ليبيا لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة

عبر مشروعات مشتركة... والاستعداد لاستضافة «قمة إقليمية»

من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
TT

ليبيا لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة

من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)

تسعى ليبيا لكسر العزلة الدبلوماسية المرتبطة بسنوات الاضطراب والانقسام، وتطمح لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة ومشروعات مشتركة، بالتزامن مع عودة المؤسسات القارية إلى طرابلس، والاستعداد لاستضافة «قمة إقليمية».

وتسارعت خُطى الدبلوماسية الليبية في هذا الاتجاه، الشهر الماضي، مع إعادة افتتاح مكتب الاتحاد الأفريقي في طرابلس بعد إغلاق دامَ 11 عاماً، في خطوة عدَّتها حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» خطوة تستهدف تنشيط التعاون المؤسسي، وتوسيع مشاركة ليبيا في البرامج القارية.

كما افتُتح في العاصمة الليبية مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد»، في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ لتعزيز التعاون في المجالات التنموية، وتوسيع فرص تنفيذ المبادرات والمشروعات المشتركة، بما يدعم التنمية المستدامة والتكامل الأفريقي.

وتأتي الخطوتان في سياق سعي ليبيا لتعزيز موقعها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وطموحها بالفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2028-2029 ضمن الحصة الأفريقية، وبما يراعي مبدأ التناوب الإقليمي بين دول شمال أفريقيا.

اجتماع تنسيقي بين مسؤولين ليبيين وأتراك ومفوضية الاتحاد الأفريقي بشأن القمة المرتقبة في ديسمبر المقبل (وزارة الخارجية الليبية)

ويعيد هذا التحرك إلى الواجهة تاريخ العلاقة الليبية بالعمل الأفريقي المشترك؛ فقد أسهم الرئيس السابق معمر القذافي في الدفع نحو تأسيس «الاتحاد» باستضافة «قمة سرت» في عام 1999، التي أطلقت مسار إنشائه، قبل اعتماد قانونه التأسيسي في عام 2000 وإطلاقه رسمياً في عام 2002.

ويرى الدبلوماسي الليبي، السفير عادل عيسى، أن عودة المؤسسات الأفريقية إلى طرابلس تمثل «مؤشرات إيجابية على عودة الاهتمام الأفريقي بليبيا»، وتتيح فرصة لإعادة تنشيط العلاقات بين الجانبين سياسياً وتنموياً، بعد سنوات تراجعت خلالها قدرة البلاد على التأثير في محيطها القاري.

ويقول عيسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقة مع الاتحاد ينبغي أن تقوم على «شراكة متبادلة المصالح»، لا على استعادة النفوذ الليبي وحده.

ويوضح أن ليبيا تحتاج إلى عمقها الأفريقي، في حين تحتاج القارة إلى دولة مستقرة تسهم في معالجة التحديات المشتركة في الأمن والتنمية، والتعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي.

ومع ذلك، يبدو من الضروري التمييز بين استعادة الحضور المؤسسي واستعادة الدور السياسي، وفقاً لعيسى، الذي لفت إلى أن «عودة المكاتب الأفريقية إلى طرابلس خطوة مهمة، لكنها لا تضمن وحدها تأثيراً في مواقف الاتحاد وقراراته، ما لم تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة وإرادة سياسية».

وأضاف عيسى أن استعادة الدور الخارجي الليبي ترتبط بقدرة الدبلوماسية على بناء شراكات مستدامة، وتطوير علاقات متوازنة مع الدول الأفريقية، والمشاركة في صياغة المبادرات والقرارات المتعلقة بمستقبل القارة، بدلاً من الاكتفاء بعودة المؤسسات إلى العاصمة.

وعدَّ عيسى أن انتقال ليبيا من موقع تتقاطع فيه المبادرات والمصالح الدولية إلى دولة فاعلة في صياغة الأجندة الأفريقية «هدف ممكن»، لكنه يتطلب توحيد الرؤية الوطنية تجاه أفريقيا، وتعزيز المؤسسات الدبلوماسية، وتفعيل السفارات، والاستثمار في العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف.

وتتزامن هذه التحركات مع استعداد ليبيا لاستضافة القمة الرابعة للشراكة الأفريقية التركية، يومَي الثامن والتاسع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل. واستضافت طرابلس اجتماعات تنسيقية بين ليبيا ومفوضية الاتحاد الأفريقي وتركيا، الشهر الماضي، تمهيداً للقمة المرتقبة.

وزير الخارجية المكلف بحكومة الوحدة الليبية الطاهر الباعور خلال حفل افتتاح مكتب منظمة الاتحاد الأفريقي في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)

ومِن بين مجالات التعاون المقترحة على طاولة «القمة الإقليمية» الطاقة والاستثمار، وإعادة الإعمار والتجارة والتحول الرقمي. وتتيح الاستضافة لطرابلس مساحة دبلوماسية أوسع للتواصل مع الشركاء الأفارقة والأتراك.

وهنا يُوضح عيسى أن «ليبيا تمتلك مقوّمات جغرافية وسياسية واقتصادية تؤهلها لأداء دور في القارة، باعتبارها حلقة وصل بين شمال أفريقيا وعمقها الأفريقي، فضلاً عن ارتباط موقعها بقضايا الأمن الإقليمي والهجرة والتنمية، والتكامل الاقتصادي واستقرار منطقة الساحل والصحراء».

ويرى عيسى أن استثمار التطورات الحالية يمكن أن يساعد في إعادة بناء الثقة مع الدول الأفريقية، وتعزيز الحضور الليبي داخل مؤسسات الاتحاد، وفتح المجال أمام مشاركة أكثر فاعلية في قضايا القارة، شريطة توحيد الرؤية الدبلوماسية وتقديم مبادرات عملية.

في المقابل، يثير تجدد الحضور الأفريقي في طرابلس تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأفريقي على تنشيط دوره في تسوية الأزمة الليبية، بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى احتوائها.

ومنذ عام 2011، اضطلع الاتحاد بأدوار في الوساطة السياسية ودعم المصالحة الوطنية، عبر لجنة رفيعة المستوى ومجلس السلم والأمن، مع التركيز على العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، واتسع هذا الدور، خلال السنوات الأخيرة، بالتعاون مع المجلس الرئاسي.

وكان من أبرز محطات هذا المسار جهود اللجنة الأفريقية رفيعة المستوى المعنية بليبيا، برئاسة الرئيس الكونغولي دينيس ساسو نغيسو، التي رعت مسار «المصالحة الوطنية»، وصولاً إلى توقيع «ميثاق السلام والمصالحة الوطنية» في أديس أبابا، خلال فبراير (شباط) 2025.

لكن أولوية «المصالحة الوطنية» في معالجة الأزمة الليبية تظل محل تساؤل. وهنا يقول المحلل السياسي حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البلاد لا تشهد تناحراً قبلياً أو دينياً يستدعي جهوداً استثنائية في هذا المجال». ويلفت إلى «ضعف التوافق داخل المجلس الرئاسي ومحدودية صلاحياته، فضلاً عن الحضور المؤثر لمبادرة أممية وأخرى أميركية في إدارة الأزمة».

وهنا تشير تقديرات بحثية إلى أن «فاعلية الاتحاد الأفريقي لا ترتبط بقدر ما يطرحه من مبادرات جديدة، بل بقدر ما تتوقف على قدرته على تنسيق المسارات القائمة وضمان تنفيذها»، وفق تقرير حديث صادر عن «معهد الدراسات الأمنية» (ISS).


مقالات ذات صلة

سباق بين صدام حفتر وحكومة الدبيبة لمعالجة احتياجات الجنوب الليبي

شمال افريقيا اجتماع لحكومة الدبيبة مع أعضاء مجلس النواب عن الجنوب مساء الأربعاء (حكومة الوحدة)

سباق بين صدام حفتر وحكومة الدبيبة لمعالجة احتياجات الجنوب الليبي

وجّه صدام حفتر نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، «الجهاز الوطني للتنمية» بتنفيذ مشروعات خدمية واستراتيجية في المنطقة

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع اللجنة السياسية بـ«المجلس الأعلى للدولة» (المجلس)

«الأعلى للدولة» الليبي يُصعّد مجدداً برفض اتفاق الانتخابات

تجدد الخلاف فى ليبيا بشأن آليات إدارة العملية السياسية و«خريطة الطريق» الأممية بعدما أعلنت اللجنة السياسية بـ«المجلس الأعلى للدولة» رفضها الاعتداد بمخرجات «4+4»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز دورها الاجتماعي والسياسي

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي يعود النفط لواجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة لتسوية خلافاتها.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)

«النواب» الليبي يدعو لخطة شاملة لـ«الإصلاح الاقتصادي»

دعا رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي إلى «إعداد خطة وطنية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتعزيز الإنتاج المحلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

تونس تؤكد رفض تحويل أراضيها إلى بلد لتوطين المهاجرين

عدد من المهاجرين الأفارقة في شوارع العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
عدد من المهاجرين الأفارقة في شوارع العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

تونس تؤكد رفض تحويل أراضيها إلى بلد لتوطين المهاجرين

عدد من المهاجرين الأفارقة في شوارع العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
عدد من المهاجرين الأفارقة في شوارع العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، موقف بلاده الرافض لتحويل أراضيها إلى بلد عبور أو توطين للمهاجرين، أو إلى فضاء لإقامة منصات إنزال للمهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء، مشدداً على تمسك البلاد بسيادتها الوطنية، ومواصلة الاضطلاع بمسؤولياتها في حماية حدودها، والتصدي لشبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

وجاءت تصريحات وزير الشؤون الخارجية خلال جلسة مشتركة عقدتها، الخميس، لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، ولجنة الاستثمار والتعاون الدولي بمجلس الجهات والأقاليم، للاستماع إليه حول مهمة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، ضمن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027.

وأكد النفطي، وفق ما نقلته صحف محلية، أن مقاربة تونس لملف الهجرة لا تختزل معالجة الظاهرة في أبعادها الأمنية فحسب، بل تقوم على التعاطي معها بمختلف أبعادها الإنسانية والتنموية والأمنية، مع احترام كرامة المهاجرين وحقوقهم، وتعزيز التعاون مع الدول الشريكة. وأوضح أن الوزارة تعمل على تطوير مقاربة شاملة ومتوازنة، تجمع بين دعم مسارات الهجرة النظامية والمنظمة والتصدي للهجرة غير النظامية، مع معالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة، وفي مقدمتها الفقر والبطالة والتفاوت التنموي.

كما شدد الوزير على ضرورة تعزيز التعاون والتضامن بين بلدان المنشأ والعبور والاستقبال، على أساس المسؤولية المشتركة، بما يضمن معالجة مستدامة لملف الهجرة. وفي السياق نفسه، أشار الوزير نفسه إلى مواصلة تعزيز التنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، خصوصاً في مجال المساعدة على العودة الطوعية، وإعادة الإدماج، بما يتيح للمهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية القيام بذلك في ظروف آمنة وكريمة.

وتعيش تونس على وقع تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية نحو السواحل الإيطالية؛ ما يثير مخاوف داخلية وخارجية، ويطرح أسئلة حول أسباب تفشي الظاهرة بشكل غير مسبوق في الفترة الأخيرة.

وتصاعدت وتيرة الهجرة غير النظامية انطلاقاً من التراب التونسي صوب السواحل الأوروبية خلال الأشهر الأخيرة عبر «قوارب الموت»، التي تجوب البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى السواحل الأوروبية.

وأصبحت وزارتا الداخلية والدفاع في تونس تعلنان بوتيرة مستمرة إحباط عدد كبير من محاولات اجتياز الحدود البحرية، واعتقال عدد من المنظّمين والممولين لعمليات الهجرة، وحجز قوارب العبور، ونشر تقارير انتشال عشرات من جثث الغرقى.


ليبيا لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة

من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
TT

ليبيا لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة

من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)
من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)

تسعى ليبيا لكسر العزلة الدبلوماسية المرتبطة بسنوات الاضطراب والانقسام، وتطمح لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة ومشروعات مشتركة، بالتزامن مع عودة المؤسسات القارية إلى طرابلس، والاستعداد لاستضافة «قمة إقليمية».

وتسارعت خُطى الدبلوماسية الليبية في هذا الاتجاه، الشهر الماضي، مع إعادة افتتاح مكتب الاتحاد الأفريقي في طرابلس بعد إغلاق دامَ 11 عاماً، في خطوة عدَّتها حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» خطوة تستهدف تنشيط التعاون المؤسسي، وتوسيع مشاركة ليبيا في البرامج القارية.

كما افتُتح في العاصمة الليبية مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد»، في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ لتعزيز التعاون في المجالات التنموية، وتوسيع فرص تنفيذ المبادرات والمشروعات المشتركة، بما يدعم التنمية المستدامة والتكامل الأفريقي.

وتأتي الخطوتان في سياق سعي ليبيا لتعزيز موقعها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وطموحها بالفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2028-2029 ضمن الحصة الأفريقية، وبما يراعي مبدأ التناوب الإقليمي بين دول شمال أفريقيا.

اجتماع تنسيقي بين مسؤولين ليبيين وأتراك ومفوضية الاتحاد الأفريقي بشأن القمة المرتقبة في ديسمبر المقبل (وزارة الخارجية الليبية)

ويعيد هذا التحرك إلى الواجهة تاريخ العلاقة الليبية بالعمل الأفريقي المشترك؛ فقد أسهم الرئيس السابق معمر القذافي في الدفع نحو تأسيس «الاتحاد» باستضافة «قمة سرت» في عام 1999، التي أطلقت مسار إنشائه، قبل اعتماد قانونه التأسيسي في عام 2000 وإطلاقه رسمياً في عام 2002.

ويرى الدبلوماسي الليبي، السفير عادل عيسى، أن عودة المؤسسات الأفريقية إلى طرابلس تمثل «مؤشرات إيجابية على عودة الاهتمام الأفريقي بليبيا»، وتتيح فرصة لإعادة تنشيط العلاقات بين الجانبين سياسياً وتنموياً، بعد سنوات تراجعت خلالها قدرة البلاد على التأثير في محيطها القاري.

ويقول عيسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقة مع الاتحاد ينبغي أن تقوم على «شراكة متبادلة المصالح»، لا على استعادة النفوذ الليبي وحده.

ويوضح أن ليبيا تحتاج إلى عمقها الأفريقي، في حين تحتاج القارة إلى دولة مستقرة تسهم في معالجة التحديات المشتركة في الأمن والتنمية، والتعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي.

ومع ذلك، يبدو من الضروري التمييز بين استعادة الحضور المؤسسي واستعادة الدور السياسي، وفقاً لعيسى، الذي لفت إلى أن «عودة المكاتب الأفريقية إلى طرابلس خطوة مهمة، لكنها لا تضمن وحدها تأثيراً في مواقف الاتحاد وقراراته، ما لم تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة وإرادة سياسية».

وأضاف عيسى أن استعادة الدور الخارجي الليبي ترتبط بقدرة الدبلوماسية على بناء شراكات مستدامة، وتطوير علاقات متوازنة مع الدول الأفريقية، والمشاركة في صياغة المبادرات والقرارات المتعلقة بمستقبل القارة، بدلاً من الاكتفاء بعودة المؤسسات إلى العاصمة.

وعدَّ عيسى أن انتقال ليبيا من موقع تتقاطع فيه المبادرات والمصالح الدولية إلى دولة فاعلة في صياغة الأجندة الأفريقية «هدف ممكن»، لكنه يتطلب توحيد الرؤية الوطنية تجاه أفريقيا، وتعزيز المؤسسات الدبلوماسية، وتفعيل السفارات، والاستثمار في العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف.

وتتزامن هذه التحركات مع استعداد ليبيا لاستضافة القمة الرابعة للشراكة الأفريقية التركية، يومَي الثامن والتاسع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل. واستضافت طرابلس اجتماعات تنسيقية بين ليبيا ومفوضية الاتحاد الأفريقي وتركيا، الشهر الماضي، تمهيداً للقمة المرتقبة.

وزير الخارجية المكلف بحكومة الوحدة الليبية الطاهر الباعور خلال حفل افتتاح مكتب منظمة الاتحاد الأفريقي في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)

ومِن بين مجالات التعاون المقترحة على طاولة «القمة الإقليمية» الطاقة والاستثمار، وإعادة الإعمار والتجارة والتحول الرقمي. وتتيح الاستضافة لطرابلس مساحة دبلوماسية أوسع للتواصل مع الشركاء الأفارقة والأتراك.

وهنا يُوضح عيسى أن «ليبيا تمتلك مقوّمات جغرافية وسياسية واقتصادية تؤهلها لأداء دور في القارة، باعتبارها حلقة وصل بين شمال أفريقيا وعمقها الأفريقي، فضلاً عن ارتباط موقعها بقضايا الأمن الإقليمي والهجرة والتنمية، والتكامل الاقتصادي واستقرار منطقة الساحل والصحراء».

ويرى عيسى أن استثمار التطورات الحالية يمكن أن يساعد في إعادة بناء الثقة مع الدول الأفريقية، وتعزيز الحضور الليبي داخل مؤسسات الاتحاد، وفتح المجال أمام مشاركة أكثر فاعلية في قضايا القارة، شريطة توحيد الرؤية الدبلوماسية وتقديم مبادرات عملية.

في المقابل، يثير تجدد الحضور الأفريقي في طرابلس تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأفريقي على تنشيط دوره في تسوية الأزمة الليبية، بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى احتوائها.

ومنذ عام 2011، اضطلع الاتحاد بأدوار في الوساطة السياسية ودعم المصالحة الوطنية، عبر لجنة رفيعة المستوى ومجلس السلم والأمن، مع التركيز على العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، واتسع هذا الدور، خلال السنوات الأخيرة، بالتعاون مع المجلس الرئاسي.

وكان من أبرز محطات هذا المسار جهود اللجنة الأفريقية رفيعة المستوى المعنية بليبيا، برئاسة الرئيس الكونغولي دينيس ساسو نغيسو، التي رعت مسار «المصالحة الوطنية»، وصولاً إلى توقيع «ميثاق السلام والمصالحة الوطنية» في أديس أبابا، خلال فبراير (شباط) 2025.

لكن أولوية «المصالحة الوطنية» في معالجة الأزمة الليبية تظل محل تساؤل. وهنا يقول المحلل السياسي حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البلاد لا تشهد تناحراً قبلياً أو دينياً يستدعي جهوداً استثنائية في هذا المجال». ويلفت إلى «ضعف التوافق داخل المجلس الرئاسي ومحدودية صلاحياته، فضلاً عن الحضور المؤثر لمبادرة أممية وأخرى أميركية في إدارة الأزمة».

وهنا تشير تقديرات بحثية إلى أن «فاعلية الاتحاد الأفريقي لا ترتبط بقدر ما يطرحه من مبادرات جديدة، بل بقدر ما تتوقف على قدرته على تنسيق المسارات القائمة وضمان تنفيذها»، وفق تقرير حديث صادر عن «معهد الدراسات الأمنية» (ISS).


مصر تطالب إيران مجدداً بـ«المرونة» لتجنب «المواجهة العسكرية»

مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تطالب إيران مجدداً بـ«المرونة» لتجنب «المواجهة العسكرية»

مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

طالبت مصر إيران، مجدداً، بـ«المرونة» لحل الأزمة في المنطقة، وتجنب تجدد «المواجهة العسكرية». جاء ذلك خلال اتصال هاتفي جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإيراني عباس عراقجي تناول آخر المستجدات على الساحة الإقليمية، والجهود المبذولة لاحتواء التوترات الراهنة.

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، الجمعة، فإن الاتصال شهد تبادلاً للرؤى بشأن التطورات الأخيرة في المنطقة، وما تثيره من قلق إزاء احتمالات تجدد المواجهات العسكرية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

وأكد عبد العاطي «أهمية تغليب الحلول الدبلوماسية وإبداء جميع الأطراف القدر اللازم من الانفتاح، بما يتيح الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة من خلال إبداء المرونة اللازمة، والتوصل لحلول وسط تحقق مصالح جميع الأطراف، وتحول دون انزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من التصعيد، وما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية واقتصادية وإنسانية جسيمة على المنطقة والعالم بأسره».

وتجدِّد مصر بشكل متكرر تضامنها الكامل مع دول الخليج الشقيقة ووقوفها إلى جانبها في مواجهة كل ما يمس أمنها وسلامة أراضيها، كما تؤكد على «رفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادة دول الخليج واستقرارها».

وأدانت مصر، الجمعة، بأشد العبارات محاولة استهداف المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية الشقيقة بصاروخ باليستي. وأعربت عن استنكارها البالغ لمثل تلك الاعتداءات التي تمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد وأحكام القانون الدولي، وتقوض أمن واستقرار المنطقة، ومن جهود التهدئة ومساعي إرساء السلام.

وأكدت مصر في بيان لوزارة الخارجية على «تضامنها الكامل مع المملكة ووقوفها بجانبها في كل ما تتخذه من إجراءات للدفاع عن أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها ومواطنيها، باعتبار أمن المملكة مترابطاً بشكل وثيق بالأمن القومي المصري، ومن قوائم الاستقرار في المنطقة كلها».

وكان اتصال هاتفي قد جرى بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري، مساء الخميس، في إطار مواصلة التنسيق القائم بين البلدين الشقيقين بشأن التطورات المتلاحقة بالمنطقة.

وبحسب متحدث «الخارجية المصرية» تناول الوزيران خلال الاتصال الجهود المشتركة المبذولة لاستعادة التهدئة، ومنع التصعيد بالمنطقة بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ومن بينهم الولايات المتحدة الأميركية ودولة قطر الشقيقة.

وأكدا «ضرورة إعلاء الحكمة ولغة الحوار، وإتاحة مزيد من الوقت للدبلوماسية والمسارات السياسية، وتشجيع مختلف الأطراف المعنية على التفاوض وإبداء المرونة اللازمة لتجنيب المنطقة تداعيات ومخاطر تجدد المواجهات العسكرية، والتي لا تزال المنطقة تعاني من انعكاساتها السلبية».

واتفق الوزيران على «استمرار التنسيق والتشاور وتكثيف التحركات والاتصالات خلال الفترة الراهنة مع مختلف الأطراف المعنية، لمحاولة التوصل إلى توافق حول تغليب مسار المفاوضات، والتعهد بعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية للحيلولة دون تدهور الأوضاع الأمنية، أو زيادة التوترات في المنطقة».