبح مقاومة المياه عاملاً مؤثراً في مختلف مراحل حركة الساقين.

لهذا تتطلب بيئة الغوص تصميم أنظمة مساعدة تراعي طبيعة الحركة المائية، ولا سيما اختلاف اتجاهات القوة اللازمة لتحريك الأطراف أثناء السباحة والمشي تحت الماء. ويعتمد نظام «بيكد» (PEAKED) على تصميم مرن، بدلاً من البنية الصلبة التقليدية، ما يتيح نطاقاً واسعاً من الحركة الطبيعية مع توفير المساعدة الميكانيكية. كما يتطلب عمله تنسيق الدعم مع نوع الحركة وتوقيتها والمفاصل المستهدفة؛ لأن الاحتياجات تختلف بين ضربات الرجلين المتبادلة وحركة السباحة المشابهة لسباحة الصدر والمشي تحت الماء.

وتسعى هذه المقاربة إلى الجمع بين حرية الحركة التي يحتاج إليها الغواص وبين الدعم الميكانيكي الذي يمكن أن يقلل الجهد المطلوب لإنجاز المهام.

تحديات الاستخدام الفعلي

رغم النتائج المسجلة، يشير الباحثون إلى مجموعة من المتطلبات الهندسية التي ينبغي التعامل معها قبل التوسع في استخدام هذه الأنظمة في بيئات الغوص المختلفة. وتشمل هذه المتطلبات إمكانية دمج البدلة الروبوتية مع أسطوانات التنفس وأوزان الغوص والمعدات الأخرى، وضمان مقاومتها للمياه والضغط أثناء العمل في الأعماق، فضلاً عن ضرورة تمكين الغواص من خلعها بسرعة في حالات الطوارئ. ولا يقتصر التحدي على توفير قوة مساعدة للساقين، بل يشمل المحافظة على حرية الحركة والتوازن، بحيث لا تتحول المُعدات الإضافية إلى عائق أمام أداء المهام تحت الماء. كما تتطلب طبيعة البيئة المائية تطوير أنظمة قادرة على تقديم المساعدة المناسبة لأنماط الحركة المختلفة، مع مراعاة التغيرات في وضعية جسم الغواص واتجاه حركته.

بدلات أكثر ذكاء

يركز الباحثون في المرحلة المقبلة على اتجاهين رئيسيين لتطوير هذه التقنية، هما تخصيص المساعدة وفق احتياجات كل غواص، وتحسين القدرة على تثبيت وضعية الجسم أثناء الحركة. ويستهدف الاتجاه الأول تطوير أنظمة تستطيع تعديل مقدار الدعم الميكانيكي بما يتناسب مع اختلاف الأشخاص وأنماط الحركة وطبيعة المهمة، بدلاً من الاعتماد على مستوى ثابت من المساعدة.

أما الاتجاه الثاني فيتناول تحسين التحكم في وضعية الجسم واستقراره تحت الماء، وهو جانب يرتبط بقدرة الغواص على تنفيذ الحركات المطلوبة مع الحفاظ على توازنه.

ويطرح الباحثون هذين المسارين ضِمن أولويات تطوير الجيل المقبل من الهياكل الخارجية المائية، اعتماداً على ما أظهرته التجارب السابقة من إمكانية خفض متطلبات التنفس عبر توفير مساعدة ميكانيكية لحركة الأطراف.


أسبوع على حادثة «بينانس»... هل المؤسسات المالية الخليجية مستعدة لاحتواء الاختراقات؟

يدعو خبير «إلوميو» إلى تقييم عدد الأنظمة المعرضة للاختراق ونطاق الحماية المطبقة وسرعة عزل الأجهزة والحسابات المخترقة دون تعطيل الأعمال (أدوبي)
يدعو خبير «إلوميو» إلى تقييم عدد الأنظمة المعرضة للاختراق ونطاق الحماية المطبقة وسرعة عزل الأجهزة والحسابات المخترقة دون تعطيل الأعمال (أدوبي)
TT

أسبوع على حادثة «بينانس»... هل المؤسسات المالية الخليجية مستعدة لاحتواء الاختراقات؟

يدعو خبير «إلوميو» إلى تقييم عدد الأنظمة المعرضة للاختراق ونطاق الحماية المطبقة وسرعة عزل الأجهزة والحسابات المخترقة دون تعطيل الأعمال (أدوبي)
يدعو خبير «إلوميو» إلى تقييم عدد الأنظمة المعرضة للاختراق ونطاق الحماية المطبقة وسرعة عزل الأجهزة والحسابات المخترقة دون تعطيل الأعمال (أدوبي)

بعد نحو أسبوع من الهجوم السيبراني الذي تعرضت له منصة «بينانس» (Binance) في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، والذي أثّر في أصول رقمية بقيمة تقارب 6.34 مليار دولار، تتجه الأنظار إلى قدرة المؤسسات المالية على احتواء الهجمات بعد اختراق أنظمتها، وليس فقط منع المهاجمين من الوصول إليها.

وفي تقرير أولي نشرته في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، كشفت «بينانس» أن الهجوم استهدف خدمة داخلية لتوقيع معاملات المحافظ الرقمية، بعد سلسلة من الاختراقات شملت أجهزة مهندسين وأدوات داخلية وصلاحيات تشغيلية. وأعلنت المنصة تجميد أو اعتراض أصول بقيمة تقارب 2.85 مليار دولار، إلى جانب تخصيص موارد لتغطية الأصول المتأثرة. وأشارت إلى أنها أعادت توفير 98 في المائة من الأصول المتأثرة لتغطية أرصدة المستخدمين حتى 31 أكتوبر، بينما لا تزال التحقيقات جارية.

وتثير الحادثة تساؤلات بشأن جاهزية المصارف وشركات التكنولوجيا المالية ومنصات الأصول الرقمية في الدول الخليجية، خصوصاً مع توسع الخدمات المصرفية المفتوحة والمدفوعات الفورية والاعتماد المتزايد على الأتمتة.

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يرى راغو نانداكومارا، نائب الرئيس لاستراتيجية القطاع في شركة «إلوميو» (Illumio)، أن الدرس الأهم لا يتعلق فقط بكيفية منع الاختراق، بل بقدرة المؤسسات على احتوائه قبل أن يمتد إلى الأنظمة المسؤولة عن معالجة المعاملات وتحريك الأموال.

ويؤكد أن مدى قدرة المهاجم على التحرك داخل الشبكة بعد اختراقها لا يتحدد بمهاراته وحدها، بل يرتبط أيضاً بطريقة تصميم البنية التقنية للمؤسسة، والصلاحيات ومسارات الاتصال المتاحة بين أنظمتها. ولذلك تعتمد قدرة المؤسسات على الحد من الأضرار بدرجة كبيرة على القرارات التي تتخذها قبل وقوع الهجوم.

راغو نانداكومارا نائب الرئيس لاستراتيجية القطاع في شركة «إلوميو» (الشركة)

استغلال الثقة داخل الأنظمة

بحسب التقرير الأولي لـ«بينانس»، استخدم المهاجمون أساليب متعددة، شملت مقابلات توظيف وهمية لتحميل برمجيات خبيثة، واستغلال أدوات ذكاء اصطناعي داخلية، والاستيلاء على بيانات اعتماد وصلاحيات مرتبطة بإدارة البنية التحتية للمحافظ الرقمية.

وذكر التقرير أن المهاجمين استخدموا في 29 أكتوبر بيانات اعتماد مسروقة لنشر برمجية خبيثة والوصول إلى عمليات توقيع المعاملات. كما استغلوا آلية لتفويض صلاحيات تنفيذ العمليات على شبكة «إيثريوم»، مما سمح باستمرار بعض التحويلات غير المصرح بها حتى بعد تعليق عمليات السحب الاعتيادية.

ويصف نانداكومارا مسار الهجوم بأنه مألوف من حيث استغلال الثقة داخل المؤسسات، رغم الحجم الاستثنائي للحادثة. ويوضح أن المهاجمين غالباً لا يحتاجون إلى اختراق الأنظمة المالية الحساسة مباشرة، بل يستفيدون من جهاز أو حساب يتمتع مسبقاً بصلاحيات للوصول إلى موارد أخرى.

وقد تحتفظ بعض الحسابات بصلاحيات تراكمت على مدى سنوات، مما يسمح للمهاجم بالانتقال من جهاز مخترق إلى أنظمة المدفوعات أو حفظ الأصول إذا لم تكن هناك قيود تفصل بينها. ويشبّه ذلك ببطاقة دخول تمنح حاملها إمكانية فتح جميع أبواب المبنى، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في سرقة البطاقة وحدها، بل في عدد الأبواب التي تستطيع فتحها.

ويحدد ثلاثة ضوابط أساسية للحد من هذا الخطر، تشمل قصر صلاحيات الوصول على ما تتطلبه مهام كل مستخدم، وفصل الأنظمة الحساسة عن أجهزة العمل الاعتيادية، والتحقق المستمر من الصلاحيات بدلاً من اعتبار تسجيل الدخول الأول دليلاً كافياً على الثقة.

ثلاث نقاط ضعف في البنية الأمنية

يربط نانداكومارا هذه المخاطر بسرعة تطوير الخدمات المالية في الخليج، من المصارف المفتوحة إلى المدفوعات الفورية ومنصات الأصول الرقمية المرخصة. ويحدد ثلاث نقاط ضعف هيكلية تستدعي اهتمام المؤسسات. الأولى الثقة الضمنية بين الأنظمة والشركاء المتصلين، بما قد يسمح بانتقال آثار الاختراق من بيئة إلى أخرى. والثانية تراكم صلاحيات الوصول خلال عمليات إطلاق الخدمات والتوسع السريع، دون مراجعتها أو إلغائها بصورة منتظمة.

أما الثالثة، فتتعلق باستمرار تركيز جانب كبير من الإنفاق الأمني على حماية الحدود الخارجية للشبكات، بينما توجد بعض المخاطر الأساسية داخل البيئة التقنية نفسها. ويؤكد أن هذه المشكلات لا تقتصر على الخليج، مشيراً إلى الدور الاستباقي للجهات التنظيمية في المنطقة. لكنه يحذر من أن معالجة نقاط الضعف تصبح أكثر تكلفة كلما زاد عدد الأنظمة والجهات المتصلة ببعضها، مما يجعل إدماج الضوابط الأمنية أثناء تصميم الخدمات أكثر أهمية من إضافتها بعد التوسع.

يتطلب الحد من حركة المهاجمين تقييد الصلاحيات وفصل أنظمة المدفوعات وحفظ الأصول والتحقق المستمر من هويات المستخدمين (أدوبي)

عزل الأنظمة دون تعطيل الأعمال

لا يرى نانداكومارا أن عزل الأنظمة المالية الحساسة يستلزم بالضرورة تعطيل العمليات، بل يعتبره جزءاً من تصميم البنية التقنية وطريقة تنظيم الاتصالات بين مكوناتها. لكن تطبيق هذه الإجراءات يطرح تحدياً عملياً أمام المصارف التي تعتمد على ترابط الأنظمة لمعالجة المدفوعات والمعاملات اليومية. ويقول إن الخطوة الأولى هي تحديد الاتصالات الفعلية التي تحتاج إليها الأنظمة الحساسة، إذ إن مؤسسات كثيرة لا تمتلك رؤية مكتملة لجميع مسارات الاتصال المؤدية إلى أنظمة المدفوعات ومعالجة المعاملات وحفظ الأصول الرقمية. وبعد تحديد الاتصالات المشروعة، يمكن تقييد المسارات الأخرى مع الإبقاء على حركة البيانات الضرورية لاستمرار الأعمال.

ويحذر من انتظار وضع تصميم أمني شامل ومثالي قبل البدء في التنفيذ، معتبراً أن إنشاء حدود حماية حول نظام بالغ الحساسية خلال فترة قصيرة أكثر فائدة من إعداد خطة متكاملة يستغرق تنفيذها سنوات.

ويدعو إلى البدء بحماية الأنظمة الأكثر حساسية، بدلاً من تأجيل التنفيذ إلى حين الانتهاء من تصميم أمني شامل لجميع أنظمة المؤسسة.

وكلاء الذكاء الاصطناعي يوسّعون التحدي

تضيف الأنظمة الوكيلة بعداً آخر للمخاطر، مع تزايد استخدامها لتنفيذ عمليات مستقلة والوصول إلى التطبيقات والبيانات نيابة عن الموظفين. ويصف نانداكومارا وكلاء الذكاء الاصطناعي بأنهم فئة جديدة من الجهات الفاعلة داخل الأنظمة، وليسوا مجرد برمجيات تقليدية، لأنهم يستطيعون اتخاذ قرارات وتنفيذ إجراءات بسرعة آلية، وأحياناً باستخدام صلاحيات مستمدة من الأشخاص الذين يشغّلونهم. ويوضح أن أنظمة الحوكمة المصممة لمراقبة قرارات بشرية تُتخذ خلال ساعات قد تواجه صعوبة في التعامل مع برمجيات تنفذ قراراتها خلال أجزاء من الثانية. وفي حال تعرض وكيل للتلاعب أو ارتكب خطأً، فقد تتسارع الأضرار قبل أن تتمكن الفرق البشرية من التدخل.

ولهذا يدعو إلى التعامل مع الوكلاء وفق ضوابط مشابهة لتلك المطبقة على الموظفين، من خلال منح كل وكيل هوية مستقلة ودوراً محدداً وصلاحيات مرتبطة بالمهمة فقط، مع مراقبة مستمرة لنشاطه. كما يشدد على ضرورة تقييد الأنظمة التي يستطيع الوكيل الوصول إليها، بحيث لا تتحول الصلاحيات الممنوحة له لتنفيذ مهمة محددة إلى مسار للوصول إلى موارد مالية أو تشغيلية لا ترتبط بتلك المهمة.

الاهتمام باحتواء الاختراقات

يرى نانداكومارا أن المؤسسات المالية لا تزال تولي منع الاختراق الأولي اهتماماً أكبر من الحد من آثاره بعد وقوعه، رغم استمرار ارتفاع الإنفاق الأمني خلال السنوات الماضية. ويشير إلى أن أدوات الحماية في حادثة «بينانس» لم تتمكن من اكتشاف البرمجيات الخبيثة في الوقت المناسب، وهو ما يتسق مع ما أعلنته المنصة بشأن استخدام برمجيات تمكنت من تفادي وسائل الحماية على الأجهزة.

ولا يدعو إلى تقليص أهمية الوقاية، بل إلى تحقيق توازن أكبر بينها وبين الاستثمار في احتواء الاختراقات وتقييد حركة المهاجمين داخل الأنظمة. ويلفت إلى أن هذه الإجراءات لا تحظى دائماً بالتقدير الكافي، لأن نجاحها لا يظهر عادة في صورة حادثة كبيرة أو خسائر معلنة. فالهجوم الذي يبقى محدود النطاق قد لا يتصدر الأخبار، رغم أن منع انتشاره يمثل نتيجة أمنية مهمة للمؤسسة. ويصرح بأن مجالس الإدارات ينبغي ألا تكتفي بالسؤال عن كيفية منع المهاجمين من الدخول، بل أن تطلب توضيحاً لما يمكن أن يحدث إذا نجح أحدهم في تجاوز وسائل الحماية.

وبحسب نانداكومارا، فإن الاستثمار في الاحتواء يستهدف تقليص المساحة التي يستطيع المهاجم التحرك داخلها، بحيث لا يؤدي اختراق جهاز أو حساب واحد إلى الوصول تلقائياً إلى الأنظمة الأكثر حساسية.

تكشف حادثة «بينانس» أهمية عدم الاكتفاء بمنع الهجمات بل الحد من انتشارها داخل المؤسسات المالية وحماية الأنظمة المسؤولة عن تحريك الأموال (رويترز)

ثلاثة مؤشرات لقياس الجاهزية

ينتقد نانداكومارا اعتماد المؤسسات على مؤشرات تقيس حجم النشاط الأمني، بدلاً من النتائج الفعلية عند وقوع الاختراق، ويقترح ثلاثة مؤشرات يمكن لمجالس إدارات المؤسسات المالية الخليجية استخدامها لتقييم جاهزيتها. الأول هو مدى الوصول، أي عدد الأنظمة الحساسة التي يمكن للمهاجم الوصول إليها انطلاقاً من جهاز موظف أو حساب مخترق. ويساعد هذا المؤشر على تحديد مدى اتساع نطاق الاختراق المحتمل انطلاقاً من نقطة دخول واحدة.

والثاني نطاق التغطية، ويقيس نسبة أنظمة المدفوعات والمعاملات وحفظ الأصول الموضوعة خلف حدود حماية مطبقة فعلياً، وليس مجرد ضوابط منصوص عليها في السياسات الأمنية. أما المؤشر الثالث فهو سرعة العزل، أي الوقت اللازم لفصل جهاز أو هوية مخترقة عن بقية الأنظمة دون تعطيل العمليات الأساسية، وتحديد ما إذا كانت الاستجابة تستغرق دقائق أم أياماً. ويشدد على ضرورة اختبار هذه المؤشرات عملياً، بدلاً من الاكتفاء بالافتراضات، موضحاً أن الجهات الرقابية باتت تركز بصورة متزايدة على قدرة المؤسسات على مواصلة العمل خلال الاضطرابات، وليس فقط على امتلاكها أدوات الحماية. ويضيف أن اختبار هذه المؤشرات يساعد المؤسسات على التعبير عن المخاطر السيبرانية بلغة مالية يفهمها أعضاء مجالس الإدارات وشركات التأمين.

أولويات المؤسسات المالية حتى 2027

مع اقتراب 2027، يتوقع نانداكومارا أن تصبح المؤسسات المالية الخليجية أكثر ترابطاً واعتماداً على الأتمتة ووكلاء الذكاء الاصطناعي، في وقت يستطيع فيه المهاجمون استخدام قدرات مماثلة لتسريع عملياتهم.

ويضع احتواء الاختراقات ضمن أولويات مجالس الإدارات في السعودية والإمارات وبقية دول الخليج، مشدداً على ضرورة ألا يؤدي اختراق شخص واحد أو جهاز واحد أو وكيل ذكاء اصطناعي إلى فتح الطريق أمام الأنظمة المسؤولة عن تحريك الأموال.

وبحسب نانداكومارا، لا تستطيع أي مؤسسة ضمان عدم تعرضها لاختراق، لكنها تستطيع تحديد مدى انتشاره من خلال تصميم بنيتها التقنية وضبط الصلاحيات وعزل الموارد الحساسة.

ويرى أن إثبات القدرة على احتواء الهجمات والحفاظ على استمرارية العمليات سيصبح عاملاً في تنافسية المؤسسات المالية الخليجية، إلى جانب الامتثال للمتطلبات التنظيمية، مع اتساع اعتماد القطاع على الأنظمة المتصلة والخدمات الرقمية.