الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

تحركات سياسية قبل شهور من الانتخابات التشريعية والمحلية

من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
TT

الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)

شهدت الساحة السياسية الجزائرية مطلع الأسبوع نشاطاً مكثفاً لقادة الأحزاب الكبرى؛ حيث توافقت مواقف أحزاب السلطة والمعارضة حول ملفات الساعة، وأبرزت التصريحات الميدانية إجماعاً على أن مواجهة التهديدات الخارجية تتطلب «يقظة وطنية» وجبهة داخلية متماسكة تتجاوز الخلافات السياسية.

ودعت قيادة «مجتمع السلم» الإسلامي المعارض، خلال اجتماع لـ«مجلس شورى» الحزب بالعاصمة، إلى «إصلاح سياسي جاد يضمن الحريات العامة والفردية، واستقلالية المؤسسات ونزاهة وشفافية المسار الانتخابي»، كما أكدت على «تمسك الحركة بخطّها الوطني الإصلاحي القائم على النضال السلمي».

وتحمل تلك العبارات إشارة ضمنية إلى هجمات حادة تعرض لها الحزب في الآونة الأخيرة في سلسلة مقالات لوكالة الأنباء الرسمية بسبب مواقفه من أداء السلطة التنفيذية، خصوصاً ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وقضايا الحريات في الداخل. وعدت هذه المقالات عاكسة لاستياء السلطة من الحزب الإسلامي المعروف باعتداله.

كما أكّد الحزب على «ضرورة تبني مقاربات اقتصادية واجتماعية ناجعة، تستجيب لانشغالات المواطن، وتحمي قدرته الشرائية». وطالب كذلك بـ«تعزيز التدابير والإجراءات الكفيلة بحماية الأمن القومي الوطني، وقيادة مبادرات جادة لتمتين الجبهة الداخلية، من خلال التخلي عن خطاب الكراهية، ومحاربة صناعة الاستقطاب، مع ترسيخ خطاب جامع يعزز التماسك المجتمعي والاستقرار الوطني».

ويعني هذا الطرح، حسب قياديين في الحزب، «تحصين الصفّ في ظل ظرف وطني وإقليمي حساس، من خلال تعزيز حماية الأمن القومي بمفهومه الشامل، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وليس الأمني فقط».

كما أكد القياديون على «نبذ خطاب الكراهية ومحاربة الاستقطاب الحاد الذي يهدد وحدة المجتمع»، مقابل ترسيخ خطاب وطني جامع يقوم على التماسك والحوار واحترام الاختلاف، بما يضمن الاستقرار الوطني ويمنع استغلال التوترات الداخلية للمساس بأمن البلاد ومصالحها العليا.

وتناول «مجلس الشورى» أيضاً انتخابات البرلمان والبلدية المقررة هذا العام، مؤكداً أنها «محطة لتجديد النخب والمؤسسات السياسية، وفرصة ثمينة للإصلاح والتغيير... وبناء جزائر صاعدة».

رئيس «التجمع من أجل الديمقراطية» (إعلام حزبي)

وفي الذكرى الـ37 لتأسيسه، قال حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إنه تشكل في «مواجهة الصعاب»، معلناً رفض «القمع والتهميش، ومقاومة كل محاولات إسكات من يرفضون الخضوع والنسيان».

وأضاف البيان أن «الوضع الراهن، في ظل تراجع الحريات الديمقراطية، وتقييد الفعل السياسي، وتآكل معنى المواطنة، يستدعي التوحد والمضي قدماً في الدفاع عن الديمقراطية والقيم المدنية».

من جهته، حذّر الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني»، عبد الكريم بن مبارك، في فعالية بالعاصمة، من تداعيات الأوضاع في منطقة الساحل، عادّاً أن «التهديدات الجديدة لم تعد حبيسة الحدود، بل أصبحت تمس الأمن الإقليمي برمته»، في إشارة إلى الاضطرابات السياسية في مالي وصراع سلطته العسكرية مع الجماعات المتشددة.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

ويرى الحزب، المؤيد بقوة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، أن منطقة الساحل تمر بتحولات عميقة تفرض على الجزائر يقظة دائمة ورؤية استراتيجية، منطلقاً من قناعة بأن الأمن القومي لم يعد مفهوماً عسكرياً تقليدياً، بل هو منظومة متكاملة تشمل الأبعاد السياسية والتنموية.

وفي هذا الصدد، أبرز بن مبارك «أدوار الجزائر المحورية الثلاثة المتمثلة في الوساطة، وقيادة التعاون الإقليمي، وتمويل مشروعات التنمية في المنطقة». وشدد على «ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية». وتتمثل، حسبما قال، في «رفض عسكرة الأزمات وبناء القواعد الأجنبية، والتمسك بمبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها».

وفي تجمع بولاية تيارت، الواقعة على بعد 300 كيلومتر غرب العاصمة، أكّد الأمين العام لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (غالبية رئاسية)، منذر بودن، أن الجزائر «تواجه حملات استهداف ممنهجة تطول مشاريعها الكبرى، وفي مقدمتها مشروع غارا جبيلات الاستراتيجي».

وهذا المشروع هو خطة لاستخراج المعادن من منجم كبير، جنوب غربي البلاد، تم البدء باستغلاله مطلع العام الجديد. ويثير المشروع جدلاً حاداً في أوساط الخبراء حول تكلفة استخراج المعادن ومردوده الاقتصادي.

ووفق بودن، «يثير نجاح الجزائر في تنويع اقتصادها مخاوف قوى إقليمية ودولية»، من دون توضيح من يقصد.

وشدّد على أن «حماية هذه المكتسبات ليست مسؤولية رئيس الجمهورية وحده، بل هي معركة جماعية تقتضي اليقظة والاعتماد على الكفاءات في تسيير الشأن العام».


مقالات ذات صلة

سياسات ترمب تمنح الصين فرصة ذهبية لرسم صورتها كقطب استقرار عالمياً

آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يلوّح بيده بعد خطابه في قاعة الشعب الكبرى ببكين... الصين 23 أكتوبر 2022 (رويترز) play-circle

سياسات ترمب تمنح الصين فرصة ذهبية لرسم صورتها كقطب استقرار عالمياً

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بدا أن الرئيس الأميركي ترمب لا يكتفي بإرباك خصومه، بل يمنح الصين، من خلال سياسته، فرصة لإعادة تموضعها على الساحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

فاجأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأوساط السياسية بإعلانه تأجيل دراسة «تعديل دستوري فني»، وذلك بعد ساعات قليلة من تأكيد الرئاسة أن الموضوع مطروح للدراسة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية نسائية مناهضة للعنف ضد المرأة في ليبيا (الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في ليبيا)

«العنف الإلكتروني»... سلاح يهدد الطموح السياسي لليبيات

أثار تقرير رسمي ليبي حديث حول العنف الرقمي ضد المرشحات في الانتخابات البلدية صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الحويج خلال لقائه قنصل اليونان في بنغازي (حكومة الاستقرار)

«الاستقرار» الليبية تستدعي قنصل اليونان بسبب «تصريحات غير مسؤولة»

تصاعد التوتر الدبلوماسي بين حكومة «الاستقرار» في شرق ليبيا واليونان، تزامناً مع استمرار الخلافات بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» حول المناصب السيادية.

خالد محمود (القاهرة )
ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)

«هاتف مقابل حوالة بالدولار»... مقترح برلماني يثير عاصفة جدل بين المصريين بالخارج

أصداء إلغاء الإعفاء الجمركي على الجوالات المستوردة من الخارج ما زالت مستمرة في مصر (أرشيفية - رويترز)
أصداء إلغاء الإعفاء الجمركي على الجوالات المستوردة من الخارج ما زالت مستمرة في مصر (أرشيفية - رويترز)
TT

«هاتف مقابل حوالة بالدولار»... مقترح برلماني يثير عاصفة جدل بين المصريين بالخارج

أصداء إلغاء الإعفاء الجمركي على الجوالات المستوردة من الخارج ما زالت مستمرة في مصر (أرشيفية - رويترز)
أصداء إلغاء الإعفاء الجمركي على الجوالات المستوردة من الخارج ما زالت مستمرة في مصر (أرشيفية - رويترز)

أثار مقترح برلماني بإعفاء المصريين بالخارج من «جمارك الهواتف الجوالة» مقابل دفع حوالة سنوية بالدولار، عاصفة من الجدل على وقع الانتقادات المستمرة لقرار الحكومة المصرية إلغاء جميع الإعفاءات الجمركية على الهواتف المستوردة من الخارج.

وأعلنت عضوة مجلس النواب المصري، آمال عبد الحميد، عن مقترح بإعفاء المصريين بالخارج من جمارك الهواتف الجوالة، مقابل الحصول على جهاز أو جهازين بعد دفع «حوالة قدرها 5 آلاف دولار سنوياً». وقالت إن هذا المقترح «يهدف لدعم الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتخفيف الأعباء عن المصريين بالخارج».

وأضافت أن المقترح «يقدم حلولاً مبتكرة لزيادة الموارد الدولارية»، واستندت في ذلك إلى أن «عدد المصريين بالخارج يقارب 14 مليون مصري. وحال تنفيذ المقترح يمكن تحصيل ما يقرب من 50 مليار دولار».

وانتقد ممثلون عن مصريين في الخارج مقترح النائبة المصرية، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنه «غير واقعي، وغير مجدٍ»، وأشاروا إلى أن «تحويلات المصريين بالخارج من العملة الصعبة من أكثر موارد دعم الاقتصاد المصري».

وكان قرار الحكومة المصرية، نهاية الشهر الماضي، إلغاء جميع الإعفاءات الجمركية على الهواتف المستوردة من الخارج، قد أثار انتقادات واسعة، باعتباره يفرض أعباءً إضافية على المواطنين.

إحدى جلسات البرلمان المصري الشهر الماضي (مجلس النواب المصري)

وشهد البرلمان المصري، خلال الأيام الماضية، تقدّم عدد من النواب بطلبات إحاطة إلى الحكومة لمناقشة قرار إلغاء جميع الإعفاءات، ومن المتوقع مناقشتها خلال الأيام المقبلة.

ومنذ مطلع عام 2025 طبّقت الحكومة المصرية قراراً يقضي بالسماح للمصريين المقيمين في الخارج، أو العائدين من رحلات سفر، باصطحاب هاتف شخصي واحد معفى من الرسوم الجمركية كل 3 سنوات، قبل أن تُعدَّل اشتراطات التسجيل عدة مرات، وصولاً إلى إعلان قرار جديد بإلغاء جميع الإعفاءات لكل المصريين اعتباراً من نهاية يناير (كانون الثاني) 2026.

ويرى أمين عام ائتلاف الجاليات المصرية في أوروبا، هشام فريد، أن المقترح البرلماني المقدم «غير واقعي، وغير مجدٍ، ولا يعكس دراية كافية بوضعية المصريين المغتربين في الخارج»، مضيفاً أنه «لا توجد جدوى لإلزام مغتربي الخارج برسوم دولارية، وخصوصاً أن تحويلاتهم بالعملة الصعبة من أكثر موارد دعم الاقتصاد».

وسجلت تحويلات المصريين في الخارج أعلى قيمة تاريخية في الفترة من يناير إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، بزيادة نسبتها 42.5 في المائة، وبقيمة بلغت 37.5 مليار دولار. وسجلت زيادة في شهر نوفمبر الماضي فقط بنسبة 39.9 في المائة، بقيمة بلغت 3.6 مليار دولار، وفق أحدث إحصاء من البنك المركزي المصري.

وقال فريد لـ«الشرق الأوسط» إن «المصريين بالخارج حين يشترون هواتف جوالة يسددون أيضاً ضرائب عليها في الدول التي يقيمون فيها، كما أن هذه الهواتف لا تؤثر على الصناعة الوطنية في الداخل»، مضيفاً أنه «من الصعب تعميم إجراء الحوالة الدولارية على جميع المصريين بالخارج، ونسبة كبيرة منهم قد لا تتوفر لديها رفاهية تسديد رسوم 5 آلاف دولار سنوياً مقابل الإعفاء الجمركي من الهواتف الجوالة».

ويطالب عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس النواب المصري، صلاح فوزي، بضرورة «العودة إلى القانون المُنشئ للضريبة على الهواتف المستوردة من الخارج، وتقديم مقترحات لمراجعة نصوص هذا القانون»، مشيراً إلى أن «إجراءات التعديل التشريعي لها ضوابط وإجراءات، من بينها تقديم دراسات قانونية واقتصادية لأثر التعديل التشريعي».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الجمارك والضرائب نظام مالي معروف، وأقره الدستور المصري»، مشيراً إلى «وجود قواعد تنص على حماية المنتج الوطني بإجراءات حماية جمركية، وهو ما تطبقه الحكومة المصرية على الهواتف المستوردة من الخارج».

ووفق بيان مشترك بين «مصلحة الجمارك» و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، الشهر الماضي، فإن تطبيق «منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج» ساهمت في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يتجاوز احتياجات السوق المحلية.


«الجيش الوطني» يتوعد بـ«رد حاسم» لأي تهديد للحدود الليبية

صدام حفتر في زيارة إلى مقر «اللواء 106 - القوات الخاصة» نهاية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر في زيارة إلى مقر «اللواء 106 - القوات الخاصة» نهاية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)
TT

«الجيش الوطني» يتوعد بـ«رد حاسم» لأي تهديد للحدود الليبية

صدام حفتر في زيارة إلى مقر «اللواء 106 - القوات الخاصة» نهاية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر في زيارة إلى مقر «اللواء 106 - القوات الخاصة» نهاية الأسبوع الماضي (القيادة العامة)

حذر مجلس النواب الليبي وحكومة أسامة حمّاد التابعة له، من «التداعيات الخطيرة» لأي دعم داخلي أو خارجي للمجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، وذلك بعدما أعلن «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، إحباط محاولة اختراق نفذتها عناصر من «المرتزقة» على مواقع عسكرية حدودية في الجنوب المحاذي لدولة النيجر.

وقال أحميد حومة، نائب رئيس حكومة حمّاد للمنطقة الجنوبية ووزير الدفاع، إن الوحدات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني»، تمكنت من التصدي لهجوم مسلح شنته مجموعات من «المرتزقة» استهدف معبر «التوم» الحدودي، في محاولة لاختراق السيادة الوطنية وزعزعة الاستقرار.

وأشاد في بيان، الأحد، بما وصفه بـ«الدور البطولي والاحترافي» لوحدات رئاسة أركان القوات البرية، التي قال إنها «نجحت في تأمين المعبر وفرض السيطرة الكاملة عليه، ما أجبر العناصر المعتدية على الفرار».

بدورها، نددت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب بالهجوم، ووصفته بأنه «محاولة فاشلة» لزعزعة الاستقرار في المنطقة. وحذرت اللجنة من أن أي دعم للمجموعات المسلحة، «والذي يمس السيادة الوطنية»، ستكون له تداعيات خطيرة على الوضع الأمني في الجنوب ودول الجوار، داعية الجميع إلى احترام مبادئ حسن الجوار والالتزام بالقانون الدولي.

من جانبه، عدّ مصباح دومة، النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، الهجوم «تهديداً مباشراً للأمن الوطني واستقرار المنطقة والأمن الإقليمي».

وأعرب في بيان مساء السبت، عن «قلق بالغ» إزاء تحركات المرتزقة عبر الحدود، محذراً من تسهيلات محتملة من دول الجوار قد تقوض جهود الاستقرار، مؤكداً أهمية التنسيق الإقليمي لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات.

وكانت رئاسة أركان «الجيش الوطني» قد أعلنت في بيان، مساء السبت، «استشهاد أحد عناصرها لدى تصدي قواتها للهجوم»، مشيرة إلى القضاء على عدد من منفذي الهجوم والقبض على آخرين، فيما وصفته بمحاولة اختراق «غادرة ويائسة». وتعهد الجيش «الرد بحسم وردع أي محاولة لزعزعة الاستقرار في المناطق التي تؤمنها قواته».

اجتماع النمروش مع قائد عملية «إيريني» الأوروبية (أركان حكومة الوحدة)

وعلى صعيد آخر، بحث صلاح النمروش، رئيس أركان القوات الموالية لحكومة «الوحدة» المؤقتة، الأحد في طرابلس، مع الأدميرال ماركو كاسابيري، قائد عملية «إيريني» التابعة للاتحاد الأوروبي، سبل تعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك.

وأشار النمروش، بحضور سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا أورلاندو، إلى أهمية تطوير هذا التعاون لدفع الشراكة الاستراتيجية والمساهمة في تعزيز الأمن بمنطقة البحر المتوسط.


المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الحرب السودانية، لم تعد السماء مسرحاً قتالياً ثانوياً يشرف على محاور القتال الأرضي، بل تحوّل القتال الجوي إلى محور قائم بذاته، تُدار فيه معارك تعتمد على المعلومات والقتال بلا طيارين.

وخلال العام الماضي وبداية العام الحالي، ظلّت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في رسم إيقاع القتال، ليس فقط عبر ضرب أهداف محددة هنا أو هناك، بل من خلال إرباك خطوط الإمداد، وكشف التحركات، وفرض «تهديد دائم» يشتّت القوات ويُغيّر التكتيكات القتالية.

ولم يعد التطور الأبرز مقصوراً على مَن يمتلك المسيّرات، بل على مَن يمتلك أيضاً ما يعطلها، مثل قدرات الدفاع الجوي وإمكانات الاعتراض، وأدوات التشويش، وهذا ما جعل من مسرح العمليات في إقليمي دارفور وكردفان بيئة مثالية لقتال المسيّرات.

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

دارفور وكردفان

للإجابة عن سؤال جوهري: «أيّ الطرفين يستطيع توظيف القتال الجوي المسيَّر لتحقيق مكاسب حاسمة على الأرض تُغير موازين القوى؟ أم أن الطرفين سيتجهان معاً إلى حرب استنزاف تقنية متبادلة؟».

وتُشير تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة إلى أن «قوات الدعم السريع» طوّرت قدراتها في القتال الجوي وتهديد خصمها جوّاً. فمن جهة، وثقت صور أقمار اصطناعية وتحليلات خبراء وجود نشاط للمسيّرات، وإنشاءات وحظائر مرتبطة بها في محيط مدينة نيالا، مع بروز مؤشرات على حصول «الدعم السريع» على طائرات مسيّرة طويلة المدى ومتطورة، ومنصات لإطلاقها قرب المدينة.

ويرى اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر، أن المسيّرات باتت سلاحاً حاسماً، لما تتميز به من دقة وتكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي، فضلاً عن عدم ترتب خسائر بشرية كبيرة على استخدامها. وأشار إلى ما سماه نمط القتال الحديث الذي يتجه نحو «حروب مسيّرات وصواريخ».

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»، إن تشغيل المسيّرات الاستراتيجية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، «يتطلب معرفة تقنية عالية» لا تتوفر لدى «قوات الدعم السريع»، ما يضطرها أحياناً إلى الاستعانة بمشغلين أجانب.

وأوضح أن الجيش ضيق بمسيّراته الخناق على «قوات الدعم السريع» في كردفان ودارفور، ما دفعها إلى استهداف المرافق المدنية أكثر من تحقيق أثر عسكري مباشر.

وأضاف عبد القادر: «لكن تحسن تسليح الجيش، وتبدل مواقف البيئة الإقليمية، يدفعان نحو ترجيح كفته، وتوقع دور أكبر للمسيّرات والمدفعية في المرحلة المقبلة».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرب استنزاف تقنية

ويرى محللون محليون أن معارك دارفور وكردفان تُمثل نموذجاً مثالياً لفهم معادلة «حروب السماء»، إذ إن السماء «قد تمنح أحد الطرفين دفعة كبيرة، لكنها قد تحوّل الحرب أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد».

وتشير مصادر صحافية إلى امتلاك «قوات الدعم السريع» قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش متطورة قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش. وتتمثل هذه القدرات في منظومات محمولة وخفيفة، تحدثت عنها تقارير محلية، من بينها صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، مثل «سام 7»، جرى التعرّف عليها ضمن عتاد تركته «الدعم السريع» في مناطق كانت تسيطر عليها.

ولا يحتاج هذا النوع من المنظومات إلى بنية رادارية معقدة، لكنه يُشكل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً على الطائرات والمسيّرات، إذ يضطرها إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، أو ضمن مسارات غير متوقعة، أو يعرضها للإسقاط.

كما تمتلك «قوات الدعم السريع» منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تعقيداً وتطوراً. ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، فإن «الدعم السريع» باتت تمتلك أنظمة قادرة على تهديد الطيران.

وذكرت هذه التحقيقات منظومات صينية، مثل «FK-2000»، ضمن تدفّق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال في السودان، من دون أن تربط أي عملية إسقاط لمسيّرة بهذا الطراز تحديداً، الذي يُعد قفزة في قدرات الدفاع الجوي لدى «قوات الدعم السريع»، إلى جانب الحديث عن منصّات التشويش ومقاومتها.

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مسيّرة «انتحارية» بعيدة المدى ومعدات إطلاقها شمال مطار نيالا بالسودان 6 مايو 2025 (رويترز)

اعتراض مسيّرات

وتتفق مصادر متعددة على أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة بورتسودان في مايو (أيار) 2025. ونقلت وكالة «رويترز» حينها أن الجيش أعلن أنه اعترض مسيّرات، وأن شهوداً سمعوا إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، من دون الكشف عن أنواع المنظومات المستخدمة.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر عسكرية، أن الجيش بدأ نشر مسيّرات محلية مطوّرة مقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور. وعلى وجه التحديد، تحدثت مصادر محلية وتقارير حديثة عن أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، شوهدت أثناء هجمات بمسيّرات على مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أوحى بأن الاعتراض لم يعد حدثاً نادراً، بل بات جزءاً من روتين القتال.

ويثير إسقاط طرازات كبيرة ومتطورة، مثل «بيرقدار أكينجي»، جدلاً واسعاً؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» مراراً إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، ونقلت ذلك عنها مصادر مستقلة، من بينها «سودان تربيون»، بما في ذلك إسقاط مسيّرة فوق سماء مدينة نيالا في يناير (كانون الثاني) الحالي، من دون تحديد المنظومة التي استُخدمت في إسقاطها، مع ترجيحات بأنها «أنظمة صينية قصيرة المدى».

وتكشف حرب المسيّرات في السودان عن وجود أنظمة دفاع جوي يتردد أنها خليط من طرازات «MANPADS» وأنظمة أقوى، ما يرفع تكلفة الطيران المسيّر ويجبره على تغيير الارتفاعات والمسارات وأنماط الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن التشويش ومقاومته باتا سلاحاً موازياً، فقد نُقل أخيراً عن الجيش أنه امتلك مسيّرات «مضادة للتشويش»، ما طوّر المعركة إلى صراع بين منظومات اتصال وتحكّم وتشويش، وليس فقط بين مسيّرات وصواريخ.

مركبات مدمرة خارج مبنى وزارة المالية بعد مرور نحو 3 سنوات على اشتعال الحرب في السودان (أ.ف.ب)

«بيانات النزاعات المسلحة»

ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED) إلى تصاعد كبير في ضربات المسيّرات، وإلى أثرها المباشر على المدنيين، مؤكداً أنها باتت عنصراً مركزياً في الحرب، من دون أن تكون قادرة وحدها على حسمها، قبل أن تتمكن من إحداث شلل لوجيستي يصيب العدو، ويؤدي إلى انهيار قدرته على المناورة على الأرض.

ويرى المهندس المهتم بالشؤون العسكرية أسعد التاي، أن المسيّرات لعبت دوراً كبيراً في تغيير ميزان القوى على الأرض في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، ولا سيما في مدينة أم درمان.

ويوضح التاي أن «قوات الدعم السريع» بدورها طوّرت استخدامها للمسيّرات بعد انتقالها إلى دارفور، مضيفاً: «الحسم بالمسيّرات ممكن إذا رافقه تقدم بري، وإلا فإن سباق المسيّرات والدفاعات المضادة قد يحوّل الحرب إلى استنزاف متبادل بلا حسم».

ولمّح نائب القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي إلى هذا التحوّل، قائلاً في تصريحات، يوم السبت، إن ما تحقق في مدينة الدلنج بجنوب كردفان وفك حصارها يُمثّل «تقدماً كبيراً للقوات المسلحة».

وأكد الرجل الثاني في الجيش أن المرحلة التالية من العمليات تتمثل في التوجه نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان. ووفقاً لحديثه، فإن فك الحصار يُعد تحولاً في مسار العمليات، وإشارة غير مباشرة إلى الدور المحوري للمسيّرات في إسناد القوات، وتسهيل تقدمها على الأرض.

غير أن ما يُحذّر منه مراقبون هو أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة ومنظومات إسقاط واعتراض، في بيئة تسمح بعمليات التعطيل والتشويش، قد يحوّل «حرب السماء» إلى حرب تقنية متبادلة تطيل أمد القتال، وتلحق خسائر فادحة بالمدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.