المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الحرب السودانية، لم تعد السماء مسرحاً قتالياً ثانوياً يشرف على محاور القتال الأرضي، بل تحوّل القتال الجوي إلى محور قائم بذاته، تُدار فيه معارك تعتمد على المعلومات والقتال بلا طيارين.

وخلال العام الماضي وبداية العام الحالي، ظلّت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في رسم إيقاع القتال، ليس فقط عبر ضرب أهداف محددة هنا أو هناك، بل من خلال إرباك خطوط الإمداد، وكشف التحركات، وفرض «تهديد دائم» يشتّت القوات ويُغيّر التكتيكات القتالية.

ولم يعد التطور الأبرز مقصوراً على مَن يمتلك المسيّرات، بل على مَن يمتلك أيضاً ما يعطلها، مثل قدرات الدفاع الجوي وإمكانات الاعتراض، وأدوات التشويش، وهذا ما جعل من مسرح العمليات في إقليمي دارفور وكردفان بيئة مثالية لقتال المسيّرات.

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

دارفور وكردفان

للإجابة عن سؤال جوهري: «أيّ الطرفين يستطيع توظيف القتال الجوي المسيَّر لتحقيق مكاسب حاسمة على الأرض تُغير موازين القوى؟ أم أن الطرفين سيتجهان معاً إلى حرب استنزاف تقنية متبادلة؟».

وتُشير تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة إلى أن «قوات الدعم السريع» طوّرت قدراتها في القتال الجوي وتهديد خصمها جوّاً. فمن جهة، وثقت صور أقمار اصطناعية وتحليلات خبراء وجود نشاط للمسيّرات، وإنشاءات وحظائر مرتبطة بها في محيط مدينة نيالا، مع بروز مؤشرات على حصول «الدعم السريع» على طائرات مسيّرة طويلة المدى ومتطورة، ومنصات لإطلاقها قرب المدينة.

ويرى اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر، أن المسيّرات باتت سلاحاً حاسماً، لما تتميز به من دقة وتكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي، فضلاً عن عدم ترتب خسائر بشرية كبيرة على استخدامها. وأشار إلى ما سماه نمط القتال الحديث الذي يتجه نحو «حروب مسيّرات وصواريخ».

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»، إن تشغيل المسيّرات الاستراتيجية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، «يتطلب معرفة تقنية عالية» لا تتوفر لدى «قوات الدعم السريع»، ما يضطرها أحياناً إلى الاستعانة بمشغلين أجانب.

وأوضح أن الجيش ضيق بمسيّراته الخناق على «قوات الدعم السريع» في كردفان ودارفور، ما دفعها إلى استهداف المرافق المدنية أكثر من تحقيق أثر عسكري مباشر.

وأضاف عبد القادر: «لكن تحسن تسليح الجيش، وتبدل مواقف البيئة الإقليمية، يدفعان نحو ترجيح كفته، وتوقع دور أكبر للمسيّرات والمدفعية في المرحلة المقبلة».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرب استنزاف تقنية

ويرى محللون محليون أن معارك دارفور وكردفان تُمثل نموذجاً مثالياً لفهم معادلة «حروب السماء»، إذ إن السماء «قد تمنح أحد الطرفين دفعة كبيرة، لكنها قد تحوّل الحرب أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد».

وتشير مصادر صحافية إلى امتلاك «قوات الدعم السريع» قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش متطورة قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش. وتتمثل هذه القدرات في منظومات محمولة وخفيفة، تحدثت عنها تقارير محلية، من بينها صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، مثل «سام 7»، جرى التعرّف عليها ضمن عتاد تركته «الدعم السريع» في مناطق كانت تسيطر عليها.

ولا يحتاج هذا النوع من المنظومات إلى بنية رادارية معقدة، لكنه يُشكل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً على الطائرات والمسيّرات، إذ يضطرها إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، أو ضمن مسارات غير متوقعة، أو يعرضها للإسقاط.

كما تمتلك «قوات الدعم السريع» منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تعقيداً وتطوراً. ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، فإن «الدعم السريع» باتت تمتلك أنظمة قادرة على تهديد الطيران.

وذكرت هذه التحقيقات منظومات صينية، مثل «FK-2000»، ضمن تدفّق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال في السودان، من دون أن تربط أي عملية إسقاط لمسيّرة بهذا الطراز تحديداً، الذي يُعد قفزة في قدرات الدفاع الجوي لدى «قوات الدعم السريع»، إلى جانب الحديث عن منصّات التشويش ومقاومتها.

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مسيّرة «انتحارية» بعيدة المدى ومعدات إطلاقها شمال مطار نيالا بالسودان 6 مايو 2025 (رويترز)

اعتراض مسيّرات

وتتفق مصادر متعددة على أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة بورتسودان في مايو (أيار) 2025. ونقلت وكالة «رويترز» حينها أن الجيش أعلن أنه اعترض مسيّرات، وأن شهوداً سمعوا إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، من دون الكشف عن أنواع المنظومات المستخدمة.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر عسكرية، أن الجيش بدأ نشر مسيّرات محلية مطوّرة مقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور. وعلى وجه التحديد، تحدثت مصادر محلية وتقارير حديثة عن أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، شوهدت أثناء هجمات بمسيّرات على مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أوحى بأن الاعتراض لم يعد حدثاً نادراً، بل بات جزءاً من روتين القتال.

ويثير إسقاط طرازات كبيرة ومتطورة، مثل «بيرقدار أكينجي»، جدلاً واسعاً؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» مراراً إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، ونقلت ذلك عنها مصادر مستقلة، من بينها «سودان تربيون»، بما في ذلك إسقاط مسيّرة فوق سماء مدينة نيالا في يناير (كانون الثاني) الحالي، من دون تحديد المنظومة التي استُخدمت في إسقاطها، مع ترجيحات بأنها «أنظمة صينية قصيرة المدى».

وتكشف حرب المسيّرات في السودان عن وجود أنظمة دفاع جوي يتردد أنها خليط من طرازات «MANPADS» وأنظمة أقوى، ما يرفع تكلفة الطيران المسيّر ويجبره على تغيير الارتفاعات والمسارات وأنماط الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن التشويش ومقاومته باتا سلاحاً موازياً، فقد نُقل أخيراً عن الجيش أنه امتلك مسيّرات «مضادة للتشويش»، ما طوّر المعركة إلى صراع بين منظومات اتصال وتحكّم وتشويش، وليس فقط بين مسيّرات وصواريخ.

مركبات مدمرة خارج مبنى وزارة المالية بعد مرور نحو 3 سنوات على اشتعال الحرب في السودان (أ.ف.ب)

«بيانات النزاعات المسلحة»

ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED) إلى تصاعد كبير في ضربات المسيّرات، وإلى أثرها المباشر على المدنيين، مؤكداً أنها باتت عنصراً مركزياً في الحرب، من دون أن تكون قادرة وحدها على حسمها، قبل أن تتمكن من إحداث شلل لوجيستي يصيب العدو، ويؤدي إلى انهيار قدرته على المناورة على الأرض.

ويرى المهندس المهتم بالشؤون العسكرية أسعد التاي، أن المسيّرات لعبت دوراً كبيراً في تغيير ميزان القوى على الأرض في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، ولا سيما في مدينة أم درمان.

ويوضح التاي أن «قوات الدعم السريع» بدورها طوّرت استخدامها للمسيّرات بعد انتقالها إلى دارفور، مضيفاً: «الحسم بالمسيّرات ممكن إذا رافقه تقدم بري، وإلا فإن سباق المسيّرات والدفاعات المضادة قد يحوّل الحرب إلى استنزاف متبادل بلا حسم».

ولمّح نائب القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي إلى هذا التحوّل، قائلاً في تصريحات، يوم السبت، إن ما تحقق في مدينة الدلنج بجنوب كردفان وفك حصارها يُمثّل «تقدماً كبيراً للقوات المسلحة».

وأكد الرجل الثاني في الجيش أن المرحلة التالية من العمليات تتمثل في التوجه نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان. ووفقاً لحديثه، فإن فك الحصار يُعد تحولاً في مسار العمليات، وإشارة غير مباشرة إلى الدور المحوري للمسيّرات في إسناد القوات، وتسهيل تقدمها على الأرض.

غير أن ما يُحذّر منه مراقبون هو أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة ومنظومات إسقاط واعتراض، في بيئة تسمح بعمليات التعطيل والتشويش، قد يحوّل «حرب السماء» إلى حرب تقنية متبادلة تطيل أمد القتال، وتلحق خسائر فادحة بالمدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.


مقالات ذات صلة

السعودية ومصر تؤكدان أهمية خفض التصعيد بالمنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

السعودية ومصر تؤكدان أهمية خفض التصعيد بالمنطقة

توافقت السعودية ومصر على أهمية خفض التصعيد في المنطقة، وشدّدتا على تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر واحتواء الأزمات عبر تغليب الحلول السياسية والتفاوضية.

أحمد جمال (القاهرة)
خاص استقبل سكان الحي المسنّين العائدين للدار بحفاوة كبيرة (الشرق الأوسط)

خاص بين الحرب والوحدة… مسنّون سودانيون يعودون إلى دار بلا أبناء

بقدمٍ مبتورة، متوكئاً على عصا، عاد المسنّ السوداني، محمد الحسن البالغ من العمر 70 عاماً، إلى دار رعاية المسنّين في العاصمة الخرطوم.

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

خاص هجوم كبير بمسيّرات على مواقع عسكرية في شمال كردفان

تعرضت مدينة الأُبيّض في شمال كردفان، الجمعة، لسلسلة من الهجمات بالمسيَّرات، في واحدة من كبرى الهجمات، استهدفت مقار عسكرية وحكومية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج تدشين المشاريع الإنسانية السعودية بقطاعات الصحة والمياه والإصحاح البيئي والحماية في السودان (واس)

السعودية تُدشِّن 9 مشاريع إنسانية حيوية في السودان

دشّن «مركز الملك سلمان للإغاثة» بمدينة بورتسودان، 9 مشاريع إنسانية بقطاعات الصحة والمياه والإصحاح البيئي والحماية في السودان.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا مخيم «دالي» في بلدة طويلة التي فرَّ إليها عدد كبير من سكان مدينة الفاشر (برنامج الأغذية العالمي)

«أطباء بلا حدود»: الفاشر مدينة مُدمَّرة وخالية من السكان

وصفت منظمة «أطباء بلا حدود» مدينة الفاشر، أكبر مدن إقليم دارفور في غرب السودان، بـ«المدينة المُدمَّرة، والخالية من السكان».

أحمد يونس (كمبالا)

الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
TT

الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)

شهدت الساحة السياسية الجزائرية مطلع الأسبوع نشاطاً مكثفاً لقادة الأحزاب الكبرى؛ حيث توافقت مواقف أحزاب السلطة والمعارضة حول ملفات الساعة، وأبرزت التصريحات الميدانية إجماعاً على أن مواجهة التهديدات الخارجية تتطلب «يقظة وطنية» وجبهة داخلية متماسكة تتجاوز الخلافات السياسية.

ودعت قيادة «مجتمع السلم» الإسلامي المعارض، خلال اجتماع لـ«مجلس شورى» الحزب بالعاصمة، إلى «إصلاح سياسي جاد يضمن الحريات العامة والفردية، واستقلالية المؤسسات ونزاهة وشفافية المسار الانتخابي»، كما أكدت على «تمسك الحركة بخطّها الوطني الإصلاحي القائم على النضال السلمي».

وتحمل تلك العبارات إشارة ضمنية إلى هجمات حادة تعرض لها الحزب في الآونة الأخيرة في سلسلة مقالات لوكالة الأنباء الرسمية بسبب مواقفه من أداء السلطة التنفيذية، خصوصاً ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وقضايا الحريات في الداخل. وعدت هذه المقالات عاكسة لاستياء السلطة من الحزب الإسلامي المعروف باعتداله.

كما أكّد الحزب على «ضرورة تبني مقاربات اقتصادية واجتماعية ناجعة، تستجيب لانشغالات المواطن، وتحمي قدرته الشرائية». وطالب كذلك بـ«تعزيز التدابير والإجراءات الكفيلة بحماية الأمن القومي الوطني، وقيادة مبادرات جادة لتمتين الجبهة الداخلية، من خلال التخلي عن خطاب الكراهية، ومحاربة صناعة الاستقطاب، مع ترسيخ خطاب جامع يعزز التماسك المجتمعي والاستقرار الوطني».

ويعني هذا الطرح، حسب قياديين في الحزب، «تحصين الصفّ في ظل ظرف وطني وإقليمي حساس، من خلال تعزيز حماية الأمن القومي بمفهومه الشامل، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وليس الأمني فقط».

كما أكد القياديون على «نبذ خطاب الكراهية ومحاربة الاستقطاب الحاد الذي يهدد وحدة المجتمع»، مقابل ترسيخ خطاب وطني جامع يقوم على التماسك والحوار واحترام الاختلاف، بما يضمن الاستقرار الوطني ويمنع استغلال التوترات الداخلية للمساس بأمن البلاد ومصالحها العليا.

وتناول «مجلس الشورى» أيضاً انتخابات البرلمان والبلدية المقررة هذا العام، مؤكداً أنها «محطة لتجديد النخب والمؤسسات السياسية، وفرصة ثمينة للإصلاح والتغيير... وبناء جزائر صاعدة».

رئيس «التجمع من أجل الديمقراطية» (إعلام حزبي)

وفي الذكرى الـ37 لتأسيسه، قال حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إنه تشكل في «مواجهة الصعاب»، معلناً رفض «القمع والتهميش، ومقاومة كل محاولات إسكات من يرفضون الخضوع والنسيان».

وأضاف البيان أن «الوضع الراهن، في ظل تراجع الحريات الديمقراطية، وتقييد الفعل السياسي، وتآكل معنى المواطنة، يستدعي التوحد والمضي قدماً في الدفاع عن الديمقراطية والقيم المدنية».

من جهته، حذّر الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني»، عبد الكريم بن مبارك، في فعالية بالعاصمة، من تداعيات الأوضاع في منطقة الساحل، عادّاً أن «التهديدات الجديدة لم تعد حبيسة الحدود، بل أصبحت تمس الأمن الإقليمي برمته»، في إشارة إلى الاضطرابات السياسية في مالي وصراع سلطته العسكرية مع الجماعات المتشددة.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

ويرى الحزب، المؤيد بقوة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، أن منطقة الساحل تمر بتحولات عميقة تفرض على الجزائر يقظة دائمة ورؤية استراتيجية، منطلقاً من قناعة بأن الأمن القومي لم يعد مفهوماً عسكرياً تقليدياً، بل هو منظومة متكاملة تشمل الأبعاد السياسية والتنموية.

وفي هذا الصدد، أبرز بن مبارك «أدوار الجزائر المحورية الثلاثة المتمثلة في الوساطة، وقيادة التعاون الإقليمي، وتمويل مشروعات التنمية في المنطقة». وشدد على «ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية». وتتمثل، حسبما قال، في «رفض عسكرة الأزمات وبناء القواعد الأجنبية، والتمسك بمبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها».

وفي تجمع بولاية تيارت، الواقعة على بعد 300 كيلومتر غرب العاصمة، أكّد الأمين العام لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (غالبية رئاسية)، منذر بودن، أن الجزائر «تواجه حملات استهداف ممنهجة تطول مشاريعها الكبرى، وفي مقدمتها مشروع غارا جبيلات الاستراتيجي».

وهذا المشروع هو خطة لاستخراج المعادن من منجم كبير، جنوب غربي البلاد، تم البدء باستغلاله مطلع العام الجديد. ويثير المشروع جدلاً حاداً في أوساط الخبراء حول تكلفة استخراج المعادن ومردوده الاقتصادي.

ووفق بودن، «يثير نجاح الجزائر في تنويع اقتصادها مخاوف قوى إقليمية ودولية»، من دون توضيح من يقصد.

وشدّد على أن «حماية هذه المكتسبات ليست مسؤولية رئيس الجمهورية وحده، بل هي معركة جماعية تقتضي اليقظة والاعتماد على الكفاءات في تسيير الشأن العام».


لماذا حجبت مصر لعبة «روبلوكس»؟

طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
TT

لماذا حجبت مصر لعبة «روبلوكس»؟

طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)

أعلن مسؤول مصري، اليوم (الأحد)، عن اتخاذ إجراءات لحجب منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس» في مصر، بعد طلب نائبة بالبرلمان حجب اللعبة لحماية القيم الأخلاقية، وكذلك بعد عرض عمل فني يوضح إساءة استخدام اللعبة ضد الأطفال.

وقال عصام الأمير، وكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري، خلال جلسة لمجلس الشيوخ (أحد مجلسَي البرلمان)، إن المجلس اتَّخذ إجراءات بالتعاون مع وزارة الاتصالات لحجب منصة «روبلوكس».

كانت ولاء هرماس، عضو مجلس الشيوخ المصري، قد قدمت اقتراحاً لتقنين أوضاع منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس»، بهدف حماية القيم الأخلاقية والتربوية للأطفال والنشء، والحد من المخاطر النفسية والسلوكية المرتبطة باستخدام المنصة، وتنظيم عمل منصات الألعاب الإلكترونية بشكل عام.

وناقشت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مجلس الشيوخ المقترح، وعرضت النائبة مذكرة قدمت تعريفاً بطبيعة المنصة، ورصداً للمخاطر والآثار السلبية المرتبطة بها، أبرزها المحتوى غير المناسب للأطفال، وإتاحة التواصل المباشر مع غرباء، والتأثيرات النفسية والسلوكية على المستخدمين صغار السن.

وأكد تقرير لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات -وفقاً لموقع «الشروق»- أهمية إطلاق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات حملات توعوية موجهة للأسر والأطفال حول ثقافة الأمان الرقمي، ومخاطر التفاعل مع الغرباء.

وأشار التقرير البرلماني إلى أنه في ظل التحول الرقمي المتسارع، وهيمنة البيئات الافتراضية على اهتمامات الأجيال الجديدة، برزت منصة «روبلوكس» بوصفها من أبرز الظواهر الرقمية العالمية التي تجاوزت مفهوم ألعاب الفيديو التقليدية؛ لتتحول إلى منظومة تفاعلية متكاملة، تجمع بين الترفيه والإبداع والتواصل الاجتماعي والاقتصاد الرقمي.

وأفاد التقرير بأن المنصة أتاحت لملايين المستخدمين -ولا سيما الأطفال والمراهقين- إمكانية الانتقال من دور اللاعب المستهلك إلى دور المبدع والمطوِّر، عبر تصميم عوالم افتراضية وتجارب رقمية تشاركية باستخدام أدوات برمجية مبسطة نسبياً؛ حيث يقوم المستخدمون أنفسهم بإنتاج المحتوى وتداوله، وتحقيق عائدات مالية حقيقية من خلاله.

وتابع التقرير: «فمن أبرز هذه المخاطر احتمال التعرض لمحتوى غير ملائم للفئة العمرية، إلى جانب إمكانية التواصل مع أشخاص مجهولين، الأمر الذي قد يفتح المجال لسلوكيات غير لائقة، مثل التنمر أو الاستغلال والابتزاز، وقد يؤدي إلى إنفاق مالي غير مدروس».

«لعبة وقلبت بجد»

التحرك البرلماني بخصوص منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس» جاء بالتزامن مع عرض مسلسل باسم «لعبة وقلبت بجد» أظهر مخاطر وجود الأطفال داخل المنصة لساعات، بعيداً عن أعين الأهل والرقابة الأسرية، ما قد يضعهم في طريق كبار سن يستغلون المنصة في عمليات ابتزاز وتحرش.

وعرض المسلسل -ضمن السياق الدرامي- استدراجاً لأحد الأطفال عن طريق المنصة بهدف اختطافه، وحالة أخرى لاستدراج طفلة من قبَل شخص كبير في السن لديه حساب على المنصة، بغرض التحرش بها.

«لا يوجد نظام مثالي»

ويصف موقع المنصة الإلكتروني لعبة «روبلوكس» بأنها «الكون الافتراضي المطلق»؛ حيث يمكن للمستخدمين أن «يكونوا أي شيء يمكنهم تخيله».

وقال متحدث باسم المنصة، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»: «تتبع (روبلوكس) نهجاً متعدد الطبقات لفرض معايير المجتمع، من خلال الجمع بين المشرفين البشريين، وتقارير المستخدمين، ونماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ونشجع المستخدمين على الإبلاغ عن أي سلوك أو محتوى يخالف معايير مجتمعنا، حتى نتمكن من التحقيق واتخاذ إجراء فوري».

وأضاف: «لا يوجد نظام مثالي، ولكننا نعمل يومياً على تعزيز حماية مستخدمينا».

حظر وتقييد

المنصة جذبت انتباه دول عدة حول العالم؛ خصوصاً بعد انتشارها الكبير بين الأطفال؛ فقد حجبت بعض الدول المنصة، مثل العراق، وروسيا، وأضافت دول أخرى قيوداً على المنصة.

وأطلقت هيئة حماية المستهلك الهولندية، يوم الجمعة، تحقيقاً بشأن منصة «روبلوكس» لمعرفة ما إذا كانت منصة الألعاب الشهيرة تبذل جهوداً كافية لحماية الأطفال، في ظل تقارير عن تعرضهم لمحتوى عنيف وجنسي.

وقالت هيئة الأسواق والمستهلكين الهولندية، إن تحقيقها سيفحص «المخاطر المحتملة للمستخدمين القُصَّر في الاتحاد الأوروبي»، ومن المرجح أن يستمر نحو عام.

وأضافت الهيئة في بيان: «تتصدر المنصة الأخبار بشكل منتظم. على سبيل المثال، بسبب مخاوف بشأن الألعاب العنيفة أو الصريحة جنسياً التي يتعرض لها القُصَّر».

وتشمل المخاوف الأخرى لدى الهيئة الهولندية -وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»- تقارير عن استهداف البالغين سيئي النية الأطفال على المنصة.


تشغيل معبر رفح... اختبار ميداني لمسار «اتفاق غزة»

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
TT

تشغيل معبر رفح... اختبار ميداني لمسار «اتفاق غزة»

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

بعد نحو 3 أشهر من بدء اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تم الإعلان عن فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر، وسط تشديدات إسرائيلية بشأن آلية عبور الأفراد ومخاوف من زيادة أعداد الخارجين من القطاع على العائدين.

التشديدات لم تلقَ قبولاً لدى القاهرة خلال اجتماعات مسبقة لعملية فتح المعبر، وزادت هواجس خطط التهجير الإسرائيلية، كما ستكون اختباراً جاداً لمسار اتفاق وقف إطلاق النار، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، دعوا إلى مزيد من الضغوط لا سيما الأميركية لعدم وضع إسرائيل عراقيل جديدة.

وأفادت وسائل إعلام عبرية وفلسطينية ومصرية، الأحد، بفتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي، الذي كان مغلقاً منذ سيطرة القوات الإسرائيلية عليه في مايو (أيار) 2024، باستثناء فتحه جزئياً لفترة وجيزة مطلع عام 2025 مع تهدئة لم تدم شهرين.

وقالت «وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق» التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، في بيان «وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار وتوجيهات القيادة السياسية، تم (الأحد) فتح معبر رفح (من الجانب الفلسطيني) لمرور السكان فقط»، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسيراقب المعبر وفد بعثة الاتحاد الأوروبي الذي وصل للمعبر، الذي افتتحه غزيون محليون لبدء المرحلة الثانية رسمياً من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق ما ذكرت «هيئة البث الإسرائيلية».

وأفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية» الرسمية، ببدء التشغيل للمعبر من الجانب الفلسطيني بشكل تجريبي، الأحد، بعد أكثر من عام ونصف العام من الإغلاق شبه الكامل، وأكدت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأمر ذاته.

وقالت القناة إن هناك انتشاراً مكثفاً لسيارات الإسعاف أمام الجانب المصري من معبر رفح؛ استعداداً لاستقبال مرضى غزة، الاثنين «وفق آلية متفق عليها، مع تشغيل الجانب الفلسطيني من معبر رفح بشكل رسمي الاثنين»، دون تفاصيل بشأن تلك الآلية.

سيارات إسعاف تنتظر على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة في الأول من فبراير (أ.ف.ب)

وتحدث الممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، في تصريحات صحافية، الأحد، عن استعداد اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتحويل مسار القطاع من العنف والدمار إلى التعافي وإعادة الإعمار، في إشارة لاحتمال بدء عملها من القطاع ومرور أعضائها الموجودين بمصر عبر المعبر.

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن التطورات الميدانية في الجانب الفلسطيني من معبر رفح ستكون اختباراً حقيقياً، وسنرى مدى التزام إسرائيل المشكوك فيه دائماً بمسار الاتفاق وآلية العبور، مؤكداً أن «هذا الفتح سيكون خطوة للأمام لو لم تضع إسرائيل عقبات أمام ذلك وتسمح بدخول المساعدات أيضاً والأفراد».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إن هناك ترقباً لمدى التزام إسرائيل بتنفيذ آليات تشغيل الجانب الفلسطيني من معبر رفح على أرض الواقع، وسيكون ذلك اختباراً ميدانياً لجدية إسرائيل في تنفيذ الاتفاق، مشيراً إلى أن البضائع ليست حالياً مطروحة في النقاشات في ظل رفض إسرائيلي، وسيكون الأمر حتى اللحظة عبر معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل أيضاً ومنه لغزة كما هو متبع حالياً.

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب)

على الجانب الآخر، حملت التسريبات الإسرائيلية عراقيل مع بدء فتح الجانب الفلسطيني من المعبر، وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» افتُتح معبر رفح في تشغيل تجريبي، على أن تبدأ حركة الأشخاص فعلياً (الاثنين)، في الاتجاهين، مشيرة إلى أن «التوقعات تفيد بمغادرة نحو 150 شخصاً قطاع غزة بشكل يومي، مقابل عودة 50 شخصاً إليه».

وعن آلية عمله، أضافت «الصحيفة» أن عمالاً فلسطينيين وممثلين عن هيئة دولية تابعة للاتحاد الأوروبي سيتولون إدارة المعبر، وإسرائيل ستعمل على مراقبة العمل «عن بُعد باستخدام أجهزة مراقبة، وليس بشكل مباشر من قبل الجنود الإسرائيليين، وبالإضافة إلى التحقق الأولي من الهوية عند معبر رفح من قِبل وفد الاتحاد الأوروبي، سيتم إجراء عمليات تفتيش إضافية عند نقطة تفتيش تابعة للمؤسسة الأمنية في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي».

وكشفت «القناة 13 الإسرائيلية» عن أن موقع نقطة التفتيش الإسرائيلية فيما يتعلق بدخول القطاع ستكون «في منطقة محور فيلادلفيا (صلاح الدين) القريبة من المعبر».

عربة عسكرية إسرائيلية تسير على ممر فيلادلفيا (أرشيفية - د.ب.أ)

هريدي أوضح أن «تسريبات إسرائيل تشي بأنها تريد الاستمرار في مخطط التهجير؛ لكن الرفض المصري والعربي واع لذلك»، لافتاً إلى أنه «حسب المرحلة الثانية يفترض أن هناك انسحابات إسرائيلية، وبالتالي لا سيطرة إسرائيلية على المعبر؛ لكن التسريبات تثير مخاوف وهواجس الجميع، خصوصاً أن هناك جناحاً متشدداً في إسرائيل يريد تنفيذ مخطط التهجير بطرق ملتوية، إلا أن هناك رفضاً دولياً سيظل قائماً وسيكون حائلاً أمام ذلك».

وحسب هريدي فإن مسار ما بعد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني يتوقف على الضغوط الأميركية على إسرائيل لتنفيذ تعهداتها بشأن المرحلة الثانية وفي مقدمتها الانسحاب.

فيما أشار الرقب إلى أن ما يثار عن أعداد للخروج أكبر من الدخول بالتأكيد تثير هواجس ليس لدى القاهرة فقط بل المنطقة والوسطاء من عودة إسرائيل لمخطط التهجير، مشدداً على أن رفض مصر والأردن هو رسالة بأنها مجدداً لن تسمح باستغلال المعبر في تمرير أي مخططات.

وتوقع أن يكون في مصر نحو 80 ألف غزيّ ينتظرون العودة، بخلاف مَن يوجد في دول أخرى، مشيراً إلى أن التفتيش الإسرائيلي يضع قيوداً مسبقة؛ لكن بكل تأكيد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني مهم، ويجب أن تتواصل الضغوط لا سيما الأميركية لتفادي أي عراقيل.