مع توسع دول الخليج في بناء مراكز البيانات ومصانع الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال لا يتعلق بحجم القدرة الحوسبية فقط، بل بمن يملك السيطرة عليها إذا تعطّلت سلسلة التوريد أو تغيرت شروط المورد أو انقطعت مسارات الاتصال. ويضع خافيير ألفاريز، مدير تنفيذي، رئيس قسم التكنولوجيا في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «إف تي آي دلتا»، القدرة على الاحتفاظ بـ«حرية التصرف» في قلب مفهوم السيادة الرقمية، لافتاً إلى أن الاستقلال لا يعني بالضرورة التخلص من كل مورد خارجي، بل القدرة على مواصلة التشغيل واتخاذ القرار عند حدوث اضطراب.
ويفرّق ألفاريز، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، بين مفهومَي السيادة والمرونة اللذَيْن يرتبطان عادة في النقاش حول البنية التحتية الرقمية. فالسيادة تتعلق بمن يملك سلطة الوصول والإدارة والتدقيق والعزل، في حين ترتبط المرونة بقدرة الخدمة على الاستمرار عند انقطاع كابل أو وقوع هجوم سيبراني أو تعطل الطاقة أو أحد الموردين أو حتى فقدان موقع كامل. ويؤكد ألفاريز أن وجود أحدهما لا يضمن الآخر.

توطين البيانات ليس مرادفاً للسيادة
وجود الخوادم ومراكز الحوسبة داخل الحدود الوطنية يمثّل جزءاً من الصورة، لكنه لا يحسم مسألة السيادة. ويوضح ألفاريز أن إقامة البيانات تحدد مكان وجودها مادياً، لكنها لا تحدد بالضرورة من يستطيع الوصول إليها أو إدارتها أو تعطيل الخدمة المرتبطة بها.
وقد يكون الخادم موجوداً في الرياض أو في مدينة أخرى، فيما تظل إدارته مرتبطة عن بُعد بمزود أجنبي أو خاضعة لولاية قضائية خارجية، كما قد يعتمد تشغيله على تراخيص احتكارية تجعل الانتقال إلى منصة أخرى معقداً.
ويشير ألفاريز إلى أنه ينبغي النظر إلى موقع البيانات، والولاية القضائية للمزود، ومن يملك حق الوصول التقني، ومدى قدرة المؤسسة على الاستمرار أو الخروج من علاقة الاعتماد على المزود. ويضيف أن السيادة الفعلية تتطلّب أيضاً احتفاظ العميل بمفاتيح التشفير، وتقييد صلاحيات المسؤولين الخارجيين، ورؤية أوضح لسلسلة التوريد، وإمكانية نقل أحمال العمل، ووجود كفاءات تشغيلية محلية. ويصرح بأن التوطين «يتحول إلى سيادة فقط عندما يستطيع العميل التشغيل والتدقيق والتبديل والاستعادة بصورة مستقلة».
عندما يتحول التوطين إلى نقطة ضعف
يمكن لقواعد التوطين الصارمة، إذا صُمّمت من دون تنويع حقيقي، أن تستبدل تركيز المخاطر داخل الدولة نفسها بالاعتماد الخارجي. فقد تبدو عدة مراكز بيانات مستقلة على الورق، في حين تعتمد جميعها على المنطقة الحضرية ذاتها، أو محطة كهرباء واحدة، أو مسار ألياف ضوئية مشترك، أو منصة تحكم سحابية واحدة، أو حتى فريق هندسي واحد. ويلفت ألفاريز إلى أن التنظيم يجب ألا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت المنشأة داخل الحدود، بل أن يختبر الفصل الجغرافي ومصادر الطاقة ومسارات الاتصال والموردين والفرق التشغيلية.
ويستشهد بكابل «Saudi Vision Cable» الذي يمتلك أربع نقاط إنزال على البحر الأحمر في جدة وينبع وضباء وحقل، باعتباره نموذجاً لقيمة توزيع نقاط الوصول بدلاً من الاعتماد على بوابة واحدة. ويصف الهدف المطلوب بأنه «تنوع سيادي»، بحيث تبقى أحمال العمل الحيوية تحت السيطرة الوطنية، لكنها موزعة على مواقع ومسارات مستقلة فعلياً.

حساسية البيانات
لا يعني تعزيز السيادة أن تبقى كل نسخة من كل معلومة داخل موقع واحد. ويقترح ألفاريز أن تعتمد دول مجلس التعاون نموذجاً متعدد المستويات عند تحديد كيفية تكرار البيانات وأحمال العمل خلال الأزمات.
فالأنظمة الدفاعية والمصنفة قد تتطلّب تشغيلاً محلياً معزولاً واحتفاظاً وطنياً حصرياً بمفاتيح التشفير، فيما يمكن للخدمات الحكومية والبيانات المنظمة أن تبقى تحت السيطرة المحلية مع وجود نسخ احتياطية مشفرة أو بيئات جاهزة للعمل في دولة خليجية معتمدة. أما البيانات الأقل حساسية فيمكن توزيعها عبر بنية متعددة المناطق.
ويشير إلى نموذج «ممرات الذكاء الاصطناعي الموثوقة» الذي يربط بيئة وطنية سيادية بقدرات خارجية معتمدة، مع الحفاظ على السيطرة على مفاتيح التشفير ومسارات الاتصال والمراقبة والحقوق القانونية وإجراءات الاستعادة. والهدف، وفق ألفاريز، هو أن تستطيع الحكومة تشغيل موقع بديل في أثناء الأزمة من دون الاضطرار إلى إعادة التفاوض على القواعد والسعة والترتيبات الأمنية بعد بدء تعطل الأنظمة.
سيادة «غير مطلقة»
مع استثمارات الخليج المتسارعة في مصانع الذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة عالية الأداء، يبرز سؤال حول مدى إمكانية وصف هذه المنشآت بأنها سيادية إذا كانت تعتمد على معالجات وذاكرة وبرمجيات ومكونات من موردين أجانب.
ويرى ألفاريز أن السيادة هنا يمكن أن تكون «جزئية ومهندسة» بدلاً من أن تكون مطلقة. ويشير إلى أن أياً من دول الخليج لا يستطيع اليوم توطين جميع حلقات سلسلة التكنولوجيا، من تقنيات التصنيع المتقدم للشرائح إلى الذاكرة عالية النطاق والمسرعات وكامل منظومة البرمجيات السحابية.
ويطرح تساؤلاً أكثر عملية: هل تستطيع جهة خارجية الوصول إلى حمل العمل أو تعطيله أو فرض شروط عليه من جانب واحد؟ فإذا كانت الإجابة مرتبطة بضوابط محلية قوية، مثل الاحتفاظ بمفاتيح التشفير والفصل الإداري والسعة المحجوزة والضمانات الخاصة بالبرمجيات وقطع الغيار والفرق المحلية وحقوق التدقيق ومسارات الانتقال؛ فيمكن تحقيق درجة أعلى من الاستقلال. ويقول: «مبنى مليء بوحدات معالجة الرسوميات يمثل قدرة حوسبية، لكنه يصبح بنية سيادية عندما تُدار تبعياته بصورة مقصودة».

اتصال احتياطي
يستطيع الاتصال الفضائي الحفاظ على جزء مهم من الخدمات عند تعطل الألياف أو شبكات الهاتف المحمول، خصوصاً في رسائل الطوارئ ومراكز القيادة ومواقع الطاقة النائية والعمليات البحرية.
كما تزيد خدمات الاتصال المباشر بالأجهزة من القيمة العملية لهذا الخيار، لأنها تقلل الحاجة إلى أجهزة طرفية متخصصة. لكنها لا توفر بديلاً كاملاً لشبكة أرضية كثيفة.
فالسعة الفضائية مشتركة بين مناطق واسعة، والاستقبال داخل المباني محدود، كما أن المحطات والبوابات لا تزال تعتمد على الكهرباء، ويمكن أن يظهر ازدحام شديد خلال الأزمات واسعة النطاق.
ولهذا يركز ألفاريز على حجز سعات فضائية مسبقاً، وتحديد أولوية حركة البيانات الحيوية، وترتيب الطيف والتجوال قبل الأزمة، واختبار الانتقال إلى المسارات البديلة دورياً. ويصف الهدف بأنه تحقيق «تدهور تدريجي» للخدمة بدلاً من الانقطاع الكامل، بحيث تستمر اتصالات الطوارئ والقيادة الحكومية والمعاملات المالية الأساسية حتى إذا تراجع أداء الإنترنت الاستهلاكي.
الحوسبة الطرفية
يساعد توزيع الحوسبة على مواقع طرفية في إبقاء الموانئ والمستشفيات والمصانع وأنظمة السلامة العامة قيد التشغيل عند فقد الاتصال بالمركز الرئيسي، كما يقلل تأثير تعطل منصة سحابية واحدة. لكنه يضيف في المقابل مزيداً من المواقع المادية وإصدارات البرمجيات ونقاط الصيانة والحسابات التي يمكن إساءة استخدامها.
ويرى ألفاريز أن الحل يكمن في إدارة المواقع الطرفية بوصفها أسطولاً موحداً، باستخدام أجهزة معيارية، وجذور ثقة مادية، وهوية مبنية على «الثقة الصفرية»، والتحقق عن بعد، والإعدادات غير القابلة للتغيير، والتحديثات الآلية، مع القدرة على عزل أي عقدة من دون تعطيل بقية الخدمة. كما ينبغي أن تبقى أحمال العمل قابلة للنقل بين الحافة والسحابة الوطنية والقدرات الخارجية المعتمدة.
السيادة والمهارات المحلية
يفيد ألفاريز بأن الاعتماد التقني لا يقتصر على الأجهزة أو البرمجيات، بل يمتد إلى الأشخاص القادرين على تشغيل الأنظمة واستعادتها وقت الأزمة. ويدعو المؤسسات إلى التوقف عن التعامل مع نقل المعرفة بوصفها ملحقاً تدريبياً لعقود المشتريات، وأن تتضمن مشروعات السحابة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والشبكات أدواراً محلية محددة، وفرق تشغيل موازية، ووصولاً إلى الوثائق الفنية وإجراءات التشغيل، ومراحل للحصول على الشهادات، إلى جانب خفض تدريجي في نسبة الاعتماد على المتعاقدين. كما يقترح ربط جزء من مدفوعات المورد بقدرة الفرق المحلية على تشغيل الخدمة وتشخيص الأعطال واستعادتها من دون تدخل خارجي. ويشير إلى إمكانية بناء قدرات مشتركة خليجياً عبر ميادين سيبرانية إقليمية وفرق استجابة مشتركة ومراكز متخصصة في هندسة الكابلات البحرية وبنية الذكاء الاصطناعي وأمن السحابة.

الأمن السيبراني والمادي في غرفة واحدة
تحتاج حماية البنية التحتية الحرجة أيضاً إلى دمج الأحداث السيبرانية والمادية ضمن صورة تشغيلية موحدة. ويشرح ألفاريز أن سجلات الأنظمة وكاميرات المراقبة والتحكم بالدخول وأنظمة المباني وحساسات البيئة وجودة الطاقة وأحداث الشبكة يجب أن تصب في هيكل قيادة مشترك. وبذلك لا تتم معالجة بطاقة دخول مسروقة، أو خزانة مفتوحة، أو ارتفاع في حرارة التبريد، أو تسجيل دخول بصلاحيات مرتفعة كأربع حوادث منفصلة. ويشمل النموذج كذلك تقسيم شبكات تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية وشبكات العملاء، وإدارة وصول الموردين والصيانة عن بُعد، والحفاظ على وسائل اتصال خارج المسار الرئيسي وطرق تشغيل يدوية عند الحاجة.
البحر الأحمر و«هرمز» يكشفان عن مخاطر التركّز
يضع ألفاريز الكابلات البحرية في مقدمة المخاطر التشغيلية المباشرة على المنطقة. فقد أدى تضرر عدة كابلات في البحر الأحمر في أوائل 2024 إلى إعادة توجيه حركة البيانات عبر أنظمة بديلة، مما رفع زمن الاستجابة وخفض السعة المتاحة بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
وفي الوقت نفسه، أظهرت التوترات المتكررة حول مضيق هرمز حجم التركّز الجغرافي في المنطقة، حيث تتقاطع بنية رقمية وطاقة ولوجستيات دولية ضمن نطاق جغرافي محدود. ويرى ألفاريز أن المشكلة الأكبر لا تتمثل في تقنية واحدة، بل في اجتماع عدة تبعيات حيوية داخل نقاط اختناق محدودة، في حين تمثل أشباه الموصلات المتقدمة والمنصات السحابية والبرمجيات مخاطر استراتيجية أطول أجلاً.
ثلاث أولويات للسنوات الخمس المقبلة
يحدد ألفاريز ثلاث مساحات استثمار رئيسية لدول الخليج خلال السنوات الخمس المقبلة. الأولى هي بناء عدة ممرات اتصال تجمع الكابلات البحرية والمسارات الأرضية والأقمار الاصطناعية، بحيث لا تستطيع نقطة اختناق واحدة عزل المنطقة. والثانية توزيع بنية الذكاء الاصطناعي والسحابة جغرافياً وربطها عبر «ممرات ذكاء اصطناعي موثوقة» تسمح بنقل أحمال العمل بين البيئات السيادية وقدرات الحوسبة الخارجية المعتمدة. أما الثالثة فتتعلق بالجاهزية التشغيلية، من مراكز قيادة تجمع الأمن السيبراني والمادي، إلى السعات الاحتياطية الاستراتيجية، وتمارين التعافي الإقليمية، والفرق الهندسية المتخصصة.
ويختصر ألفاريز المفهوم بالقول إن السيادة لا تعتمد على إزالة كل علاقة اعتماد خارجي، بل على الحفاظ على «حرية التصرف» عند وقوع الاضطراب، بحيث تبقى الدولة أو المؤسسة قادرة على تشغيل الخدمة ونقلها واستعادتها واتخاذ قراراتها الأساسية من دون فقدان السيطرة.





