الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

مجلس الوزراء يصادق على قانون الأحزاب الجديد بعد الأخذ بمقترحات التشكيلات السياسية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
TT

الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

فاجأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأوساط السياسية بإعلانه تأجيل دراسة «تعديل دستوري فني»، وذلك بعد ساعات قليلة من تأكيد الرئاسة أن الموضوع مطروح للدراسة والمصادقة في مجلس الوزراء؛ وسط تخمينات بأن هذا التعديل قد يمسّ القواعد المنظمة للولايات الرئاسية التي يحددها الدستور الحالي بعهدتين فقط.

وأفاد بيان لمجلس الوزراء، مساء الأحد، بأن الرئيس «أمر بتأجيل التعديل الفني للدستور من أجل الدراسة، تعزيزاً للمكسب الديمقراطي الانتخابي الذي تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، وهي الجهاز الإداري والفني الذي يعهد له الدستور بتنظيم العملية الانتخابية بالكامل، بينما كانت قبل انتخابات الرئاسية التي جرت في 2019 من صلاحيات وزارة الداخلية.

وكان بيان للرئاسة قد أكد قبل ذلك ببضع ساعات أن الرئيس سيبحث في اجتماعه بحكومته «مشروع قانون يتضمن تعديلاً دستورياً فنياً، ومشروعي قانونين عضويين يتعلقان بنظام الانتخابات والأحزاب السياسية، بالإضافة إلى عرض يخص تعويض تكاليف النقل في المجال الاقتصادي».

وأدخل حديث الرئاسة عن «تعديل دستوري فني» العديد من المراقبين والناشطين السياسيين في حيرة، عكستها حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. ففي كل التغييرات التي شهدها دستور البلاد، جرى استعمال كلمة «تعديل» فقط، دون «فني».

لماذا كلمة «فني»؟

يقول خبير القانون والمحامي المعروف عبد الله هبول، الذي اشتغل قاضياً في سنوات سابقة، إن أي دستور هو وثيقة سياسية «وأي لمسة تُدخل عليه هي فعل سياسي بالضرورة وليس فنياً».

وذهبت قراءات أخرى إلى الربط بين هذا التعديل و«طموح مفترض» لتمديد العهدة الرئاسية لما بعد عام 2029، رغم خلوّ خطاب الرئيس العلني من أي إشارة بهذا المعنى.

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى سابقة وقعت عام 2008، حين ألغى الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة القيد الدستوري على عدد الولايات عبر تصويت البرلمان، مما مهد الطريق لترشحه لولاية ثالثة في انتخابات 2009.

لكن بوتفليقة عاد وأغلق الترشح للرئاسة بولايتين في تعديل للدستور عام 2016، في خطوة أثارت استغراب قطاع واسع من الجزائريين.

ولما عدَّل الرئيس الحالي تبون الدستور في 2020، أبقى على هذا القيد، حيث تذكر المادة 88 منه: «مدة العهدة الرئاسية 5 سنوات... لا يمكن لأي شخص ممارسة أكثر من عهدتين متتاليتين أو منفصلتين، وتُعدّ العهدة كاملة في حالة انقطاعها مهما كان السبب». غير أن الدستور ينص، في موضع آخر، على أن لرئيس الجمهورية «حق المبادرة بتعديل الدستور»، حيث يعرض التعديل على الاستفتاء الشعبي بعد التصويت عليه في البرلمان.

جولة حوار الرئاسة الجزائرية مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

وبخصوص «التعديل الدستوري الفني» المؤجل، أفاد سياسيون مؤيدون لسياسات الرئيس بأن «الأمر قد يتعلق بتغيير تواريخ إجراء الانتخابات أو بتمديد أو تقصير بعض الآجال القانونية، أو باستعادة وزارة الداخلية بعض الصلاحيات التي أخذتها سلطة تنظيم الانتخابات».

وحسبهم، قد يشمل التعديل الدستوري المتوقع إعادة توزيع بعض الصلاحيات الإجرائية، كتنظيم كيفية المصادقة على القوانين أو ضبط العلاقة الإجرائية بين غرفتي البرلمان، من دون المساس بطبيعة النظام السياسي أو جوهره.

وفي تقدير وزير سابق تحدثت معه «الشرق الأوسط» وطلب عدم نشر اسمه: «يُستعمل وصف التعديل الفني لإيصال رسالة طمأنة مفادها أنه لن يمس الثوابت الوطنية مثل اللغة والدين والعلم، ولن يطول المبادئ الديمقراطية الجوهرية، ويُقدم الهدف من هذا التعديل على أنه تحيين لبعض النصوص الدستورية لتتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة أو لتسهيل سير عمل مؤسسات الدولة».

غير أن هذا التوجه لا يبدد المخاوف خصوصاً لدى قوى المعارضة؛ حيث يُخشى أن يتحول التوصيف «الفني» إلى وسيلة لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة توازنات القوى داخل بنية النظام.

قانون الأحزاب

في شأن متصل بالحياة السياسية، صادق مجلس الوزراء في الاجتماع نفسه على مشروع قانون متعلق بالأحزاب السياسية، لافتاً في بيانه إلى أن ذلك تم «بعد الموافقة على التعديلات المقترحة التي طلبتها الأحزاب السياسية».

أعضاء الحكومة الجزائرية خلال المصادقة على قانون الأحزاب الجديد (الرئاسة)

كانت الرئاسة قد تسلمت في الأشهر الأخيرة تعديلات على مشروع الحكومة الخاص بقانون الأحزاب السياسية أعدتها قوى المعارضة و«الموالاة»، تناولت في معظمها تخفيف القيود الإدارية وتعزيز ضمانات حرية العمل الحزبي. كما شملت تقليص صلاحيات وزارة الداخلية في الترخيص لتأسيس الأحزاب، وتوضيح أحكام منع «الترحال السياسي»، أي تنقل القياديين من حزب لآخر، وتخفيف شرط حل الحزب في حال عدم المشاركة في انتخابين متتاليين.

واجتمع الرئيس بغالبية الأحزاب، العام الماضي، حيث عرض عليها بعض «قوانين الإصلاح»، وسمع من قادتها تحفظات حول «التجاوزات» في مجال الحقوق النقابية والسياسية وحرية الصحافة.

ومن أهم ما شملته التحفظات ما ينص عليه القانون حول حل الحزب السياسي في حال عدم تقديمه مترشحين في انتخابين متتاليين، في خطوة تهدف إلى حل الأحزاب غير النشطة أو الشكلية، وإلزام التشكيلات السياسية بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة.


مقالات ذات صلة

عزوف قياسي عن الانتخابات يرسم ملامح برلمان الجزائر الجديد

شمال افريقيا الأرقام في الساعات الأولى من فتح الصناديق (سلطة الانتخابات)

عزوف قياسي عن الانتخابات يرسم ملامح برلمان الجزائر الجديد

أعلنت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر عن فرز مؤقت حدد نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية بـ20.79 %، مسجلة بذلك إقبالاً ضعيفاً على الصناديق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية فلاديمير بيتكوفيتش مدرب الجزائر (أ.ب)

بيتكوفيتش: دفعنا ثمناً باهظاً لأخطائنا أمام سويسرا

قال فلاديمير بيتكوفيتش مدرب الجزائر إن فريقه دفع ثمن أخطائه ليخسر 2- صفر أمام سويسرا في دور الـ32 بكأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر (كندا))
رياضة عالمية مدرب سويسرا مراد ياكين (أ.ف.ب)

ياكين: صلابة سويسرا أنهت طموح الجزائر في المونديال

حقق منتخب سويسرا فوزاً رائعاً 2-صفر على الجزائر ليتأهل إلى دور 16 في كأس العالم، وذلك بعدما أوقف خطورة منافسه الخطير وتنفيذ خطة المدرب مراد ياكين الدفاعية.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
رياضة عالمية بريل إيمبولو لاعب المنتخب السويسري (د.ب.أ)

إيمبولو «الأفضل» بمواجهة الجزائر: الأهم لنا هو تحقيق الفوز

أعرب بريل إيمبولو، لاعب المنتخب السويسري لكرة القدم، عن سعادته بحصوله على جائزة أفضل لاعب في المباراة، مشيراً إلى أن الفوز على المنتخب الجزائري كان الأهم.ِ

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
الرياضة المنتخب الفرنسي لكرة القدم (د ب أ )

كيف نجحت فرنسا في قيادة المونديال عبر طيورها المهاجرة؟

الديوك الكروية في مونديال 2026... ترسانة فرنسية ممتدة تمول العالم، وتصنع إمبراطورية بمنتخبين فوق منصات التتويج.

كوثر وكيل (لندن)

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)
تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)
TT

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)
تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)

لم يعد المشهد السياسي الليبي محكوماً بالمؤسسات الرسمية، أو الأجسام المنبثقة عن الاتفاقات السياسية المعقودة برعاية دولية، بل باتت مدن بعينها تمتلك نفوذاً طاغياً يجعلها اللاعب الحقيقي في صناعة القرار. وهذا النفوذ يتغذى على ثقلها العسكري وترسانتها المسلحة، إلى جانب تغلغل شخصياتها النافذة في مفاصل الدولة.

المنفي مستقبِلاً جويلي (مكتب المنفي)

ومع استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر مسارات التوحيد، تعاظم دور هذه المدن، وتحديداً مصراتة وطرابلس وبنغازي والزاوية والزنتان، حتى غدت مواقفها المحلية عاملاً حاسماً يملك «الفيتو» على مصير الحكومات والتفاهمات السياسية، والاستحقاقات الانتخابية المؤجلة.

تتصدر مصراتة (غرباً) هذا المشهد، باعتبارها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وثالث المدن الليبية من حيث الكثافة السكانية، فضلاً عن كونها أحد أبرز الأطراف المؤثرة في الخريطة السياسية بعد «ثورة» 17 فبراير (شباط)، التي أسقطت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ولعبت مصراتة دوراً محورياً في المعارك، وصولاً إلى مواراة جثمان القذافي في «قبر سري» بالصحراء المتاخمة لها. وتستمد المدينة قوتها اليوم من تماسك بنيتها الاجتماعية، وسيطرتها على منافذ حيوية كبرى، كالمنطقة الحرة، وميناء مصراتة البحري ومطارها.

غير أن التأثير الأعمق لمصراتة في سلطة القرار يعود لشبكة نفوذ «عائلة الدبيبة»، التي يمثلها رئيس الحكومة، وابن شقيقه إبراهيم الدبيبة المستشار السياسي والأمني لرئيس الحكومة، إلى جانب عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بالحكومة، والمستشار الصديق الصور النائب العام الليبي.

التأثير الأعمق لمصراتة في سلطة القرار يعود لشبكة نفوذ عائلة الدبيبة (الوحدة)

والزوبي هو آمر «اللواء 111 مجحفل»، وهو تشكيل عسكري دشّنه الدبيبة عام 2022، ويضم مقاتلين ينحدر معظمهم من مصراتة.

هذا التمدد دفع المتابعين لإعادة قراءة المشهد؛ إذ يرى ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد» بعملية «بركان الغضب»، في إدراج له عبر «فيسبوك»، أن ليبيا تعيش صراع نفوذ محصوراً بين ما أسماه «دولة مصراتة»، و«دولة الفرجان» (في إشارة لقبيلة المشير خليفة حفتر)، معتبراً بقية المكونات «مجرد أرقام طارئة».

وقد برز هذا الاستحواذ مجدداً خلال زيارة الدبيبة الأخيرة إلى دولة الإمارات، مما دفع الناشط أسامة البوعيشي للتساؤل علناً عن غياب تمثيل بقية المدن، واستنكار تفرّد مصراتة بالتحدث والتفاوض باسم الغرب الليبي.

وفي محيط العاصمة طرابلس، تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة، وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم.

الصديق الصور النائب العام الليبي ينتمي لإحدى أشهر العائلات المعروفة في مصراتة (مكتب الصور)

وتستمد الزاوية نفوذها من تموضعها الجغرافي الاستراتيجي على الطريق الساحلي الدولي، الرابط بين طرابلس والحدود التونسية، إلى جانب احتضانها مصفاة الزاوية لتكرير النفط وميناءها النفطي، وهي أهم منشأة لتأمين الوقود للعاصمة والمنطقة الغربية.

هذا الترافق بين السيطرة على خط الإمداد البري، والتحكم في عصب الطاقة، منح الزاوية ورقة ضغط سياسي لا يمكن تجاوزها لفرض شروطها على الحكومات، رغم التوترات الأمنية واقتتال الفصائل، الذي يندلع بين الحين والآخر مستنزفاً مقدرات المدينة وأرواح أهلها.

ويرى سياسيون أن نفوذ الزاوية يتجسد في «شبكة معقدة من التشكيلات المسلحة والقادة الميدانيين، الذين يمثلون رقماً صعباً في معادلة الحكم بطرابلس».

أما في الشرق الليبي، فتظل بنغازي الثقل الجيوسياسي والتاريخي الأبرز، والعاصمة السياسية لبرقة. وتستمد هذه المدينة نفوذها الراهن من كونها المقر الرئيسي للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وحاضنة مجلس النواب والحكومة المكلفة منه. وهذا التمركز الاستثنائي للسلطتين العسكرية والتشريعية منح بنغازي قدرة مطلقة على تعطيل أو تمرير أي تسوية سياسية؛ إذ لا يمكن لأي مبادرة أممية أن تبصر النور دون نيل الضوء الأخضر من مراكز القوى فيها، مما جعلها شريكاً إلزامياً في مفاوضات توحيد المؤسسات السيادية والمالية، ورسم خريطة التحالفات الإقليمية.

تستمد بنغازي نفوذها الراهن من كونها المقر الرئيسي للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

ولا تبتعد مدينة الزنتان (في الجبل الغربي) عن هذه الحسابات المعقدة؛ إذ عاد ثقلها السياسي واللوجستي للواجهة بقوة، لا سيما بعد التطورات الأخيرة، المتمثلة في تكليف عبد المجيد مليقطة - المنحدر منها - رئيساً لجهاز المخابرات الليبية، إلى جانب الحضور العسكري الوازن للفريق أسامة جويلي، آمر المنطقة العسكرية الغربية السابق.

بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ الزنتان برمزية سياسية خاصة؛ لكونها المدينة التي ظل سيف الإسلام القذافي مقيماً فيها لسنوات تحت حراسة مشددة، بعيداً عن الأنظار، حتى تاريخ ظهوره المسرحي لإعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية.


مصر تدعو إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان

مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)
مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)
TT

مصر تدعو إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان

مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)
مصر تؤكد ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان (رويترز)

أعادت مصر التأكيد على ضرورة «التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة وفورية في السودان»، وشددت على أهمية «وقف شامل وكامل لإطلاق النار في جميع الأراضي السودانية».

وقال المندوب الدائم لمصر لدى «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة في جنيف، السفير عمرو رمضان، الجمعة، إن «الوضع في السودان يتطلب موقفاً مسؤولاً يدعم الآليات التي تحظى بثقة السودانيين»، إلى جانب «تعزيز المؤسسات الوطنية بوصفها ركيزةً أساسيةً لا غنى عنها لتحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان».

وتأتي المناشدات الإنسانية، في وقت تشهد فيه الأوضاع الميدانية بالسودان تصعيداً عسكرياً، خصوصاً في مدينة «الأبيض» عاصمة ولاية شمال كردفان باستخدام «المسيّرات» بين الجيش السوداني و«ميليشيا الدعم السريع»، في مشهد يعيد للأذهان ما حدث في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، وسقوط مئات الضحايا.

وخلال اجتماع «مجلس حقوق الإنسان» الدولي، أشار رمضان إلى أن «الأولوية القصوى والعاجلة اليوم تتمثل في التوصل إلى هدنة إنسانية حقيقية تكون بمثابة تمهيد لوقف شامل للعمليات العسكرية».

وجدد تأكيد مصر على ضرورة «وقف شامل وكامل لإطلاق النار في جميع أنحاء الأراضي السودانية»، كما دعا إلى «إطلاق عملية سياسية سودانية خالصة، دون أي إملاءات أو تدخلات خارجية».

كما دعا «مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان»، فولكر تورك، الجمعة، إلى «تسليط الضوء على الاقتصاد السياسي للحرب الممتدة منذ أبريل (نيسان) 2023، وكيفية استغلال موارد مثل الذهب والصمغ في تغذية الصراع الإقليمي».

ووفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فإن «هناك صعوبة في دفع حلول الأزمة السودانية»، قائلاً «ما زلنا ندور في دائرة مفرغة، ما بين محاور تطالب بهدنة إنسانية ووقف إطلاق النار وإطلاق الحوار السياسي، دون أي تنفيذ لها».

ويرى حليمة أن «الأزمة تطلب تفاهمات يُمكن أن تتبناها الرباعية الدولية باعتبارها الأكثر قدرة وتأثيراً على الوصول إلى تسوية للأزمة الإنسانية».

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وتعمل «الآلية الرباعية» التي تضم «السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة»، من أجل وقف إطلاق للنار في السودان، وسبق أن عقدت اجتماعاً على المستوى الوزاري في واشنطن، في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وأعلنت عن «خريطة طريق تتضمن جدولاً زمنياً لإنهاء الأزمة في السودان، تبدأ بتنفيذ هدنة إنسانية في أسرع وقت».

وباعتقاد حليمة، فإن محاور الحل في الأزمة السودانية «يجب أن تنفذ بشكل متوازٍ، لتشمل البعد الأمني والعسكري والإنساني والسياسي وإعادة الإعمار»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يُمكن أن تكون البداية بإطلاق حوار سياسي من الأفرقاء السودانيين، يصدر قراراً بوقف إطلاق النار»، عادّاً ذلك «قد يُشكل عامل ضغط على أطراف الحرب».

ويرى مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، أن «الهدنة الإنسانية في السودان لا تزال صعبة». وأشار إلى أن أي «وقف حقيقي للعدائيات يستدعي التزاماً من ميليشيا الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما لم يتحقق منذ بداية الحرب».

ويضيف المغربي لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك صياغة جديدة للوساطة الدولية بشأن السودان، تشكلت في القاهرة أخيراً باجتماع رباعي ضم السعودية ومصر وتركيا والولايات المتحدة »، ويلفت إلى أن «موقف غالبية دول الوساطة الجديدة يقرأ دوماً في سياق الحفاظ على وحدة السودان»، ويقول إن «ضمانات الحل الإنساني قد تكون أكبر خلال الفترة الحالية».


الحكومة المصرية تقصي الآلاف من منظومة الدعم

وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)
وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)
TT

الحكومة المصرية تقصي الآلاف من منظومة الدعم

وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)
وزارة التموين المصرية تواصل مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية (الشرق الأوسط)

في قرار يُقصي آلاف المصريين من حاملي «البطاقات التموينية (المخصصة للسلع)»، حددت الحكومة قائمة بالمستبعدين ضمن خطتها لتوجيه الدعم لمستحقيه.

ومن المقرر أن تطبق الحكومة «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني (عبارة عن سلع تموينية)» الشهر الحالي في خطوة تصعّد مخاوف لدى بعض المواطنين من استبعادهم من الحصول على الدعم السلعي.

وحسب رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، فإن «منظومة الدعم النقدي سيبدأ تطبيقها مع أول العام المالي في يوليو (تموز) الحالي». وأضاف في تصريحات مطلع الشهر الماضي، أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وتفيد وزارة التموين والتجارة الداخلية بـ«مواصلة أعمال مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأولى بالرعاية واستبعاد غير المستحقين».

وقالت في بيان حكومي، مساء الخميس، إن «أعمال المراجعة تتم وفق معايير موضوعية تستند إلى مؤشرات تعكس القدرة الاقتصادية والمالية للمستفيدين، وذلك بالاعتماد على قواعد البيانات الرسمية المتكاملة لدى جهات الدولة».

وتشمل هذه المؤشرات «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة أو امتلاك أكثر من سيارة أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو سداد ضريبة القيمة المضافة عن الشركات، أو سداد رسوم جمركية مرتبطة بعمليات الاستيراد أو التصدير، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على عشرة أفدنة».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الأربعاء الماضي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتؤكد «التموين» حرصها الكامل على «ضمان حق المواطنين في التظلم، حيث تمت إتاحة التظلمات ابتداءً من منتصف يونيو (حزيران) الماضي أمام كل من تم استبعاده ويرى عدم انطباق أي من محددات العدالة الاجتماعية عليه».

ويرى الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن «الحكومة دعت المستبعدين إلى تقديم شكاوى للنظر فيها، وكان عليها أن توضح لهم سبب الاستبعاد بدقة وتفاصيل».

ووفق رأي النحاس، فإن «الحكومة وضعت مواصفات لمن يحصلون على الدعم»، مرجحاً أن «يصل عددهم في النهاية، بعد الاستبعادات إلى 10 ملايين مواطن فقط».

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأولى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، حسب «التموين».

ويؤكد الخبير الاقتصادي، أن «(التموين) وضعت قواعد بيانات للمرحلة المقبلة». ويلفت، إلى أنه «قد تحدث أخطاء مثلما تم أخيراً باستبعاد البعض من الحصول على رغيف الخبز المدعوم للمرة الأولى». ويدلل على ذلك بأن «المواطن قد يتم استبعاده من الحصول على السلع، لكنه يظل يحصل على الخبز المدعوم».

ويستفيد من «الخبز المدعوم أو الشعبي» نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ 5 أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

مصريون أمام محل لبيع الفول والطعمية (رويترز)

ورفض مغردون على منصات التواصل الاجتماعي، مساء الخميس، حذفهم من منظومة دعم الخبز بتلقيهم رسائل عبر هواتفهم الجوالة تفيد بوقف بطاقة الحصول على «الخبز المدعوم». وطالبوا بـ«إعادة فحص ملفات المستبعدين من دعم الخبز وإعادة النظر في آليات الحذف الآلي التي تظلم الأسر المستحقة»، على حد قولهم.

الأمر نفسه حدث مع الستينية نبيلة حسن التي تقيم في منطقة غمرة بوسط القاهرة، عندما ذهبت صباح الجمعة لشراء الخبز من المخبز الذي اعتادت الشراء منه، وقالت إن «مسؤول المخبز أخبرها أن البطاقة التموينية غير مسجلة».

بينما أكد عضو «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب، محمد بلتاجي «ضرورة إعادة النظر في آليات حذف المواطنين من بطاقات التموين». وقال إن «بطاقة التموين تمثل بالنسبة لملايين الأسر، وسيلة أساسية لتأمين احتياجاتها اليومية، وفي مقدمتها الحصول على رغيف الخبز».

وحسب بلتاجي، فإن «مكافحة أي تجاوزات في منظومة الدعم لا ينبغي أن تؤدي إلى الإضرار بالمواطنين المستحقين».

من جانبها، تؤكد وزارة التموين أن «جميع أعمال تنقية قواعد بيانات المستحقين من الدعم التمويني والخبز تتم دون المساس بالفئات الأكثر فقراً والفئات الأولى بالرعاية مع الالتزام الكامل بفحص جميع التظلمات بكل شفافية وحيادية، وبما يحقق العدالة الاجتماعية ويحافظ على حقوق المواطنين المستحقين للدعم».

«التموين المصرية» تؤكد أن أعمال مراجعة «البطاقات التموينية» تتم وفق معايير موضوعية (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

ووفق إفادة «التموين»، مساء الخميس، فإن «إيقاف بعض البطاقات في الحالات المرتبطة بالمخالفات مثل التعدي بالبناء على الأراضي الزراعية، أو البناء المخالف، أو سرقة التيار الكهربائي، أو صرف معاشات من دون وجه حق، يُعدّ إجراءً مؤقتاً يستمر ما دامت المخالفة مستمرة، ولا يمثل إلغاءً نهائياً لحق المواطن في الاستفادة من منظومة الدعم».

وكانت «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب قد أوصت، الأحد الماضي، بـ«إيقاف حذف المواطنين من بطاقات التموين بناءً على مخالفات البناء والكهرباء وغيرها».

ورغم ذلك، تشير «التموين» إلى أنه «فور قيام المواطن بتقنين أوضاعه وإزالة أسباب المخالفة يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة تشغيل البطاقة التموينية وفقاً للقواعد والضوابط المنظّمة بما يضمن الحفاظ على حقوق المواطنين».

ويتحدث مساعد وزير التموين والتجارة الخارجية للخدمات الرقمية، محمد شتا عن أن «قرارات وزارة التموين الخاصة بمنظومة الدعم تُنفذ وفق معايير محددة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه». ويلفت، إلى أن «المواطن الذي يتم استبعاده من بطاقة التموين رغم أحقيته في الحصول على الدعم لا يفقد حقه؛ إذ يمكنه استرداده بعد تقديم تظلم وإثبات استحقاقه»، ويشدد على أنه «يتم صرف مستحقاته بأثر رجعي خلال الشهر التالي بعد قبول التظلم».