علاوي: صدام كان شاباً شهماً حوّلته السلطة مستبداً بلا شريك أو رقيب

رئيس الوزراء العراقي السابق روى لـ«الشرق الأوسط» رحلته مع «البعث» وصدام وعراق ما بعد الاحتلال (الحلقة الأخيرة)

TT

علاوي: صدام كان شاباً شهماً حوّلته السلطة مستبداً بلا شريك أو رقيب


الرئيس العراقي في صورة تعود إلى عام 1981 (غيتي)
الرئيس العراقي في صورة تعود إلى عام 1981 (غيتي)

كان ذلك في عام 1964، ربطت إياد علاوي علاقة صداقة بزميل له اسمه عبد الكريم الشيخلي الذي عاد إلى كلية الطب في بغداد بعد انقطاع طويل بسبب مشاركته في محاولة اغتيال الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم في 1959. ذات يوم جاء شاب نحيل إلى الكلية فتولى الشيخلي تعريف علاوي عليه. اسم الشاب صدام حسين. سيكرر صدام تلك الزيارات وسيسأل علاوي أكثر من مرة «أين أخي التوأم؟». وكان علاوي يجيب بأنه في المحاضرة وسيأتي بعد انتهائها، وكان الاثنان يتبادلان الأحاديث حول فنجان قهوة ثم ينضم إليهما الشيخلي. نشأت صداقة بين الثلاثة وستتكرر اللقاءات وسيقيمون في المعتقل نفسه في 1964، لكن المصائر ستفترق حين يتحوّل صدام لاحقاً سيّد الحزب والبلاد بلا منازع.

رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي خلال حواره مع رئيس التحرير غسان شربل (الشرق الأوسط)

في 1978 أدمت فأس صدام، علاوي، بعدما دفعته إلى شفير الموت. لا تمنع العداوة علاوي من الاعتراف لخصمه بصفات ومميزات. سألته كيف كان صدام في النصف الأول من الستينات، فأجاب: «حين التقينا للمرة الأولى لم يكن صاحب دور مهم في الحزب. لكنه كان رجلاً يتسم بالشهامة والإرادة القوية ويُعدُّ من مناضلي الحزب والملتزمين بفكره». لا يجد صعوبة أيضاً في الاعتراف بأن حكومته أجرت بعد سقوط صدام تحقيقات «ولم تعثر على عقار واحد باسمه بما في ذلك طائرة الرئاسة». يحمّل علاوي الشاب الذي تعرّف عليه في كلية الطب مسؤولية الكوارث والمآسي التي لحقت بالعراق، لكنه لا يُنكر مواصفات تمتع بها وساعدته على الارتقاء في الحزب. السلطة حوّلت الشاب المناضل حاكماً مستبداً بلا شريك أو رقيب.

قسوة صدام

سألت علاوي عن قسوة صدام وسأتركه يروي.

لم أشهد قسوة كقساوة صدام. وبوسعي هنا أن أذكر حادثة مهمة. كان من بين البعثيين شخص من الكرادة اسمه حسين هزبر انشق وعمل مع جناح سوريا لحزب البعث في العراق. في أحد الأيام كنّا أنا ومجموعة من البعثيين جالسين نتعشى في حديقة أحد المطاعم. جاء صدام وسعدون شاكر فرحين ويضحكان، فسألتهما عن السبب. قالا إنهما تصديا لحسين هزبر على الجسر المعلّق وأشبعاه ضرباً بأخمص المسدسات، وأنه نُقل إلى مستشفى لا يعرفان عنوانها. شعرنا بالاستياء وشكّلنا وفداً للذهاب إلى المستشفى لتفقد الرجل والسلام عليه وتبرئة الحزب من تلك الفعلة التي تدل على قساوة ونوع من الغدر. لم أكن في عداد الوفد وعرفت أن المجموعة التي هاجمت الرجل كانت من خمسة أشخاص. كان وحيداً يعبر الجسر فطوقوه وأشبعوه ضرباً.

نائب الرئيس العراقي صدام حسين يلقي كلمة أمام حشد من العرب والأكراد عام 1978 خلال احتفال بعيد النوروز قرب مدينة الموصل شمال العراق (غيتي)

أتذكر حادثاً آخر حصل مع صدام في أواخر الشهر العاشر من عام 1969 بعد عودة «البعث» إلى السلطة. اتصل بي وزير الخارجية آنذاك عبد الكريم الشيخلي وسألني عمّا يشغلني في اليوم التالي، وهو يوم جمعة، فقلت أن ليس لديّ أي التزام. طلب مني أن أزوره في بيته لنشرب القهوة ونذهب بعد ذلك إلى الخارجية، حيث لديه بعض الأوراق للتوقيع عليها، ثم نتوجه إلى نادي الصيد للغداء مع صدام الذي اصطاد عدداً من طيور الدراج. في اليوم التالي ذهبت إلى مكان سكن عبد الكريم الشيخلي. شربنا القهوة وتحدثنا في أمور الحزب والأوضاع، فقال لي إنه أصبح في وادٍ والحزب في وادٍ آخر. قلت له: لا تبتعد عن الحزب فنفوذك يكمن فيه وهناك محاولات لمشاغلتك في الخارجية.

وافقني الرجل وخرجنا إلى ممر البيت وصعدنا في سيارته الحكومية، هو يقودها وأنا إلى جانبه. ما إن خرجنا إلى باب المدخل حتى تبعتنا سيارة «حماية» وفيها مجموعة أفراد. بعد ثلاثين متراً فقط أوقفتنا سيدة كانت تبكي وسط الشارع فترجلنا من السيارة وإذ بها سيدة إنجليزية. خاطبت الوزير قائلة إنها متزوجة من مهندس عراقي مسيحي ولهما طفلان واعتقلته الشرطة السرية وأخذته بعدما ضربته في البيت وهي لا تعرف مكانه. أكدت أن زوجها لا يعمل في السياسة وحائز على الدكتوراه من جامعة مانشستر في بريطانيا.

طلب الوزير رقم هاتفها وسجّله أحد المرافقين، ثم توجهنا إلى الوزارة وتحدث مع مدير الأمن العام عن هذا الشخص. قال الوزير: اعتذروا منه وأعطوه كتاباً وأرسلوه إلى بيته بسيارة حكومية، وقبل ذلك يجب أن يكلّم زوجته فوراً. بعد الوزارة توجهنا إلى نادي الصيد وكان صدام في انتظارنا.

الرئيس العراقي في صورة تعود إلى عام 1981 (غيتي)

في بداية اللقاء كان الشيخلي يحمل معه آلة تصوير قال إنها تأخذ صوراً ملوّنة فورية. سأل صدام عن الكاميرا فقال الوزير إنه اشتراها من نيويورك فطلب منه صدام: «خذ لي وللدكتور صورة». قلت لصدام: «هل تتذكر عندما كنا نُعتقل ويبحث أهلنا عنّا لإيصال الطعام والملابس النظيفة؟». قال: «طبعاً، وأتذكر الأكل اللذيذ من بيتكم وكان مع الأكل شراب الزبيب». أجبته: «إذن أبو عدي كان أهلنا يوصلون الأكل لنا (في المعتقل) ومع هذا قمنا بانقلاب، وإن كان أبيض، لأننا لم نكن راضين عن الحكم». فرد صدام بالموافقة. شرحت له قصة السيدة الإنجليزية وتساءلت كيف يحصل ذلك. نظر صدام إليّ وقال: «دكتور، كيف نُرهب الأعداء إذن؟». أجبته: «أخي أبوعدي، هذا الشخص ليس بعدو، وأنتم أرعبتم شخصاً بريئاً وكذلك أطفاله وزملاءه في العمل وزوجته الأجنبية التي حتماً عندما تذهب لزيارة أهلها في بريطانيا ستحدثهم عما جرى لزوجها، وهذا ليس بالأمر الجيد لسمعة العراق». نظر صدام نظرة طويلة وقال لي: «أخي دكتور إياد... بهكذا قلب رقيق ما تمشي الثورة». أجبته قائلاً: «أخي أبو عدي لقد جرّبنا الأسلوب الدموي عام 1963 وبالأسلوب الدموي لم تنجح الثورة».

وليمة المفاجآت

ويروي علاوي، هنا، قصة وزير الخارجية السابق عبد الكريم الشيخلي، وكيف تخلص نظام صدام منه، فيقول:

قصة إعفاء الشيخلي من منصبه في وزارة الخارجية تستحق أن تُذكر. خطب الشيخلي صبية ليتزوجها. دعاه صدام إلى عشاء مع خطيبته، ودعا أيضاً وزير الداخلية نائب رئيس الجمهورية صالح مهدي عماش وزوجته. خلال العشاء بثّت إذاعة بغداد أن الشيخلي وعمّاش أعفيا من مناصبهما. اتصل بي الشيخلي وسألني هل سمعت الخبر؟ استفسرت منه، فقال: «عندما أردت إيصال خطيبتي إلى بيتها سألني سائقي هل سمعت الخبر؟ فأجبته: أي خبر؟ قال: إعفاؤك من كل مناصبك ومواقعك في الحزب والدولة».

شارك الشيخلي مع صدام في محاولة اغتيال قاسم، التي أصيب فيها صدام بشظية. فرّا من البلاد وتوجها إلى مصر وعاشا هناك في أخوّة ووئام. الشيخلي قومي عروبي وله دالة على الحزب وشغل مواقع متقدمة فيه. أُخضع الشيخلي لاحقاً للإقامة الجبرية وتعمدوا قطع الكهرباء عن منزله بحجة عدم دفع الفواتير. وحين توجّه إلى مقر مؤسسة الكهرباء اغتالوه بالرصاص على مرأى من زوجته. كان ذلك في 1980. للأسف لم يقبل نصيحتي بعدم العودة إلى العراق حين كان خارجه.

الرحلة مع «البعث»

سألت علاوي عن بدء رحلته مع حزب البعث، فاستعاد البدايات.

كان أحد أصدقاء أخي الأكبر صباح واسمه وميض عمر نظمي بعثياً وكان يتحدث معي عن «البعث» كلما يأتي إلينا. كان له الدور الأكبر في توجيهي نحو «البعث» بعد انقلاب يوليو (تموز) 1958 بشهرين من دون علم أسرتي. وقد فاتحت بعض الأصدقاء ممن كنت أعتقد أنهم معادون للفكر الشيوعي وكانت لديّ شكوك في أن بعضهم مع حزب البعث. وفعلاً أخبرني وميض أنه عضو في الحزب، وأعطاني كراريس وكتباً عنه. كنت في الثالثة عشرة وأقترب من الرابعة عشرة، ولهذا قررت العمل مع البعثيين لكنني كنت أخشى أهلي. انتميت إلى «البعث» لمناهضة الفكر الأجنبي، بحسب اعتقادي حينذاك. قررت ذلك من دون علم أحد من أفراد أسرتي.

صدام في صورة مؤرخة عام 1960 بمسقط رأسه في تكريت (غيتي)

في مظاهرة للتحدي عندما أعدم عبد الكريم قاسم كوكبة من الشهداء، في مقدمهم ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري ورفاقهما، تعرّفت على رافع طاقة وأخوة آخرين من الذين كانوا مسؤولين عن المظاهرات التي انطلقت من الأعظمية وأنا واحد من المشاركين فيها. تعالت العواطف ورحت أهتف مع المشاركين: «يا بغداد ثوري ثوري وخلّي قاسم يلحق نوري»، في إشارة إلى مصير نوري السعيد الذي سُحل في شوارع بغداد. لاحقاً وخلال توزيع مناشير معادية للحكم، اعتقلني الانضباط العسكري وأفرج عنّي بعد عشرة أيام، فقد كنت صغيراً. قال لي رئيس المحكمة: اذهب إلى أهلك. امتعضت كثيراً حيث أنني كنت أتطلع إلى أن أسجّل بطولات. شاركت بعدها في اعتصامات طلابية واحتجاجات أدت أيضاً إلى اعتقالي.

على ظهر دبابة

صدام حسين خلال لقاء مع وسائل إعلامية في القصر الرئاسي ببغداد عام 1983 (غيتي)

عندما استولى «البعث» على السلطة في العراق في 8 فبراير (شباط) 1963 بقيادة حازم جواد، كان علاوي نزيل «السجن رقم واحد» الذي كان يضم أيضاً أسماء بارزة، بينها علي صالح السعدي وأحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحسن النقيب. شعر السجناء بحركة غير عادية في جوار السجن. وصلهم أن تحركاً عسكرياً يجري في بغداد، لكن لم يعرفوا هويته وما إذا كان شيوعياً أو بعثياً. فجأة تبدّل سلوك الحرس وبدأوا التودد إلى السجناء. وفي الثانية عشرة ظهراً اقتحمت ثلاث دبابات السجن وترجّل من إحداها ضابط مسلّح برشاش وأمر بفتح الأبواب واعتقال مدير السجن وإطلاق سراح المعتقلين، وبدا واضحاً أن «البعث» وراء الحركة. «انطلقنا ونحن فرحون وصعدنا على ظهر الدبابات. الدبابة التي صعدت إليها كان يقودها الضابط أنور عبد القادر الحديثي وتحوّل صديقاً لاحقاً. وأعتقد أن عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء في مرحلة ما بعد صدام) كان معي على الدبابة نفسها».

في ذلك اليوم سيبرز اسم الطيّار منذر الونداوي الذي شارك في قصف وزراة الدفاع التي تحصّن فيها عبد الكريم قاسم. وفي اليوم التالي سيعدم قاسم في مبنى الإذاعة رافضاً وضع العصابة على عينيه في تحدٍ لمن يستعدون لإعدامه، تماماً كما سيفعل صدام حسين لاحقاً قبيل التفاف الحبل على عنقه. ستشهد بغداد في تلك الأيام صدامات عنيفة. «في ذلك اليوم، كان الحزب الشيوعي يدعو جماهيره للوقوف ضد الثورة، ما حدا بالعسكريين، في مقدمهم عبد الغني الراوي، إلى إذاعة بيان يدعو إلى الوقوف بحزم ضد الشيوعيين. وقد أصدر علي صالح السعدي، وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، بتأثير من الراوي، البيان رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين يتصدون لثورة 14 رمضان 1963... واستمرت، للأسف، عمليات المواجهة الواسعة غير المبررة مع الشيوعيين وبأسلوب دموي وبشع على مدى تسعة أشهر، وكان وراءها عدد من العسكريين، فضلاً عن ممارسات الحرس القومي بقيادة الونداوي».

ويضيف: «المهم وبصراحة أن (البعث) كفكر وأيديولوجية وسلوك متوازن انتهى عام 1963. كنا قررنا ترك الحزب، لكن ما حصل بعد ذلك العام وما كان السبب في العودة إليه هو الاضطهاد والاعتقال والمطاردة والقمع الذي تعرضنا له في عهد عبد السلام عارف، وقد كنّا شباباً. لذا قررنا العودة إلى العمل الحزبي لكي نهيّئ لانقلاب عسكري يطيح الحكومة».

في السجن مع صدام ورفاقه

في خريف 1964، قرر الحزب القيام بمحاولة انقلابية لاستعادة السلطة التي كان عبد السلام عارف أقصى الحزب عنها. شكّل لهذا الغرض جهازاً سُميّ جهاز «حنين»، وكان صدام حسين وعبد الكريم الشيخلي ومحمد فاضل في قيادته. في مطلع سبتمبر (أيلول) انكشف أمر المحاولة الانقلابية وبدأت اعتقالات وملاحقات استمرت لما بعد شهر أكتوبر (تشرين الأول). شنّت السلطات حملة اعتقالات ومطاردات واسعة وكنت أنا بين من تم اعتقالهم في ذلك الوقت. وكان صدام والشيخلي وصلاح عمر العلي وعماد شبيب وحامد جواد بين الذين اعتقلوا أيضاً.

هرب ص

حسن العامري.. عبد الكريم الشيخلي.. وصدام حسين في السجن العام 1964

دام وعبد الكريم الشيخلي من السجن عبر صيدلية في منطقة السعدون. كانا يعودان عادة من المحكمة إلى المعتقل مخفورين لكنهما في هذا اليوم ادعيا أنهما بحاجة إلى شراء أدوية. دخلا الصيدلية مع بعض الحراس وفرّا عبر مدخل آخر وكانت سيارة في انتظارهما، واختفيا في أوكار حزبية إلى أن أصدر عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق حينذاك، الرجل الشريف، عفواً عنهما وعن غيرهما مما أفاد في تسريع عملية إعادة بناء الحزب وترميمه. وهكذا بدأ التفكير والحديث الأولي عن وسائل وإمكانية تغيير النظام في العراق عن طريق الانقلاب العسكري.

تخرجت من كلية الطب في صيف عام 1970 وغادرت العراق للسكن في لبنان في الشهر العاشر من عام 1971 مصمماً على الاتفاق مع آخرين لتعديل بعض مسارات الحزب من خلال تغيير القيادات وإعادة الحزب إلى وضعه الحقيقي. وكانت أسباب تركي العمل الحزبي كثيرة، أبرزها البدء بإلغاء الحريات داخل الحزب وخارجه، وكذلك التضييق الذي حصل ضدي وضد آخرين بسبب عدم قناعتي بما كان يحصل ورفضي الإجراءات التي اعتمدت للانفراد بالقرار، ما أدى إلى احتقان شديد مع بعض القادة، وفي مقدمهم صدام حسين التكريتي.

حين يغضب السيد النائب

يتابع علاوي: «كان الجفاء واضحاً خلال مكالمة هاتفية مع صدام بعد إعفاء الشيخلي وعماش من مواقعهما وقبول استقالة سمير نجم من قيادة الحزب. كلّمني صدام وأنا في كلية الطب، وكانت مكالمة مشحونة. أراد مني أن أتكلم ضد الشيخلي. وكنت اعترضت على ما جرى من تعليق للنظام الداخلي للحزب على إثر إبعاد الشيخلي وعماش اللذين كانا عضوين في القيادة القومية والقيادة القطرية وفي مجلس قيادة الثورة، وكذلك سمير نجم، وما رافق ذلك من توتر. أدى كل ذلك الشحن السياسي إلى أن يقوم بعض الأخوة في الحزب بنصيحتي بالسفر للتخصص. غادرت إلى لبنان ومنه إلى لندن».

كان بين الذين نصحوا علاوي بالمغادرة صديق له اسمه ناظم كزار، وهو عضو شهير في ما يُعرف بـ«نادي القساة»، خصوصاً حين تولى منصب مدير الأمن العام وحين حاول في 1973 اغتيال أحمد حسن البكر وصدّام حسين معاً في مطار بغداد احتجاجاً على ما عدّوه خروجاً على النهج الأساسي للحزب وسيطرة «فريق تكريت» على الحزب والدولة. تأخرت طائرة البكر في الوصول فتوهّم المتآمرون أن الخطة انكشفت. فرّ كزار مع رهائنه في اتجاه الحدود مع إيران لكن الجيش طارده واعتقله وتمت تصفيته سريعاً.

يقول علاوي: أُعدم كزار سريعاً. أطلقت النار على رأسه من الخلف. لم يستطع أحد أن يواجهه رغم أنه كان معتقلاً. إنه أكثر الرجال الذي التقيتهم جرأة. لا يعرف شيئاً اسمه الخوف. عملنا معاً في مكتب الطلبة في الحزب. جرأة بلا حدود والتزام مطلق بأهداف الحزب. كان عنيفاً مثل صدام. عنيف وقوي ونزيه. لا غبار أبداً على نزاهته. ذات يوم قال لي إن شقيقته تستعد لولادة صعبة ولا يملك المال اللازم لإدخالها إلى المستشفى. كان مديراً للأمن العام وأنا كنت طالباً في كلية الطب. سألته: «أليس لديك المبلغ اللازم؟»، فأجاب: «لا، والله». اتصلت بالأستاذ كمال السامرائي، وهو كان أستاذنا في الكلية ولديه مستشفى خاص اسمه «مستشفى السامرائي» وأبلغته بالأمر، فسألني: «هل يُعقل ألا يكون لديه المال؟». أجبته: «والله ليس لديه، أنا أعرف أنه رجل نزيه ولا يمد يده إلى مال ليس له». أدخلها السامرائي إلى المستشفى وأجرى لها الولادة ولم يأخذ منها مالاً. يمكن القول إن صدام وكزار أعنف رجلين عرفهما العراق لكن لم يكن المال موضع اهتمامهما.

عبد الكريم الشيخلي

سألت علاوي عما نُسج من روايات حول دور كزار في عمليات تعذيب رهيبة شهدها «قصر النهاية»، فأجاب: السمعة التي لطّخ بها ناظم كزار سمعة رهيبة. أنا سألت شيوعيين عن الأنباء عن ضلوع كزار شخصياً في عمليات تعذيب فلم أحصل على جواب مباشر. سألت عزيز محمد وعامر عبد الله وفخري كريم وهم كانوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي، فلم يتحدثوا عن معاينتهم دوراً شخصياً له. طبعاً كان ناظم معروفاً بلجوئه إلى العنف، مثل صدام.

مساء 16 يوليو (تموز) 1968، عاد إياد علاوي إلى العراق من لبنان منهكاً وحزيناً بعدما وارى والدته هناك. عرف ليلاً أن نهار الغد سيشهد محاولة انقلابية، فانضم إلى المشاركين فيها. في 17 يوليو، استسلم الرئيس عبد السلام عارف لقدره بعدما تأكد أن قائد الحرس الجمهوري عبد الرحمن الداود ونائب رئيس الاستخبارات العسكرية عبد الرزاق نايف اتفقا مع «البعث» على إطاحته.

قرأ صدام تجربة انتكاسة «البعث» في 1963، اتخذ قراراً بعدم الاطمئنان إلى العسكريين، وكذلك بعدم السماح بقيام تكتلات داخل الحزب. اختار الإقامة تحت عباءة «الأب القائد» أحمد حسن البكر، بانتظار استكمال إخضاع الحزب والجيش. تخلّص تباعاً من كل معترض أو معارض ومن كل من يزعم أنه شريك. زار ذات يوم منزل علاوي وعرض عليه منصب سفير العراق في بيروت، لكن الأخير اعتذر متذرعاً بالرغبة في استكمال تخصصه في مجال الطب.

غادر علاوي إلى لبنان ومنه إلى بريطانيا. في 1975 قطع علاقته تماماً مع الحزب واختار العمل من أجل تغيير النظام. نجا في 1978 من محاولة لاغتياله ونجا بعد سقوط نظام صدام عام 2003 وعودته إلى بغداد من محاولات لاغتياله، بينها تفجير رتبه تنظيم «القاعدة».

ختام الجلسة

سألت علاوي في ختام الجلسة عن السبب الذي جعل صدام يتقدم في الحزب ويستولي عليه، فأجاب: «سببان رئيسيان: السبب الأول جرأته الفائقة، والثاني وقوف أحمد حسن البكر معه. اعتقد البكر أن صدام حليفه في الجانب المدني من الحزب. لاحقاً شعر صدام بالسيطرة على الحزب فانقلب على البكر. حذّرنا الجميع باكراً، لكن ما حدث قد حدث. انزلاق صدام إلى الاعتماد على العنصر العائلي والتكريتي بدأ بعد شهرين من عودة (البعث) إلى السلطة».

قصة علاوي مهمة وطويلة وشائكة ولا تتسع لها حفنة صفحات. روايته تسلط الضوء على بعض ملامح تلك المرحلة خصوصاً أنه كان على علاقة مباشرة بأبرز اللاعبين في «نادي القساة».


مقالات ذات صلة

سافايا يضغط لإنهاء «الميليشيات والتدخل الخارجي» في العراق

المشرق العربي قادة «الإطار التنسيقي» وقّعوا على بيان لإعلانهم «الكتلة الأكثر عدداً» في البرلمان العراقي الجديد (واع)

سافايا يضغط لإنهاء «الميليشيات والتدخل الخارجي» في العراق

يتصاعد الضغط الأميركي لإنهاء الميليشيات والسلاح المنفلت في العراق، بالتزامن مع مفاوضات بطيئة داخل «الإطار التنسيقي» لحسم اسم المرشح النهائي لرئاسة الحكومة.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني (شبكة روداو)

خاص خلاف كردي صامت على آلية اختيار الرئيس العراقي

تتسع دائرة الخلافات الكردية - الكردية، من دون سجالات علنية؛ بسبب آلية طرحها زعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني لاختيار رئيس الجمهورية العراقية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش الأميركي من زيارة رئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عبد الأمير يار الله إلى قاعدة «عين الأسد» في أغسطس 2024

«التحالف الدولي» يسلم قاعدة عسكرية إلى القوات العراقية الأسبوع المقبل

أعلنت «قيادة العمليات المشتركة» في العراق قرب استكمال انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة «عين الأسد»، غربي العراق، وتسليمها إلى القوات العراقية الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد (أ.ف.ب)

برلمان العراق يتجاوز أزمة سياسية... ويفتح الترشح لـ«رئيس الجمهورية»

أنهى مجلس النواب العراقي، الثلاثاء، جدلاً سياسياً بانتخاب قيادي في «الديمقراطي الكردستاني» نائباً ثانياً لرئيس البرلمان.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي نواب يحضرون الجلسة الأولى للبرلمان السادس في بغداد (أ.ف.ب)

تسوية حسمت رئاسة البرلمان العراقي في جلسة «انسيابية»

طويت واحدة من أكثر العقد السياسية في العراق، مع انتخاب مجلس النواب، الاثنين، النائب هيبت حمد عباس الحلبوسي رئيساً للبرلمان للدورة السادسة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

«الإدارة الذاتية» بسوريا: من المتوقع بدء تنفيذ بنود «اتفاق 10 مارس» خلال أيام

لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
لافتة مرورية تشير إلى مناطق «الإدارة الذاتية» شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

قال ياسر السليمان المتحدث باسم وفد «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، والذي يتفاوض مع الحكومة السورية، إنه من المتوقع بدء تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس (آذار) خلال أيام.

وأضاف المتحدث في تصريحات نقلها تلفزيون سوريا اليوم (الخميس) أن الطرف الأميركي سيكون حاضراً في الإشراف على تنفيذ الاتفاق مع الحكومة.

وتابع السليمان أن سوريا «لا تحتمل سوى جيش واحد بتشكيلات متنوعة»، حسب تعبيره.

وأضاف: «نعوّل على وطنية الرئيس أحمد الشرع وحرصه على أن تتحقق عملية الدمج من أجل التفرغ لبناء سوريا كما يليق بتضحيات السوريين».

طريق يؤدي إلى مناطق خاضعة لسيطرة «قسد» و«الإدارة الذاتية» (الشرق الأوسط)

ورداً على سؤال حول النفط، قال المتحدث باسم الوفد المفاوض لـ«الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا إن المشتقات النفطية ستكون في متناول جميع السوريين ضمن مؤسسات الدولة، لكنه أشار إلى أن جزءاً من عائدات المشتقات النفطية سيخصص للمناطق التي تُستخرج منها.

وأشار المتحدث إلى أن «هناك الكثير من الخلافات مع تركيا، ونطمح لحلها عبر بنية الدولة السورية».


الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية  (القوات المسلحة الأردنية)
اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية (القوات المسلحة الأردنية)
TT

الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية  (القوات المسلحة الأردنية)
اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي يتفقد الأحد عدداً من التشكيلات والوحدات ويطّلع على مستوى الجاهزية العملياتية على الواجهة الحدودية الشمالية (القوات المسلحة الأردنية)

لا تملك المصادر الأردنية إجابات محددة عن التقديرات الرسمية للخطر القادم من الجنوب السوري بعد أن انتعشت الفوضى فيه مجدداً، بسبب تضارب المصالح لمجموعات وفصائل مسلحة وتجار مخدرات، واستمرار المحاولات الإسرائيلية في خلق واقع جديد يخدم مشروع تقسيم سوريا.

ومؤخراً، عاد سلاح الجو الأردني التابع للقوات المسلحة (الجيش العربي) لقصف بؤر تجارة المخدرات في الجنوب السوري. وعلى مدى يومين، الشهر الماضي، نفذت طائرات سلاح الجو ضربات موجهة لمجموعات من مصنّعي ومروّجي مواد مخدرة في الداخل السوري.

وعشية 25 ديسمبر (كانون الأول)، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أنها تعاملت «مع عدد من الجماعات التي تعمل على تهريب الأسلحة والمواد المخدرة على الواجهة الحدودية الشمالية للمملكة»، مبينة أنها تجري تقييماً للموقف عملياتياً واستخبارياً لتحييد تلك الجماعات والتعامل معها، ومنع مختلف أشكال التسلل والتهريب للأسلحة والمخدرات، في إطار دورها في حماية أمن واستقرار المملكة.

وعلى الرغم من تنفيذ سلاح الجو الأردني عدداً من الضربات في الجنوب السوري من دون إعلان رسمي خلال عامَي 2023 و2024، فقد شكّل الإعلان العسكري عن تنفيذ ضربة جوية استهدفت مجموعات إرهابية محسوبة على تنظيم «داعش»، محاولة استعادة نفوذ الأردن في الجنوب السوري، وضرب مهربين وخطوط إنتاج مواد مخدرة، في سابقة هي الأولى من نوعها خلال سنوات الحرب في سوريا.

لا تنفصل القصة عن سياق مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والذي انضمت له مؤخراً الجمهورية العربية السورية بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع للبيت الأبيض ولقائه الرئيس دونالد ترمب، قبل نحو شهر تقريباً.

بالنسبة لعمّان، فإن جهود مكافحة الإرهاب ستطول مجموعات إرهابية منتمية لجماعات متطرفة، إلى جانب ضرب بؤر صناعة وتجارة المخدرات في الجنوب السوري. لكن على ما يبدو، فإن معلومات مؤكدة دفعت القوات المسلحة الأردنية لتنفيذ ضربة جوية استباقية تحول دون عودة محاولات تهريب المواد المخدرة من الجنوب السوري نحو المملكة.

ويتزامن ذلك مع دخول فصل الشتاء الذي ينشط فيه المهربون بسبب محدودية الرؤية في الأجواء الماطرة والضباب الكثيف، الأمر الذي يرفع من تكلفة حماية الحدود من جانب واحد.

وأحبطت قوات حرس الحدود محاولات تهريب بواسطة المسيّرات و«البالونات» التي حملت كميات من مواد مخدرة وتم إسقاطها. كما أحبط الجيش على الحدود عشرات محاولات تسلل مهربين وعناصر مسلحة قادمة من الجنوب السوري.

تفاهمات أمنية

أكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق، كان موقف الأردن واضحاً «إلى جانب الشعب السوري وتقديم كل أشكال الدعم والمساندة لتحقيق أمن سوريا واستقرارها، وتلبية تطلعات شعبها نحو مستقبل أفضل».

تضيف المصادر أن المملكة تتعامل مع «الأمر الواقع»، بهدف تأمين المصالح الأردنية على الحدود المشتركة مع الجارة الشمالية سوريا، والتي يبلغ طولها نحو (375 كم) شكّلت على مدى سنوات الأزمة السورية قلقاً أمنياً مضاعفاً للمملكة، في حين بدأت الأزمة منذ وصول أولى دفعات اللاجئين السوريين الذين غادروا مدنهم بحثاً عن الأمن بعيداً عن الحرب.

سيدتان تنتظران المرور من معبر جابر إلى معبر نصيب بعد غياب طويل عن سوريا (أ.ف.ب)

وبينما قالت المصادر إن الأردن «ملتزم بمبدأ العودة الطوعية للاجئين السوريين»، فقد أكدت أنه منذ 8 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، عاد أكثر من 176 ألف لاجئ سوري من الأردن. وعلى الرغم من تراجع التمويل الدولي للدول المستضيفة، فإن المملكة قدمت «كافة الخدمات الأساسية لضمان العيش الكريم للاجئين السوريين».

موافقة سورية على دور أردني

وأبدت عمّان رسمياً دعمها للنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، وبادرت المملكة باستضافة اجتماعات عربية ودولية في مدينة العقبة الجنوبية منتصف ديسمبر 2024، بعد أيام من سقوط النظام، لبحث الأوضاع في سوريا والتنسيق بشأن سبل دعمها، ليكون وزير الخارجية أيمن الصفدي أول وزير خارجية عربي يزور دمشق بعد سقوط النظام، في رسالة واضحة تؤكد أن عمّان في مقدمة الدول الساعية لمساعدة سوريا، وفق ما أفادت به المصادر.

الشيباني والصفدي والمبعوث الأميركي توم برّاك خلال مؤتمر صحافي في دمشق حول خريطة طريق للسويداء (إ.ب.أ)

وتوضح المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن بناء الثقة مع النظام السوري الجديد، مكّن الأردن من العمل مع الحكومة السورية والولايات المتحدة لاحتواء أزمة السويداء عبر خريطة طريق متفق عليها تضمن أمن ووحدة وسيادة سوريا، في إطار دعم الأردن جهود الاستقرار الشامل. وعلى الرغم من التداعيات الحاصلة، ما يزال الأردن فاتحاً على قنوات اتصال مع قيادات في الجنوب السوري بحثاً عن مساندة جهود عودة الاستقرار لتلك المناطق دعماً لوحدة الأراضي السورية.

وكانت «الشرق الأوسط» نقلت في وقت سابق عن مصادر سياسية أردنية مطلعة، أن الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته الرسمية الأولى لعمّان في السادس والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، ولقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، قد «أبدى رغبته في أن يكون هناك دور أمني أردني في درعا»، بهدف مساعدة الحكم الجديد في بسط السيطرة على الأراضي السورية كافة، مما يعكس مدى مرونة وتجاوب التنسيق الأمني بين عمّان ودمشق في هذه الفترة.

التهريب من الجنوب السوري

في شهر أغسطس (آب) الماضي، نشرت «الشرق الأوسط» معلومات إحصائية تحدثت عن ارتفاع عدد عمليات التهريب عبر الحدود مع سوريا، في مقابل انخفاض حجم المواد المهربة، بسبب هروب «الفرقة الرابعة» بقيادة ماهر الأسد وميليشيات إيرانية، وأخرى محسوبة على «حزب الله» اللبناني أو تابعة للنظام السوري السابق.

مخدرات وأسلحة مهربة عبر الحدود السورية - الأردنية (القوات المسلحة الأردنية)

لكن مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن أن كميات كبيرة من المخدرات الموجودة في الجنوب السوري ما زالت في أيادي وسطاء يحاولون التخلص منها في ظل انخفاض الكميات المتوفرة في أسواق التهريب، بعد قتل عدد من كبار التجار والمهربين، وتدمير خطوط إنتاج وتصنيع حبوب «الكبتاغون» ومواد مخدرة مصنّعة كمادة «الكريستال».

وأظهرت بيانات نشرها الإعلام العسكري أنَّ القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) منعت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الماضي دخول 14 مليوناً و134 ألفاً و87 حبَّة مخدر، و92 كيلوغراماً و126 غراماً من المخدرات، و10 آلاف و603 كفوف من مادة الحشيش المخدر.

وفي إحصائية غطت المدة الزمنية من 1 يناير (كانون الثاني) إلى 16 يوليو (تموز) من العام الماضي، قال الإعلام العسكري بحسب بيانات منشورة، إن القوات المسلحة الأردنية أسقطت 310 طائرات من دون طيار محملة بالمخدرات، بمعدل 51 طائرة مُسيّرة شهرياً، أو نحو مسيّرتين يومياً، خلال هذه الفترة، وكشفت كل أساليب تجار المخدرات، وضبطت هذه الطائرات قبل أن تصل إلى وجهتها أو تعود إلى أوكار مرسليها.

طائرة مسيّرة من سوريا تحمل مخدرات أسقطها الجيش الأردني في يوليو 2023 (رويترز)

وبحسب البيانات أيضاً، نفذ تجار مخدرات 69 عملية تهريب، و69 عملية تسلل، واستخدموا 84 قطعة سلاح، وحاولوا تغيير أساليبهم واستخدام التكنولوجيا. في حين كشف الإعلام العسكري عن طرق جديدة لتهريب المواد المخدرة؛ فبعد إسقاط مقذوف قادم من الأراضي السورية، تم الكشف عن «بالونات» يتم التحكم بها عن بُعد حتى تصل إلى وجهتها. وبعد إسقاط «البالونات» التي حاولت العبور من الحدود، تبين أنها تحمل في أسفلها 500 غرام من مادة «الكريستال» المخدّر.


القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
TT

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

أكدت «دار الفتوى» في لبنان، الخميس، أنها لا تتدخل في المسار القضائي الذي يلاحق رجل دين متهماً بالاشتراك مع شخص آخر موقوف لدى السلطات اللبنانية بتهمة انتحال صفة مسؤول سعودي، ويتواصل مع شخصيات لبنانية بهذه الصفة.

كانت السلطات اللبنانية قد أوقفت الشهر الماضي، لبنانياً يدّعي أن اسمه «أبو عمر»، ينتحل صفة مسؤول سعودي، ويتواصل مع شخصيات لبنانية، مدعياً أنه يساعد في بلورة تحالفات انتخابية، وهي حادثة تكررت بأشكال مختلفة قبيل الاستحقاقات الانتخابية في لبنان في 2018 و2022، علماً بأن سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان كانت قد حذَّرت في بيان سابق لها من «التعامل مع مجهولين يقدمون أنفسهم على أنهم شخصيات سعودية اعتبارية». وإثر التوسع في التحقيق، أوقف القضاء اللبناني، الأربعاء، رجل دين بتهمة الاشتراك مع الموقوف في الجرم.

بيان «دار الفتوى»

وعلى أثر التوقيف، أعلن المكتب الإعلامي في «دار الفتوى» في بيان، أن قضية منتحل الصفة «وملاحقة كل متورط في عهدة القضاء»، مشدداً على أن «ما يجري من توقيف على ذمة التحقيق، لا تتدخل فيه (دار الفتوى) ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، لا من قريب ولا من بعيد، باعتبار ان مَن يُذكر اسمه (رجل الدين) غير موظف لدى دار الفتوى والمؤسسات التابعة لها».

ورداً على حملة استهدفت دار الفتوى بعد توقيف رجل الدين، أكد البيان أن حملة الافتراء والتشويه والأضاليل المبرمجة، تتناقض مع أخلاقيات التعامل مع دار الفتوى التي تعرف حق المعرفة ما يجب لها وعليها، وتتابع كل القضايا بدقة وتأنٍّ».

ادعاء يتكرر منذ 2018

ولا يُنظر إلى هذا الادعاء على أنه جديد، إذ تكرر قبيل انتخابات 2018 وانتخابات 2022 النيابية، ويتكرر الآن قبيل الانتخابات النيابية المزمعة في مايو (أيار) 2026، وتتابع السفارة السعودية لدى لبنان هذه الادعاءات من كثب، وتُحذر منها.

ففي عام 2018، حذّرت سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان من «أشخاص مجهولين يقدمون أنفسهم في لبنان على أنهم شخصيات سعودية اعتبارية، أو ممثلين لجهات معينة، أو باحثين، وغير ذلك، ويعقدون لقاءات مع شخصيات لبنانية مختلفة لأهداف غير معروفة، واتضح أن بعضهم لا يحمل الجنسية السعودية».

وأهابت السفارة بـ«ضرورة التثبت من هويات تلك الشخصيات وصفاتها قبل التعامل معها»، ورحبت «بالتنسيق معها والاستفسار عن أي شخص يدَّعي أنه يمثل جهة سعودية»، كما حذرت من التعامل مع تلك الشخصيات المجهولة. ويكرر سفير المملكة لدى لبنان وليد بخاري، موقف بلاده الداعم لاستقرار لبنان، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.