علاوي: صدام كان شاباً شهماً حوّلته السلطة مستبداً بلا شريك أو رقيب

رئيس الوزراء العراقي السابق روى لـ«الشرق الأوسط» رحلته مع «البعث» وصدام وعراق ما بعد الاحتلال (الحلقة الأخيرة)

TT

علاوي: صدام كان شاباً شهماً حوّلته السلطة مستبداً بلا شريك أو رقيب


الرئيس العراقي في صورة تعود إلى عام 1981 (غيتي)
الرئيس العراقي في صورة تعود إلى عام 1981 (غيتي)

كان ذلك في عام 1964، ربطت إياد علاوي علاقة صداقة بزميل له اسمه عبد الكريم الشيخلي الذي عاد إلى كلية الطب في بغداد بعد انقطاع طويل بسبب مشاركته في محاولة اغتيال الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم في 1959. ذات يوم جاء شاب نحيل إلى الكلية فتولى الشيخلي تعريف علاوي عليه. اسم الشاب صدام حسين. سيكرر صدام تلك الزيارات وسيسأل علاوي أكثر من مرة «أين أخي التوأم؟». وكان علاوي يجيب بأنه في المحاضرة وسيأتي بعد انتهائها، وكان الاثنان يتبادلان الأحاديث حول فنجان قهوة ثم ينضم إليهما الشيخلي. نشأت صداقة بين الثلاثة وستتكرر اللقاءات وسيقيمون في المعتقل نفسه في 1964، لكن المصائر ستفترق حين يتحوّل صدام لاحقاً سيّد الحزب والبلاد بلا منازع.

رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي خلال حواره مع رئيس التحرير غسان شربل (الشرق الأوسط)

في 1978 أدمت فأس صدام، علاوي، بعدما دفعته إلى شفير الموت. لا تمنع العداوة علاوي من الاعتراف لخصمه بصفات ومميزات. سألته كيف كان صدام في النصف الأول من الستينات، فأجاب: «حين التقينا للمرة الأولى لم يكن صاحب دور مهم في الحزب. لكنه كان رجلاً يتسم بالشهامة والإرادة القوية ويُعدُّ من مناضلي الحزب والملتزمين بفكره». لا يجد صعوبة أيضاً في الاعتراف بأن حكومته أجرت بعد سقوط صدام تحقيقات «ولم تعثر على عقار واحد باسمه بما في ذلك طائرة الرئاسة». يحمّل علاوي الشاب الذي تعرّف عليه في كلية الطب مسؤولية الكوارث والمآسي التي لحقت بالعراق، لكنه لا يُنكر مواصفات تمتع بها وساعدته على الارتقاء في الحزب. السلطة حوّلت الشاب المناضل حاكماً مستبداً بلا شريك أو رقيب.

قسوة صدام

سألت علاوي عن قسوة صدام وسأتركه يروي.

لم أشهد قسوة كقساوة صدام. وبوسعي هنا أن أذكر حادثة مهمة. كان من بين البعثيين شخص من الكرادة اسمه حسين هزبر انشق وعمل مع جناح سوريا لحزب البعث في العراق. في أحد الأيام كنّا أنا ومجموعة من البعثيين جالسين نتعشى في حديقة أحد المطاعم. جاء صدام وسعدون شاكر فرحين ويضحكان، فسألتهما عن السبب. قالا إنهما تصديا لحسين هزبر على الجسر المعلّق وأشبعاه ضرباً بأخمص المسدسات، وأنه نُقل إلى مستشفى لا يعرفان عنوانها. شعرنا بالاستياء وشكّلنا وفداً للذهاب إلى المستشفى لتفقد الرجل والسلام عليه وتبرئة الحزب من تلك الفعلة التي تدل على قساوة ونوع من الغدر. لم أكن في عداد الوفد وعرفت أن المجموعة التي هاجمت الرجل كانت من خمسة أشخاص. كان وحيداً يعبر الجسر فطوقوه وأشبعوه ضرباً.

نائب الرئيس العراقي صدام حسين يلقي كلمة أمام حشد من العرب والأكراد عام 1978 خلال احتفال بعيد النوروز قرب مدينة الموصل شمال العراق (غيتي)

أتذكر حادثاً آخر حصل مع صدام في أواخر الشهر العاشر من عام 1969 بعد عودة «البعث» إلى السلطة. اتصل بي وزير الخارجية آنذاك عبد الكريم الشيخلي وسألني عمّا يشغلني في اليوم التالي، وهو يوم جمعة، فقلت أن ليس لديّ أي التزام. طلب مني أن أزوره في بيته لنشرب القهوة ونذهب بعد ذلك إلى الخارجية، حيث لديه بعض الأوراق للتوقيع عليها، ثم نتوجه إلى نادي الصيد للغداء مع صدام الذي اصطاد عدداً من طيور الدراج. في اليوم التالي ذهبت إلى مكان سكن عبد الكريم الشيخلي. شربنا القهوة وتحدثنا في أمور الحزب والأوضاع، فقال لي إنه أصبح في وادٍ والحزب في وادٍ آخر. قلت له: لا تبتعد عن الحزب فنفوذك يكمن فيه وهناك محاولات لمشاغلتك في الخارجية.

وافقني الرجل وخرجنا إلى ممر البيت وصعدنا في سيارته الحكومية، هو يقودها وأنا إلى جانبه. ما إن خرجنا إلى باب المدخل حتى تبعتنا سيارة «حماية» وفيها مجموعة أفراد. بعد ثلاثين متراً فقط أوقفتنا سيدة كانت تبكي وسط الشارع فترجلنا من السيارة وإذ بها سيدة إنجليزية. خاطبت الوزير قائلة إنها متزوجة من مهندس عراقي مسيحي ولهما طفلان واعتقلته الشرطة السرية وأخذته بعدما ضربته في البيت وهي لا تعرف مكانه. أكدت أن زوجها لا يعمل في السياسة وحائز على الدكتوراه من جامعة مانشستر في بريطانيا.

طلب الوزير رقم هاتفها وسجّله أحد المرافقين، ثم توجهنا إلى الوزارة وتحدث مع مدير الأمن العام عن هذا الشخص. قال الوزير: اعتذروا منه وأعطوه كتاباً وأرسلوه إلى بيته بسيارة حكومية، وقبل ذلك يجب أن يكلّم زوجته فوراً. بعد الوزارة توجهنا إلى نادي الصيد وكان صدام في انتظارنا.

الرئيس العراقي في صورة تعود إلى عام 1981 (غيتي)

في بداية اللقاء كان الشيخلي يحمل معه آلة تصوير قال إنها تأخذ صوراً ملوّنة فورية. سأل صدام عن الكاميرا فقال الوزير إنه اشتراها من نيويورك فطلب منه صدام: «خذ لي وللدكتور صورة». قلت لصدام: «هل تتذكر عندما كنا نُعتقل ويبحث أهلنا عنّا لإيصال الطعام والملابس النظيفة؟». قال: «طبعاً، وأتذكر الأكل اللذيذ من بيتكم وكان مع الأكل شراب الزبيب». أجبته: «إذن أبو عدي كان أهلنا يوصلون الأكل لنا (في المعتقل) ومع هذا قمنا بانقلاب، وإن كان أبيض، لأننا لم نكن راضين عن الحكم». فرد صدام بالموافقة. شرحت له قصة السيدة الإنجليزية وتساءلت كيف يحصل ذلك. نظر صدام إليّ وقال: «دكتور، كيف نُرهب الأعداء إذن؟». أجبته: «أخي أبوعدي، هذا الشخص ليس بعدو، وأنتم أرعبتم شخصاً بريئاً وكذلك أطفاله وزملاءه في العمل وزوجته الأجنبية التي حتماً عندما تذهب لزيارة أهلها في بريطانيا ستحدثهم عما جرى لزوجها، وهذا ليس بالأمر الجيد لسمعة العراق». نظر صدام نظرة طويلة وقال لي: «أخي دكتور إياد... بهكذا قلب رقيق ما تمشي الثورة». أجبته قائلاً: «أخي أبو عدي لقد جرّبنا الأسلوب الدموي عام 1963 وبالأسلوب الدموي لم تنجح الثورة».

وليمة المفاجآت

ويروي علاوي، هنا، قصة وزير الخارجية السابق عبد الكريم الشيخلي، وكيف تخلص نظام صدام منه، فيقول:

قصة إعفاء الشيخلي من منصبه في وزارة الخارجية تستحق أن تُذكر. خطب الشيخلي صبية ليتزوجها. دعاه صدام إلى عشاء مع خطيبته، ودعا أيضاً وزير الداخلية نائب رئيس الجمهورية صالح مهدي عماش وزوجته. خلال العشاء بثّت إذاعة بغداد أن الشيخلي وعمّاش أعفيا من مناصبهما. اتصل بي الشيخلي وسألني هل سمعت الخبر؟ استفسرت منه، فقال: «عندما أردت إيصال خطيبتي إلى بيتها سألني سائقي هل سمعت الخبر؟ فأجبته: أي خبر؟ قال: إعفاؤك من كل مناصبك ومواقعك في الحزب والدولة».

شارك الشيخلي مع صدام في محاولة اغتيال قاسم، التي أصيب فيها صدام بشظية. فرّا من البلاد وتوجها إلى مصر وعاشا هناك في أخوّة ووئام. الشيخلي قومي عروبي وله دالة على الحزب وشغل مواقع متقدمة فيه. أُخضع الشيخلي لاحقاً للإقامة الجبرية وتعمدوا قطع الكهرباء عن منزله بحجة عدم دفع الفواتير. وحين توجّه إلى مقر مؤسسة الكهرباء اغتالوه بالرصاص على مرأى من زوجته. كان ذلك في 1980. للأسف لم يقبل نصيحتي بعدم العودة إلى العراق حين كان خارجه.

الرحلة مع «البعث»

سألت علاوي عن بدء رحلته مع حزب البعث، فاستعاد البدايات.

كان أحد أصدقاء أخي الأكبر صباح واسمه وميض عمر نظمي بعثياً وكان يتحدث معي عن «البعث» كلما يأتي إلينا. كان له الدور الأكبر في توجيهي نحو «البعث» بعد انقلاب يوليو (تموز) 1958 بشهرين من دون علم أسرتي. وقد فاتحت بعض الأصدقاء ممن كنت أعتقد أنهم معادون للفكر الشيوعي وكانت لديّ شكوك في أن بعضهم مع حزب البعث. وفعلاً أخبرني وميض أنه عضو في الحزب، وأعطاني كراريس وكتباً عنه. كنت في الثالثة عشرة وأقترب من الرابعة عشرة، ولهذا قررت العمل مع البعثيين لكنني كنت أخشى أهلي. انتميت إلى «البعث» لمناهضة الفكر الأجنبي، بحسب اعتقادي حينذاك. قررت ذلك من دون علم أحد من أفراد أسرتي.

صدام في صورة مؤرخة عام 1960 بمسقط رأسه في تكريت (غيتي)

في مظاهرة للتحدي عندما أعدم عبد الكريم قاسم كوكبة من الشهداء، في مقدمهم ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري ورفاقهما، تعرّفت على رافع طاقة وأخوة آخرين من الذين كانوا مسؤولين عن المظاهرات التي انطلقت من الأعظمية وأنا واحد من المشاركين فيها. تعالت العواطف ورحت أهتف مع المشاركين: «يا بغداد ثوري ثوري وخلّي قاسم يلحق نوري»، في إشارة إلى مصير نوري السعيد الذي سُحل في شوارع بغداد. لاحقاً وخلال توزيع مناشير معادية للحكم، اعتقلني الانضباط العسكري وأفرج عنّي بعد عشرة أيام، فقد كنت صغيراً. قال لي رئيس المحكمة: اذهب إلى أهلك. امتعضت كثيراً حيث أنني كنت أتطلع إلى أن أسجّل بطولات. شاركت بعدها في اعتصامات طلابية واحتجاجات أدت أيضاً إلى اعتقالي.

على ظهر دبابة

صدام حسين خلال لقاء مع وسائل إعلامية في القصر الرئاسي ببغداد عام 1983 (غيتي)

عندما استولى «البعث» على السلطة في العراق في 8 فبراير (شباط) 1963 بقيادة حازم جواد، كان علاوي نزيل «السجن رقم واحد» الذي كان يضم أيضاً أسماء بارزة، بينها علي صالح السعدي وأحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وحسن النقيب. شعر السجناء بحركة غير عادية في جوار السجن. وصلهم أن تحركاً عسكرياً يجري في بغداد، لكن لم يعرفوا هويته وما إذا كان شيوعياً أو بعثياً. فجأة تبدّل سلوك الحرس وبدأوا التودد إلى السجناء. وفي الثانية عشرة ظهراً اقتحمت ثلاث دبابات السجن وترجّل من إحداها ضابط مسلّح برشاش وأمر بفتح الأبواب واعتقال مدير السجن وإطلاق سراح المعتقلين، وبدا واضحاً أن «البعث» وراء الحركة. «انطلقنا ونحن فرحون وصعدنا على ظهر الدبابات. الدبابة التي صعدت إليها كان يقودها الضابط أنور عبد القادر الحديثي وتحوّل صديقاً لاحقاً. وأعتقد أن عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء في مرحلة ما بعد صدام) كان معي على الدبابة نفسها».

في ذلك اليوم سيبرز اسم الطيّار منذر الونداوي الذي شارك في قصف وزراة الدفاع التي تحصّن فيها عبد الكريم قاسم. وفي اليوم التالي سيعدم قاسم في مبنى الإذاعة رافضاً وضع العصابة على عينيه في تحدٍ لمن يستعدون لإعدامه، تماماً كما سيفعل صدام حسين لاحقاً قبيل التفاف الحبل على عنقه. ستشهد بغداد في تلك الأيام صدامات عنيفة. «في ذلك اليوم، كان الحزب الشيوعي يدعو جماهيره للوقوف ضد الثورة، ما حدا بالعسكريين، في مقدمهم عبد الغني الراوي، إلى إذاعة بيان يدعو إلى الوقوف بحزم ضد الشيوعيين. وقد أصدر علي صالح السعدي، وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، بتأثير من الراوي، البيان رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين يتصدون لثورة 14 رمضان 1963... واستمرت، للأسف، عمليات المواجهة الواسعة غير المبررة مع الشيوعيين وبأسلوب دموي وبشع على مدى تسعة أشهر، وكان وراءها عدد من العسكريين، فضلاً عن ممارسات الحرس القومي بقيادة الونداوي».

ويضيف: «المهم وبصراحة أن (البعث) كفكر وأيديولوجية وسلوك متوازن انتهى عام 1963. كنا قررنا ترك الحزب، لكن ما حصل بعد ذلك العام وما كان السبب في العودة إليه هو الاضطهاد والاعتقال والمطاردة والقمع الذي تعرضنا له في عهد عبد السلام عارف، وقد كنّا شباباً. لذا قررنا العودة إلى العمل الحزبي لكي نهيّئ لانقلاب عسكري يطيح الحكومة».

في السجن مع صدام ورفاقه

في خريف 1964، قرر الحزب القيام بمحاولة انقلابية لاستعادة السلطة التي كان عبد السلام عارف أقصى الحزب عنها. شكّل لهذا الغرض جهازاً سُميّ جهاز «حنين»، وكان صدام حسين وعبد الكريم الشيخلي ومحمد فاضل في قيادته. في مطلع سبتمبر (أيلول) انكشف أمر المحاولة الانقلابية وبدأت اعتقالات وملاحقات استمرت لما بعد شهر أكتوبر (تشرين الأول). شنّت السلطات حملة اعتقالات ومطاردات واسعة وكنت أنا بين من تم اعتقالهم في ذلك الوقت. وكان صدام والشيخلي وصلاح عمر العلي وعماد شبيب وحامد جواد بين الذين اعتقلوا أيضاً.

هرب ص

حسن العامري.. عبد الكريم الشيخلي.. وصدام حسين في السجن العام 1964

دام وعبد الكريم الشيخلي من السجن عبر صيدلية في منطقة السعدون. كانا يعودان عادة من المحكمة إلى المعتقل مخفورين لكنهما في هذا اليوم ادعيا أنهما بحاجة إلى شراء أدوية. دخلا الصيدلية مع بعض الحراس وفرّا عبر مدخل آخر وكانت سيارة في انتظارهما، واختفيا في أوكار حزبية إلى أن أصدر عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق حينذاك، الرجل الشريف، عفواً عنهما وعن غيرهما مما أفاد في تسريع عملية إعادة بناء الحزب وترميمه. وهكذا بدأ التفكير والحديث الأولي عن وسائل وإمكانية تغيير النظام في العراق عن طريق الانقلاب العسكري.

تخرجت من كلية الطب في صيف عام 1970 وغادرت العراق للسكن في لبنان في الشهر العاشر من عام 1971 مصمماً على الاتفاق مع آخرين لتعديل بعض مسارات الحزب من خلال تغيير القيادات وإعادة الحزب إلى وضعه الحقيقي. وكانت أسباب تركي العمل الحزبي كثيرة، أبرزها البدء بإلغاء الحريات داخل الحزب وخارجه، وكذلك التضييق الذي حصل ضدي وضد آخرين بسبب عدم قناعتي بما كان يحصل ورفضي الإجراءات التي اعتمدت للانفراد بالقرار، ما أدى إلى احتقان شديد مع بعض القادة، وفي مقدمهم صدام حسين التكريتي.

حين يغضب السيد النائب

يتابع علاوي: «كان الجفاء واضحاً خلال مكالمة هاتفية مع صدام بعد إعفاء الشيخلي وعماش من مواقعهما وقبول استقالة سمير نجم من قيادة الحزب. كلّمني صدام وأنا في كلية الطب، وكانت مكالمة مشحونة. أراد مني أن أتكلم ضد الشيخلي. وكنت اعترضت على ما جرى من تعليق للنظام الداخلي للحزب على إثر إبعاد الشيخلي وعماش اللذين كانا عضوين في القيادة القومية والقيادة القطرية وفي مجلس قيادة الثورة، وكذلك سمير نجم، وما رافق ذلك من توتر. أدى كل ذلك الشحن السياسي إلى أن يقوم بعض الأخوة في الحزب بنصيحتي بالسفر للتخصص. غادرت إلى لبنان ومنه إلى لندن».

كان بين الذين نصحوا علاوي بالمغادرة صديق له اسمه ناظم كزار، وهو عضو شهير في ما يُعرف بـ«نادي القساة»، خصوصاً حين تولى منصب مدير الأمن العام وحين حاول في 1973 اغتيال أحمد حسن البكر وصدّام حسين معاً في مطار بغداد احتجاجاً على ما عدّوه خروجاً على النهج الأساسي للحزب وسيطرة «فريق تكريت» على الحزب والدولة. تأخرت طائرة البكر في الوصول فتوهّم المتآمرون أن الخطة انكشفت. فرّ كزار مع رهائنه في اتجاه الحدود مع إيران لكن الجيش طارده واعتقله وتمت تصفيته سريعاً.

يقول علاوي: أُعدم كزار سريعاً. أطلقت النار على رأسه من الخلف. لم يستطع أحد أن يواجهه رغم أنه كان معتقلاً. إنه أكثر الرجال الذي التقيتهم جرأة. لا يعرف شيئاً اسمه الخوف. عملنا معاً في مكتب الطلبة في الحزب. جرأة بلا حدود والتزام مطلق بأهداف الحزب. كان عنيفاً مثل صدام. عنيف وقوي ونزيه. لا غبار أبداً على نزاهته. ذات يوم قال لي إن شقيقته تستعد لولادة صعبة ولا يملك المال اللازم لإدخالها إلى المستشفى. كان مديراً للأمن العام وأنا كنت طالباً في كلية الطب. سألته: «أليس لديك المبلغ اللازم؟»، فأجاب: «لا، والله». اتصلت بالأستاذ كمال السامرائي، وهو كان أستاذنا في الكلية ولديه مستشفى خاص اسمه «مستشفى السامرائي» وأبلغته بالأمر، فسألني: «هل يُعقل ألا يكون لديه المال؟». أجبته: «والله ليس لديه، أنا أعرف أنه رجل نزيه ولا يمد يده إلى مال ليس له». أدخلها السامرائي إلى المستشفى وأجرى لها الولادة ولم يأخذ منها مالاً. يمكن القول إن صدام وكزار أعنف رجلين عرفهما العراق لكن لم يكن المال موضع اهتمامهما.

عبد الكريم الشيخلي

سألت علاوي عما نُسج من روايات حول دور كزار في عمليات تعذيب رهيبة شهدها «قصر النهاية»، فأجاب: السمعة التي لطّخ بها ناظم كزار سمعة رهيبة. أنا سألت شيوعيين عن الأنباء عن ضلوع كزار شخصياً في عمليات تعذيب فلم أحصل على جواب مباشر. سألت عزيز محمد وعامر عبد الله وفخري كريم وهم كانوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي، فلم يتحدثوا عن معاينتهم دوراً شخصياً له. طبعاً كان ناظم معروفاً بلجوئه إلى العنف، مثل صدام.

مساء 16 يوليو (تموز) 1968، عاد إياد علاوي إلى العراق من لبنان منهكاً وحزيناً بعدما وارى والدته هناك. عرف ليلاً أن نهار الغد سيشهد محاولة انقلابية، فانضم إلى المشاركين فيها. في 17 يوليو، استسلم الرئيس عبد السلام عارف لقدره بعدما تأكد أن قائد الحرس الجمهوري عبد الرحمن الداود ونائب رئيس الاستخبارات العسكرية عبد الرزاق نايف اتفقا مع «البعث» على إطاحته.

قرأ صدام تجربة انتكاسة «البعث» في 1963، اتخذ قراراً بعدم الاطمئنان إلى العسكريين، وكذلك بعدم السماح بقيام تكتلات داخل الحزب. اختار الإقامة تحت عباءة «الأب القائد» أحمد حسن البكر، بانتظار استكمال إخضاع الحزب والجيش. تخلّص تباعاً من كل معترض أو معارض ومن كل من يزعم أنه شريك. زار ذات يوم منزل علاوي وعرض عليه منصب سفير العراق في بيروت، لكن الأخير اعتذر متذرعاً بالرغبة في استكمال تخصصه في مجال الطب.

غادر علاوي إلى لبنان ومنه إلى بريطانيا. في 1975 قطع علاقته تماماً مع الحزب واختار العمل من أجل تغيير النظام. نجا في 1978 من محاولة لاغتياله ونجا بعد سقوط نظام صدام عام 2003 وعودته إلى بغداد من محاولات لاغتياله، بينها تفجير رتبه تنظيم «القاعدة».

ختام الجلسة

سألت علاوي في ختام الجلسة عن السبب الذي جعل صدام يتقدم في الحزب ويستولي عليه، فأجاب: «سببان رئيسيان: السبب الأول جرأته الفائقة، والثاني وقوف أحمد حسن البكر معه. اعتقد البكر أن صدام حليفه في الجانب المدني من الحزب. لاحقاً شعر صدام بالسيطرة على الحزب فانقلب على البكر. حذّرنا الجميع باكراً، لكن ما حدث قد حدث. انزلاق صدام إلى الاعتماد على العنصر العائلي والتكريتي بدأ بعد شهرين من عودة (البعث) إلى السلطة».

قصة علاوي مهمة وطويلة وشائكة ولا تتسع لها حفنة صفحات. روايته تسلط الضوء على بعض ملامح تلك المرحلة خصوصاً أنه كان على علاقة مباشرة بأبرز اللاعبين في «نادي القساة».


مقالات ذات صلة

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

المشرق العربي من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي من اجتماع لـ«الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (وكالة الأنباء العراقية)

الزيدي يُحذّر «الإطار التنسيقي» من تبعات عدم حصر السلاح بيد الدولة

المتغير في طبيعة رؤية «قوى الإطار التنسيقي» لجهة وضع مدد زمنية بعيدة نسبياً لتسليم السلاح، حصل بعد اللقاء المنفرد الذي جمع الزيدي مع الرئيس دونالد ترمب.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد سفن راسية بالقرب من مضيق هرمز في 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

العراق: نقل مليوني برميل من النفط عبر مضيق هرمز

نقلت شركة «ناقلات النفط العراقية» (المملوكة للدولة) مليوني برميل من الخام العراقي على متن ناقلة نفط عملاقة (VLCC) عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

خاص «اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

احتفى مسؤولون كبار في العراق بـ«اليوم الوطني» 3 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يصادف استقلال البلاد من الانتداب البريطاني ودخولها عصبة الأمم عام 1932.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان» للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق في 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق: السماح بتسيير 40 رحلة إيرانية يومياً من وإلى مطار النجف

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ​إنه سيُسمح لشركات الطيران الإيرانية بتسيير 40 رحلة يومياً من مطار النجف الدولي وإليه باستثناء شركة «ماهان إير».


انتشار أمني يضبط التوتر في السقيلبية والسلطات تتعهد بفرض القانون

قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)
قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)
TT

انتشار أمني يضبط التوتر في السقيلبية والسلطات تتعهد بفرض القانون

قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)
قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)

تمكنت قوى الأمن الداخلي في محافظة حماة وسط سوريا من احتواء توتر أمني شهدته مدينة السقيلبية ليلة السبت ـ الأحد، بسبب مشاجرة نشبت بين شبان من المدينة وآخرين من مدينة قلعة المضيق المجاورة وكلاهما في سهل الغاب. وقالت مديرية إعلام حماة إنه تم «توقيف جميع المتورطين في المشاجرة، تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة».

وكانت السقيلبية قد شهدت، مساء السبت، مشاجرة بين شبان من قلعة المضيق وصاحب محل إثر مشادة كلامية تدخل بعدها شبان من السقيلبية لمساندة صاحب المحل، وقاموا بمهاجمة مقهى في المدينة تعود ملكيته إلى أحد أبناء قلعة المضيق.

وفي ردة فعل مقابلة، توجهت «فزعة» من شبان يركبون دراجات نارية ومزودين بسلاح فردي، إلى سوق السقيلبية، وقاموا بتكسير المحلات وإطلاق نار للترهيب أدى إلى إصابة امرأة بجروح سطحية، لتتدخل بعدها قوى الأمن الداخلي لوقف التوتر وفرض الهدوء. حسب مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وانتشرت، صباح الأحد، قوى الأمن في مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية، مع إرسال تعزيزات أمنية إلى قلعة المضيق المجاورة وتنفيذ عملية أمنية لتوقيف المشتبه في مشاركتهم في الهجوم.

مصادر في قلعة المضيق قالت لـ«الشرق الأوسط» إن مساعي أهلية تبذل بالتعاون مع السلطات الأمنية لاحتواء التوتر والبحث عن حلول لوضع حد لتكرار هذه الحوادث، مشيرة إلى استدعاء قوى الأمن عدداً من المشتبه بهم للتحقيق معهم، وقالت المصادر، التي تحفظت عن ذكر اسمها، إن العلاقة بين أهالي المدينتين تاريخياً «ممتازة جداً»، إلا أن الاحتكاكات يسببها شبان يجهلون عادات وتقاليد أهل السقيلبية.

ودعت المصادر إلى إيجاد حل لـ«شارع المشوار»، وهو شارع رئيسي في السقيلبية يستقطب الشباب من الطرفين، لافتة إلى أنه «في الوضع السوري من السهل تحول أي مشاجرة عادية إلى حدث أمني»، لأن حملات التحريض المتواصلة تجعل الظروف دائماً مهيئة لتفجير احتقان كبير خلّفته سياسات النظام السابق خلال سنوات الثورة الشعبية، حين كان يستخدم مناطق الأقليات لتمركز قواته ومنطلقاً لمنصات إطلاق النار تجاه المناطق الثائرة.

ويعد شارع «المشوار» في السقيلبية مكاناً لتجمع المقاهي وأماكن الترفيه تقصده العائلات مساءً، وشهد خلال الفترات الماضية حالات تحرش بالشابات من قبل وافدين من مناطق أخرى أدت إلى إشعال التوترات، أبرزها في 28 مارس (آذار) 2026.

وأفادت مديرية إعلام حماة بانتشار قوى الأمن الداخلي في المدينتين لضبط الأوضاع ومنع أي تجاوزات، داعية الأهالي إلى الاعتماد على المعلومات الصادرة عن المصادر الرسمية، وعدم «الانجرار خلف الشائعات أو المنشورات المغرضة التي تستهدف زعزعة السلم الأهلي».

والتقى عدد من أهالي السقيلبية الأحد مع مدير منطقة الغاب بريف حماة، محمد العتال، للبحث في إجراءات للتهدئة وإيجاد حلول، وقال منذر حنا خلوف لـ«الشرق الأوسط» إنهم طلبوا من مدير المنطقة التشدد في تطبيق القانون لمنع تكرار الحوادث، مع الإقرار بأن الشبان من «أبناء السقيلبية» بالغوا في رد فعلهم ولجوئهم إلى العنف بعد المشادة التي حصلت ليل السبت، وكان عليهم اللجوء إلى قوى الأمن قبل استخدام العنف.

وتابع أن ذلك لا يبرر هجوم المسلحين من قلعة المضيق وترويع المدنيين، حسب رأيه، مضيفاً أنهم تلقوا وعداً من مدير المنطقة بوضع حد للتجاوزات ومحاسبة المذنبين أياً كانوا. لافتاً إلى أنه تم فوراً توقيف 3 شبان من السقيلبية وشابين من قلعة المضيق مع متابعة ملاحقة كل المشتبه بهم».

وأرجع خلوف تكرار حوادث الانفلات الأمني إلى عدة أسباب، منها فوضى انتشار السلاح والتحريض المنتشر ضمن مجموعات «الواتس آب» المغلقة، وبينها مجموعات تدار من الخارج، إضافة إلى تفشي الجهل والبطالة في أوساط شباب «ثائر» سرعان ما يتحول حماسه إلى قنابل موقوتة تهدد الاستقرار المجتمعي، مؤكداً أن الحل هو فرض القانون دون تراخي، لأن الوسائل التقليدية «تبويس الشوارب» التي تستخدمها السلطة والوجهاء لم تعد تنفع لمنع تكرار التجاوزات.

من جهته، أدان الأب فادي سنكري، في منشور عبر «فيسبوك»، ما تعرض له أبناء رعيته في السقيلبية، وقال إن المسيحيين في سوريا «لا يريدون الفوضى أو الانتقام، لكننا لا نقبل أن يعيش أبناؤنا تحت الخوف أو أن تتكرر مأساة الخراب التي عرفناها من قبل».

وشدد رجل الدين المسيحي على أن «السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون بديلاً عن دولة القانون»، مؤكداً أن المطالب هي الأمن والعدالة، لا الثأر.

كما دعا أبناء الرعية إلى «عدم الانجرار إلى العنف، منعاً لإراقة دماء لا تعمر بيتاً ولا تحمي مستقبلاً».


إسرائيل تستكمل مشروع «سوفا 53» جنوب القنيطرة.... بالاستيلاء على آلاف الدونمات الزراعية

جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)
جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)
TT

إسرائيل تستكمل مشروع «سوفا 53» جنوب القنيطرة.... بالاستيلاء على آلاف الدونمات الزراعية

جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)
جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)

بدأت القوات الإسرائيلية، الاثنين، العمل بمشروع خط «سوفا 53» في أراضي القطاع الجنوبي من ريف محافظة القنيطرة الواقعة في المنطقة العازلة السورية المحاذية للجولان المحتل، بعد أن أنجزته في القطاعين الشمالي والأوسط، واستولت على آلاف الدونمات الزراعية.

يأتي ذلك في سياق تصعيد الاحتلال من اعتداءاته وتوغلاته وانتهاكاته للأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا المشرفة على خط وقف إطلاق النار، والتي رفعت من وتيرتها، وباتت شبه يومية منذ إسقاط النظام السابق، أواخر عام 2024.

وذكر مصدر حكومي في القطاع الجنوبي من محافظة القنيطرة أن آليات تتبع لقوات الاحتلال بدأت صباح اليوم عمليات الحفر في المنطقة الواقعة غرب قرية العشة التابعة لمنطقة الرفيد، وكذلك في ما يعرف بـ«نقطة الـ80» التابعة لقوات الأمم المتحدة «الأندوف» المكلفة بمراقبة خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وذلك في إطار استكمال تنفيذ مشروع خط «سوفا 53».

وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن تنفيذ خط «سوفا 53» في القطاع الجنوبي من القنيطرة، ويضم عدداً كبيراً من القرى، بينها (المعلقة، المشيدة، الزعرورة، والرمثنانية، والرزانية، وأبو مذراة، وعين القاضي، والعشة)، سينجم عنه استيلاء الاحتلال على أكثر من 1000 دونم من أراضي الأهالي الزراعية، ومن ثم قطع مصدر رزقهم.

أدانت وزارة الخارجية السورية، في بيان، الأحد، الانتهاكات المتواصلة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأراضي السورية، وآخرها استكمال العمل في ما يسمى «خط سوفا 53»، معتبرة ذلك خرقاً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974 وانتهاكاً لقرارات الشرعية الدولية.

وأكدت أن استمرار النهج العدواني للاحتلال الإسرائيلي، وما يرافقه من اعتداءات وتوغلات ميدانية، يمثل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليميين، ويقوّض أحكام القانون الدولي. وطالبت الوزارة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات رادعة تضع حداً لهذه الممارسات، وتمنع تكرارها. وجددت سوريا تأكيد تمسكها بحقها المشروع في ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها كافة، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في صون سيادة الدول واحترام حرمة حدودها.

سقوط قذائف إسرائيلية على حظيرة مواشٍ في بلدة عابدين في سبتمبر الماضي (القنيطرة الآن)

مشروع خط «سوفا 53»

يأتي البدء بتنفيذ مشروع خط «سوفا 53» في أراضي القطاع الجنوبي من ريف القنيطرة، بعد أن استكمل الاحتلال الإسرائيلي المشروع في القطاعين الشمالي والأوسط من المحافظة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.

وبحسب مصادر محلية، نجم عن تنفيذ المشروع في بلدة بئر عجم وقرى رويحينة وزبيدة وبريقه في القطاع الأوسط، استيلاء الاحتلال على 4 آلاف دونم من ملكيات الأهالي، بينما تم الاستيلاء على 8- 10 آلاف دونم من أراضي بلدة جباثا الخشب وحدها في القطاع الشمالي.

في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بيّن مدير مديرية الإعلام في القنيطرة، محمد السعيد، أن مشروع خط «سوفا 53» يهدف من ورائه الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض أمر واقع، وتغيير المعالم الجغرافية والأمنية في المنطقة العازلة السورية المحاذية لخط فك الاشتباك.

ورأى السعيد أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا وارتفاع وتيرته أمر «ليس استثنائياً»، موضحاً أن الاحتلال ومنذ تحرير سوريا من النظام السابق قبل نحو عامين، صعّد من توغلاته وانتهاكاته للأراضي السورية. ورأى أن التصعيد الحالي الذي تقوم به قوات الاحتلال قد يكون مرتبطاً بالانتخابات الإسرائيلية القادمة، أو فرض وقائع جديدة على الأرض، او تغيير قواعد الاشتباك من أجل تغيير قواعد المفاوضات وقواعد اتفاق عام 1974.

للعلم، بدأ الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ مشروع خط «سوفا 53» في منتصف عام 2022 داخل المنطقة العازلة في الجانب السوري، وهو محاذٍ لخط فك الاشتباك الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاقية عام 1974. ويمتد الخط على طول 70 كيلومتراً من أطراف بلدة حضر باتجاه قرى جباثا الخشب، الحميدية في ريف القنيطرة الشمالي، القحطانية، رويحينة، بئر عجم، بريقة في الريف الأوسط، والعشة جنوب المحافظة، وصولاً إلى منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي.

طفل يتابع جنوداً إسرائيليين ينفذون دورية في بلدة جباثا الخشب السورية بالمنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة بمرتفعات الجولان المحتلة في 20 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

يقوم المشروع على شق طريق بعرض 8 أمتار، محصَّن بسواتر ترابية يبلغ ارتفاعها 5 أمتار، ومزوَّد بنقاط مراقبة وخنادق على طول مساره، وذلك بحجة منع أي تهديد محتمل من إيران وأذرعها في المنطقة، وفق ما أوردته مصادر إعلامية إسرائيلية.

صحافي من سكان القنيطرة، أوضح أن عمل الاحتلال الإسرائيلي على استكمال تنفيذ ما يسميه خط «سوفا 53» في منطقة الرفيد يأتي في سياق انتهاكاته المستمرة للأراضي السورية منذ إسقاط النظام السابق، والتي يهدف من ورائها إلى تصعيد الضغط على الحكومة السورية من أجل توقيع اتفاق أمني مع دمشق وفق الرؤية الإسرائيلية، والتغاضي مستقبلاً عن قضية الجولان المحتل.

وأوضح الصحافي، الذي تحفَّظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية لـ«الشرق الأوسط»، أن ما تقوم به إسرائيل يهدف أيضاً إلى التضييق على الأهالي، إذ إن هذا المشروع سيحرم رعاة الماشية من رعي قطعانهم والمزارعين من أراضيهم، في سياسة ترمي من ورائها إلى إفراغ المنطقة من السكان.


إجراءات لوجستية للجيش الإسرائيلي لتثبيت احتلال جنوب لبنان

جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
TT

إجراءات لوجستية للجيش الإسرائيلي لتثبيت احتلال جنوب لبنان

جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

يمهد الجيش الإسرائيلي لبقاء طويل الأمد عبر إجراءات لوجستية داخل الأراضي اللبنانية تتضمن مواقع محصنة وشبكة طرقات، إضافة إلى توسعة المناطق المحروقة في جنوب لبنان الواقعة شمال «الخط الأصفر».

وتوسعت مروحة القصف في عمق لبنان، إلى وادي زبقين في القطاع الغربي، ومحيط بلدة ميفدون في القطاع الشرقي، في مؤشر على زيادة مساحة المناطق الخالية من السكان، وفقاً لما تقوله مصادر محلية في الجنوب، ويتم ذلك «عبر التمشيط بالرصاص والقصف بالمدفعية والغارات الجوية والتحليق بالمسيرات».

وتعود هذه التوسعة إلى تحديات عملياتية تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتتصدرها المسيّرات المفخخة الموجّهة بالألياف البصرية. وذكر موقع «واينت» في تقرير أن الجيش الإسرائيلي لم يتوصّل بعد إلى حلّ شامل للتعامل مع تلك المسيرات، فيما يختبر أنظمة مختلفة ويركّز على الحماية والكشف المبكر والإنذار.

تجهيزات لوجستية

ولا تعكس الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي أي مؤشرات على أن قواته ستنسحب من جنوب لبنان في المدى المنظور. وتحدث «واينت» عن أن الجيش الإسرائيلي «يقوم بتجهيز مواقع محصّنة وتحسين طرق الوصول إليها، رغم انتهاء مهمة لواء المظليين الاحتياط الـ55 وتسليم مواقعه إلى قوات بديلة.

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

وبحسب التقرير، أنهى اللواء نحو 100 يوماً من التعبئة، بينها 80 يوماً من العمليات في لبنان، تركزت في المنطقة الممتدة بين الحدود وما يسميه الجيش الإسرائيلي «الخط الأصفر»، وصولاً إلى عمق يبلغ نحو 12 كيلومتراً.

وذكر «واينت» أن قوات من لواء «بيسلاماخ» وكتيبة «غيفن» التابعة لدورة الضباط تحلّ محل اللواء الـ55، وتنفّذ تدريبات وتحسّن مواقع تتيح لها المراقبة والسيطرة بالنيران على مناطق في العمق.

ونقل الموقع عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن الجنود سيقيمون خلال الشتاء في مجمّعات محمية داخل القرى، بعدما جُهّزت المباني خلال الصيف بمولّدات كهربائية ومكيّفات ومرافق صحية، إلى جانب إعداد طرق التنقّل مسبقاً.

وأشار التقرير إلى مخاوف إسرائيلية من أن يؤدّي الاقتصار على تأمين خط الانتشار إلى تراجع الجاهزية وزيادة احتمالات استهداف القوات الموجودة في جنوب لبنان.

الخط الثاني من القرى

إلى جانب التجهيزات في مواقع عسكرية ثابتة استحدثها الجيش الإسرائيلي منذ مايو (أيار) المقبل، وصل عددها إلى 17 موقعاً جديداً، حسبما قالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط»، يوسّع الجيش الإسرائيلي دائرة النار إلى الخط الثاني من القرى المحاذية بـ«الخط الأصفر»، بغرض تحويلها إلى مناطق خالية من السكان، وتحويلها إلى مناطق خطرة.

جنود إسرائيليون يتجولون في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

وقالت مصادر محلية إن الجيش الإسرائيلي «كثّف في الأيام الماضية عمليات التمشيط والقصف المدفعي» إلى جانب التحليق المتواصل للمسيرات. وأوضحت أن القصف «يطول أطراف قرى الخط الثاني من الحدود مثل وادي زبقين في القطاع الغربي، وبلدة ميفدون الواقعة جنوب شرقي مدينة النبطية»، وهي بلدة لا يزال سكانها يقيمون فيها، وعاد إليها بعض النازحين منها في الأشهر الثلاثة الماضية.

غارات وقصف مدفعي

إلى ذلك، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية، بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارة على بلدة كفرتبنيت، بعدما تعرضت المنطقة الواقعة بين بلدتي أرنون وكفرتبنيت لقصف مدفعي. كما تعرض محيط المدرسة الرسمية في حارة البيدر ببلدة ميفدون ودوحة كفررمان لقصف مدفعي إسرائيلي، وصفته الوكالة بأنه «عنيف ومركز»، وطال كذلك أطراف بلدتي حاريص وحداثا في القطاع الأوسط. واستهدفت دبابة ميركافا بلدة حولا بعدد من القذائف، كما تعرضت أطراف بلدة شقرا في قضاء بنت جبيل لقصف إسرائيلي.

واستهدف القصف المدفعي حرش كونين، وهزّت سلسلة غارات كفرتبنيت ووادي الحجير، سمعت أصداؤها في مدينة صيدا وجوارها.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

في القطاع الغربي، تعرّضت بلدة المنصوري لقصف مدفعي متقطع من الجيش الإسرائيلي في البياضة وطير حرفا جنوب صور. وامتد القصف إلى وادي حسن عند أطراف مجدل زون. ونفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً عنيفاً في المنصوري، وصلت أصداؤه إلى جبل لبنان، سبقه تفجير عند أطراف بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل. كما أفيد بانفجار جسم مشبوه من مخلّفات العدوان الإسرائيلي عند ٲطراف بلدة صريفا.

إصابات بين الجنود الإسرائيليين

في غضون ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن ضابطاً وجندياً نظامياً أصيبا في بلدة مجدل زون في جنوب لبنان، الجمعة، «بعد إلقاء قنبلة بصورة غير سليمة»، ووصفت جراح الجندي بأنها خطيرة وجراح الضابط متوسطة.

ونُقل الجندي والضابط إلى مستشفى «رامبام» في حيفا، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه يحقق في ظروف الحدث.

كذلك أصيب الجمعة 8 جنود إسرائيليين في «حادث منفصل» في جنوب لبنان. وحسب الجيش الإسرائيلي، فإنه نجم عن اصطدام مركبتين، ونُقل الجنود إلى مستشفى، وفتح الجيش الإسرائيلي تحقيقاً في هذا «الحادث».