يشهد المشهد السياسي في ليبيا تصاعداً في حدة التوتر، عقب انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً لمجلس النواب، خلفاً لعقيلة صالح؛ وجاء ذلك في وقت أعربت فيه واشنطن والبعثة الأممية لدى البلاد عن تطلعهما للعمل مع القيادة الجديدة للبرلمان لدفع مسار التسوية السياسية قدماً.

ورغم أن صالح الذي ينتمي إلى معسكر شرق ليبيا لم يظهر موقفاً معلناً من عملية عزله،فإن محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، دعاه إلى اجتماع في العاصمة طرابلس، بالإضافة إلى دعوة رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، وذلك لمواجهة ما وصفه بمحاولات «الوصاية الأجنبية».
وجاءت دعوة المنفي للأفرقاء الثلاثة، بالإضافة إلى دعوة عضوي المجلس الرئاسي عبد الله اللافي وموسى الكوني، للمشاركة في الاجتماع الثاني لـ«الهيئة العليا للرئاسات»، المقرر عقده الأحد 18 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في طرابلس.
ويرفض المنفي أي تغيير على رئاسة مجلس النواب، وأرجع ذلك إلى ضرورة الالتزام بالنصوص الدستورية، وتقديم المصلحة العليا ووحدة المؤسسة، كما «حذّر من الدخول في تنازع الشرعيات أمام القضاء الدستوري».
وفي بيان المنفي، الذي لم يعلنه بشكل رسمي لكن تداولته وسائل إعلام محلية الخميس، عدّ المشاركة في الاجتماع المقرر عقده في قصر الضيافة بالعاصمة «استحقاقاً وطنياً لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، ومحاولات الوصاية الأجنبية»، داعياً إلى «تجاوز خلافات الماضي من أجل ليبيا».

وكان المنفي وتكالة والدبيبة قد أعلنوا في 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عن تأسيس «الهيئة العليا للرئاسات» بمثابة إطار تنسيقي، يمثل السلطة السيادية العليا؛ وذلك ضمن مقاربة وطنية مشتركة تهدف إلى توحيد القرار في الملفات الاستراتيجية، وتعزيز الانسجام المؤسسي بين مختلف السلطات.
والتأمت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة، وعقدت اجتماعها الأول في بنغازي، وضم رئيس المجلس عبد النبي، والنائب الأول لرئيس المجلس طارق الأشتر، والنائب الثاني لرئيس المجلس مصباح دومة، وتناول اللقاء عمل هيئة الرئاسة والمجلس خلال الفترة المقبلة.
وقال عبد المنعم الحر، أمين المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إنه «لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تمنح حصانة دائمة لشخص الرئاسة ضد التغيير أو الإقالة»، ورأى في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك» أن «فتح باب الاقتراع، واختيار قيادة جديدة يعززان المساءلة البرلمانية، ويعيدان الحيوية للمؤسسة التشريعية بعد سنوات من الجمود».
وفيما يحتدم الخلاف والمعارضة للتغيرات الجديدة للبرلمان من قبل معسكر غرب ليبيا، حسمت البعثة الأممية أمرها، وقالت إنها تجدد التأكيد على «التزامها بمواصلة انخراطها مع مجلس النواب وهيئة رئاسته الجديدة وجميع أعضائه».
وأوضحت البعثة في بيان الخميس أنها «أخذت علماً بأن الجلسة التي عقدت في 6 أكتوبر جرت بمشاركة 111 عضواً على الأقل، وتم خلالها انتخاب عبد النبي رئيساً للمجلس، بالإضافة إلى انتخاب هيئة رئاسة جديدة»، مبرزة أنها «ستواصل العمل مع المؤسسة التشريعية للدفع قدماً بخريطة الطريق السياسية، التي تيسرها الأمم المتحدة، بهدف توحيد المؤسسات، وتنفيذ الإصلاحات الملحة، وإجراء الانتخابات خلال الإطار الزمني المنصوص عليه في اتفاق لجنة (4 + 4)».
وأكدت البعثة «التزامها بالعمل مع الأطراف الليبية المعنية كافة، والشركاء الدوليين لبلوغ هذا المسعى». وستقدم المبعوثة هانا تيتيه، إحاطتها المقبلة إلى مجلس الأمن الدولي في 14 من الشهر الحالي.

كما دخلت واشنطن على خط الأزمة البرلمانية، حيث هنأ مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، رئيس البرلمان الجديد بمناسبة انتخابه، وقال: «نتطلع إلى العمل مع مجلس النواب وقيادته الجديدة، والأطراف والمؤسسات الليبية المعنية كافة لدفع عجلة العملية السياسية، التي تهدف إلى توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية في ليبيا، وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات وطنية ناجحة».
وعبر بولس عبر حسابه على منصة «إكس» مساء الأربعاء، عن اعتقاده بأن «القادة والشعب في ليبيا يملكون فرصة لتجاوز الانقسامات، وتحقيق الوحدة الوطنية وإرساء سلام دائم»، وقال إن الولايات المتحدة «ستواصل من خلال العمل الوثيق مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وشركائنا الدوليين، تصدّر الجهود الدبلوماسية الرامية لدعم عملية توحيد البلاد بقيادة ليبية».
ورد الكوني على دعوة المنفي لحضور اجتماع طرابلس، مؤكداً أنه لن يشارك فيه، وشدّد على أن «حماية وحدة مجلس النواب تتطلب احترام رئاسته المنتخبة في أحدث جلساته، وحصر المخاطبات والمبادرات الرسمية كافة مع رئيس المجلس»، محذراً من أن أي ترتيبات قد تخلق تمثيلاً موازياً أو تُعمّق الانقسام.
وفي مقابل الاعتراف الدولي والأممي بالرئاسة الجديدة للبرلمان، الذي سبقه اعتراف معسكر شرق ليبيا المتمثل في القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، دعا 12 نائباً، أطلقوا على أنفسهم «كتلة البرلمانيين الأحرار»، إلى انعقاد مجلس النواب بالعاصمة طرابلس، في جلسات قالوا إنها ستكون «علنية وشفافة»، لإعادة انتخاب رئيس البرلمان، وهيئة رئاسته بـ«إرادة حرة بعيداً عن أي تدخلات عسكرية أو أمنية».

ورأت الكتلة في بيان الخميس أن البلاد «تمر بمرحلة حاسمة، لا تحتمل التمديد أو فرض الأمر الواقع»، مشددةً على «ضرورة استعادة القرار السياسي، وإعادته لإرادة الشعب بصفته المصدر الوحيد للشرعية». وقالت إن «البرلمان يمثل الشعب ولا يخضع لسلطة السلاح»، معربة عن رفضها «استمرار سياسة فرض الأمر الواقع، والتأكيد على أن المؤسسة العسكرية والأمنية مهمتها حماية الوطن ومؤسساته، لا التحكم في قراره السياسي أو تحديد مستقبل سلطاته». ومن بين من وقعوا على البيان النواب علي أبوزريبة، وناصر الغرياني، وابتسام الرباعي، وعدنان الشعاب.









