كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟

«تيك توك» لـ«الشرق الأوسط»: تمويلات الدورة الأولى تجاوزت 14 مليون دولار

كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟
TT

كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟

كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟

تنتقل النسخة الثانية من برنامج «تيك توك وبلوسوم لتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة» إلى التركيز على الشركات الناشئة التي تبني حلولاً قائمة على الذكاء الاصطناعي، مع مسار يمتد ثلاثة أشهر ويجمع بين الإرشاد والاستعداد للاستثمار وتطوير الأعمال،والوصول إلى المستثمرين والشركاء في منظومة ريادة الأعمال السعودية.

ويأتي إطلاق الدورة الجديدة بعد نسخة أولى دعمت 14 شركة ناشئة، حققت مجتمعة نمواً في الإيرادات تجاوز 840 ألف دولار، وساعدت الشركات المشاركة على تأمين تمويلات تزيد على 14 مليون دولار. أما النسخة الثانية، فتوسع نطاق الدعم ليشمل مؤسسين يعملون على حلول مدعومة بتقنيات متقدمة، مع منح قد تصل قيمتها إلى 60 ألف دولار لمساعدة الشركات المختارة على تطبيق حلولها في السوق.

يقول الدكتور حاتم سمّان، المدير التنفيذي للعلاقات الحكومية والسياسات العامة لدى «تيك توك» في السعودية، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن دور البرنامج لا يقتصر على منح الشركات الناشئة مساحة للظهور أمام جمهور المنصة، بل يستهدف نقلها من مرحلة الفكرة أو التحقق المبكر إلى بناء أعمال قابلة للتوسع وجاهزة لجذب الاستثمار.

حاتم سمّان المدير التنفيذي للعلاقات الحكومية والسياسات العامة لدى «تيك توك» في السعودية (الشركة)

مساران للشركات والأفكار الجديدة

تتكون النسخة الثانية من مسارين منفصلين. الأول هو هاكاثون للذكاء الاصطناعي يستهدف الأفراد والفرق التي تعمل على أفكار يمكن تحويلها شركات ناشئة، والآخر مسرعة مخصصة للشركات التي تمتلك منتجاً أولياً أو مؤشرات جذب مبكرة وتسعى إلى النمو داخل السعودية.

ويقام الهاكاثون حضورياً في الرياض، في حين تعمل المسرعة بنظام هجين يجمع بين أيام حضورية في العاصمة وجلسات تدريب وإرشاد افتراضية. ويُطلب من الشركات المشاركة الالتزام بالورش، وتطبيق الاستراتيجيات عملياً، وتحقيق مراحل محددة، والمشاركة في التقييمات، قبل تقديم عروضها في اليوم الختامي.

وأوضح سمّان أن الشراكة امتدت كذلك إلى هاكاثون «تيك توك وبلوسوم» للذكاء الاصطناعي، الذي جمع رواد أعمال ومطورين وباحثين وطلاباً للعمل على حلول مرتبطة بتحديات واقعية.

وأردف أن الهاكاثون استقطب 63 مشروعاً، تعاون أصحابها ضمن فرق لتطوير حلول ومفاهيم مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا الرقم قاعدة أوسع لاختيار الأفكار الواعدة، لكنه لا يعني انتقال جميع المشروعات تلقائياً إلى مرحلة المسرعة؛ إذ يقدم كل مسار مزايا ومعايير قبول مختلفة.

ويستهدف مسار المسرعة شركات تمتلك حداً أدنى من الجاهزية، بما يشمل وجود منتج أولي أو مؤشرات أولية على الطلب، وحلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي وقابلاً للتوسع، إلى جانب نية واضحة لجمع التمويل وبناء حضور في السوق السعودية.

توزيع الأدوار بين «تيك توك» و«بلوسوم»

تتولى «بلوسوم» تشغيل المسار العملي للمسرعة، مستفيدة من خبرتها في تدريب المؤسسين وتطوير نماذج الأعمال وإعداد الشركات للتواصل مع المستثمرين. أما «تيك توك» فتقدم خبرتها بوصفها منصة رقمية عالمية، إلى جانب المشاركة في بناء شبكة من المرشدين والخبراء والجهات الفاعلة في منظومة ريادة الأعمال.

وصرح سمّان: «نجمع نقاط قوتنا لتمكين الجيل المقبل من رواد الأعمال في المملكة»، مشيراً إلى أن البرنامج يوفر رحلة نمو منظمة تشمل الإرشاد المتخصص، والاستعداد للاستثمار، والدعم العملي للأعمال، والوصول إلى شبكة من المستثمرين وقادة الصناعة والمؤسسين.

ولا يختصر البرنامج دور المنصة في مساعدة الشركات على صناعة المحتوى أو الوصول إلى جمهور أوسع. ووفق سمّان، فإن الهدف هو مساعدة المؤسسين على بناء شركات مستدامة، وليس زيادة الظهور وحده.

وأضاف: «هدفنا هو مساعدة المؤسسين على بناء أعمال مستدامة، وليس ببساطة توسيع نطاق ظهورهم». ويتضمن ذلك تطوير مهارات التحقق من نموذج العمل، وتحديد العميل المستهدف، وتحسين القيمة التي يقدمها المنتج، وإعداد الشركة لجولات التمويل. ويضم البرنامج شركاء من منظومة ريادة الأعمال السعودية، بينهم الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، ومركز ريادة الأعمال الرقمية «كود» التابع لوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات.

يجمع البرنامج بين الإرشاد المتخصص وتطوير الأعمال والاستعداد للاستثمار والتواصل مع المستثمرين والخبراء في السوق السعودية (شاترستوك)

840 ألف دولار نمواً في الإيرادات

توفر نتائج الدورة الأولى أبرز معيار رقمي متاح لتقييم البرنامج حتى الآن. فقد دعمت 14 شركة ناشئة، وسجلت الشركات المشاركة مجتمعة أكثر من 840 ألف دولار في نمو الإيرادات، إلى جانب تأمين تمويلات تجاوزت 14 مليون دولار. ويعد سمّان أن هذه النتائج تشير إلى أن أثر البرنامج تخطى الظهور الرقمي، ووصل إلى مؤشرات ترتبط بنمو الأعمال والاستعداد للاستثمار.

ويضيف أن الأرقام «تؤكد فاعلية البرنامج في دعم نمو الأعمال بصورة ملموسة وإعداد الشركات الناشئة للاستثمار»، عادَّاً أنها توفر قاعدة للنسخة الثانية. ولا تتضمن البيانات المتاحة تفصيلاً لحصة كل شركة من نمو الإيرادات أو التمويلات، أو الفترة الدقيقة المستخدمة لاحتساب الزيادة، أو نسبة التمويل التي جاءت بعد اتصالات مباشرة تمت عبر البرنامج. لذلك؛ تبقى المقارنة بين الدورتين مرتبطة بمدى نشر نتائج أكثر تفصيلاً بعد انتهاء النسخة الثانية.

قياس النجاح بعد المشاهدات

تواجه البرامج المرتبطة بالمنصات الاجتماعية سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان أثرها يؤدي إلى نمو تجاري مستدام أم يقتصر على زيادة المشاهدات والتفاعل لفترة محدودة. ويرى سمّان أن نجاح الشركات المشاركة يُقاس من خلال مؤشرات تشمل نمو الأعمال والاستعداد للاستثمار وجذب العملاء والقدرة على تحويل الأفكار إلى شركات قابلة للتوسع ومرتبطة بحاجة فعلية في السوق.

ويلفت إلى أن نتائج الدورة الأولى، بما فيها نمو الإيرادات والتمويلات، تقدم دليلاً على التقدم خارج نطاق الانتشار وحده. وأضاف أن النسخة الثانية ستواصل التركيز على مساعدة المؤسسين في بناء شركات مرنة وجاهزة للاستثمار وقادرة على الاستجابة لاحتياجات السوق.

بناء مجتمع حول المنتج

يضع البرنامج بناء العلاقة مع العملاء ضمن مسار تطوير الشركة، بدلاً من التعامل مع المحتوى بوصفه هدفاً مستقلاً. وينوّه سمّان بأن بناء شركة ناجحة يتطلب الثقة والتفاعل الهادف والعلاقات الدائمة مع العملاء. ويشمل الدعم المقدم للمؤسسين مساعدتهم على فهم جمهورهم المستهدف وتحسين عروض القيمة وتطوير استراتيجيات نمو لا تعتمد على اتجاهات مؤقتة أو موجات قصيرة من الاهتمام.

كما يربط البرنامج المؤسسين بمرشدين ومستثمرين وخبراء، بما يسمح لهم باختبار فرضيات السوق وتعديل المنتج وتطوير نموذج أكثر قدرة على الاحتفاظ بالعملاء.

وتتوقع المسرعة أن تنهي الشركات المشاركة البرنامج بعرض استثماري أكثر جاهزية واستراتيجية لجمع التمويل وخطة دخول أو توسع داخل السوق السعودية، إلى جانب اتصالات مع المستثمرين والشركاء وصناع القرار.

تقيس «تيك توك» نجاح البرنامج بنمو الأعمال وجذب العملاء والاستثمار وليس بالمشاهدات والانتشار الرقمي وحدهما (الشركة)

المصداقية والشفافية الإعلانية

يشمل البرنامج توجيهاً يتعلق بالمحتوى الموثوق والشفافية في الإعلانات والامتثال لسياسات المنصة. ويشرح حاتم سمّان، خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، بأن «نمو الأعمال المسؤول يسير جنباً إلى جنب مع التفاعل الرقمي المسؤول»، مضيفاً أن المشاركين يتعرفون على ممارسات إنشاء محتوى أصيل وشفاف، والالتزام بمعايير الإعلان وسياسات المنصة. ويهدف هذا المسار إلى مساعدة الشركات الناشئة على بناء علامات تجارية يمكن الوثوق بها، خصوصاً عندما تستخدم المحتوى للترويج لمنتجات تقنية أو حلول ذكاء اصطناعي قد تتضمن ادعاءات حول الأداء أو الكفاءة أو نتائج الاستخدام.

ما بعد الأشهر الثلاثة

تنتهي المرحلة المنظمة من البرنامج بعد ثلاثة أشهر، لكن سمّان يرى أن قياس النجاح يجب أن يمتد إلى ما بعد اختتام المسرعة. ويفسر بأن «المقياس الحقيقي للنجاح هو ما يحدث بعد انتهاء المسرعة»، موضحاً أن التقييم يركز على استمرار نمو الشركات، وتعزيز موقعها في السوق، وجذب الاستثمار، وبناء أعمال قادرة على خلق أثر طويل الأمد.

ويقول سمّان إن الهدف هو تزويد الشركات بالمعرفة والعلاقات التي يمكن أن تستمر فائدتها بعد انتهاء الفترة الرسمية، ضمن توجه أوسع لدعم منظومة ريادة الأعمال والابتكار في السعودية.

وتضع النسخة الثانية الذكاء الاصطناعي في مركز الاختيار والتطوير، بدلاً من توجيه البرنامج إلى الشركات التقنية على نحو عام. وسيعتمد تقييم نتائجها على عدد الشركات التي تصل إلى السوق، والإيرادات التي تحققها، والتمويل الذي تجمعه، وقدرتها على الاحتفاظ بعملائها بعد انتهاء الدعم.


مقالات ذات صلة

وداعاً لتحكم مواقع التواصل... أستراليا تتيح للمستخدمين إيقاف الخوارزميات

يوميات الشرق سيحصل المستخدمون الذين تزيد أعمارهم على 16 عاماً على أدوات تتيح لهم تعطيل المحتوى الذي تختاره الخوارزميات (أ.ف.ب)

وداعاً لتحكم مواقع التواصل... أستراليا تتيح للمستخدمين إيقاف الخوارزميات

تعتزم أستراليا منح مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الحق في إيقاف الخوارزميات التي تحدد المحتوى الذي يظهر، ضمن تشريعات جديدة تهدف إلى تعزيز السلامة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية سيخضع المستخدمون الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما لإعدادات خصوصية أكثر صرامة (أ.ف.ب)

البرازيل تغرم «تيك توك» 29.8 مليون دولار بسبب انتهاك خصوصية الأطفال

فرضت هيئة حماية البيانات البرازيلية غرامة قدرها نحو 29.8 مليون دولار على شركة «بايت دانس»، المالكة لتطبيق «تيك توك»، بسبب معالجة البيانات الشخصية للأطفال.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
يوميات الشرق شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

الولايات المتحدة​ شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

«تيك توك» تدفع 400 مليون دولار في تسوية بشأن خصوصية الأطفال في أمريكا

قالت وزارة العدل الأميركية، الجمعة، إن منصة الفيديوهات القصيرة «تيك توك» وافقت على دفع 400 مليون دولار لتسوية مزاعم أميركية بشأن جمع البيانات الشخصية للأطفال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا وصلت الميزة إلى عدد محدود من المستخدمين ضمن المرحلة التجريبية «تيك توك»

«تيك توك» يختبر المكالمات الصوتية داخل الرسائل الخاصة

لم يعلن «تيك توك» رسمياً عن موعد الإطلاق عالمياً، كما لم يؤكد ما إذا كانت ستتوفر لجميع الحسابات عند الإطلاق أو ستبدأ في أسواق محددة قبل تعميمها.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

«سناب» لـ«الشرق الأوسط»: نستهدف تمكين أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030

تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)
تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)
TT

«سناب» لـ«الشرق الأوسط»: نستهدف تمكين أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030

تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)
تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)

لم تعد استراتيجية شركة «سناب» في السعودية تقتصر على توسيع استخدام منصتها أو جذب المعلنين، بل تتجه إلى بناء مسار يربط التدريب بالتطبيق، ثم بالوظائف والمشروعات والشركات الجديدة. وتستهدف الشركة ضمن شراكتها مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، تمكين أكثر من 20 ألف سعودي بحلول 2030 في مجالات تشمل الواقع المعزز والحوسبة المكانية والتسويق الرقمي والسلامة الرقمية.

ولا تقيس «سناب» نجاح هذا الهدف بعدد من يكملون البرامج التدريبية فقط، بل إن المؤشرات التي حددها مسؤولوها تشمل الحصول على الشهادات، وتطبيق المهارات في أماكن العمل، والانتقال إلى أدوار مهنية جديدة، والمشاركة في مشروعات فعلية، وإنشاء منتجات أو خدمات وشركات جديدة.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول أوسع في حضور «سناب» داخل السوق السعودية، من منصة يستخدمها جمهور واسع إلى محاولة بناء منظومة تجمع المواهب وصناع المحتوى والمطورين والشركات حول تقنيات مثل الواقع المعزز والحوسبة المكانية.

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول عبد الله الحمادي، المدير العام للشركة في السعودية، إن الهدف هو انتقال المواهب المحلية من استخدام الأدوات الرقمية إلى تطوير منتجات وخدمات وملكية فكرية يمكن أن تنشأ في المملكة وتتوسع خارجها.

ويفيد بأن لدى «سنابشات» أكثر من 26 مليون مستخدم نشط شهرياً في السعودية، يفتح كثير منهم التطبيق أكثر من 50 مرة يومياً، مما يجعل المملكة واحدة من أهم أسواق الشركة عالمياً. لكنه يشدد على أن حجم الاستخدام ليس المعيار الوحيد لقياس النجاح، بل ما إذا كان هذا الحضور يقترن ببناء قدرات محلية يمكن أن تدعم الاقتصاد الرقمي على المدى الطويل.

عبد الله الحمادي المدير العام لـ«سناب» في السعودية (الشركة)

نحو بناء التقنيات

ترى «سناب» أن المرحلة التالية في السعودية يجب أن تنتقل من استخدام التقنيات الرقمية إلى البناء فوقها. ويلفت الحمادي إلى أن صناع المحتوى والشركات الناشئة والمطورون المحليون يمتلكون فهماً قوياً لجمهورهم ومجتمعاتهم، لكن توسيع هذا الدور يتطلب مهارات عملية في الواقع المعزز والحوسبة المكانية وأدوات الإنتاج الرقمي.

وتربط الشركة هذا التوجه بمبادرات بدأت بالفعل داخل المملكة. ومن بينها «Snap Maher Academy»، التي ضمت دفعتها الأولى 50 مشاركاً من جهات شملت الهيئة السعودية للسياحة، و«طيران الرياض»، ومجموعة «stc»، و«زين»، ووزارة الثقافة، ضمن برنامج معتمد استمر أربعة أسابيع ودمج التعلم العملي بالتطبيق على حالات واقعية.

لكن الشراكة مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات توسع هذا النموذج إلى نطاق أكبر، عبر ربط تنمية المهارات باحتياجات المؤسسات السعودية ومسارات العمل الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بالتدريب النظري.

20 ألف موهبة

يقول حسين الحجار، رئيس الشراكات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «سناب»، إن فجوة المهارات في السوق السعودية ترتبط بدرجة أقل بمعرفة التقنيات الناشئة، وبدرجة أكبر بالقدرة على تطبيقها في تحديات فعلية تخص الأعمال والمستهلكين والمحتوى.

ولهذا لا تنوي الشركة قياس أثر البرامج بعدد المسجلين أو من أكملوا التدريب فقط، بل ستشمل المؤشرات التي تخطط لمتابعتها الحصول على شهادات، واستخدام المهارات في بيئة العمل، والانتقال إلى أدوار جديدة، والمشاركة في مشروعات حية، وإنشاء شركات أو منتجات أو خدمات جديدة.

ويتابع الحمادي أن الوصول إلى أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030 يمثل محطة مهمة، لكن المعيار الأهم سيكون ما الذي ستنتجه هذه المواهب بعد ذلك، سواء عبر أعمال جديدة، أو ابتكارات محلية في الواقع المعزز، أو توسع في اقتصاد صناع المحتوى، أو مشاركة رقمية أكثر أماناً وثقة.

حسين الحجار رئيس الشراكات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «سناب» (الشركة)

ثلاثة مسارات ضمن الشراكة

لا تقتصر الشراكة مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات على التدريب. فمذكرة التفاهم تتضمن ثلاثة مكونات رئيسية هي مركز تميز لتنمية المواهب، ومركز ابتكار لدعم التجريب والتقنيات الناشئة، ومبادرة للاستدامة الرقمية تركز على السلامة والرفاه والمشاركة المسؤولة.

ويضيف الحجار خلال لقائه مع «الشرق الأوسط» أنه يمكن لمركز التميز أن يوفر مسارات منظمة للتعلم والتطوير المهني للطلاب والخريجين والعاملين، في حين يتيح مركز الابتكار لصناع المحتوى ورواد الأعمال والشركات اختبار أفكار جديدة وتطوير تجارب رقمية ناشئة. أما مبادرة الاستدامة الرقمية فتستهدف رفع الوعي بالسلامة والرفاه في البيئة الرقمية. وتسعى الشركة من خلال هذا الهيكل إلى بناء مسار أكثر ترابطاً من التعلم إلى التطبيق، ثم إلى فرص العمل وريادة الأعمال والمشروعات التجارية.

الواقع المعزز يتجاوز الإعلان

يحتل الواقع المعزز والحوسبة المكانية موقعاً محورياً في استراتيجية الشركة، لكن «سناب» لا تحصر الفرصة في الإعلانات. ففي قطاع التجزئة، يمكن استخدام الواقع المعزز لتمكين المستهلكين من تجربة المنتجات افتراضياً قبل الشراء. وفي السياحة، يمكن تحويل المواقع والتجارب الثقافية إلى بيئات أكثر تفاعلية. أما في الرياضة والترفيه، فيمكن للتقنيات الغامرة أن تنقل الجمهور من المشاهدة إلى المشاركة.

ويرى الحمادي أن سرعة توسع السعودية في قطاعات الوجهات والترفيه والتجارة والتقنية تفتح مجالاً أوسع لاستخدام هذه التقنيات، لكن تحقيق ذلك محلياً يتطلب مواهب قادرة على تطوير التجارب بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها.

جمانا الراشد الرئيس التنفيذي للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام تختبر تقنيات «سناب» للواقع المعزز خلال افتتاح مكتب الشركة في نوفمبر الماضي (الشرق الأوسط)

كأس العالم للرياضات الإلكترونية نموذجاً

تستشهد الشركة بتجربتها في كأس العالم للرياضات الإلكترونية بوصفها مثالاً على كيفية دمج التقنيات الرقمية بالتجربة المادية. فقد جمعت «سناب» بين «CamKit» وتجارب مخصصة للواقع المعزز و«Snap Map» ومحتوى صناع المحتوى، لتوفير طرق متعددة لاكتشاف الحدث والمشاركة فيه ومشاركته مع الآخرين. كما سمح دمج «CamKit»، وفق الشركة، بعرض عدسات «سنابشات» مباشرة على شاشات داخل موقع الفعالية، بما جعل التجربة الرقمية جزءاً من الحدث نفسه، وليس مجرد طبقة منفصلة عنه. وتعد الشركة أن هذا النموذج قابل للامتداد إلى جدول الفعاليات المتنامي في المملكة عبر الألعاب والرياضة والترفيه والسياحة والثقافة، مع إمكانية ربط المواقع الفعلية بالمحتوى وصناع التجارب والتقنيات التفاعلية.

وظائف جديدة بين التقنية والإبداع

يؤدي هذا التوسع إلى إعادة رسم بعض المسارات المهنية حيث يرى الحجار أن الحدود بين الوظائف التقنية والإبداعية والتجارية أصبحت أقل وضوحاً. فمطور تجربة واقع معزز، على سبيل المثال، لا يعمل فقط على التقنية، بل يحتاج أيضاً إلى فهم السرد والتصميم وسلوك الجمهور والطريقة التي يمكن أن تحل بها التجربة مشكلة تجارية أو استهلاكية.

وتضع الشركة ضمن المسارات الواعدة تطوير التجارب الغامرة والمحتوى الرقمي والتسويق والتقنيات الإبداعية، إلى جانب فرص العمل الحر وريادة الأعمال. وتشير «سناب» إلى مجتمع متنامٍ من صناع العدسات السعوديين، وتذكر إبراهيم بونا ومها الدوسري مثالين على مواهب محلية طورت قدرات متقدمة في الواقع المعزز وظهرت في مسابقات «Lens Fest»، مع تحول هذه المهارات إلى فرص مهنية عبر وظائف أو عمل حر أو مشروعات إبداعية خاصة.

السلامة الرقمية ضمن الاستراتيجية

لا تفصل الشركة بناء القدرات الرقمية عن حماية المستخدمين الأصغر سناً. وبحسب الحمادي، يحصل المستخدمون بين 13 و15 عاماً على مستوى أعلى من الحماية، إذ تقتصر قصصهم ومحتوى «Spotlight» على الأصدقاء الذين تم قبولهم بصورة متبادلة بدلاً من توزيعها على جمهور عام أوسع، إلى جانب تشديد إعدادات الخصوصية والتواصل. كما يوفر «Family Centre» للوالدين ومقدمي الرعاية أدوات إضافية لمتابعة تجربة المراهقين، بينما تضع الشراكة مع وزارة الاتصالات السلامة والرفاه الرقمي ضمن أحد محاورها الأساسية.

وتنوه «سناب» بأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمنحها القدرة على نقل المبادرات الفردية إلى إطار أوسع. فالشركة تستطيع تقديم المنصات والخبرة وفهم السلوك الرقمي، بينما تستطيع الجهات الحكومية ربط ذلك بالأولويات الوطنية والمؤسسات المحلية.

ويذكر الحجار أن الهدف النهائي هو بناء طريق أوضح من التعلم إلى التطبيق، ومن التدريب والتجريب إلى مشروعات فعلية ووظائف وشركات وتجارب رقمية مصممة للاحتياجات المحلية.

وبحلول 2030، سيكون الاختبار بالنسبة إلى «سناب» أقل ارتباطاً بعدد من دخلوا قاعات التدريب، وأكثر ارتباطاً بما إذا كانت هذه المهارات ستنتج وظائف وشركات ومنتجات وتجارب واقع معزز وملكية فكرية تنشأ في السعودية وتتمكن لاحقاً من التوسع خارج السوق المحلية.


«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)
أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)
أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)

توسّع «أوبن إيه آي» أعمالها الإعلانية إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع إتاحة الإعلانات عبر «ChatGPT» في عدد من الأسواق، بينها السعودية والإمارات وقطر ومصر والكويت والمغرب وتركيا والأردن والبحرين، في خطوة تعكس اتساع اعتماد الشركة على الإعلانات كمصدر إيرادات، إلى جانب خدمات الاشتراك ومنتجات الذكاء الاصطناعي الأخرى.

ويأتي التوسُّع بعد أقل من 200 يوم على إطلاق أعمال الإعلانات لدى الشركة، وهي الفترة التي تقول «أوبن إيه آي» إن النشاط الإعلاني خلالها تجاوز معدل إيرادات سنوية بقيمة مليار دولار.

وتستهدف الإعلانات الظهور خلال مراحل يكون فيها المستخدم في سياق بحث أو مقارنة بين خيارات أو اتخاذ قرار، وهي نقطة تحاول الشركة من خلالها تمييز النموذج الإعلاني في «ChatGPT» عن الإعلانات التقليدية المرتبطة بالتصفُّح أو شبكات التواصل الاجتماعي.

وبحسب بيانات أوردتها «أوبن إيه آي»، تظهر نية تجارية واضحة في نحو 20 في المائة من المحادثات عالمياً، فيما تقول إن نسبة أكبر من المحادثات تجري بالتزامن مع عملية شراء أو اتخاذ قرار تجاري.

تؤكد الشركة أن الإعلانات تبقى منفصلة عن إجابات «ChatGPT» ولا تؤثر في استجابات النموذج (رويترز)

منصة ذاتية لإدارة الحملات

وبالتزامن مع التوسُّع الجغرافي، أطلقت الشركة منصة إعلانية ذاتية الخدمة تتيح للشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى المعلنين من المؤسسات ضمن الفئات المعتمدة، إدارة حملاتهم مباشرة، إلى جانب إمكانية الشراء عبر الوكالات الإعلانية والشركاء التقنيين.

ومن شأن هذه الخطوة أن تقلل اعتماد النشاط الإعلاني على ترتيبات البيع المباشر أو الوكالات فقط، وتفتح المجال أمام عدد أكبر من المعلنين لاختبار الحملات داخل «ChatGPT».

وتقول «أوبن إيه آي» إن منصتها تتيح للمعلنين اختبار الحملات وقياس النتائج التجارية، مشيرة إلى أنه خلال الأسابيع الستة الماضية انخفض متوسط تكلفة الشراء بنحو 60 في المائة، فيما تراجع متوسط تكلفة الألف ظهور بنحو 20 في المائة. وهذه أرقام أوردتها الشركة ضمن بيانها، ولم يرفق بها في المادة المنشورة تفصيل مستقل عن منهجية القياس أو قاعدة الحملات المستخدمة.

ويكتسب هذا الجانب أهمية، مع دخول الشركة سوقاً يهيمن عليها لاعبون كبار في الإعلان الرقمي، بينما تحاول الاستفادة من طبيعة التفاعل داخل «ChatGPT»، حيث يعبّر المستخدم في كثير من الحالات عن احتياجه أو هدفه مباشرة من خلال المحادثة.

تقول «أوبن إيه آي» إن نحو 20 في المائة من المحادثات عالمياً تظهر نية تجارية واضحة لدى المستخدمين (أرشيفية-إ.ب.أ)

الفصل بين الإعلان والإجابة

تؤكد «أوبن إيه آي» أن الإعلانات يجري تمييزها بوضوح وفصلها عن إجابات النموذج، وأنها لا تؤثر في استجابات «ChatGPT». كما تقول إن المعلنين لا يحصلون على محادثات المستخدمين الخاصة، وإن المستخدم يحتفظ بالتحكم في تجربته.

ويمثل هذا الفصل أحد العناصر الأساسية في نموذج الشركة، خصوصاً مع اختلاف طبيعة «ChatGPT» عن المنصات التقليدية التي يتوقع فيها المستخدم وجود محتوى إعلاني إلى جانب المحتوى العضوي.

وترى الشركة أن الإيرادات الإعلانية يمكن أن تسهم في دعم استمرار إتاحة خدمات مجانية على نطاق واسع، في وقت تتوسع فيه تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية الحاسوبية المرتبطة بها. أما الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة فسيكون مدى قدرة «أوبن إيه آي» على توسيع هذا النشاط تجارياً، مع الحفاظ على فصل واضح بين الإجابات التي يقدمها النموذج والمحتوى المدفوع الذي يظهر للمستخدمين.


آفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع
يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع
TT

آفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع
يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع

مع استمرار تباين الحدود الفاصلة بين الذكاء الاصطناعي وهندسة الأجهزة المحمولة والحوسبة المنتشرة، تقف «كوالكوم Qualcomm» في مركز هذا التطور التقني. فبينما كانت تُعرف في السابق بأنها الأساس الذي يرتكز عليه الانتقال العالمي لاتصالات الهواتف الجوالة، أعادت الشركة صياغة مسارها بشكل جذري لتتحول إلى قوة ضاربة للمعالجة عالية الأداء ومنخفضة الطاقة على حافة الشبكة Edge.

وفي حوار حصري لـ«الشرق الأوسط» مع محمد يعقوب، المدير العام لشركة «كوالكوم» في المملكة العربية السعودية، نستكشف كيف تتعامل «كوالكوم» مع المتطلبات المعقدة لنشر الذكاء الاصطناعي التوليدي وتوسيع نطاق حضورها في منصات السيارات الذكية وبناء الجيل الجديد للعقد القادم من الأجهزة الذكية.

محمد يعقوب المدير العام لشركة «كوالكوم» في السعودية

عصر الذكاء الاصطناعي والتحول إلى «شركة منصات»

قال محمد إنه على مدى عقود، ارتبط اسم «كوالكوم» بصناعة الرقائق الإلكترونية. أما اليوم، فتنظر الشركة إلى دورها بصورة أشمل؛ إذ تعمل على تمكين الذكاء عبر كامل منظومة الحوسبة، بدءاً من أصغر الأجهزة القابلة للارتداء وصولاً إلى أكبر مراكز البيانات. ويتطلب الذكاء الاصطناعي الوكيلي، الذي يُمكّن الأنظمة من الاستدلال واتخاذ الإجراءات والتكيف في الوقت الفعلي، نهجاً متكاملاً يغطي مختلف طبقات التقنية؛ إذ لا يمكن حصره في شريحة واحدة أو بيئة سحابية واحدة.

وأضاف أن استحواذ «كوالكوم» على شركة «موديولار Modular» يأتي في إطار هذا التحول، إذ يوفر للمطورين أساساً برمجياً مفتوحاً يتيح تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة عبر أنواع مختلفة من أشباه الموصلات، وليس على تقنيات «كوالكوم» فحسب. وهذا ما يعنيه التحول إلى «شركة منصات»: بناء منظومة متكاملة تشمل الأجهزة والبرمجيات وطبقات التنسيق والتشغيل، بما يتيح نقل قدرات الذكاء وتشغيلها بكفاءة حيثما تكون الحاجة إليها.

وركز على أنه ومع صعود الذكاء الاصطناعي الوكيلي، فقد أصبحت كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال من أبرز العوامل المؤثرة في القدرة على التوسع. وصُممت محفظة «كوالكوم دراغونفلاي Qualcomm Dragonfly» بما تشمله من وحدات معالجة مركزية جديدة ومسرعات للاستدلال بالذكاء الاصطناعي وتصاميم الحوسبة عالية النطاق، استناداً إلى خبرة الشركة الممتدة لعقود في تحقيق أعلى مستويات الأداء مقابل كل واط من الطاقة، بدلاً من التركيز على الأداء بمعزل عن تكلفته واستهلاكه للطاقة.

وتكتسب هذه الكفاءة أهمية متزايدة مع توسع مراكز البيانات، وهي من الأسباب التي تدفع شركاء عالميين، بمن فيهم كبار مزودي الخدمات السحابية، إلى العمل مع «كوالكوم». وتبرز أهمية ذلك بشكل خاص في المملكة العربية السعودية، حيث يضع تعاون الشركة مع «هيوماين Humain» هذه الكفاءة موضع التطبيق على نطاق واسع. وبدأت هذه الاستثمارات بالفعل تتحول إلى تطبيقات فعلية؛ إذ أصبحت «أدوبي Adobe» أخيراً أول شركة برمجيات عالمية تنقل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى منصة «هيوماين»، بالاستفادة من قدرات «كوالكوم دراغونفلاي». ويُشكّل ذلك مؤشراً واضحاً على ما يمكن أن تتيحه الحوسبة عالية الكفاءة والقابلة للتوسع لمنظومة تستثمر بهذا الحجم لتحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي المادي

وفيما يتعلق بتطبيقات «الذكاء الاصطناعي المادي»، فقد اعتمدت الروبوتات تقليدياً على معالج واحد يتولى تنفيذ مختلف المهام في الوقت نفسه، مما يحد من قدرتها على الاستجابة بسرعة للمتغيرات في العالم الحقيقي. ويقوم النهج الجديد على توزيع قدرات الحوسبة الروبوتية على طبقات متخصصة، تركز إحداها على الاستدلال والتخطيط، وأخرى على الحركة في الوقت الفعلي، وثالثة على الاستجابة الفورية، بما يُمكّن الروبوت من استشعار محيطه واتخاذ القرار وتنفيذه من دون أن تتعطل كل العمليات بسبب ازدحامها في نظام واحد. ويُجسّد معالج «دراغونوينغ آي كيو10 Dragonwing IQ10» هذا النهج في منتج متكامل يوفر قدرات ذكاء اصطناعي تصل إلى 700 تريليون عملية في الثانية مباشرة على الجهاز، من خلال 18 نواة في المعالج، إلى جانب استخدام وحدات معالجة عصبية متعددة النوى ووحدة معالجة رسومات.

ويتيح ذلك تنفيذ مهام الإدراك والتخطيط والاستدلال محلياً من دون الحاجة إلى مسرّعات خارجية. ولا تقل أهمية عن ذلك قدرة الشركة على دمج هذه القوة الحاسوبية مع تقنيات الاستشعار والاتصال والبرمجيات ضمن منصة موحدة وجاهزة للاستخدام الفعلي. ولم يكن التحدي الأساسي في الروبوتات المتقدمة يوماً في مكوّن منفرد، بل في دمج مختلف المكونات ضمن منظومة موثوقة وقابلة للاستخدام على نطاق واسع. هذا التكامل هو ما يُمكّن الروبوت من تجاوز تنفيذ التعليمات المحددة مسبقاً إلى إدراك بيئته فعلياً وفهم ما يجري حوله واتخاذ الإجراءات المناسبة بصورة مستقلة.

مركبات الذكاء الاصطناعي وقمرة القيادة الرقمية

وانتقل إلى الحديث عن دور الذكاء الاصطناعي التوليدي في تحويل تجربة المستخدم داخل المركبات الذكية في المستقبل القريب، حيث تتجه المركبات لأن تصبح من أكثر أجهزة الذكاء الاصطناعي ارتباطاً بالمستخدم وتخصيصاً لتجربته. ومن خلال منصة «سنابدراغون ديجيتال تشاسي Snapdragon Digital Chassis» التي تدعم مجموعة واسعة من الأنظمة بدءاً من قمرة القيادة الرقمية وصولاً إلى أنظمة القيادة الآلية، نشهد انتقال الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي من كونه ميزة تقنية جديدة إلى قدرات تفهم السياق بصورة فعلية وتتوقع احتياجات المستخدم، وتتكيف مع السائق، وتنسّق القرارات بين مختلف أنظمة المركبة في الوقت الفعلي. وتتعاون الشركة مع شركات تصنيع السيارات (مثل مجموعة BMW) الاتجاه الذي يسلكه هذا التطور؛ فسيارة المستقبل القريب لن تكتفي بالاستجابة لأوامر السائق، بل ستكون قادرة على فهم سياق الرحلة والتفاعل معها بصورة استباقية إلى جانب السائق.

مستقبل متصل ومترابط

وحول التحديات التقنية الرئيسية التي تواجه توسيع نطاق «الذكاء الاصطناعي على الجهاز» ليشمل ملايين الأجهزة المتصلة والمترابطة يومياً، قال المدير العام لشركة «كوالكوم» في المملكة العربية السعودية إن التحدي لا يكمن في جعل جهاز واحد ذكياً، بل بجعل ملايين الأجهزة ذكية بشكل موثوق دون استنزاف طاقتها أو تجاوز ميزانيتها؛ فكل جهاز إضافي يعمل بالذكاء الاصطناعي محلياً يجب أن يُطبّق ذلك بكفاءة كافية لضمان استمرار تشغيله وبأمان كافٍ ليكون جديراً بالثقة وبتناسق كافٍ ليعمل بالأسلوب نفسه سواء كان عبارة عن جهاز استشعار في أرضية المصنع أو جهازاً قابلاً للارتداء على معصم شخص.

وأمضى القطاع سنوات في حل هذه المشكلة على نطاق ضيق. أما حلها على نطاق مليارات النقاط الطرفية فهو أمر مختلف تماماً، وقامت الشركة بتصميم بنية هندسية خاصة به بدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي على الجهاز بوصفه إضافة ثانوية للسحابة.

وفيما يتعلق بدعم المطورين، فلم يكن بناء نموذج الذكاء الاصطناعي الجيد الجزء الأصعب أبداً، بل إن جعل هذا النموذج يعمل بشكل جيد فعلياً على أجهزة حقيقية بموثوقية وكفاءة ودون أن يضطر المطور إلى أن يصبح خبيراً في الرقائق الإلكترونية خلال هذه العملية هو ما يستنزف وقت معظم المشاريع. وتم إنشاء مركز «كوالكوم لتطوير الذكاء الاصطناعي Qualcomm AI Hub» لسد هذه الفجوة.

وبإمكان المطور أخذ نموذج تم بناؤه باستخدام برنامج التعلم الآلي «PyTorch» أو تنسيق الملف القياسي المفتوح «ONNX»، ومن ثم تجميعه وتحسينه والتحقق من صحته مباشرةً على أجهزة «كوالكوم» حقيقية في السحابة، وغالباً ما يستغرق هذا الأمر دقائق معدودة بدلاً من أسابيع. كما يمكنه استخدام نموذجه الخاص عوضاً عن البدء من الصفر، بحيث تتكيف المنصة مع طريقة عمله الحالية.

وبالنسبة إلى شركة ناشئة أو فريق مؤسسي لا يمتلك فريقاً مخصصاً لتحسين الأجهزة (وهو الحال بالنسبة إلى معظمها)، فإن ذلك يُحول عملية كانت تتطلب في السابق خبرة عميقة ومتخصصة إلى عملية أكثر سهولة بكثير. وهذا هو الفرق بين أن تبقى الفكرة الجيدة مجرد فكرة، وبين أن يتم تنفيذها فعلياً.

تبني الشركة الجيل الجديد للعقد القادم من الأجهزة الذكية

المهارات وتطور الجيل المقبل من الحوسبة

وسألت «الشرق الأوسط» عن كيفية الاستعداد من الناحية التقنية لتحويل تفاعل الأجهزة من مجرد «نظام تشغيل» إلى «تنسيق وكلاء الذكاء الاصطناعي» مع اقترابنا من عصر شبكات الجيل السادس للاتصالات (6G)، حيث قال يعقوب إن شبكات الجيل السادس لن تكون مجرد نسخة أسرع من شبكات الجيل الخامس، بل يتم تصميمها من الألف إلى الياء بكونها نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي يدمج بين الترابط والحوسبة والاستشعار معاً. ومن شأن هذا الأمر تغيير المهام المطلوبة من نظام تشغيل الجهاز؛ فبدلاً من مُجرّد تشغيل التطبيقات، يتعين عليه تنظيم عمل الوكلاء بالتنسيق بين ما يحدث على الجهاز وما يحدث في الأطراف وما يحدث في السحابة، كل ذلك خلال الوقت الفعلي وبناءً على السياق. وتعمل الشركة على إعداد معايير الجيل السادس مع أخذ هذه الغاية النهائية في الاعتبار لأن الشبكة والجهاز سيحتاجان إلى التصميم معاً حتى يعمل الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء بسلاسة.

وينصح المهندسين والمبتكرين بالتفكير من منظور الأنظمة «Systems» وليس المكونات. والمهندسون الذين سيحققون النجاح في هذا العصر هم الذين يفهمون كيف يرتبط القرار الذي يُتَخذ على جهاز ما بما يحدث في الأطراف وفي السحابة بدلاً من التخصص بشكل ضيق في مجال واحد فقط. وسيكون للاهتمام بكفاءة استهلاك الطاقة والتطبيق في العالم الواقعي وتفاعل التقنيات فعلياً خارج المختبر، أهمية لا تقل عن المهارات التقنية الأساسية. وبالنسبة إلى المهندسين الشباب في المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، فإن اللحظة الحالية مواتية حقاً، حيث تستثمر المنظومة في هذه القدرات بالتحديد وتوجد فرصة حقيقية لبناء مسيرة مهنية واعدة لهم في المملكة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي

واختتم قائلاً إن «العقد المقبل لن يشهد زيادة في قوة الذكاء الاصطناعي بقدر ما سيشهد تحولاً يجعله يعمل بأسلوب أقل ظهوراً بالمعنى الإيجابي للكلمة. ولا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم يبدو كأنه فعل متعمَّد: يفتح المستخدم تطبيقاً ويكتب أمراً. وأتوقع أنه في غضون عشر سنوات، سيكون الذكاء موجوداً ببساطة حولنا، في أجهزتنا وسياراتنا ومنازلنا وأماكن عملنا يساعدنا بهدوء دون أن يلفت انتباهنا».

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه على المجتمعات ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكون قادراً على ذلك (فمن الواضح أنه سيكون كذلك)، بل عمّا إذا كنا سنطوره بطريقة تحترم الخصوصية وتعمل بشكل موثوق وتبقى مفيدة حقاً بدلاً من أن تكون متطفلة. هذا هو التوازن الذي يتعين على القطاع تحقيقه، وهذا هو الجزء الأهم في هذا المسار.