الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

تدقيق في «إجراءات 11 يناير» لتحديد المستبعَدين من «مبادرة التهدئة»

مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)
مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)
TT

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)
مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

وجهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية؛ وذلك بهدف إبطال المتابعات القضائية والأحكام الصادرة بحقهم على خلفية نشاطهم المعارض للسلطات، الذي كان كُيّف قانوناً على أنه «مساس بالوحدة الوطنية»، و«إضرار بأمن البلاد واستقرارها».

وينتهي الخميس في الجزائر العاصمة اجتماع الوزير الأول سيفي غريب مع 43 قنصلاً عبر مختلف بلدان العالم، الذي استمر 3 أيام، خصص لإبلاغهم توجيهات الرئيس عبد المجيد تبون بشأن «إجراءات التهدئة»، التي أُعلن عنها في 11 يناير (كانون الثاني) الماضي.

جانب من مؤتمر القناصل (الوزارة الأولى)

وطلب سيفي من القناصل الشروع، «بصفة عاجلة»، في تنفيذ عملية تسوية أوضاع المهاجرين الجزائريين غير النظاميين في الخارج؛ شريطة التزامهم عدم العودة إلى المخالفات البسيطة، التي سبق أن عرضتهم للمتابعة القضائية، مع استثناء من تورّطوا في جرائم خطيرة، أو ثبت «تعاونهم مع جهات معادية للدولة».

وتشمل هذه الإجراءات أيضاً بعض الناشطين المعارضين المقيمين في الخارج، والذين يتحركون عبر منصات التواصل الاجتماعي بنشر محتويات تنتقد السلطات، وتقيم غالبيتهم في فرنسا. وشمل القرار شباباً جزائريين في وضعيات غير نظامية، وهو يهدف إلى حمايتهم ومعالجة أوضاعهم دون ملاحقات شديدة للأخطاء البسيطة، التي ارتكبوها قبل مغادرتهم البلاد.

ويُعقد مؤتمر القناصل هذا لثاني مرة بعد دورة أولى نُظّمت قبل 20 سنة. وشارك في هذا اللقاء رؤساء مراكز قنصلية، من قناصل عامّين وقناصل، موزعين عبر مختلف دول العالم، إضافة إلى رؤساء المصالح القنصلية في البعثات الدبلوماسية الجزائرية في الخارج.

* «النداء الأخير»

أكد الوزير الأول، في خطاب ألقاه في اليوم الأول من الاجتماع، أن «النداء الأخير الموجّه إلى الشباب الجزائريين الموجودين بالخارج في أوضاع هشة أو غير نظامية، يعكس الالتزام الدائم من الرئيس عبد المجيد تبون بحماية أبناء الجزائر أينما وُجدوا»، مشيراً إلى أن «الجزائر كرّست في دستورها المكانة الخاصة التي توليها لجاليتها الوطنية في الخارج».

الوزير المكلف الجالية في الخارج خلال مؤتمر القناصل (الوزارة الأولى)

كما شدد سيفي غريب على «الأهمية البالغة» لمهمة القناصل في حماية الجزائريين بالخارج، وتشجيع «إسهاماتهم الفعلية في مسار التجديد الوطني»، وهو شعار رفعه الرئيس تبون منذ توليه السلطة نهاية 2019.

وأوضح سيفي أن النداء، الذي أطلقه تبون لفائدة الشباب ذوي الوضعيات الهشة بالخارج، «يضع رؤساء المراكز القنصلية أمام مسؤولية بذل أقصى الجهود لمتابعة تنفيذ هذا التوجه»، مؤكداً «تعهد الدولة بضمان التكفل الأمثل بالجالية الوطنية المقيمة في الخارج وحمايتها، مع الحرص على استمرار الإنصات لانشغالاتها وتطلعاتها».

كما دعا الوزير الأول إلى «تعبئة الجهاز القنصلي وجعله رافعة للتنمية، لا سيما من خلال إبراز مناخ الأعمال والاستثمار في الجزائر، في ظل الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها السلطات العمومية، انسجاماً مع مسار الإصلاح الشامل الذي يقوده رئيس الجمهورية».

تدقيق قوائم المستفيدين من «التهدئة»

شهد اجتماع الدبلوماسيين مع الحكومة نقاشات معمقة لاستيضاح الفئات المعنية بإجراءات «التسوية» الجديدة، وفق مصادر تابعت الأشغال، وقد خلصت المشاورات والخطاب الرسمي المرافق لها إلى أن المستفيدين المفترضين هم في الغالب مَن صدرت بحقهم ملاحقات قضائية غيابية.

ومع ذلك، رُسمت حدود واضحة لهذه الإجراءات، باستثناء فئات محددة ترتبط نشاطاتها بتنظيمات صنفتها الدولة «كيانات إرهابية»، وفي مقدمتها «حركة تقرير مصير منطقة القبائل». وتأتي هذه الحركة على رأس قائمة الإقصاء، خصوصاً بعد تصعيدها الأخير بإعلان «دولة مستقلة» من باريس نهاية العام الماضي؛ مما عمّق فجوة التوتر مع فرنسا، التي ترفض تسليم الجزائر قياديي الحركة المقيمين على أراضيها، وعلى رأسهم فرحات مهني المحكوم عليه غيابياً بالسجن 20 عاماً.

الوزير الأول خلال إلقاء كلمته في مؤتمر القناصل (الوزارة الأولى)

وفي سياق استيضاح خريطة الاستثناءات، يجري حديث عن حركة «رشاد» الإسلامية التي ينشط قياديوها في بريطانيا وسويسرا، حيث تظل تهم مثل «الإرهاب، والمساس باستقرار الدولة»، حائلة دون شمولهم بأي تدابير تهدئة. كما يمتد هذا الإقصاء ليطول كثيراً من الصحافيين والناشطين الحقوقيين، الذين اختاروا اللجوء السياسي في أوروبا وأميركا الشمالية هرباً من الضغوط القضائية والأمنية؛ إذ لا تزال ملفاتهم تصنَّف ضمن خانة القضايا الأمنية الحساسة التي لا تشملها التسهيلات القنصلية الحالية.

* تسوية مقيدة

وبشأن الآليات التنفيذية التي طُرحت في الاجتماع، تبين أن «إجراءات التهدئة» مشروطة بضمانات أمنية صارمة؛ حيث يطالَب المعارض الراغب في تسوية وضعيته بتقديم تعهد كتابي يقضي بالكف التام عن النشاط السياسي أو الإعلامي، الذي كان سبباً في ملاحقته. وقد جرى ذلك فعلاً مع ناشطين عادوا إلى البلاد مؤخراً في إطار التدابير الجديدة.

ووفق تنظيمات حقوقية، فإن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر قانونية للعائدين، تتمثل في إمكانية تقييد حركتهم مستقبلاً، عبر قرارات إدارية تمنعهم من السفر أو العودة إلى بلدان اللجوء؛ مما يحوّل إجراءات التسوية إلى مسار ينتهي بالاعتزال السياسي التام داخل البلاد.

ويطلق قطاع من المراقبين على هذه الخطوة «مبادرة لمّ الشمل»، التي سبق للسلطات الجزائرية أن طرحتها منذ سنوات قليلة لكن تخلت عنها، والتي تهدف إلى فتح الباب أمام مَن «لم تتلطخ أيديهم بالدماء أو يتورطوا في أعمال إرهابية، للعودة إلى الصف الوطني»، وهو ما قد يُفهم منه وجود تعليمات دبلوماسية لتسهيل وضعية البعض منهم.

الوزير الأول ووزير الخارجية مع أعضاء من الحكومة خلال الاجتماع مع الدبلوماسيين (الوزارة الأولى)

وفي تقدير خبراء بالقانون، فإن الأحكام القضائية النهائية لا يمكن إلغاؤها بإجراءات دبلوماسية، بل تتطلب، وفقهم، مسارات قانونية محددة، مثل إعادة المحاكمة في حال تسليم الشخص نفسه، أو صدور «عفو رئاسي شامل»، أو قانون خاص يمر عبر البرلمان، مثلما حدث في «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية» عام 2005.

ومن ناحية التكييف القانوني، يشير الخبراء أنفسهم إلى أن التهم المتعلقة بـ«المس بالوحدة الوطنية»، و«أمن الدولة»، تندرج ضمن مواد قانون العقوبات (مثل المادة «87 مكرر»)، وهذه القضايا عادة ما تكون معقدة وتتطلب إجراءات قضائية رسمية، وليس مجرد «تطبيع» إداري عبر السفارات.


مقالات ذات صلة

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى الجزائر في بداية جولة أفريقية (رويترز)

البابا ليو يبدأ زيارة تاريخية للجزائر في مستهل جولة أفريقية

تستعد الجزائر لاستقبال ليو الرابع عشر اليوم (الاثنين) في زيارة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)

البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

في إجراء تشريعي حاسم، صادق «مجلس الأمة» الجزائري، الأحد، بصفة نهائية، على «مشروع قانون تجريم الاستعمار»، وذلك عقب جولات ماراثونية من النقاشات المستفيضة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)

الجزائر: استنفار حزبي مبكر لخوض الاستحقاقات التشريعية

شهدت الساحة السياسية في الجزائر، نهاية الأسبوع الحالي، حراكاً حزبياً لافتاً يعكس حالة الاستنفار المبكر استعداداً للاستحقاقات التشريعية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
TT

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)

بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، أمس، جولة أفريقية تهدف إلى تعزيز حوار الأديان وقيم التسامح والتعايش السلمي، استهلها من الجزائر برسائل تدعو للسلام ونبذ العنف. وكان الرئيس عبد المجيد تبون في استقبال البابا في مطار العاصمة بمستهل جولته التي تشمل أيضاً الكاميرون، وأنغولا، وغينيا الاستوائية.

وفي «مقام الشهيد» بأعالي العاصمة، ترحم البابا على أرواح شهداء ثورة التحرير، وقال: «في النهاية، سينتصر العدل على الظلم، ولن تكون للعنف، رغم ما يبدو، الكلمة الأخيرة». ثم توجه إلى مقر الرئاسة، حيث أجرى محادثات مع الرئيس تبون الذي قال: «في وقتٍ تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار مناطق عديدة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، نجد في قداستكم صوتاً شجاعاً ومرافعاً وفياً عن السلام}.


أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، بينما تبدأ هذه الامتحانات في المناطق الخاضعة لهيمنة «قوات الدعم السريع» في يونيو (حزيران).

ويبلغ عدد الطلاب المشاركين في امتحانات الاثنين 564 ألف طالب وطالبة، موزعين على 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه؛ منهم 156 ألفاً في ولاية الخرطوم.

ومع تعثر جلوس نحو 280 ألف طالب وطالبة لامتحانات الشهادة الثانوية في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، تعهدت وزارة التربية والتعليم بتنظيم امتحانات بديلة في 13 مايو (أيار) المقبل للطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء الامتحانات الحالية.

وزير التربية والتعليم السوداني يقرع جرس بدء امتحانات الشهادة الثانوية (الشرق الأوسط)

وشهد حاكم الخرطوم أحمد عثمان حمزة، يرافقه وزير التعليم و التربية الوطنية التهامي الزين حجر، انطلاق الجلسة الأولى للامتحانات بمدرسة بحري الحكومية القديمة الثانوية بنات.

وقال حمزة إن التنسيق المحكم بين السلطات المحلية في الولاية والأجهزة الأمنية أتاح إجراء الامتحانات في وقتها، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من طلاب دارفور الذين نزحوا إلى العاصمة الخرطوم تمكنوا من الجلوس للامتحانات.

وقال التهامي إن من بين الطلاب الممتحنين 60 ألفاً خارج السودان في 14 دولة، تم توزيعهم على 74 مركزاً. وعّد أن زيادة عدد الطلاب الممتحنين هذا العام بنحو 300 ألف مؤشر على استقرار العملية التعليمية وعودة الحياة إلى طبيعتها بعد الحرب.

مديرة مدرسة بحري الحكومية للبنات قبل بدء الجلسة الأولى للامتحانات (الشرق الأوسط)

من جانبه أكد الناطق باسم الشرطة السودانية فتح الرحمن التوم لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم وضع خطة محكمة لتأمين امتحانات الشهادة الثانوية في جميع مراحلها، مشيراً إلى أن الشرطة عقدت اجتماعات متواصلة خلال الفترة الماضية مع الجهات ذات الصلة لعقد الامتحانات في أوضاع مستقرة وآمنة.

وفي وقت سابق، قالت وزارة التربية والتعليم، في بيان صحافي، إن طلاب ولايات دارفور يحظون بالاهتمام، حيث تم تسجيلهم وتمكينهم من الجلوس للامتحانات، مع تكوين لجنة إشرافية اتحادية لمتابعة أوضاعهم وتقديم الخدمات لهم، خصوصاً في الولايات المستضيفة مثل الشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض.


المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وسّع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، من وتيرة لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة وعديدة خلال الأسبوعين الماضيين، في إطار تحوّطه من «إقصاء» متوقع على خلفية «مقترح أميركي» يستهدف إسناد رئاسة مجلسه إلى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني».

ومنذ الإعلان عن المقترح الأميركي المنسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، يسارع المنفي إلى عقد اجتماعات بعسكريين وسياسيين وقادة تشكيلات مسلحة على نحو غير معهود فسّره متابعون بأنه «سعي لتكوين جبهة معارضة تدعم بقاءه في السلطة».

ويقضي المقترح بتولي صدام رئاسة «المجلس الرئاسي» الجديد بدلاً من رئيسه الحالي المنفي، مع بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وهو الأمر الذي رفضه محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وغالبية أعضاء مجلسه في اجتماع عُقد الأسبوع الماضي.

وفي إطار اتّساع الفجوة بين الدبيبة والمنفي، عقد الأخير اجتماعاً في طرابلس وُصف بـ«المهم» مع عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة مساء الأحد، تناول بحسب مكتبه «جملة من القضايا الوطنية الراهنة».

عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وقال مكتب المنفي إن الحاضرين في الاجتماع «أكدوا دعمهم الكامل للجهود التي يقودها رئيس المجلس على مختلف الأصعدة، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الفساد وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة»، كما شددوا على «ضرورة المضي قدماً في إصلاح المؤسسات وترسيخ قيم المساءلة».

وتعد مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، المدينة الليبية الثالثة الأكبر بعد طرابلس وبنغازي، وتضم تباينات واسعة في الآيديولوجيا والتوجهات السياسية، سواء المؤيدة له أو المطالبة بإقالة حكومته.

ونقل مكتب المنفي عن وفد أعيان ومشايخ مصراتة «رفضهم القاطع لأي ترتيبات أو تفاهمات تُبرم خارج الأطر القانونية والدستورية»؛ في إشارة إلى مقترح بولس الذي يُنظر إليه على أنه «سيُقصي» المنفي من المشهد السياسي الراهن.

وبينما ذهب الوفد إلى أن «مثل هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً لمسار الاستقرار، وتقويضاً لمرتكزات بناء الدولة»، دعا إلى «الالتزام الصارم بالمسارات الشرعية التي تضمن وحدة البلاد وصون مؤسساتها».

ويأتي رفض «أعيان ومشايخ مصراتة» للمقترح الأميركي مستنداً إلى التخوف مما يصفونه بـ«عسكرة الدولة، ورفض الحكم الشمولي»، بجانب معارضة «أي مسار أو تسوية سياسية تُفرض من الخارج؛ مع التمسك بالمسار الدستوري والانتخابي».

ويُرجع مصدر سياسي بغرب ليبيا موقف الأعيان والمشايخ إلى رفضهم تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي؛ إذ «يرون في ذلك تفريطاً في الدولة المدنية وتمكيناً للعسكر؛ لا سيما في ذكرى هجوم (الجيش الوطني) على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) 2019».

وقال المصدر السياسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة «يخوض عملية إقناع لحلفائه لدفعهم إلى قبول صدام لتولي المنصب المقترح؛ على أن يكون مقر المجلس الرئاسي الجديد في مدينة بنغازي وليس طرابلس تفادياً للحساسيات وتجنباً للرافضين».

وكان مجلس أعيان ومشايخ مصراتة قد أصدر بياناً مطلع الأسبوع الجاري أكد فيه أن «أي تسوية لا تنبع من روح (ثورة 17 فبراير) ومطالب الشعب الليبي هي تسوية فاقدة للشرعية»، مشدداً على ضرورة الاحتكام إلى الشعب عبر الاستفتاء على الدستور، وتجديد الشرعية من خلال انتخابات برلمانية نزيهة، والتمسك بـ«خيار الدولة المدنية القائمة على أسس العدالة الانتقالية».

وانتهى مجلس الأعيان والمشايخ إلى أن مصراتة «تؤكد أنها لن تكون طرفاً في أي اتفاق ينتقص من تضحيات أهلها أو يفرط في مبادئ (ثورة 17 فبراير)».

وجاءت حكومة «الوحدة الوطنية» والمجلس الرئاسي بقيادة المنفي ونائبيه موسى الكوني وعبد الله اللافي إلى سدة السلطة التنفيذية في الخامس من فبراير 2021، بعد انتخابهم من قبل «ملتقى الحوار الليبي» الذي عقد في جنيف برعاية أممية.

والتقى المنفي سياسيين وقادة اجتماعيين وعسكريين وآمري تشكيلات مسلحة، لا سيما من المحسوبين باعتبارهم خصوماً للدبيبة، سعياً لما يراه متابعون «تكوين جبهة معارضة للمقترح الذي سيزيحه من السلطة لحساب صدام حفتر».

ويرسخ المنفي من وجوده في السلطة حالياً بلقاءات مع مسؤولين سودانيين، كما تسلّم دعوة رسمية من رئيس وزراء الهند لحضور القمة الهندية - الأفريقية.

وأوضح مكتب المنفي أنه تسلم، صباح الاثنين، دعوة رسمية من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، للمشاركة في أعمال القمة الرابعة لمنتدى الهند - أفريقيا المزمع انعقاده في العاصمة نيودلهي نهاية شهر مايو (أيار) المقبل، سلمها له السفير الهندي لدى ليبيا محمد حفظ الرحمن.

وعَدّ مكتب المنفي هذه الدعوة «تعزيزاً للحضور الليبي في المحافل الدولية، وترسيخاً لأواصر التعاون مع الشركاء الدوليين، لا سيما في الفضاءين الأفريقي والآسيوي، بما يسهم في دعم جهود التنمية وتوسيع آفاق الشراكات الاستراتيجية».

وكان المنفي قد استقبل بمقر رئاسة المجلس في العاصمة طرابلس، مساء الأحد، وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد، والوفد الرسمي المرافق له، بحضور السفير الليبي لدى السودان فوزي بومريز.

المنفي مجتمعاً بوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد مساء الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وبحث اللقاء أوضاع الجالية السودانية في ليبيا، وملف النازحين السودانيين في ظل تداعيات الأزمة الراهنة في السودان، وأعرب الوزير عن «تقديره العميق» لمواقف الدولة الليبية وما تقدمه من دعم إنساني ورعاية للسودانيين.