المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الحرب السودانية، لم تعد السماء مسرحاً قتالياً ثانوياً يشرف على محاور القتال الأرضي، بل تحوّل القتال الجوي إلى محور قائم بذاته، تُدار فيه معارك تعتمد على المعلومات والقتال بلا طيارين.

وخلال العام الماضي وبداية العام الحالي، ظلّت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في رسم إيقاع القتال، ليس فقط عبر ضرب أهداف محددة هنا أو هناك، بل من خلال إرباك خطوط الإمداد، وكشف التحركات، وفرض «تهديد دائم» يشتّت القوات ويُغيّر التكتيكات القتالية.

ولم يعد التطور الأبرز مقصوراً على مَن يمتلك المسيّرات، بل على مَن يمتلك أيضاً ما يعطلها، مثل قدرات الدفاع الجوي وإمكانات الاعتراض، وأدوات التشويش، وهذا ما جعل من مسرح العمليات في إقليمي دارفور وكردفان بيئة مثالية لقتال المسيّرات.

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

دارفور وكردفان

للإجابة عن سؤال جوهري: «أيّ الطرفين يستطيع توظيف القتال الجوي المسيَّر لتحقيق مكاسب حاسمة على الأرض تُغير موازين القوى؟ أم أن الطرفين سيتجهان معاً إلى حرب استنزاف تقنية متبادلة؟».

وتُشير تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة إلى أن «قوات الدعم السريع» طوّرت قدراتها في القتال الجوي وتهديد خصمها جوّاً. فمن جهة، وثقت صور أقمار اصطناعية وتحليلات خبراء وجود نشاط للمسيّرات، وإنشاءات وحظائر مرتبطة بها في محيط مدينة نيالا، مع بروز مؤشرات على حصول «الدعم السريع» على طائرات مسيّرة طويلة المدى ومتطورة، ومنصات لإطلاقها قرب المدينة.

ويرى اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر، أن المسيّرات باتت سلاحاً حاسماً، لما تتميز به من دقة وتكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي، فضلاً عن عدم ترتب خسائر بشرية كبيرة على استخدامها. وأشار إلى ما سماه نمط القتال الحديث الذي يتجه نحو «حروب مسيّرات وصواريخ».

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»، إن تشغيل المسيّرات الاستراتيجية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، «يتطلب معرفة تقنية عالية» لا تتوفر لدى «قوات الدعم السريع»، ما يضطرها أحياناً إلى الاستعانة بمشغلين أجانب.

وأوضح أن الجيش ضيق بمسيّراته الخناق على «قوات الدعم السريع» في كردفان ودارفور، ما دفعها إلى استهداف المرافق المدنية أكثر من تحقيق أثر عسكري مباشر.

وأضاف عبد القادر: «لكن تحسن تسليح الجيش، وتبدل مواقف البيئة الإقليمية، يدفعان نحو ترجيح كفته، وتوقع دور أكبر للمسيّرات والمدفعية في المرحلة المقبلة».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرب استنزاف تقنية

ويرى محللون محليون أن معارك دارفور وكردفان تُمثل نموذجاً مثالياً لفهم معادلة «حروب السماء»، إذ إن السماء «قد تمنح أحد الطرفين دفعة كبيرة، لكنها قد تحوّل الحرب أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد».

وتشير مصادر صحافية إلى امتلاك «قوات الدعم السريع» قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش متطورة قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش. وتتمثل هذه القدرات في منظومات محمولة وخفيفة، تحدثت عنها تقارير محلية، من بينها صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، مثل «سام 7»، جرى التعرّف عليها ضمن عتاد تركته «الدعم السريع» في مناطق كانت تسيطر عليها.

ولا يحتاج هذا النوع من المنظومات إلى بنية رادارية معقدة، لكنه يُشكل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً على الطائرات والمسيّرات، إذ يضطرها إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، أو ضمن مسارات غير متوقعة، أو يعرضها للإسقاط.

كما تمتلك «قوات الدعم السريع» منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تعقيداً وتطوراً. ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، فإن «الدعم السريع» باتت تمتلك أنظمة قادرة على تهديد الطيران.

وذكرت هذه التحقيقات منظومات صينية، مثل «FK-2000»، ضمن تدفّق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال في السودان، من دون أن تربط أي عملية إسقاط لمسيّرة بهذا الطراز تحديداً، الذي يُعد قفزة في قدرات الدفاع الجوي لدى «قوات الدعم السريع»، إلى جانب الحديث عن منصّات التشويش ومقاومتها.

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مسيّرة «انتحارية» بعيدة المدى ومعدات إطلاقها شمال مطار نيالا بالسودان 6 مايو 2025 (رويترز)

اعتراض مسيّرات

وتتفق مصادر متعددة على أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة بورتسودان في مايو (أيار) 2025. ونقلت وكالة «رويترز» حينها أن الجيش أعلن أنه اعترض مسيّرات، وأن شهوداً سمعوا إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، من دون الكشف عن أنواع المنظومات المستخدمة.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر عسكرية، أن الجيش بدأ نشر مسيّرات محلية مطوّرة مقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور. وعلى وجه التحديد، تحدثت مصادر محلية وتقارير حديثة عن أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، شوهدت أثناء هجمات بمسيّرات على مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أوحى بأن الاعتراض لم يعد حدثاً نادراً، بل بات جزءاً من روتين القتال.

ويثير إسقاط طرازات كبيرة ومتطورة، مثل «بيرقدار أكينجي»، جدلاً واسعاً؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» مراراً إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، ونقلت ذلك عنها مصادر مستقلة، من بينها «سودان تربيون»، بما في ذلك إسقاط مسيّرة فوق سماء مدينة نيالا في يناير (كانون الثاني) الحالي، من دون تحديد المنظومة التي استُخدمت في إسقاطها، مع ترجيحات بأنها «أنظمة صينية قصيرة المدى».

وتكشف حرب المسيّرات في السودان عن وجود أنظمة دفاع جوي يتردد أنها خليط من طرازات «MANPADS» وأنظمة أقوى، ما يرفع تكلفة الطيران المسيّر ويجبره على تغيير الارتفاعات والمسارات وأنماط الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن التشويش ومقاومته باتا سلاحاً موازياً، فقد نُقل أخيراً عن الجيش أنه امتلك مسيّرات «مضادة للتشويش»، ما طوّر المعركة إلى صراع بين منظومات اتصال وتحكّم وتشويش، وليس فقط بين مسيّرات وصواريخ.

مركبات مدمرة خارج مبنى وزارة المالية بعد مرور نحو 3 سنوات على اشتعال الحرب في السودان (أ.ف.ب)

«بيانات النزاعات المسلحة»

ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED) إلى تصاعد كبير في ضربات المسيّرات، وإلى أثرها المباشر على المدنيين، مؤكداً أنها باتت عنصراً مركزياً في الحرب، من دون أن تكون قادرة وحدها على حسمها، قبل أن تتمكن من إحداث شلل لوجيستي يصيب العدو، ويؤدي إلى انهيار قدرته على المناورة على الأرض.

ويرى المهندس المهتم بالشؤون العسكرية أسعد التاي، أن المسيّرات لعبت دوراً كبيراً في تغيير ميزان القوى على الأرض في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، ولا سيما في مدينة أم درمان.

ويوضح التاي أن «قوات الدعم السريع» بدورها طوّرت استخدامها للمسيّرات بعد انتقالها إلى دارفور، مضيفاً: «الحسم بالمسيّرات ممكن إذا رافقه تقدم بري، وإلا فإن سباق المسيّرات والدفاعات المضادة قد يحوّل الحرب إلى استنزاف متبادل بلا حسم».

ولمّح نائب القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي إلى هذا التحوّل، قائلاً في تصريحات، يوم السبت، إن ما تحقق في مدينة الدلنج بجنوب كردفان وفك حصارها يُمثّل «تقدماً كبيراً للقوات المسلحة».

وأكد الرجل الثاني في الجيش أن المرحلة التالية من العمليات تتمثل في التوجه نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان. ووفقاً لحديثه، فإن فك الحصار يُعد تحولاً في مسار العمليات، وإشارة غير مباشرة إلى الدور المحوري للمسيّرات في إسناد القوات، وتسهيل تقدمها على الأرض.

غير أن ما يُحذّر منه مراقبون هو أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة ومنظومات إسقاط واعتراض، في بيئة تسمح بعمليات التعطيل والتشويش، قد يحوّل «حرب السماء» إلى حرب تقنية متبادلة تطيل أمد القتال، وتلحق خسائر فادحة بالمدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.


مقالات ذات صلة

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

تصاعد «حرب المُسيَّرات» في السودان تزامناً مع تقدم الجيش بمحور كردفان

أعلن الجيش السوداني إسقاط «مسيرة معادية» في ولاية شمال كردفان، فيما قالت منصات «الدعم السريع» إن مسيراتها هاجمت مدينتي الأبيض وعطبرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

الحرب والجفاف والأسعار تفاقم خطر المجاعة

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، بسبب تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا 
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.


«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
TT

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

كشف تحرُّك رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، المفاجئ نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن «خلية تخريبية» متهمة باستهداف منشآت حيوية في طرابلس، عن تباين جديد داخل المؤسسات الليبية، في وقت تتمسك فيه وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتحقيقات المحلية الراهنة، وتنفي «وجود أي توجُّه للتفاوض بشأن القضية».

وقال المنفي -في بيان مساء السبت- إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على دعم فني وتقني وقانوني، وتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

وأشار إلى أن الطلب يستند إلى الإعلان الذي قدمته ليبيا بموجب المادة 12/ 3 من نظام روما، مضيفاً أن «السلطات أبدت استعدادها لتوسيع نطاق التعاون وفقاً للمادة 15، بشأن إحالة الوقائع والمعلومات ذات الصلة».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري تفكيك «خلية تخريبية» منظمة، تضم 5 عناصر ليبيين وأجانب، تورطت في هجمات بالمُسيَّرات الانتحارية، استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وقالت إن وزارة الدفاع «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وبشأن التحقيقات الأولية الجارية مع الخلية، أوضح المنفي أنها أظهرت استهداف خزانات وقود ومحطات كهرباء في إطار «خطة إرهابية موسعة» تستهدف البنية التحتية المدنية، لافتاً إلى أن التقييم القانوني للسلطات الليبية المختصة يعتبر هذه الأفعال -حسب طبيعتها- جرائم قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي.

تعهُّد بـ«الإفصاح»

وتوجه المنفي، الأحد، إلى مدينة نيويورك الأميركية، في زيارة رسمية تستمر أياماً عدة، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال قبل سفره إن أجهزة الأمن و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من الحد من هذه العمليات «التخريبية» وإجهاض بعضها؛ مشيراً إلى تورط «عناصر أجنبية يحملون جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما، وليبيين يحملون جنسيات وجوازات سفر أخرى».

ولم يذكر في بيانه ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد قبلت الطلب، أو بدأت أي إجراء بشأنه، كما لم ترُد المحكمة على طلب للتعليق على هذه الخطوة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية»: «إن التحقيقات في قضية الخلية التخريبية مستمرة بهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها».

وبينما نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، أكدت التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها.

استهداف البنية التحتية

وشهدت العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية في الآونة الأخيرة عمليات استهدفت منشآت نفطية وكهربائية، بينها خزانات وقود ومحطات كهرباء.

وقال المجلس الرئاسي إن العمليات «كانت جزءاً من خطة أوسع تستهدف البنية التحتية المدنية»، وإن الأجهزة الأمنية و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من احتواء بعضها، والحيلولة دون وقوع خسائر أكبر.

وحسب مراقبين محليين، يضع تحرك المنفي الملف في إطار القانون الجنائي الدولي، بعدما قال المجلس الرئاسي إن الهجمات على خزانات الوقود ومحطات الكهرباء «قد ترقى -وفق التقييم القانوني للسلطات المختصة- إلى جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، بينما تتعامل وزارة الدفاع مع القضية بوصفها ملفاً أمنياً يخضع للتحقيق الوطني».

ويأتي الإعلان عن التحقيقات والتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً بين مؤسسات ومراكز قوى متنافسة، بما في ذلك استمرار الخلافات حول المسؤوليات الأمنية والقضائية.

تباين المواقف

ولم يتضح بعد ما إذا كان التحرك الذي أعلنه المجلس الرئاسي سيؤدي إلى دور مباشر للمحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات، أو ما إذا كانت السلطات الليبية ستواصل معالجة القضية من خلال أجهزتها الوطنية.

ويتابع الشارع الليبي تطورات المسألة باهتمام بالغ؛ خصوصاً مع تداعيات الهجمات على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود، وما خلَّفته من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية واستقرار المناطق المتضررة.

وبرز الانشغال الشعبي بتطورات ما بات يعرف باسم «خلية طرابلس» على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عبَّر كثيرون عن مخاوفهم من تكرار استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء، معتبرين أن مثل هذه العمليات تمس حياة المواطنين مباشرة، وتفاقم أزمة الخدمات التي يعانون منها أصلاً.

وانقسمت الآراء حول لجوء المجلس الرئاسي إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فبينما رأى فريق أن الخطوة ضرورية لملاحقة العناصر الأجنبية وضمان عدم الإفلات من العقاب، اعتبر آخرون أنها قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تسييس الملف على حساب التحقيقات الوطنية.

وأثار التباين بين بيان المنفي وموقف الحكومة نقاشاً حول غياب التنسيق بين المؤسسات، وتساؤلات بشأن قدرة الدولة على التعامل الموحد مع التهديدات الأمنية.

وبرزت أصوات تطالب بالشفافية الكاملة ونشر نتائج التحقيقات بسرعة، وأخرى تدعو إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للصراع السياسي؛ كما ظهرت دعوات متكررة لحماية المنشآت الحيوية وتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تحذيرات من أن استمرار الانقسام الرسمي قد يضعف الثقة الشعبية في قدرة المؤسسات على مواجهة مثل هذه الخلايا.


طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
TT

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت، حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً، فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط.

وأكد وزير النقل المصري كامل الوزير أن «خطة تطوير النقل البحري تستهدف تحويل الموانئ إلى مراكز لوجستية متكاملة، وتطوير الموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وإنشاء 5 موانئ جديدة ليصل الإجمالي إلى 19 ميناءً تجارياً».

وقال في إفادة رسمية، الأحد، خلال الاحتفال بـ«اليوم البحري العالمي» الذي أقيم بمدينة الإسكندرية، إن مصر «تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة تربط موانئ البحرين الأحمر والمتوسط ومحور قناة السويس بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية والزراعية والتعدينية، عبر شبكة السكك الحديدية وشبكة القطار الكهربائي السريع والطرق الحرة والسريعة، بما يسهم في خفض زمن التداول والتكلفة، ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري، ويربط مصر بدول الخليج والمشرق العربي وأفريقيا وشمال وشرق ووسط أوروبا وآسيا».

وبدوره، أكد رئيس «هيئة قناة السويس» أسامة ربيع، أن «القناة آمنة وحركة الملاحة بها منتظمة، وخدماتها تعمل بكفاءة، ومرشديها على أعلى مستويات الأداء والجاهزية»، وأشار خلال الاحتفالية، إلى أن «الاضطرابات والمتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بشكل عام، ومجتمع التجارة بشكل خاص برهنت على أهمية قناة السويس في تأمين سلاسل الإمداد العالمية»، ورسخت «مكانتها الرائدة عالمياً». كما أثبتت «بما لا يدع مجالاً للشك، عدم وجود طريق بديل ومستدام لقناة السويس، في ظل ما تتمتع به القناة من أعلى مستويات الأمان والسلامة البحرية».

وزير النقل المصري خلال احتفالية «اليوم البحري العالمي» بالإسكندرية الأحد (هيئة قناة السويس)

خبير النقل الدولي أسامة عقيل، تحدث عن الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «ما شهدته الموانئ المصرية من تطوير حقق أعلى معايير الكفاءة وفق المحددات الدولية، حيث كان معظمها قبل التطوير يعاني من ضعف الإمكانات، ولا تتوافر المعدات التكنولوجية اللازمة من أوناش وغيرها، فضلاً عن زيادة زمن الشحن أو التفريغ، وعدم وجود وسائل نقل خارجية سريعة من شاحنات أو قطارات، وكذا عدم وجود مساحات مخصصة للتخزين»، مؤكداً أن «كل هذه المشكلات تم تجاوزها في خطط التطوير، وأصبحت الموانئ المصرية مؤهلة وفق المعايير العالمية، لتصبح مراكز لوجستية متكاملة تدعم حركة التجارة العالمية».

ويشير عقيل، إلى أن «الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية ستجني مزيداً من الثمار بعدما تتوقف حروب المنطقة، فالسلام بالمنطقة سيعزز دور هذه الموانئ أكثر».

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت (هيئة ميناء دمياط)

وأوضح وزير النقل، الأحد، أن «الموانئ المصرية حققت طفرة في 2025، حيث بلغ تداول البضائع 233 مليون طن بزيادة 12 في المائة، وتداول الحاويات 11.1 مليون حاوية بنمو 25 في المائة مقارنة بالعام السابق رغم الظروف الجيوسياسية بالمنطقة».

مدير مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أيمن عبد الوهاب، تطرق إلى ما وصفه بـ«الأثر السياسي للطفرة التي حققتها الموانئ المصرية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بجانب المكاسب الاقتصادية، فإن فاعلية الموانئ المصرية تمنح القاهرة نفوذاً سياسياً كبيراً ومكانةً دوليةً لتصبح فاعلاً في معادلات المستقبل، بما يضيف قوة جديدة إلى ثقلها السياسي والإقليمي الحالي».

وحسب رأي عبد الوهاب، فإن «الصراعات والمواجهات العسكرية الإقليمية والدولية تؤكد أهمية ما تقدمه مصر من بدائل آمنة لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما يمنحها قوة سياسية تعزز حضورها الحالي في القضايا الدولية والإقليمية كافة».

وخلال إفادته، الأحد، أكد رئيس «هيئة قناة السويس»، أن التقارير الملاحية أظهرت «تحسناً في معدلات الملاحة بالقناة»، حيث شهدت خلال أغسطس (آب) الماضي «عبور 1358 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 68.3 مليون طن»، محققة إيرادات قدرها 567.1 مليون دولار، وذلك في مقابل عبور 1070 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 45.2 مليون طن بإيرادات قدرها 326 مليون دولار خلال أغسطس من العام الماضي، بنسب زيادة قدرها 27 في المائة في أعداد السفن، و51.1 في المائة في الحمولات الصافية، و56.7 في المائة للإيرادات.