سلام: الدولة اللبنانية وحدها يمكنها امتلاك السلاح داخل أراضيها

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)
رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)
TT

سلام: الدولة اللبنانية وحدها يمكنها امتلاك السلاح داخل أراضيها

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)
رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام (رويترز)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن لبنان يواجه انهياراً شبه كامل بعد عقود من سوء الإدارة والفساد والطائفية والحروب، مشيراً إلى أن حكومته تعمل على انطلاقة وطنية جديدة تقوم على ركيزتي السيادة والإصلاح لإعادة بناء الدولة والاقتصاد.

في مقال رأي كتبه سلام في صحيفة «فايننشال تايمز»، قال: «عندما انتقلت من رئاسة محكمة العدل الدولية لتولي رئاسة وزراء لبنان، كنت أدرك تماماً حجم التحدي. لم أجد دولة مستقرة، بل بلداً أنهار تقريباً بعد عقود من سوء الإدارة والطائفية والفساد والحروب. من أولوياتي كان استعادة سلطة الدولة وتعزيز سيادتها، بما يشمل احتكار الدولة للسلاح في كل أراضيها، وضمان سيادة القانون، إلى جانب تعزيز الأمن ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات، وإعادة بناء المؤسسات لتعزيز الثقة الوطنية والدولية».

«قصة لبنان يجب ألا تنتهي بالانهيار»

وأشار سلام إلى عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان، قائلاً: «فقدت عملتنا الوطنية أكثر من 98 في المائة من قيمتها منذ عام 2019، وانكمش الاقتصاد بنحو 45 في المائة، وتم تجميد أكثر من 124 مليار دولار من ودائع المواطنين في البنوك. ثم جاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليودي بحياة أكثر من 200 شخص، ويصيب آلافاً، ويدمر أجزاء واسعة من العاصمة، وهو ما كشف عن فشل مؤسساتي فاضح. كما زادت الأحداث الأخيرة مع إسرائيل من تدهور الوضع الأمني والدمار في البلاد».

وأضاف: «لكن قصة لبنان يجب ألا تنتهي بالانهيار. مستقبلنا يمكن ويجب أن تقوده دولة قوية وحديثة، تدعم روح ريادة الأعمال والابتكار والإصرار التي يشتهر بها اللبنانيون منذ زمن طويل. لذلك، فإن حكومتنا مصممة على انطلاقة وطنية جديدة تستند إلى ركيزتين متلازمتين: السيادة والإصلاح».

السيادة أولاً

وأوضح سلام أن الركيزة الأولى، أي السيادة، تمثل مسألة حاسمة. وقال: «نتمسك بشكل قاطع بأن الدولة اللبنانية وحدها هي التي يمكنها امتلاك السلاح داخل أراضيها، وأنها وحدها من تملك السلطة لاتخاذ قرارات الحرب والسلام».

وأضاف أن حكومته أعطت الجيش اللبناني تعليماته في الخامس من أغسطس (آب) الماضي، لوضع خطة شاملة لضمان احتكار الدولة للسلاح في جميع أنحاء البلاد. وبعد شهر واحد، تم إقرار خطة تحدد، كمرحلة أولى، مهلة ثلاثة أشهر لضمان السيطرة الحصرية للدولة على الأسلحة جنوب نهر الليطاني، مع احتواء الأسلحة في بقية المناطق.

وأشار سلام إلى جهود الحكومة لتعزيز الأمن، بما في ذلك مطار بيروت الدولي والمعابر الحدودية، وفكك المئات من مستودعات الأسلحة غير المشروعة وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات وغيرها من البضائع.

الإصلاح الاقتصادي

أما الركيزة الثانية، أي الإصلاح، فهي ضرورية لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز المؤسسات الداعمة له، بحسب سلام الذي أوضح أننا «أقررنا قانوناً تاريخياً برفع السرية المصرفية، وآخر يضع إطاراً حديثاً لإدارة الأزمات المصرفية، ونحن الآن نعمل على قانون طال انتظاره لضمان العدالة للمودعين وتوزيع عادل وشفاف للخسائر الكبيرة الناجمة عن الانهيار المالي».

وأكد أن هذه الإصلاحات ليست مجرد ضرورة أخلاقية، بل هي شرط أساسي لبرنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي، كما ستساعد في تفكيك الاقتصاد النقدي الذي أصبح أرضاً خصبة لغسل الأموال والجريمة المنظمة.

وتابع أن الحكومة تقدمت بمشروع قانون لضمان استقلال القضاء، وشكلت هيئات ناظمة مستقلة لإعادة هيكلة قطاعات الكهرباء والطيران والاتصالات، كما وضعت معايير للجودة والجدارة في التعيينات العامة. وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب دعماً متجدداً من الشركاء الدوليين.

الأمن ومواجهة الانتهاكات

وعلى الصعيد الأمني، أشار سلام إلى استمرار لبنان في الوفاء بالتزاماته وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، وإعلان وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. لكنه أضاف أن إسرائيل تواصل انتهاك سيادة لبنان واحتجاز مواطنين لبنانيين، واحتلال خمسة مواقع على الأقل في الجنوب، وهو ما يهدد الاستقرار ويغذي تجدد الصراعات، ويقوض جهود الحكومة لاستعادة سلطة الدولة.

ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لوقف الأعمال العدائية والانسحاب الكامل من لبنان، وتعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية، باعتبارها المؤسسة الأكثر قدرة على ضمان الاستقرار في البلاد.

إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات

وقال سلام: «بينما نتفاوض مع صندوق النقد الدولي ونسعى لجذب الاستثمارات، لن ندخر جهداً للحصول على التمويل اللازم لإعادة الإعمار والتنمية. ونحن نحث شركاءنا الدوليين على دعمنا، فدون مساعدتهم ستجد المصالح المتجذرة فرصة لملء الفراغ وإعادة البلاد إلى قبضة الزبائنية والفساد والإفلات من العقاب».

وختم سلام مقاله بالقول: «لبنان مهم لاستقرار المنطقة الأوسع. نحن لا نطلب من أشقائنا أو شركائنا الدوليين أن يقوموا بعملنا نيابة عنا، بل أن يقفوا معنا ويساعدونا على النجاح».


مقالات ذات صلة

تحذيرات من تهديدات تواجه التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحرب

المشرق العربي سكان يتفقدون موقع الآثار الرومانية في مدينة صور بجنوب لبنان بعد استهداف محيطها بغارات إسرائيلية (أ.ب)

تحذيرات من تهديدات تواجه التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحرب

حذّر «مرصد التراث الحديث» في لبنان من أن التراث الثقافي بجنوب لبنان يواجه تهديدات غير مسبوقة نتيجة الحرب المستمرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص لبنانية تضع العَلَم اللبناني على كتفيها وتتفقد الدمار في ساحة مدينة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

خاص إيران تسابق المفاوض اللبناني لإنجاز انسحاب إسرائيلي من الجنوب

يتسابق مساران لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، يتمثل الأول في المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل، بينما تضغط إيران لإنجاز الانسحاب خلال مهلة الستين يوماً.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تظهر في مزرعة بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)

«حزب الله»: إيران تعهدت بالسعي لانسحاب إسرائيل من لبنان في المفاوضات مع أميركا

كشفت العلاقات الإعلامية في ​«حزب الله» لوكالة «رويترز» اليوم الثلاثاء أن الجماعة تلقت تأكيدات من حليفتها إيران بأنها ‌ستطالب بانسحاب ‌القوات ​الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خاص العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

عاد اللبنانيون نهاراً وغادروا ليلاً هكذا اختصر كثير من أبناء الجنوب مشهد الأيام الأولى بعد الإعلان عن وقف العمليات العسكرية

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

عون وسلام يناقشان التحضيرات لجولة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن

بحث الرئيس اللبناني جوزيف عون مع رئيس الحكومة نواف سلام، اليوم الثلاثاء، التحضيرات لجولة تفاوض جديدة مع إسرائيل، مقرّر عقدها، الأسبوع المقبل، في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

تحذيرات من تهديدات تواجه التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحرب

سكان يتفقدون موقع الآثار الرومانية في مدينة صور بجنوب لبنان بعد استهداف محيطها بغارات إسرائيلية (أ.ب)
سكان يتفقدون موقع الآثار الرومانية في مدينة صور بجنوب لبنان بعد استهداف محيطها بغارات إسرائيلية (أ.ب)
TT

تحذيرات من تهديدات تواجه التراث الثقافي في جنوب لبنان نتيجة الحرب

سكان يتفقدون موقع الآثار الرومانية في مدينة صور بجنوب لبنان بعد استهداف محيطها بغارات إسرائيلية (أ.ب)
سكان يتفقدون موقع الآثار الرومانية في مدينة صور بجنوب لبنان بعد استهداف محيطها بغارات إسرائيلية (أ.ب)

حذّر «مرصد التراث الحديث» في لبنان من أن التراث الثقافي في جنوب لبنان يواجه تهديدات غير مسبوقة نتيجة الحرب المستمرة، مطالباً بتطوير إطار طويل الأمد للتعافي «يدمج بين الحفظ والترميم والبحث العلمي والتوثيق والتربية وإدارة التراث المستدامة».

وتعرضت المواقع الأثرية والتراثية في مناطق القتال بجنوب لبنان لقصف إسرائيلي قضى على جزء منه بالكامل، وألحق أضراراً بمواقع أخرى، ويعود بعضها للحقبة الرومانية أو الفينيقية أو البيزنطية أو العثمانية.

ويشمل هذا التراث الغني والمتنوع القرى التاريخية، والفضاءات العامة، والعمارة التقليدية، والمعالم الثقافية والدينية، والمواقع الزراعية، والطرق التاريخية، والأسواق، والمقابر، والأرشيفات، والمكتبات، والمجموعات الوثائقية، والصور الفوتوغرافية، والتقاليد الشفوية. وتمثل هذه المكونات المادية وغير المادية مجتمعةً حصيلة قرون من الاستمرارية الثقافية، وتجسّد الذاكرة الجماعية والهوية المجتمعية للمنطقة.

وحظيت أهمية هذا التراث باعتراف دولي، من خلال إدراج مجموعة من المواقع اللبنانية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، كما شمل نظام الحماية المعزَّزة التابع لليونسكو عدداً إضافياً من المواقع، خلال عاميْ 2024 و2026.

وقال «مرصد التراث الحديث»، وهو شبكة من المؤسسات الفاعلة في مجال التراث الثقافي، إن «الاعتراف وحده لا يكفي لضمان الحماية؛ فصون التراث الثقافي في جنوب لبنان يتطلب جهداً منسقاً على المستويات المحلية والوطنية والدولية، يجمع بين حماية المواقع والمباني التاريخية، وصون التراث الوثائقي والشفهي، وتعزيز المشاركة الفاعلة للمجتمعات المحلية». وأكد أن هذا الجهد «يشكل استثماراً أساسياً في التعافي والصمود والتماسك الاجتماعي، بما يضمن انتقال الذاكرة والهوية والإرث الثقافي إلى الأجيال القادمة».

وفي ضوء الأخطار المتزايدة التي تهدد التراث الثقافي بجنوب لبنان، دعا «مرصد التراث الحديث» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة من أجل «ضمان احترام مواقع التراث الثقافي والتجمعات التاريخية وحمايتها، وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية الممتلكات الثقافية»، و«حشد المنظمات الدولية والمؤسسات الثقافية والهيئات المعنية بحماية التراث لدعم التدابير العاجلة الرامية إلى صون التراث، وإيفاد بعثات التقييم والخبرة الفنية»، و«رصد وتوثيق الأضرار التي تلحق المنازل التاريخية والمباني التراثية والبقايا الأثرية في جنوب لبنان، والإبلاغ عنها بصورة علنية ومنهجية».

أعمدة رومانية بموقع أثري في مدينة صور بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

وطالب المرصد بـ«إجراء مسوحات ميدانية وأرشيفية شاملة للمواقع المتضررة أو المعرّضة للخطر، بالتعاون مع البلديات، وإخصائيي التراث، ومالكي العقارات، والمجتمعات المحلية»، و«تنفيذ تدابير طارئة للتدعيم والحماية بهدف منع مزيد من التدهور أو الهدم غير الملائم أو النهب أو الإهمال أو الفقدان غير القابل للتعويض»، و«مخاطبة السلطات الرسمية والجهات المعنية للاضطلاع بمسؤولياتها القانونية والمؤسسية في مجال حماية التراث الثقافي وصونه».

كما دعا المرصد إلى «تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية والأهالي، لا باعتبارهم شهوداً فحسب، بل شريكاً أساسياً في تحديد عناصر التراث وتوثيقه وصونه وإحيائه»، و«تطوير إطار طويل الأمد للتعافي يدمج بين الحفظ والترميم والبحث العلمي والتوثيق والتربية وإدارة التراث المستدامة»، و«تعزيز الاعتراف بالتراث الثقافي لجبل عامل باعتباره مكوّناً أساسياً من الهوية التاريخية للمنطقة، ومن تنوعها الثقافي وتماسكها الاجتماعي».


«جزء من أوسلو»... ماذا يعني إلغاء سموتريتش لاتفاق الخليل؟

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 16 مايو 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

«جزء من أوسلو»... ماذا يعني إلغاء سموتريتش لاتفاق الخليل؟

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 16 مايو 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الدفاع، الثلاثاء، إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل كبرى مدن الضفة الغربية، في ضربة إضافية للسلطة الفلسطينية التي أدانت المس بالوضع السياسي والقانوني للمدينة، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها، محذرة من تقويض عملية السلام برمتها.

وقال سموتريتش خلال وضع حجر الأساس لمستوطنة «دورون» المخطط بناؤها في جبل الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل، لقد ظلت لسنوات عديدة أحد أكثر بنود أوسلو (الاتفاقية الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993) عبثية سارية المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل، والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

وكان سموتريتش عرض في فبراير (شباط) 2026، القرار على مجلس الوزراء السياسي والأمني للموافقة عليه، وفي وقت متأخر من يوم الاثنين، تم إعلان مصادقة «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل، وهي المنطقة التي تقع في قلب الخليل وتضم من بين أشياء أخرى الحرم الإبراهيمي.

ماذا تتضمن اتفاقية الخليل؟

والخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997، قسمها إلى منطقتين H1 وH2 ضمن البروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية «أوسلو الثانية» لعام 1995، ومسار السلام الإسرائيلي - الفلسطيني، الذي بدأ بموجبه اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

جنود إسرائيليون يؤمّنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة والتي تشمل منطقة البلدة القديمة وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية في H2 إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل (ثورة الاستيطان)، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

قطع الصلة بالبلدية الفلسطينية

وبحسب سموتريتش، فإن هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. وعَدّت «القناة 12» أن الخطوة تعني «نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل».

وأضافت: «القرار الحالي ينهي فعلياً أي صلة للبلدية الفلسطينية بالمنطقة التي يوجد بها مستوطنة يهودية والحرم الإبراهيمي وينقل المسؤولية الكاملة إلى السلطات الإسرائيلية».

عناصر من الشرطة الإسرائيلية يعتقلون أطفالاً فلسطينيين في الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وحذرت الرئاسة الفلسطينية فوراً من خطورة الخطوة، معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها.

وأكدت الرئاسة أن هذه الخطوات، أحادية الجانب، مرفوضة ومدانة ومخالفة للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وللشرعية الدولية والقانون الدولي الذي يمنع المساس بالوضع القائم لأرض دولة فلسطين تحت الاحتلال.

ودعت الرئاسة، المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأميركية، إلى التدخل الفوري وإلزام سلطات الاحتلال بإلغاء هذه الخطوة الخطيرة للغاية، التي تقوض العملية السياسية وحل الدولتين، وجهود القوى الدولية الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وتوفير المناخ المناسب للدفع باتجاه تحقيق الدولتين على حدود عام 1967.

موسم انتخابي يعزز التطرف

وجاءت خطوة سموتريتش في سياق بدأه الوزير المتطرف قبل سنوات يقوم على تعميق السيطرة الإسرائيلية على الضفة، وهو نهج تصاعد في الأشهر القليلة الماضية، مع بدء موسم الانتخابات الإسرائيلية.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه منذ أوائل فبراير الماضي يروج الوزيران سموتريتش ووزير الدفاع يسرائيل كاتس لسلسلة من القرارات لتعميق الضم الفعلي للأراضي في الضفة الغربية.

مستوطنون إسرائيليون برفقة سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً يوم الثلاثاء فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن تُحدث هذه القرارات، بما فيها القرار المتعلق بالخليل، تغييرات جذرية في ممارسات الاستحواذ على الأراضي في الضفة الغربية، مما يسمح للدولة بهدم المباني المملوكة للفلسطينيين في المنطقة (أ) الخاضعة كلياً للسلطة.

وأمر سموتريتش الشهر الماضي بهدم قرية الخان الأحمر باعتباره جزءاً من حملته الانتخابية التي يتوقع أن يمارسها بالكامل في ساحة الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جانب قادة وأحزاب اليمين الآخرين الذين يشعرون بالفشل في إيران ولبنان بعد كبح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهم.

وأعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يواجه انتقادات متصاعدة حول الإخفاق في إيران ولبنان، الاثنين، أنه سيخوض الانتخابات، قائلاً: «أريد أن أطمئنكم، سأخوض الانتخابات، وأنوي الفوز»، ومثله ينوي سموتريتش، ووزير الأمن المتطرف بن غفير، والأحزاب الحريدية.

واتهمت منظمة «السلام الآن»، الإسرائيلية، سموتريتش بمحاولة صرف الانتباه عن إخفاقات الحكومة في الحروب التي شنتها في المنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقالت المنظمة: «بعد أن وعدت الحكومة بالنصر وفشلت في كل الجبهات، يحاول سموتريتش، المهووس بإشعال للحرائق، إشعال فتيل الأزمة في الضفة الغربية. هذه خطوة خطيرة وغير مسؤولة من سياسي فاشل مستعد للإضرار بمصالح إسرائيل وأمنها من أجل انتزاع بعض أصوات اليمين المتطرف من (إيتمار) بن غفير (وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف)».


العلاقات الأردنية - السورية... من إدارة الأزمات إلى شبكة مصالح استراتيجية

اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق
اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق
TT

العلاقات الأردنية - السورية... من إدارة الأزمات إلى شبكة مصالح استراتيجية

اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق
اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق

مع اختتام أعمال مجلس التنسيق الأعلى السوري - الأردني جلسته الموسعة الثانية في قصر تشرين بدمشق، الأحد، وفي إطار متابعة مخرجات الجلسة التي عقدها المجلس في العاصمة الأردنية عَمَّان قبل شهرين، أُعلن موعد للدورة الثالثة المقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في مؤشر إلى بدء العلاقات السورية - الأردنية مرحلة جديدة في مسار التعاون والتنسيق بين البلدين، والانتقال إلى بناء شراكة اقتصادية سياسية تعكس الرؤية العربية لموقع ومكانة سوريا الجديدة في التوازنات السياسة، بعد الأحداث الكبرى الطارئة في المنطقة.

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي العاهل الأردني الملك عبد الله وولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله في عَمّان فبراير 2025 (الديوان الملكي - رويترز)

مصادر متابعة في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارة الوفد الأردني الرفيع إلى سوريا تأتي بعد اجتياز البلدين مرحلة التنسيق في إدارة الأزمات، نحو مرحلة بناء شبكة المصالح الاستراتيجية على ضوء الرؤية العربية الداعمة للاستقرار في سوريا. فالوفد الوزاري الأردني رفيع المستوى، كان برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، وضم وزير المياه رائد أبو السعود ووزير النقل نضال القطامين، ووزير الصناعة والتجارة والتموين يعرب القضاة، ورئيس هيئة تنظيم الطيران المدني ضيف الله الفرجات. واستقبل الوفد في دمشق وزير الخارجية أسعد الشيباني في لقاء حضره من الجانب السوري وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، ووزير النقل يعرب بدر، ووزير الطاقة محمد البشير، ورئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري.

يقول الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون السياسية والأمنية، فراس فحام لـ«الشرق الأوسط»، إن تطوراً ملحوظاً في العلاقات بين البلدين حصل على المستويين الأمني والاقتصادي، وإن زيارة الوفد الأردني الرفيع إلى سوريا تندرج في إطار «توسيع التعاون المتصاعد»، حيث سبقه تعاون في مكافحة التهديدات العابرة للحدود مثل تهريب المخدرات، كما أن هناك رغبة سورية - أردنية مشتركة بالتعاون لتعزيز المكانة ضمن مشاريع التجارة الدولية وممرات الطاقة.

محيط سد الوحدة في حوض اليرموك على الحدود السورية - الأردنية (سانا)

ورأى الباحث أن الملفين الأكثر حضوراً حالياً في العلاقات السورية - الأردنية هما «مكافحة تهريب المخدرات الذي لا يزال يستهدف الأردن انطلاقاً من محافظة السويداء جنوب سوريا»، وملف «التموضع ضمن مشروع الربط السككي الذي يصل الخليج بأوروبا مروراً بسوريا والأردن وتركيا».

ويمثل مجلس التنسيق الأعلى السوري - الأردني، الذي تأسس في مايو (أيار) 2025 «الإطار المؤسسي الناظم للعلاقات الثنائية بين البلدين»، وقال التلفزيون السوري، إن هذه الزيارة تمثل «محطة جديدة في مسار الشراكة المؤسسية المستدامة القائمة على المصالح المشتركة والمتابعة الدورية للملفات ذات الاهتمام المتبادل بين البلدين الجارين».

لقاء الوفدين السوري والأردني في قصر تشرين بدمشق يوم الأحد برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي (الخارجية السورية)

في هذا الزخم، تكتسب المباحثات الأردنية - السورية دلالات وأبعاداً أوسع بالنظر إلى مستوى وحجم الوفد الأردني والسياق الزمني الذي تأتي فيه زيارة الوفد الأردني إلى دمشق، حسب الباحث السياسي في «مركز الحوار السوري للدراسات» مكارم الفتحي لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنها أتت بعد إعلان اتفاق مبدئي أميركي - إيراني، لإنهاء الحرب، في حين تعمل دول المنطقة، لا سيما دول الخليج العربي على تجاوز ما خلفت الحرب من آثار سياسية واقتصادية انعكست على العلاقات الدولية والإقليمية.

وبالنظر إلى أن كلاً من الأردن وسوريا أظهرا «إدارة حكيمة» أثناء الحرب، يمكن عدَّ الزيارة «تمثيلاً لإرادة عربية لدعم الاستقرار الأمني واقتصادي في سوريا»، عدَّ الباحث مكارم الفتحي أن ما يجري من اتفاقيات وتعاون مع سوريا يتم في إطار «الاقتصاد السياسي».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، يظهر بوضوح التوجه نحو مرحلة أكثر تكاملاً، تشمل قطاعات النقل والطاقة والتجارة والمياه، إلى جانب التنسيق في القضايا الإقليمية والأمنية.

ويرى أن البلدين اجتازا مرحلة «إدارة الأزمات» المتعلقة بضبط الحدود ومنع نشاط شبكات تهريب المخدرات العابرة للدول التي تعاني منها دول المنطقة، وبدآ مرحلة بناء «شبكة المصالح الاستراتيجية والتخطيط المشترك» باتجاه التعافي اللوجستي.

وقال، إن عمَّان التي تطمح لأن تكون شريكاً اقتصادياً عربياً ودولياً يمكنها الاستفادة من موقع سوريا في هذا الخصوص، وفي المقابل دمشق التي تطمح إلى توسيع شرعيتها الدولية يمكنها الاستفادة من العلاقات والخبرات الأردنية السياسية والاقتصادية والأمنية. لذلك؛ تعدّ هذه الزيارة تأسيسية لمرحلة جديدة من عملية البناء السياسي والاقتصادي.